أنا قضيت سنتين في السجن مكان أخويا.
أنا قضيت سنتين في السجن مكان أخويا.
سمعت "لوسي" وهي بتقولها من ورا الباب قبل حتى ما أخبط: "واحدة رد سجون مش هتعيش في البيت ده!"
وقفت مكاني قدام باب بيتنا القديم، البيت اللي كبرت فيه وضاعت فيه أحلى سنين عمري. سنتين كاملين كنت بحلم باللحظة دي وأنا على برش السجن.. كنت بحلم بريحة قهوة أمي، وبابا وهو بيقولي "يا بنتي"، وبحضن أخويا "دييجو" كأن الكابوس خلص.. بس اللي كان مستنيني ورا الباب ده مكنش حب، كان غدر وكسرة نفس مكنتش أتخيلها في أكتر كوابيسي رعباً.
أنا قضيت سنتين في السجن مكان أخويا.. هو ومراته الحامل هما اللي عملوا الحادثة وهما سكرانين، بس أهلي ركعوا تحت رجلي وباسوا إيدي عشان أشيل الشيلة مكانهم: "أخوكي قلبه ضعيف.. لوسي لسه عروسة وحامل.. إنتي قوية وهتتحملي، وأول ما تخرجي هنشيلك فوق راسنا ونعوضك." صدقتهم.. للأسف صدقت كل كلمة، ومكنتش أعرف إنهم بيجهزوا لي السكين اللي هيذبحوني بيها أول ما أشم نَسيم الحرية.
خبطت على الباب وإيدي بتترعش، أمي فتحت وهي بتمثل المفاجأة بأداء رديء، ولوسي ظهرت وراها ومعاها بخاخة كحول ورشت عليا من فوق لتحت وهي كاتمة مناخيرها: "متزعليش.. ده بس عشان نطلع طاقة السجن منك!" دخلت لقيت أوضتي اتمسحت، حاجتي وذكرياتي وكل ممتلكاتي اترمت في الزبالة عشان يجهزوا أوضة للبيبي، وأمي رمت لي ٢٠٠ دولار وقالت لي بمنتهى الجحود: "روحي شوفي لك أي لوكاندة.. إنتي كبرتي خلاص ومبقتيش تنفعينا."
يا ترى إيه اللي إيزابيلا مخبياه في تسجيلاتها وهيخلي دييجو
ولوسي يتمنوا لو كانوا دخلوا السجن بنفسهم؟ وإيه "السر" اللي أمها نسيته تماماً وهيكون هو القاضية اللي هتهد البيت فوق نفوذهم؟ وهل "المحامي مراد" هيقدر يرجع حق المظلومة اللي ضحت بكل حاجة عشان عيلة باعتها بأرخص تمن؟
إيزابيلا نزلت السلم ببطء وهي ماسكة الشنطة الصغيرة اللي خرجت بيها من السجن. المطر كان نازل خفيف، والشارع قدام البيت اللي ضحت عشانه طول عمرها بقى غريب عنها… كأنها عمرها ما عاشت فيه.
وراء الستارة، كانت شايفة أمها بتقفل الباب بسرعة، ولوسي بتضحك وهي بتقول: — "كويس إنها مشيت… كنت خايفة تفضحنا."
الكلمة نزلت على قلب إيزابيلا أبرد من المطر.
لكنهم مكانوش يعرفوا إن البنت اللي دخلوها السجن وهي طيبة وساذجة… خرجت منه وهي شايلة كل حاجة إلا الضعف.
…
بعد ساعة…
إيزابيلا كانت قاعدة في كافيه صغير رخيص، قدامها كوب قهوة بارد، وإيديها ماسكة فلاشة سوداء صغيرة.
الفلاشة دي كانت سبب إنها تستحمل السجن يوم ورا يوم.
لأن قبل الحادثة بساعات… كانت مسجلة كل حاجة.
دييجو ولوسي كانوا سكرانين وبيتخانقوا في العربية، وهي كانت في المكالمة معاهم وقت الحادث.
وسمعت صوت لوسي وهي تصرخ: — "خبطناها يا دييجو! قوم اهرب!"
وسمعت أخوها وهو بيقول برعب: — "لو البوليس عرف إني كنت سايق وأنا سكران هضيع!"
وبعدها… سمعت صوت أمها.
صوتها اللي كانت فاكرة إنه أمانها الوحيد: — "إيزابيلا هتشيل الليلة."
…
بس التسجيلات مكنتش أخطر حاجة.
الخطر الحقيقي… كان في الورقة اللي
أمها نسيَتها تمامًا.
ورقة التوكيل العام.
