وهـم الأمـان كـاملة
وهـم الأمـان كـاملة
في الليلة التي انهار فيها زواجي تماماً، كنتُ أقف حافية القدمين في مطبخنا الهادئ بالمعادي، أقطع الجزر من أجل شوربة الخضار، بينما كان مطر الشتاء الخفيف ينقر على زجاج النافذة المطلة على حديقتنا الصغيرة. رائحة المطبخ كانت مزيجاً من الزعتر، والثوم المشوي، والبصل الذي يتشوح في الزبدة؛ تلك الرائحة التي تمنح الزوجات عادةً إحساساً كاذباً بالأمان، وكأن جدران البيت ستحميهن للأبد. بقلم مني السيد.
ثم، وبكل بساطة، هدم زوجي كل شيء بين نَفَسٍ وآخره.
هبة هتنقل حاجتها هنا بكرة.. قالها هشام وهو يتكئ ببرود على رخامة المطبخ. متوفرة على روايات و اقتباسات ظلت السکين تتحرك فوق الجزر بشكل آلي، لأن جسدي لم يستوعب بعد
الکاړثة التي التقطتها أذناي.
خبطة..متوفرة على روايات و اقتباسات
تليها خبطة. بخار الماء كان يتصاعد من الحلة التي تغلي على البوتاجاز، بينما صوت رعد بعيد يتردد خلف تلال المقطم. لم ألتفت إليه فوراً، لأن غريزتي حذرتني من أنني بمجرد أن أنظر في عينيه، سيتحطم شيء ما بداخلي إلى الأبد متوفرة على روايات و اقتباسات
كان هشام يقف مرتدياً البلوفر الكشمير الرمادي الذي اشتريته له في عيد ميلاده منذ عامين. كان يبدو أنيقاً ومنمقاً، تلك الأناقة التي يظهر بها الرجال المتزوجون فقط عندما يحاولون إبهار امرأة أخرى لم ترهُ قط وهو يتصبب عرقاً من الحمى في الثالثة فجراً، بينما تضع له زوجته كمادات باردة على عنقه.
بقلم مني السيد.
إنتي سمعتيني؟ سألني بحذر.
وضعت جزرة أخرى تحت السکين.
سمعتك.
ارتاح وجهه فوراً وتلاشت نبرة القلق.
وكانت راحة وجهه تلك هي أول خطيئة لا تُغتفر متوفرة على روايات و اقتباسات تابع كلامه بنعومة مفيش داعي للذعر أو إننا نجري على محامين ونعمل شوشرة.. الحقيقة يا ريهام، الموضوع ممكن يمشى ب شياكة لو كل الأطراف اتصرفت بعقل ونضج.
توقفتُ عن التقطيع لحظة.
لم تكن وقفة درامية.
فقط، وقفة سمحتُ فيها للصمت أن يلاحظ وجودنا.
ثم عادت السکين لټرتطم باللوح الخشبي بنفس الإيقاع.
يعني إيه كل الأطراف بالضبط؟ سألتُ بهدوء.
ابتسم هشام ابتسامة خفيفة، وكأنه مندهش لأنني أحتاج لتوضيح الواضح.
أنا.. وإنتي.. وهبة.
هكذا،
وببساطة.
لم يقلها همساً بخجل.
لم يختبئ خلف أعذار.
لقد وضع عشيقته في قلب مطبخي بمنتهى البرود، وكأنه يناقش حجز مائدة في مطعم ليلة الجمعة.
بدأت الشوربة تغلي بقوة خلفي.
جففتُ يدي ببطء قبل أن أستدير إليه أخيراً.
كان هشام ينظر إليّ وكأنه فخور بعبقريته.
ظروف شقتها بقت صعبة فجأة، هكذا برر الأمر، وأكمل وبصراحة، بعد كل اللي عيشناه سوا، كنت فاكر إننا كبرنا وبقينا مودرن كفاية عشان نتجنب دراما الطلاق ومشاكل المحاكم البايخة.
وضعتُ السکين على الرخامة ببطء شديد، لدرجة أنني خشيت أن يسمع هشام دقات قلبي التي كانت تقرع كطبل حربي خلف قفصي الصدري. كانت عيناه تلتمعان ببرود غريب، كأنه يتحدث عن قطعة أثاث جديدة قرر إضافتها
لغرفة المعيشة، وليس
عن امرأة ډمرت طمأنينة بيتي.
شياكة؟ رددتُ الكلمة خلفه وأنا أتذوق مرارتها. أنت عايزني أفتح بيتي ل هبة عشان نعيش في تبات ونبات؟
هز كتفيه وكأنه يعرض عليّ صفقة تجارية رابحة يا ريهام، البيت كبير، وانتي كدة كدة بتقضي معظم وقتك في المرسم اللي في الجنينة. هي هتاخد الجناح اللي فوق، وإحنا هنفضل أصحاب، وقدام الناس إحنا لسه عيلة المعادي المثالية.. مفيش داعي نهد المعبد على دماغنا.
عدتُ بظهري إلى البوتاجاز، وأمسكتُ بملعقة خشبية لأقلب الشوربة. كان البخار يلفح وجهي، لكنه لم يكن أدفأ من الڼار التي كانت تشتعل في عروقي. ما لم يعرفه هشام، وهو يراقب ظهري المنحني وهدوئي الخادع، أنني لم أكن
تلك الزوجة المکسورة التي يتخيلها.
لم يكن يعلم أنني منذ ستة أشهر، وتحديداً منذ الليلة التي وجدتُ فيها فاتورة عقد ألماس في جيب جاكيت بذلته لا يخصني، بدأتُ رحلتي الخاصة.
كنتُ قد أفرغتُ بصمت حساب التوفير المشترك الذي كان يظنه ينمو، وحولته إلى حساب ذهبي باسم والدتي في بنك القاهرة. كنتُ قد تواصلتُ مع محامية خبيرة في قضايا الأحوال الشخصية، وبدأتُ أجمع تسجيلات وصوراً وفواتير، ليس فقط لخيانته، بل لتلاعبه المالي بشركة المقاولات التي يديرها باسمي جزئياً.
والأهم من ذلك.. المرسم.
ذلك الكوخ الخشبي الأنيق في نهاية الحديقة، الذي ظن هشام أنه سيكون مسكناً لعشيقته هبة بكرة، لم يعد ملكاً
له أصلاً. كنتُ قد بعتُ نصيبي في الأرض لأخي قبل أسبوع واحد فقط بعقد مسجل، مقابل أن يمنحني حق الانتفاع بالبيت لفترة محددة، مما جعل وضع أي شخص غريب فيه تعدياً على ملكية خاصة يعاقب عليه القانون.
ريهام؟ رحتي فين؟ سأل هشام وهو يقترب مني، محاولاً وضع يده على كتفي بلمسة اعتاد أن يهدئني بها.
تنحيتُ جانباً ببراعة، وأنا أصب الشوربة في طبق عميق. أنا معاك يا هشام. وفعلاً، مفيش داعي للدراما.. الأكل جاهز، تحب نغرف لهبة معانا ولا لسه موصلتش؟
اتسعت عيناه بدهشة. كان يتوقع صراخاً، تحطيماً للأطباق، ربما نوبة بكاء هستيرية. لكنني قدمتُ له طبق الشوربة بابتسامة باهتة لا تصل لعينيك.
هبة هتيجي
بكرة الصبح، قال بنبرة مشوبة بالشك. أنا بجد فخور بيكي يا ريهام.. كنت عارف إنك ست عاقلة وبنت أصول. بقلم مني السيد
جلستُ أمامه على مائدة المطبخ، وبدأتُ أرتشف الشوربة ببطء. بنت أصول طبعاً يا حبيبي.. لدرجة إنك مش هتتخيلها.
في تلك الليلة، نام هشام بعمق، ربما لأول مرة منذ شهور، ظناً منه أنه انتصر، وأنني أصبحتُ الزوجة المطيعة التي ستقبل بالضرة في مقابل الحفاظ على المظاهر. أما أنا، فبقيتُ مستيقظة في الظلام، أراقب انعكاس ضوء الشارع على سقف الغرفة متوفرة على روايات و اقتباسات
في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق شمس المعادي، كانت هناك سيارة نقل عفش صغيرة تقف أمام البوابة.
نزلت منها هبة،
بملابسها الضيقة ونظاراتها الشمسية الضخمة، كأنها بطلة في فيلم سينمائي رخيص.
خرج هشام لاستقبالها بضحكة واسعة، والټفت إليّ وهو يشير للعمال نزلو الحاجة وودوها على المرسم يا رجالة، المدام ريهام معاها المفتاح.
خرجتُ إليهم وأنا أرتدي عباءتي السوداء الأنيقة، وفي يدي فنجان قهوتي. لم تكن في يدي مفاتيح، بل كان في يدي محضر رسمي من قسم الشرطة، وخلفي مباشرة كانت تقف سيارة بوكس تابعة لشرطة النجدة، ترجل منها ضابط كنت قد اتفقت معه مسبقاً بناءً على بلاغ اقټحام ملكية خاصة.
تسمر هشام في مكانه. تلاشت الابتسامة عن وجهه وحلت محلها صفرة المۏت.
ريهام.. إيه ده؟ إيه اللي بيحصل؟
أخذتُ رشفة
من قهوتي، ونظرتُ إلى هبة التي كانت ترتجف خلفه، ثم قلتُ بهدوء قاټل
أصلك نسيت حاجة مهمة يا هشام وأنت بتخطط ل الشياكة بتاعتك.. المرسم ده مبقاش ملكك، والبيت ده من اللحظة دي عليه قرار تمكين ليا لوحدي لأنك حاولت تدخل طرف غريب يسكن فيه بدون رضا الزوجة، وده بيعتبر إضرار نفسي ومادي جسيم.
اقتربتُ منه حتى صرتُ على بُعد إنش واحد من وجهه، وههمستُ بلهجة مصرية قحة خالية من أي رقة
أنا عملت لك شوربة الخضار بليل عشان تدفي قلبك يا حبيبي.. عشان من النهاردة، هتنام أنت والست هبة في الشارع، أو في أقرب لوكاندة، لحد ما المحامين بتوعي يخلصوا عليك في المحاكم.. البيت ده بيتي، وحياتك اللي فاتت
انتهت مع أول جزرة قطعتها بليل.
تركتهما والذهول يعقد لسانيهما، ودخلتُ إلى مطبخي، أغلقتُ الباب بالمفتاح، ووقفتُ حافية القدمين مرة أخرى، لكن هذه المرة.. لم أكن أصنع الشوربة، كنتُ أصنع مستقبلاً لا مكان فيه للخونة.
لم يتحرك هشام من مكانه لعدة دقائق، ظل واقفاً وسط الحديقة بين هبة التي كانت تصرخ في عمال النقل ليوقفوا تنزيل الحقائب، وبين الضابط الذي كان يراجع الأوراق بصرامة.
نظرتُ إليهم من خلف زجاج نافذة المطبخ، نفس النافذة التي كنت أراقب منها المطر بالأمس. كان المنظر يشفي غليلي؛ هشام البرنس الأنيق، صاحب العلاقات والشركات، يقف الآن ب ترينج بيتي، يحاول أن يشرح للضابط أن هناك
سوء تفاهم، بينما الضابط يشير له ببرود إلى بوابة الفيلا.
فتحتُ النافذة قليلاً، وناديتُ بصوتٍ عالٍ وواضح
يا سيادة الضابط.. يا ريت بس يخلصوا بسرعة عشان عندي موعد مع شركة التنظيف، البيت محتاج يتطهر من الروائح اللي كانت فيه.
التفتت لي هبة ووجهها محتقن باللون الأحمر، وصاحت بوقاحة
إنتي فاكرة نفسك عملتي إيه يا ريهام؟ دي شيلة عيل، وهشام هيرجع حقه وحقي تالت ومتلت، والفيلا دي أنا اللي هسكن فيها في الآخر!
ابتسمتُ لها ببرود وأنا أرفع فنجان القهوة
يا حبيبتي، البيت اللي إنتي واقفة قدامه ده، هشام مضى عليه تنازل قانوني من سنتين لما كان بيحاول يهرب من ضرايب شركة المقاولات وكتبه باسمي
عشان يأمن نفسه..
هو أمن نفسه فعلاً، بس مكنش يعرف إنه بيأمني أنا من غدره.
صعق الخبر هشام وكأنه تلقى لطمة على وجهه. نظر إليّ بذهول، وكأنه يكتشف لأول مرة أن ريهام الهادئة، التي كانت تكتفي بالقراءة والرسم، كانت تدرس كل ثغرة في حياته القانونية.
انصرفت سيارة النجدة بعد أن أجبرت العمال على إعادة الحقائب إلى السيارة، واضطر هشام وهبة لركوب سيارته والرحيل تحت نظرات الجيران الفضولية في المربع السكني الراقي بالمعادي.
الهدوء الذي يسبق العاصفة القانونية
بمجرد أن اختفت سيارتهم عن الأنظار، لم أنهر. لم أبكِ.
دخلتُ إلى المكتب، وسحبتُ الملف الأزرق الذي كنت أخبئه داخل تجويف سري خلف لوحة زيتية في المرسم. هذا الملف كان يحتوي على القنبلة الحقيقية. حكايات مني السيد
هشام
لم يكن مجرد خائڼ، كان فهلوي في عمله. وبحكم أنني كنت شريكته الصورية في بعض الأوراق، كان يظن أنني لا أفهم في الحسابات. لكنني كنت قد استعنت بمحاسب قانوني صديق قديم للعائلة قام بتحليل كل التحويلات البنكية التي قام بها هشام لحسابات هبة تحت مسمى استشارات هندسية وهمية.
اتصلت بمحاميتي، الأستاذة عزة
أيوه يا عزة.. المرحلة الأولى تمت بنجاح. هجّجتهم من البيت.
برافو يا ريهام، بس خلي بالك، هشام مش هيسكت، ده ديناصور جريح دلوقتي.
خليه يجرّح في نفسه يا عزة.. أنا دلوقتي هبعتلك صور التحويلات البنكية، وعقد التنازل عن نصيبه في شركة المعمار اللي مضاهولي وقت أزمة القرض.. أنا مش عايزة طلاق وبس، أنا عايزة تجريف لكل اللي بناه على قفايا.
المواجهة الأخيرة
بعد يومين،
جاءني هشام. لم يأتِ هذه المرة بالبلوفر الكشمير، بل جاء ببدلة العمل، يحاول استعادة وقاره المفقود. طلب أن نتحدث بهدوء في كافيه عام.
جلس أمامي، وكان يحاول أن يبتلع غضبه
ريهام، إحنا عشرة عمر. اللي عملتيه فيّ قدام الناس ده عيب في حقك قبل ما يكون في حقي. خلينا ننهي الموضوع ودي.. خدي البيت، وخدي مبلع محترم، ونتطلق بهدوء، وسيبي لي الشركة والمعدات، دي شقا عمري.
نظرتُ إليه مطولاً، ثم أخرجتُ من حقيبتي ورقة صغيرة مطوية
شقا عمرك؟ تقصد الفلوس اللي كنت بتسحبها من حسابات الشركة عشان تجيب شاليه الساحل باسم هبة؟ ولا تقصد التهرب الضريبي اللي لو الورقة دي وصلت لمصلحة الضرائب، مش هتشوف الشمس قبل عشر سنين؟
شحب لونه تماماً، وبدأ يتلعثم
إنتي.. إنتي بتنقلي أسرارنا
للمحاكم؟
قلتُ له بنبرة خفيضة تشبه فحيح الأفعى
إنت اللي دخلت أسرارنا المطبخ يا هشام.. إنت اللي بدأت لما فكرت إن الست اللي بتطبخ لك وتراعي بيتك هي مجرد ديكور ملوش عقل. أنا مش بس هاخد الشركة، أنا هاخد كل مليم دفعته لهبة من فلوسي وفلوس عيالي، وهسيبك تبدأ من الصفر.. زي ما بدأت معاك بالظبط.
قمتُ من مقعدي، وضعتُ ثمن القهوة على الطاولة ب شياكة كما كان يحب أن يقول، وقلتُ له جملتي الأخيرة
الشوربة كانت محتاجة ملح يا هشام.. زي حياتك بالظبط، ناقصها أصل.
خرجتُ إلى شمس القاهرة الدافئة، شعرتُ لأول مرة منذ سنوات أن الهواء يدخل رئتيّ بنقاء. لم تكن مجرد نهاية زواج، كانت ولادة امرأة عرفت كيف تحول المطبخ من سجن إلى غرفة عمليات لإدارة معركة استرداد الكرامة.


تعليقات
إرسال تعليق