قلة الأصل كامله
قلة الأصل كامله
الراجل اللي قفش خطيبة ابنه وهي بتحط غراء “إيبوكسي” شديد من بتاع المواقع على كرسي مراته العيانة، ما جاش عليه الدور يصرخ ولا يعمل فضيحة.
ولا لغى الفرح.
كل اللي عمله ببساطة إنه بدل كروت الأسامي.. وقعد حاطط رجل على رجل مستني العروسة تقوم تقف بفستانها الأبيض قدام 200 مدعو من أعيان البلد.
“كتّري على الحروف يا بت يا فريدة عشان تلزق صح، أنا عايز أمي تقعد ما تقومش تاني”، ده الكلام اللي سمعته بودني قبل الفرح بثلاث ساعات، وأنا واقف ورا الستارة القطيفة الكبيرة في قاعة “الماسة” بالتجمع الخامس.
في الأول، قولت يمكن السمع خانني.
كنت عايز أكدب ودني.
الأب دايماً بيدي ابنه فرصة أخيرة في خياله، حتى لو عينه شافت الحقيقة المرة.
أنا اسمي **الحاج عبد الحميد أرندا**، عندي 67 سنة، وقضيت منهم 42 سنة في المقاولات والمعمار.
بدأت من الصفر.. من شيل شكاير الأسمنت على كتفي في مواقع شبرا وفيصل، لحد ما ربنا فتحها عليا وبقيت أبني أبراج في التجمع، ومولات في الشيخ زايد، وفيات لناس بتتكلم عن “الديكور المودرن” وهم ما يعرفوش السيخ الحديد الغرقان في الخرسانة وزنه بيقسم الظهر إزاي.
الشغلانة دي علمتني حاجة واحدة:
قبل ما أي مبنى يقع، لازم يدي إنذار.
شرخ صغير في الحيطة.
صوت طقطقة.
باب ما بقاش يقفل في مكانه صح.
أو ابن.. ما بقاش يقدر يحط عينه في عين أمه.
في اليوم ده، مراتي **الحاجة عايشة** كانت في البيت بتلبس وهي طايرة من الفرحة، فرحة كانت بتقطع في قلبي. كانت شارية فستان كحلي هادي، بسيط بس شيك، بكم واسع عشان يداري الجروح والندبات اللي سابتهالها العمليات.
من أربع شهور بس، كانت عاملة عملية تغيير مفصل الحوض بعد وقعة وحشة في حمام البيت. الدكتور كان حاسم معايا: “يا حاج عبد الحميد، بلاش أي شد مفاجئ، بلاش حركة عنيفة، وبلاش وقعات.. شدة واحدة غلط ممكن تقعدها عاجزة طول عمرها”.
**مصطفى**، ابننا، سمع الكلام ده بودنه.
وخطيبته **فريدة** سمعته هي كمان.
الاتنين كانوا واقفين في أوضة المستشفى لما دكتور العظام قال: “لو وقعت أو حاولت تقوم وفيه حاجة شداها، المفصل هيتحرك من مكانه، لازم تاخدوا بالكم منها”.
شفت مصطفى وهو بيهز رأسه وموافق.
وشفت عايشة وهي بتبص له بفخر، وكأن مجرد وجود ابنها في الأوضة دي معوضها عن أي وجع في الدنيا.
يا حبيبتي يا عايشة..
كانت لسه فاكرة إن الراجل الشحط ده هو نفسه الواد الصغير اللي كان بيجري عليها وركبته متعورة ويقولها: “انفخي فيها يا ماما عشان تخف”.
بس أنا كنت شايف راجل تاني خالص بقالي فترة.
راجل بارد.
راجل عينيه في تليفونه وأمه بتكلمه.
راجل بيقول “حاضر يا أمي” من ورا قلبه ومن غير ما يسمع كلمة واحدة.
راجل من يوم ما عرف فريدة، بقى بيقيسنا بالهدايا، والعربيات، والمصلحة.
فريدة دخلت حياتنا من سنتين في حفلة افتتاح كومباوند من اللي بنيتهم في أكتوبر. كانت حلوة، ما أقدرش أنكر.
شعر طويل.
ضحكة منورة.
لبس براندات غالي جداً.
من نوع الثقة بالنفس اللي الناس بتفتكرها هيبة، وهي في الأصل قلة أصل بس ريحتها برفيوم غالي.
لما مصطفى عرفنا عليها، وش عايشة نور وكأنها أخيرًا لقت البنت اللي ما خلفتهاش.
“نورتي بيتك يا بنتي”، عايشة قالتها بكل طيبة.
فريدة حضنتها من على الوش.. الحضن البارد اللي الجسمين ما بيلمسوش بعض فيه.
أنا لقطت الحركة.. بس عايشة لأ.
في الشهور اللي بعد كده، فريدة بدأت تتكلم وكأنها خلاص استلمت عهدة حياتنا.
“يا عمي عبد الحميد، الشقة الدوبلكس اللي على النيل دي تحفة، بس محتاجة عفش مودرن من إيطاليا، بلاش الذوق القديم ده”.
“يا طنط عايشة، لازم ترتاحي، إنتي صحتك ما بقتش بتاعة حركة ولف”.
“مصطفى لازم هو اللي يمسك الإدارة ويمضي على العقود الكبيرة، هو المستقبل ولا إيه؟”.
كل ده وهي بتضحك.
بكل “حب”.
بس كانت بتغرس الإبرة وبتلفها في السكوت.
وشفت ابني بيتغير معاها حتة حتة.
الأول، بطل يجي يتغدا معانا يوم الجمعة.
بعدين، بطل يرد على التليفونات.
ولما بدأ يطلب فلوس، كان بيطلبها بنبرة واحد بيحاسبنا على ورثه وهو إحنا لسه عايشين.
“يا بابا، الفرح لازم يكون على مستوى الناس اللي بنعزمهم، مش عايزين شكلنا يبقى بلدي”.
الناس اللي بنعزمهم!
وكأن العمر اللي قضيته وشقايا في الشمس عشان أعمل قرشين ملوش قيمة غير إنه ينططهم قدام “الفاشونيتات” ورجال الأعمال.
أنا اللي دفعت دم قلبي في الفرح ده.
القاعة.
البوفيه.
الديكور والورد.
المزيكا.
حتى فستان فريدة.. فستان من مصمم لبناني كلفني الشيء الفلاني، ونقته قدام أمي من غير حتى ما تعمل اعتبار لمشاعرها أو تدراي عينها.
وكنت ناوي أكتب لهم الدوبلكس اللي على النيل، اللي تسواها أكتر من 25 مليون جنيه، هدية جوازهم.
وسفرية شهر عسل في أوروبا تلات أسابيع.
عايشة كانت دايماً تطبطب عليا وتقول: “يا عبد الحميد، ده ابننا الوحيد، هنفرح بمين غيره؟”.
فكنت بوافق.. لأن حب الأب ساعات بيبقى شبه البيعة الخسرانة اللي بتوافق عليها وأنت مغمض.
يوم الفرح، وصلت القاعة بدري بساعتين.
عادة قديمة من أيام المعمار.. لازم تعاين الموقع بنفسك قبل ما العمال والشغل يبدأ.
كنت عايز أتأكد إن عايشة ليها ممر واسع تمشي فيه بالعكاز، إن كرسيها مش بعيد عن الحمام، إن مفيش سلك عريان على الأرض ممكن يتكعبل فيه حد، وإن الورد يكون “ياسمين” عشان هي بتحبه.
القاعة كانت لسه نص إضاءة.
الويترية بيرصوا الكاسات على الترابيزات.
دخلت من ممر جانبي عشان الممر الرئيسي كان لسه ممسوح.
وفجأة.. سمعت ضحكة.
مش ضحكة توتر مالتين الفرح.. دي ضحكة خباثة وشماتة.
وقفت ورا ستارة قطيفة تقيلة قريبة من ترابيزة أهل العريس والعروسة.
وكانوا واقفين هناك.
فريدة كانت موطية على كرسي.
ومصطفى واقف بيأمن لها السكة ويبص على المدخل.
في إيدها كان فيه أنبوبة.. عرفتها في ثانية.
غراء “إيبوكسي” شديد من بتاع المواقع اللي بنلزق بيه الرخام. الغراء ده لما بيمسك في القماش، ما بيطلعش لا بماية ولا بأسف ولا بدموع.
فريدة كانت بتضغط على الأنبوبة وبتفرش خطوط عريضة على قماش الكرسي الستان الكحلي.
ما كانتش نقطة.. ولا مقلب عيال صغيرين.
دي غرقت القعدة كلها.
والكارت اللي محطوط قدام الكرسي مكتوب عليه: **”والدة العريس — الحاجة عايشة”**.
حسيت بضربة طوبة في صدري.
مصطفى همس لها: “كتّري على الحروف يا بت يا فريدة عشان تلزق صح، أنا عايز أمي تقعد ما تقومش تاني”.
فريدة ضحكت بوقاحة:
“عشان لما تيجي تقف في الزفة والناس بتصقف، تلتصق في الكرسي وتبقى شبه السلحفاة اللي مقلوبة على ظهرها! يمكن ساعتها تبطل تمشي بالعكاز وتلم حوالين منها الناس بالصعبانيات”.
مصطفى ضحك بصوت واطي:
“تستاهل.. بقالها كام شهر بتعمل علينا حماة ومهمة. وبعدين لو تعبت تاني، نوديها دار مسنين نظيفة في أكتوبر ونرتاح كلنا ونعرف نعيش حياتنا”.
ابني!
ابني الوحيد!
الواد اللي عايشة كانت بتجوع وتقصر على نفسها عشان يدخل أحسن مدارس ولغات.
الواد اللي علمته السواقة في أرض فضا وكنت خايف عليه من الهوا.
الراجل اللي كنت هسلمه شقا عمري وشركتي.
كان بيضحك على أمه وهي ممكن تتكسر وتتحرم من الحركة طول عمرها!
جزيت على سناني لدرجة إن ضوافري علمت في كف إيدي.
كنت عايز أطلع.
كنت عايز أطبق في زمارة رقبته وأكسر وشه في وسط القاعة.
كنت عايز أجر فريدة دي من شعرها ومن فستانها الغالي بره الفندق كله قبل ما سمها يملى المكان.
بس ما عملتش كده.
لأن المعمار علمني حاجة تانية:
لما تهد مبنى وأنت غضبان ومش دارس الخطوات، الناس البريئة هي اللي بتندفن تحت الردم.
عايشة ما تستاهلش فضيحة نص كم.
مش هيدوها فرصة ينكروا ويقولوا “ده مقلب وبنهزر”.
ويطلعوني أنا الراجل العجوز اللي خرف ومبقاش يفهم هزار الشباب.
أنا كنت عايز الحقيقة كاملة..
قدام الكل..
ومحدش يقدر ينكرها.
استنيت لحد ما هم اتسللوا وخرجوا من الباب الجانبي وهم بيضحكوا زي العيال اللي سرقت حاجة.
مشيت لحد الترابيزة.
الغراء كان لسه بيلمع لمعة خفيفة تحت الإضاءة الضعيفة.
شبه مش باين.
لو عايشة قعدت.. فستانها هيلزق.
ولما تيجي تقف، جسمها هيقاوم الشد.
ممكن وسطها يتلوح..
ممكن تقع..
ممكن المفصل يتكسر.
ده مش مقلب.. دي شروع في قتل.
بصيت على الكرسي اللي جنبه.. نظيف وزي الفل.
الكارت اللي قدامه مكتوب عليه: **”العروسة — فريدة”**.
ما نقلتش الكراسي.
ولا مسحت الغراء.
ولا ندهت لأمن الأوتيل.
كل اللي عملته، إني شيلت كارت عايشة وحطيته قدام الكرسي النظيف.
وشيلت كارت فريدة وحطيته قدام الكرسي اللي غرقان غراء.
إيدي ما اتهزتش.. ولا حتة حركة رعشة صغيرة.
ويتر صغير خرج من المطبخ شايل شفشق ماية وشافني واقف.
“يا فندم، ممنوع دخول الضيوف دلوقتي.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة الأب الفخور اللي كان المفروض أكونه:
“أنا والد العريس يا ابني، بظبط المكان لمراتي بس عشان رجليها تعباها وبتتحرك بعكاز، عايزها تكون مرتاحة.”
ملامحه هديت وقال بطيبة: “طبعاً يا فندم، ربنا يخليها لك، ده ذوق منك.”
بصيت للكرسي الملغوم وقولت: “يا ابني.. كل حاجة لازم تطلع مظبوطة بالملي النهاردة.”
خرجت للريسبشن وطلعت تليفوني وكلمت لورا، السكرتيرة بتاعتي في الشركة.
“لورا، وقفي كل حاجة.”
“كل حاجة إزاي يا حاج عبد الحميد؟”
“شيك شهر العسل، إمضاءات تنازل الدوبلكس، والتوكيل العام اللي مع مصطفى في الشركة يتلغي فوراً.. كل حاجة تقف.”
سكتت لثواني وقالت باستغراب: “حصل حاجة يا حاج؟”
بصيت لباب القاعة اللي ابني كمان شوية هيدخله عريس:
“آه يا لورا.. الحيطة شرخت، وأنا لسه شايف الأساس المغشوش على حقيقته.”
بعد 40 دقيقة، عايشة وصلت وهي ساندة على إيد أختي.
كانت زي القمر.. الفرحة منورة عينيها.
“إيه رأيك يا عبد الحميد؟ شكلي حلو؟”
بصيت لها.. وحسيت بحاجة بتتعصر جوايا.
“أنتِ الست الوحيدة اللي تملى العين وتستاهل يتعملها فرح في البلد دي.”
ضحكت وافتكرتني بجاملها زي العادة.
ما كانتش عارفة حاجة.. لسه.
أخدتها براحة ودخلنا القاعة، كنت مأمن كل خطوة بتخطيها برجلها.
مصطفى وفريدة كانوا واقفين بيسلموا على المعازيم بضحكات شبه اللي في المجلات.
لما قربنا، عايشة فتحت دراعاتها لفريدة بطيبة:
“مبروك يا فريدة يا بنتي، زي القمر.”
فريدة ميلت بوشها عشان تبوس الهوا جنب خدها:
“الله يبارك فيكي يا طنط.. معلش ممكن أطلب منك طلب؟ الفرح فيه ناس مهمة وزرا ومستثمرين وصحافة.. يا ريت تفضلي قاعدة في مكانك وماتتحركيش كتير عشان مفيش حاجة تتبهدل أو شكلنا يبقى.. يعني.. مش تمام بسبب العكاز.”
وش عايشة اتقلب.. والنور اللي فيه انطفى.
مصطفى كان واقف وسامع.
ما فتحش بوقه يدافع عن أمه.. كل اللي عمله إنه عدل زرار البدلة وقال ببرود:
“فعلاً يا أمي، اسمعي كلام فريدة عشان الصور تطلع حلوة وما يبقاش شكلنا وحش.”
دي كانت الكلمة اللي قفلت الحساب عندي.
أخدت عايشة لحد الترابيزة الرئيسية.
شافت كارت اسمها قدام الكرسي النظيف: “أنا هقعد هنا؟”
“آه يا حبيبتي”، قولت لها، “المكان ده هو اللي يليق بيكي.”
وثقت فيا وقعدت بالراحة.. كرسيها كان أمان.
أما الفخ.. فكان مستني صاحبته على بعد سنتيمترات.
فريدة وصلت بعد كام دقيقة وهي بتهز إيدها للناس زي الملكات.
ما بصتش على كروت الأسامي.. ولا لفتت نظرها حاجة.. كانت ملخومة بالناس اللي بتبص عليها.
مصطفى لمح الترابيزة.. وشفت في عينيه شرارة قلق.
الترتيب مش هو اللي كان سايبه في دماغه!
فتح بوقه عشان يتكلم.. بس في نفس اللحظة المذيع (الـ DJ) مسك المايك وصوته هز القاعة:
“والآن.. ندعو العروسين لتشريف منصة خط الطالع.. اتفضلوا في أماكنكم!”
فريدة رفعت فستانها الأبيض المنفوش، وبإيديها الاتنين فرشته على قماش الكرسي، وقعدت هبد.. بكل تقلها على الكرسي الملغوم غراء.
ولسه بتتحرك يمين وشمال عشان تظبط القعدة وتتمنظر بفستانها.
تمام التمام.. لزقت في شر أعمالها.
مصطفى بصلي والدم هرب من وشه.
رفعت كاسي وبصيت له.. ما ابتسمتش.
فضلت باصص في عينيه بنظرة حادة لدرجة إنه ما استحملش ووطى رأسه في الأرض.
العشا بدأ ينزل.. ومفيش مخلوق في القاعة دي كلها كان فاهم ولا عارف المهزلة اللي هتحصل كمان شوية..
الجزء الثاني
المعازيم كانوا بياكلوا والمزيكا الهادية شغالّة في الخلفية، والكل كان فاكر إن دي ليلة العمر. القاعة كانت بتلمع تحت نجف الكريستال، والضحكات مالية المكان. بس بالنسبة لي، الوقت كان واقف. كنت باصص على فريدة وهي قاعدة على الكرسي الملغوم، بتتحرك بدلع يمين وشمال، تظبط طرحتها الطويلة، وتعدل الفستان المنفوش اللي كلفني دم قلبي.
كل حركة كانت بتعملها كانت بتأكد لزق الغراء في قماش الستان والدانتيل بتاع فستانها الأبيض. الغراء “الإيبوكسي” مش بيهزر، ده بيمسك في المسام وبيتغلغل، ومع حرارة الجسم والضغط، بيتحول لكتلة حديد.
مصطفى ابني كان قاعد جنبها، بس وشه ما كانش وش عريس فرحان. الضحكة كانت باهتة على شفايفه، وعينيه كانت بتزوغ كل شوية ناحيتي، وبعدين تنزل على الكارت اللي محطوط قدام فريدة. كان بيحاول يستوعب: إزاي ده حصل؟ هل هي غلطة من الويترية؟ ولا أنا اللي لقطت اللعبة؟ كان هيموت من الرعب ليكون السيناريو الأسود اللي رتبه لأمه اتقلب عليهم. فتح بوقه كذا مرة عشان يميل على فريدة ويهمس لها، بس في كل مرة كان يلمح نظرتي المثبتة عليه، نظرة المقاول اللي بيعاين حيطة قايلة للسقوط، فكان يبلع ريقه ويسكت.
أما الحاجة عايشة، مراتي وطبق عمري، فكانت قاعدة على كرسيها النظيف زي الملكة. وشها الطيب رجع ينور تاني وسط أختي وقرايبنا اللي جم يسلموا عليها. كانت بتاكل بلقمة صغيرة، وتدعي لابنها بالصلاح والتوفيق. مسكينة يا عايشة، قلب الأم ده أعجب خط دفاع في الدنيا، بيتغاضى عن الإهانة ويمسح الغدر بالدعا.
### بداية النهاية: نداء المايك
ساعتين مروا والكل خلص عشا. وفجأة، النور الأساسي للقاعة انطفى، واشتغلت إضاءة الليزر الملونة. المذيع (الـ DJ) مسك المايك وصوته رج القاعة رج:
> “سيداتي وسادتي.. الحضور الكريم.. وصلنا الآن لأجمل فقرات ليلتنا.. رقصة الفيرست دانس (First Dance) للعروسين.. وتورتة الفرح! أرجو من الجميع توجيه الأنظار للمنصة.. والآن، ليتفضل العريس مصطفى وعروسته الجميلة فريدة بالصعود لوسط القاعة!”
>
الناس بدأت تصقف بحماس. المعازيم وقفوا على رجليهم عشان يصوروا بالموبايلات. الكاميرات والـ (Spotlights) كلها اتوجهت فجأة ودفعة واحدة على ترابيزة العرسان. الإضاءة البيضا القوية بقت ضاربة في وش فريدة ومصطفى بالملي.
فريدة ابتسمت ابتسامتها الواسعة بتاعت المجلات، وشالت البوكيه في إيدها، وبدأت تحرك جسمها عشان تقوم.
حاولت ترفع نفسها.. ما قامتش.
حسيت برعشة خفيفة في كتفها. افتكرت في الأول إن الفستان تقيل أو إن ديل الفستان اتعلق برجل الكرسي.
مالت براسها لورا وضحكت وضحكة دلع، وحاولت تقوم تاني بضغط أقوى على رجليها.
هنا.. حصلت أول طقطقة. صوت تمزق خفيف للقماش الستان.
فريدة وشها اتخطف، والابتسامة اتجمدت على شفايفها. بصت لمصطفى وبدأت تتكلم من تحت ضرسها ومن غير ما تحرك شفايفها عشان الكاميرات“مصطفى.. شدني.. الفستان شبك في الكرسي!”
مصطفى، اللي كان الرعب أكل قلبه من أول الفرح، فهم في ثانية إن الكارثة وقعت. مد إيده ومسكها من كوعها وبدأ يشدها لفوق. فريدة بدأت تترفع معاه سنتيمترات، بس الكرسي الحديد كله ارفع معاها من على الأرض! الكرسي لزق في ظهرها ومؤخرة الفستان وكأنه حتة من جسمها.
“فيه إيه؟ شد جامد!” فريدة همست بصوت فيه نبرة خوف حقيقي.
مصطفى قرص على سنانه وشد بكل عزم بقوة غبية من غير ما يفكر.
**”ترااااخ!”**
صوت قماش بيتمزع بقوة ملى المربع القريب من الترابيزة. الغراء ما سابش القماش، الغراء أخد القماش والبطانة ومزقهم تماماً. فريدة سابت إيد مصطفى وقعدت تاني بسرعة وهي بتصرخ صرخة مكتومة: “آآآه! الفستان اتمزع يا مصطفى! ظهري بان!”
### الفضيحة لايف (Live)
الـ DJ ما كانش فاهم إيه اللي بيحصل، فبدأ يشجع بالمايك زيادة: “يالا يا جماعة تشجيع حار للعروسة.. فريدة مترددة ليه؟ يالا يا مصطفى خد إيد عروستك!”
الناس بدأت تتهامس. المصورين (الفوتوجرافرز) قربوا جداً بالعدسات الكبيرة والفلاشات عمالة تضرب في وشهم. اللحظة دي كانت قاتلة. فريدة بقت محبوسة؛ لو قامت، الفستان هيتسلخ من ورا بالكامل ويبان جسمها قدام الـ 200 مدعو، ولو فضلت قاعدة، الفرح هيتخرب وهتبقى فرجة القاعة.
بدأت تترعش من الغضب والكسوف. دموعها نزلت بوظت المكياج الغالي. بصت لمصطفى وزعقت بصوت واطي ومسموع للناس اللي جنبه: “اتصرف! الكرسي ماله؟ الكرسي فيه حاجة بتلزق! مين اللي عمل كده؟”
مصطفى وقف عاجز، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يطقطق صوابعه ويهز رجله بعصبية. وفي وسط اللحظة دي، عينيه جت في عيني.
أنا كنت قاعد، سانع ضهري ورا، رافع كاسي وبشرب منه مية براحة تامة. بصيت له ونزلت عيني على الكارت اللي محطوط قدام فريدة، وبعدين بصيت له تاني وهزيت راسي ببطء.
هنا، مصطفى فهم. عرف إن أبوه، المقاول العجوز اللي استخف بيه وبصعيديته، داس على أساسه المغشوش وهده فوق دماغه.
مصطفى قرب من فريدة وهمس في ودنها: “أبويا.. أبويا اللي بدل الكروت.. الكرسي ده كان لأمي!”
فريدة برقت عينيها وبصتلي بنظرة كلها غل وحقد، مخلوط برعب من الفضيحة. حاولت تداري الموقف، وبدأت تصرخ في الويترية اللي قربوا: “هاتوا مقص! هاتوا جاكيت! الفستان شبك في مسمار!”
### الكلمة الأخيرة للحاج عبد الحميد
في اللحظة دي، أنا قمت من مكاني. مشيت ببطء وهيبة، خطواتي كانت تقيلة وواثقة في وسط القاعة. الـ DJ سكت لما شافني بقرّب وبمد إيدي أخد منه المايك. المهندس الصوت قفل المزيكا تماماً، والقاعة كلها بقت في حالة صمت رهيب، لدرجة إن صوت أنفاس فريدة المكتومة بالبكاء كان مسموع.
وقفت في النص، وبصيت للمدعوّين، ورايا الكاميرات وشاشات العرض الكبيرة بتنقل كل تعبير على وشي.
“مساء الخير يا جماعة”، صوته طلع جهوري وثابت في المايك. “منورين فرح ابننا مصطفى.. أو اللي كان المفروض يكون فرحه.”
الناس بدأت تبص لبعضها باستغراب. الحاجة عايشة وقفت وسندت على العكاز وقالت بقلق: “عبد الحميد؟ فيه إيه يا أبو مصطفى؟”
شاورت لها بإيدي التانية بحنان: “اقعدي وارتاحي يا أم مصطفى.. حقك هيجيلك لحد عندك وأنتِ حاطة رجل على رجل.”
بصيت لمصطفى وفريدة اللي كانوا شبه الفراخ المبلولة تحت إضاءة المسرح الكاشفة.
“المقاولات علمتني إن المبنى اللي أساسه غش، وخاماته رديئة، وقائم على قلة الأصل.. ما ينفعش نسكن فيه، ولا ينفع نرمم فيه.. ده لازم يتهد على دماغ اللي بنوه.”
وجَّهت كلامي لفريدة: “يا بنت الأصول.. الفستان اللبناني اللي كلفني الشيء الفلاني، لا شبك في مسمار ولا اتمزع بغلطة. الفستان لزق في الغراء (الإيبوكسي) اللي أنتِ ومصطفى حطيتوه بإيديكم من تلات ساعات على نفس الكرسي ده.”
القاعة كلها طلعت صوت واحد: **”يه!”**.. شهقات الصدمة مالت المكان. أهل فريدة وقفوا وبدأوا يزعقوا: “إيه الكلام ده يا حاج عبد الحميد؟ أنت بتبهدل بنتنا في ليلة فرحها؟”
رفعت إيدي وقولت بصوت هز الحوائط: “بنتكم كانت بتلغم الكرسي ده عشان مراتي، الحاجة عايشة، اللي لسه عاملة عملية في الحوض، تقعد عليه.. ولما تيجي تقف في الزفة، المفصل الجديد يتخلع وتقع تتكسر وتبقى فرجة للقاعة، وتترمي بعد كده في دار مسنين عشان العروسة وابنها المحترم يفضالهم الجو وياخدوا الدوبلكس والشركة!”
فريدة بدأت تصرخ وتعيط هستيري: “كذب! ده راجل مجنون! بيتبلى عليا! مصطفى قول حاجة!”
بس مصطفى ما نطقش. كان واجم، باصص في الأرض، عارف إن أبوه ما بيبقش كلمة إلا ومعاه مستنداتها.
تابعت كلامي في المايك وأنا ببص في عين مصطفى: “أنا سمعتكم بودني وورا الستارة دي وأنت بتقول لها (كتّري على الحروف يا بت يا فريدة عشان تلزق صح، أنا عايز أمي تقعد ما تقومش تاني). سمعتكم وأنتم بتضحكوا على الست اللي شقيت عشانك. وعلشان كده، أنا ما لغيتش الفرح.. أنا قولت أسيبكم تيجوا بنفسكم، وتقعدوا في الفخ اللي حفرتوه.”
### الهدم الكامل
التفتت للناس وقولت: “يا جماعة، البوفيه مفتوح، والعشا مدفوع، وكلكم على راسي.. بس الفرح ده انفض. مفيش جواز هيتم الليلة، ومفيش شركاء قليلين أصل هيدخلوا بيتي.”
بصيت لمصطفى وقولت له: “من اللحظة دي.. الدوبلكس اللي على النيل رجعت لصحابها. شهر العسل اتلغى وفلوسه رجعت في حسابي. والتوكيل اللي في الشركة اتلغى، وبكرة الصبح مالكش خطوة جوة أي موقع بتاعي. أنت اخترت فريدة.. إشبعوا بقى ببعض.”
فريدة حاولت تقوم تاني وهي بتصرخ بكل غل وخوف على الملايين اللي طارت، وبشدة عنيفة قامت.. فستانها اتمزع من الظهر بالكامل وبانت البطانة الداخلية المتبهدلة بالغراء والخشب، والكرسي الحديد وقع وراها بصوت رزع عالي على الأرض. شكلها بقى مسخرة قدام الكاميرات اللي كانت لسه بتسجل كل لقطة بذمة.
أبو فريدة أخد بنته وحاول يداري ضهرها بجاكت البدلة وبدأوا ينسحبوا بره القاعة وهم بيشتموا ويجروا رجليهم من الفضيحة، ومصطفى جِري وراهم وهو مش عارف يبص لمين ولا لفين.
### النهاية السليمة
مشيت لحد الحاجة عايشة، ووطيت عليها، بوست رأسها وإيدها قدام الكل.
“يلا بينا يا أم مصطفى.. المكان ده ما يليقش بمقامك.”
عايشة دموعها كانت نازلة، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.. دموع ست ربنا نجاها من غدر كان هيقعدها عاجزة طول عمرها، وعرف إزاي يصون كرامتها.
سندتها على دراعي، وأخدت العكاز بتاعها في إيدي التانية، ومشينا بره القاعة وإحنا رافعين راسنا. وأنا خارج، بصيت للمبنى الفخم بتاع الفندق وابتسمت.. المعمار علمني إن الهد ساعات بيكون هو الحل الوحيد عشان تبني على نظافة.
*
## الجزء الرابع الأخير
الخروج من باب قاعة “الماسة” كان أشبه بلحظة خروج العمال من موقع انهار بالكامل، بس الحمد لله، الأساسات الحقيقية كانت لسه سليمة. الهوا بره القاعة في وسايع التجمع الخامس كان بارد ونظيف، يطهر الرئتين من ريحة النفاق والبرفيوم الغالي المغشوش.
أنا كنت ساند عايشة، وفي إيدي التانية عكازها. أختي أميمة كانت ماشية ورايا وهي بتسبّح بحمد ربنا وبتقرأ آية الكرسي بصوت واطي وبتبكي من الخضة والفرحة في نفس الوقت. سبرانس العربية المرسيدس بتاعتي كان واقف مستني قدام البوابة الإلكترونية للفندق. السواق، الواد “عوض” اللي شغال معايا بقاله عشر سنين وعارفني وعارف طبعي، لقط الوشوش في ثانية. فتح الباب اللي ورا بسرعة وبأدب من غير ما ينطق بكلمة.
قعدت عايشة بالراحة، رفعت رجليها اللي عاملة فيها العملية كأنها حتة من قلبي، وسميت الله وقبلت دماغها تاني قبل ما أقفل الباب. ركبت جنب عوض قدام، وقولت له بنبرة ناشفة مفيهاش رجعة:
“على البيت يا عوض.. واقفل التكييف وافتح الشبابيك، عايز أشم هوا ربنا.”
طول السكة من التجمع لحد بيتنا في المعادي، القعدة في العربية كانت أشبه بـ “صمت الخرسانة” قبل ما تصب عليها الماية. مفيش مخلوق فتح بوقه. عايشة كانت باصة من الشباك على أعمدة الإنارة والشوارع الفاضية، ودموعها بتنزل في سكات. دموع الأم صعبة يا جماعة، مفيش حمل في المعمار يوزن تمن دمعة أم حست إن بطنها شالت غدر. كنت بشوف حركتها في مراية العربية وهي بتمسح عينها بطرف طرحتها الكحلي، وقلبي كان بيتقطع، بس كنت عارف إن الدوا المر كان لازم ينزل في جوفه عشان يخف.
### زلزال في الشركة.. تصفية الحسابات
تاني يوم الصبح، الساعة جت سبعة. كعادتي من أربعين سنة، النوم مابيعرفش طريقي بعد الفجر. لبست قميصي وبنطلوني ونزلت على مقر الشركة في المهندسين قبل ما أي موظف يوصل.
الساعة تمانية بالدقيقة، لورا السكرتيرة دخلت الأوضة وهي شايلة ملفات وجايبة معها قهوتي المظبوطة. وشها كان بيتكلم قبل لسانها؛ أخبار الفضيحة في التجمع كانت لفت على جروبات الواتساب وبقت سيرة الوسط كله من بستان المعادي لحد فيلات زايد.
“صباح الخير يا حاج عبد الحميد.. حمد الله على سلامة الحاجة عايشة،” قالتها وهي باصة في الأرض بنوع من الحرج.
“الله يسلمك يا لورا.. جهزتي اللي قولتلك عليه في التليفون؟”
“كله تمام يا فندم. التوكيل الإداري والمالي اللي كان مع البشمهندس مصطفى اتلغى في الشهر العقاري من الساعة تمانية وبقوة القانون. وكلمت البنك الأهلي وبنك مصر وقفلت اعتمادات توقيعه على الشيكات. ودلوقتي الشؤون القانونية بتراجع كل العقود اللي مضى عليها الفترة اللي فاتت عشان نتأكد إن مفيش ثغرة.”
“عفارم عليكي يا بنتي.. هاتيلي بقى ملف مشروع (برج أرندا) اللي في الشيخ زايد، والكومباوند الجديد.”
وأنا بقلب في الورق، الباب اتفتح فجأة من غير خبط.
دخل مصطفى.
وشه كان متبهدل، بدلة الفرح كانت مبهدلة وكأنه نام بيها في الشارع، كرافتته مقطوعة، وعينيه حمرا من قلة النوم والغل. وقف قدام مكتبي، وبدل ما يوطي راسه ويعتذر، زعق بصوت كله جنون:
“أنت دمرتني! أنت فضحتني قدام الناس كلها! خليت شكلي إيه قدام أهلي وأصحاب وأهل فريدة؟ لغيت التوكيل؟ وقفت حساباتي في البنك؟ أنت بتعاقبني كأني شغال عندك مش ابنك؟”
قعدت ورا مكتبي بكل هدوء. حطيت نضارة القراية على المكتب، وبصيت له بنظرة خلت ركبه تخبط في بعضها من غير ما أحس. النظرة دي هي اللي بخوف بيها أكبر مقاول باطن لما يغش في المونة.
“أنت فعلاً مش ابني يا مصطفى،” صوته طلع واطي بس كان بيقطع زي المنشار. “أنت بقيت مجرد نسخة مغشوشة من اللي أنا وربيتك عليه. الابن اللي يبيع أمه عشان شقة وفلوس ويرضى بكسرة ضهرها، ما يلزموش يشيل اسم عبد الحميد أرندا.”
“فريدة كانت بتهزر! مقلب! إحنا كنا بنهزر!” صرخ وهو بيضرب بإيده على المكتب.
قمت وقفت، وطولي كله بقى في مواجهته. قربت منه لحد ما بقت الأنفاس قريبة:
“تاني؟ لسه بتكذب؟ الغراء الإيبوكسي التركي اللي بيثبت الحديد في الخرسانة بقى مقلب؟ كلامك ليها (عايز أمي تقعد ما تقومش تاني) بقى هزار؟ دار المسنين اللي كنت بتخطط ترمي أمك فيها عشان الست فريدة ما تضايقش من عكازها بقى لعب عيال؟”
مصطفى بلع ريقه، والدم هرب من وشه تاني، وعرف إن كذبه ملوش سقف يقف تحته.
تابعت كلامي: “أنا اديتك فرصة واتنين وتلاتة. قولت الواد ملخوم، الواد بيحب، الواد عقله خفيف وهيتقل بعد الجواز. بس لما توصل إنك تشارك في شروع في قتل لأمك اللي شالتك تسع شهور في بطنها وصحيتها كانت بتروح وهي بتسهر جنبك وأنت عيان.. يبقى الحساب قفل يا بشمهندس.”
“هات المفاتيح،” قولت له وأنا مادد إيدي.
“مفاتيح إيه؟”
“مفاتيح العربية المرسيدس اللي راكبها وتمنها من خزينتي. ومفاتيح الدوبلكس اللي كنت رايح تتمنظر بيها قدام نسايبك. وكارنيه الشركة.”
“يا بابا.. هروح فين؟ أهل فريدة طردوني امبارح بعد ما عرفوا إن الفلوس والشقة والشركة طاروا! فريدة قفلت تليفونها وطلبت الطلاق امبارح بالليل في رسالة لما عرفت إن ماليش لقمة في ورثك! أنت بترميني؟” دموعه نزلت، بس كانت دموع خسارة الملايين مش دموع ندم.
“أنت اللي رميت نفسك يا مصطفى. روح ابدأ من الصفر زي ما أنا بدأت. شيل شكاير أسمنت، اِعرق تحت الشمس، اِعرف القرش بييجي إإزاي عشان لما تعمل قرش تحترم اللي عملوه قبلك. اِخرج بره.. والباب يقفل وراك وما يفتحش تاني إلا لو بقيت راجل.”
خرج مصطفى وهو بيجر رجليه، مكسور ومطروط من كل جنة كان فاكر إنه هيملكها بقلة أصله.
### الحساب الإلهي: فريدة وأهلها
المقاول الشاطر عارف إن العدالة الإلهية مبتتأخرش، وساعات بتيجي أسرع من حكم المحكمة. اللي فريدة عملته في قاعة الفرح ما كانش مجرد فضيحة ليلة واحدة؛ ده كان “حكم إعدام اجتماعي”.
فيديو تمزق فستانها الأبيض وهي ملتصقة بالكرسي والحديد طالع وراها وصراخها انتشر زي النار في الهشيم على صفحات الميديا. الناس في منطقتها وفي دايرتها مابقوش يتكلموا غير عن غدرها وحقدها على حماة عيانة. أبوها، الراجل اللي كان داخل الفرح يتنطط ببنته ويحاول يفرض شروطه، جاله جلطة خفيفة من الصدمة والفضيحة وسط معارفه ورجال الأعمال، واضطر يقفل شركته الصغيرة للتوريدات بعد ما السوق كله عرف إن عيلته “معندهاش أمان”.
فريدة نفسها حَبست نفسها في البيت، مابتخرجش، البراندات والفساتين الغالية مابقتش تداري السمعة اللي بقت في الطين. الجوازة باظت، والملايين طارت، والدوبلكس اللي على النيل بقت مجرد حلم بعيد. خسرت كل حاجة في لحظة غل، ودلقت الغراء على فستانها وعمرها كله.
### بناء جديد على أساس نظيف
مرت ست شهور على الليلة دي. ست شهور كانت كفيلة إن الأمور تهدا، وإن البيوت تتطهر.
الحاجة عايشة صحتها بقت بومب. مع العلاج الطبيعي وبدون ضغط نفسي ولا كلام يسم البدن، المفصل الجديد لحم وبقت تمشي في شقتنا الكبيرة في المعادي من غير عكاز. رجعت الضحكة تنور وشها الطيب، ورجعت صواني المحشي والبط تطلع من إيدها لقرابيبنا وأهلنا في المناسبات.
في يوم جمعة، كنا قاعدين في البلكونة الكبيرة الباصة على النيل، بنشرب شاي بالنعناع بعد الغدا. عايشة حطت كوبايتها وبصتلي وقالت بصوت مليان رضا:
“عبد الحميد.. أنت زعلان على مصطفى؟”
أخدت نفس طويل وبصيت للموج اللي بيجري في النيل:
“يا عايشة، الأب مبيكرهش ابنه. بس أنا لو كنت سبته يكمل في السكة دي، كنت هبقى بغشه وبغش نفسي. الواد كان لازم يتكسر عشان يتصلح. لورا بلغتني إنه شغال دلوقتي مهندس موقع صغير في شركة مقاولات في الصعيد، بياخد مرتب على قد حاله وبيتبهدل في الشمس. ده أحسن دوا ليه. لما ينضف من قلة الأصل ويفتكر إن ليه أم اسمها عايشة يستاهل يبوس تراب رجليها.. ساعتها ممكن أفكر أفتح له الباب.”
مسكت إيدها الطيبة وضغطت عليها: “المهم أنتِ.. صحتك بالدنيا يا روزة قلبي.”
ضحكت وقالت: “يا راجل عيب عليك، كبرنا على الكلام ده!”
في اللحظة دي، تليفوني رن. كانت لورا بتبلغني إننا كسبنا مناقصة بناء مدينة سكنية جديدة للأيتام والشباب في أكتوبر. ابتسمت وقولت لها: “اكتبي في العقد يا لورا.. المشروع ده كله صدقة جارية باسم الحاجة عايشة أرندا، وأنا اللي هقف في الموقع بنفسي أستلم طوبة طوبة.”
قفلت التليفون وبصيت للسما. الدنيا دي زي عمارة كبيرة؛ ممكن تزوقها بالديكور والفراشة والورد، بس لو الأساس مغشوش، أول هزة هترجعها تراب. والحمد لله، بيتنا اتهز.. بس وقف على رجله أقوى وأنظف من الأول.
## تمّت القصة بحمد الله.


تعليقات
إرسال تعليق