قبل دخولها السجن، الأب كان مريض جدًا، وخوفًا من المشاكل كتب لإيزابيلا توكيل كامل يدير البيت والحسابات والأملاك لو حصله حاجة.
وبعد ست شهور من سجنها… الأب مات.
والأم افتكرت إن التوكيل انتهى.
لكن المحامي "مراد" لما شاف الورق، ابتسم لأول مرة وقال: — "أمكِ باعت البيت من غير أي حق قانوني… لأن المالك الفعلي بعد وفاة والدك بقيتي إنتِ."
إيزابيلا رفعت عينيها بصدمة: — "يعني البيت…"
— "باسمك."
…
في نفس الليلة…
مراد قدم طلب رسمي بإيقاف بيع البيت وتجميد الحسابات.
وفي الصبح…
دييجو كان لسه نايم لما خبطات عنيفة هزت الباب.
لوسي فتحت وهي متعصبة: — "في إيه؟!"
الرجل اللي واقف قدامها رفع ورقة وقال ببرود: — "أمر قضائي بإخلاء العقار والتحفظ على الممتلكات."
وشها اتسحب: — "إيه؟!"
دييجو نزل يجري من فوق: — "إنتو اتهبلتوا؟ ده بيتنا!"
مراد دخل بهدوء، ووراه إيزابيلا.
أول ما الأم شافتها، شهقت: — "إنتِ؟!"
إيزابيلا بصت حواليها للبيت اللي اتحرمت منه، وقالت بصوت ثابت: — "غريبة… البيت اللي مكنتش أنفع أعيش فيه من كام ساعة، طلع بيتي أنا."
…
لوسي بدأت تصرخ: — "دي سجينة! محدش هيصدقها!"
مراد حط الفلاشة على الترابيزة: — "المحكمة هتصدق التسجيلات."
الصمت وقع على المكان.
دييجو وشه اصفر: — "إيزابيلا… اسمعيني…"
لكنها رفعت إيدها تمنعه.
— "لما كنت ببكي في الزنزانة وأستنّى زيارة… محدش فيكم جه."
الأم قربت منها بدموع: — "يا
بنتي إحنا كنا خايفين عليكي…"
إيزابيلا ضحكت ضحكة كلها وجع: — "خايفين عليا؟ إنتو دفنتوني بالحيا."
…
وبدأت القضية من جديد.
النيابة فتحت ملف الحادث.
الضحية اللي اتصابت في الحادثة كانت عايشة بإعاقة دائمة طول السنتين، وأهلها أول ما عرفوا الحقيقة رفعوا قضية جديدة.
دييجو انهار في التحقيقات واعترف بكل حاجة.
ولوسي حاولت تهرب، لكن تسجيلات الكاميرات أثبتت إنها كانت معاه في العربية.
أما الأم…
فكانت كل يوم تقف قدام باب أوضة إيزابيلا الفاضية وتعيط، بعد ما الجيران عرفوا الحقيقة كاملة.
الناس اللي كانت بتقول: "يا بختها ببنت ضحت عشان أخوها"
بقوا يقولوا: "إزاي أم تعمل كدة في بنتها؟"
…
بعد شهور…
إيزابيلا كانت واقفة في شرفة البيت نفسه.
لكن البيت بقى مختلف.
الستائر اتغيرت. ريحة السجن اختفت من روحها بالتدريج. وصورتها القديمة رجعت تتحط في الصالة بعد ما كانت مرمية في المخزن.
مراد وقف جنبها وقال: — "تقدري تبيعي البيت وتبدئي بعيد."
إيزابيلا هزت راسها: — "لأ… أنا هعيش هنا."
— "بعد كل اللي حصل؟"
بصت للشمس وهي طالعة وقالت: — "عشان كل يوم يفكروني إن الطيبة من غير كرامة… بتبقى سجن أكبر من أي زنزانة."
…
وفي آخر جلسة…
القاضي حكم على دييجو ولوسي بالسجن بعد ثبوت التسبب في الحادث والتزوير والشهادة الكاذبة.
قبل ما الحراس ياخدوهم…
دييجو بص لإيزابيلا ودموعه نازلة: — "سامحيني."
إيزابيلا بصت له طويل.
الولد اللي كانت بتحميه من الدنيا كلها… كان أول واحد رماها
للنار.
وقالت بهدوء موجع: — "أنا سامحت نفسي إني صدقتكم… دي أصعب خطوة. أما إنت؟ فعيش بذنبه."
واستدارت ومشيت.
المرة دي… هي اللي سابتهم وراها.
ومرجعتش تبص.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق