قبل ما أمشي في الممر وأوصل للكوشة بلحظات،
رواية كاملة
قبل ما أمشي في الممر وأوصل للكوشة بلحظات،
أمي حطت في إيدي ورقة متطبقة بسرعة. فتحتها لقيت مكتوب فيها: "وقعي نفسك.. دلوقتي فوراً!"
مفهمتش هي قصدها إيه، بس النظرة اللي في عينيها كانت مرعبة، نظرة خوف حقيقي خلت جسمي يتنفض. وفي نص الممر، وأنا ماشية والفستان بيجر ورايا، كعبلت نفسي "قصد" ورميت جثتي على الأرض.
أمي صرخت بأعلى صوتها: "بنتي اتصابت! رجلها اتلوت! وقفوا الفرح ده فوراً.. اطلبوا الإسعاف!"
البداية: في أوضة العروسة
كنت واقفة في جناح العروسة، هدوء تام وريحة ورد، وفستاني الحرير كان خيالي.. كنت حاسة إني ملكة. برا، الفرقة الموسيقية بدأت تعزف، الصوت كان فخم جداً وبيرن في القاعة كلها، وكأن الدنيا بتقولي إن حياتي الجديدة بدأت. أنا "إيمي"، وريثة ثروة كبيرة، والنهاردة فرحي على "توم".
دخلت أمي "ليندا" الأوضة. أنا متعودة إن عينيها دايماً فيها قلق، أصلها ربتني لوحدها وكانت بتخاف عليا من الهوا الطاير. ابتسمت لها وقلت: "يا ماما اهدي، أنا زي الفل، وكل حاجة ماشية تمام."
ما ردتش عليا بابتسامة.
ولا نطقت بكلمة واحدة. قربت مني وإيدها كانت تلاجة، مسكت إيدي بس مش بحنية.. مسكتها بوجع، وزقت في كفي ورقة مكرمشة.
الرسالة كانت غريبة، خطها مهزوز وكأن اللي كاتبها إيده بتترعش:
"وقعي نفسك.. دلوقتي فوراً."
دمي نشف في عروقي. بصيت لأمي بذهول.. هل دي مزحة بايخة؟ هل الأعصاب بوظت دماغها؟ ولا هي عايزة تبوظ فرحتي؟
الموسيقى بدأت تعلن دخول العروسة.. مفيش وقت للأسئلة.
الحاجة الوحيدة اللي خلتني أسمع كلامها رغم جنونه، هو ثقتي العمياء فيها. الحب والرباط اللي بيننا كان أقوى من أي منطق. أنا مش فاهمة ليه، بس فاهمة إن وجعها حقيقي.
السقوط الكبير
خرجت للممر.. الأنوار كانت قوية جداً وكل العيون عليا. شفت "توم" واقف عند الممر بيبتسم، وشفت في عينه مستقبلي اللي كنت بحلم بيه.
وصلت لنص الطريق، وقلبي كان هيقف من كتر الدق. لازم أعمل كدة.. لازم أهد كل ده دلوقتي.
خدت نفس عميق، ولويت رجلي بجد، وفقدت توازني ورميت نفسي بكل قوتي على الرخام.
الرزعة كانت قوية لدرجة إن القاعة كلها سكتت مرة واحدة.
الوجع مكنش من الوقعة.. الوجع كان من صوت الـ 200 مدعو وهم بيكتموا أنفاسهم، ومن الموسيقى اللي وقفت فجأة، ومن قلبي اللي كان بيتحطم لأني بوظت ليلة عمري بإيدي.
وهنا أمي بدأت تمثل دورها.. هجمت عليا، بس مكنتش خايفة عليا كأم، كانت زي المخرج اللي بيسيطر على المشهد. مسألتنيش "انتي كويسة؟"، لا.. صرخت في الكل بحدة مرعبة:
"رجلها اتكسرت! وقفوا الفرح! اطلبوا الإسعاف! حالااااً!"
المفاجأة الصادمة
شفت "توم" وأمه جايين بيجروا عليا. بس الغريبة إن وشوشهم مكنش عليها خوف.. مكنوش قلقانين على "العروسة".
كان باين عليهم "رعب".. رعب حد خايف ينفضح، أو حد خطته بتبوظ.
المنظر ده فوقني أكتر من الوقعة نفسها. هما ليه مرعوبين كدة؟ المفروض يسألوا مالي!
الإسعاف وصلت، وصوت السرينة ملا المكان. وفي وسط الزحمة، شفت حماتي "أم توم" وهي بتحاول تمنع أمي تركب معايا الإسعاف.
صوتت في أمي وقالت لها: "انتي مش هتروحي معاها! إحنا عندنا عيادة قريبة من هنا، إحنا اللي هناخدها ونرعاها في المنشأة بتاعتنا!"
أمي اتحولت.. مكنتش الست الضعيفة اللي أعرفها. اتخانقت معاهم وشديتني منهم بقوة غريبة، قوة وحش بيحمي ضناه.
وفي الآخر، أمي كسبت المعركة وركبت جنبي في الإسعاف. وأنا راقدة، بصيت لـ "توم" وأمه وهما واقفين برا.. وشوشهم كانت مليانة غل وغضب، مش حزن على اللي حصل لعروسة ابنهم.
أول ما باب الإسعاف اتقفل والسرينة بدأت تبعد عن القاعة، أمي مالت على ودني وقالت لي الكلمة اللي شلت حركتي...
تفتكر أمها قالت لها إيه؟
بمجرد ما باب الإسعاف اتقفل، والسرينة بدأت تعوي وهي بتبعد عن القاعة، مالت أمي على ودني.. كان نفسها طالع بالعافية، وصوتها مرعوش بس حاد زي السكينة. همست لي:
"توم مش عايز يتجوزك يا إيمي.. توم عايز يقتلك الليلة. العصير اللي كان المفروض تشربوه في النخب.. كان فيه مادة بتوقف القلب بعد ساعتين، عشان يبان إنها سكتة قلبية من التوتر."
الدنيا لفت بيا. بصيت لأمي بذهول، كنت عايزة أصرخ، أقول لها إنها اتجننت، بس ملامحها كانت بتقول إنها شافت الموت بعينيها. كملت وهي بتمسح دموعها بسرعة:
"أنا شفت أمه وهي بتحط المسحوق في الكاسات في الجناح الخاص بيهم.. سمعتهم وهما بيضحكوا ويقولوا إن ثروتك هترجع لهم بمجرد ما تمضي على وثيقة التأمين اللي خلوكي تمضي عليها الصبح وسط ورق الفرح. لو كنتِ كملتي الممر، كنتِ هتموتي قبل ما الفجر يطلع."
المطاردة في شوارع المدينة
فجأة، سواق الإسعاف بص في المراية وقال بلهجة قلقة: "يا ست
هانم، في عربيتين سود بيطاردونا من وقت ما خرجنا من القاعة، ومش راضيين يسيبونا!"
بصيت من الشباك الصغير ورا، شفت عربية "توم" الفخمة وهي بتكسر الإشارات وبتحاول تزنق على عربية الإسعاف. توم مكنش عايز ينقذني، كان عايز ياخد "الجثة" اللي لسه فيها الروح عشان يخلص مهمته في عيادة أمه الخاصة، بعيد عن أي مستشفى حكومي يقدر يكتشف السم.
أمي طلعت تليفونها وكلمت حد وقالت جملة واحدة: "الخطة (ب).. دلوقتي!"
فجأة، ومن شوارع جانبية، ظهرت تلات عربيات ميكروباص وقطعوا الطريق على عربيات توم. سواق الإسعاف بتاعنا، اللي طلع أصلاً شغال مع مكتب أمن خاص أمي مأجراه، دخل في حواري ضيقة لغاية ما وصلنا لمبنى قديم ومستخبي.. ده مكنش مستشفى، ده كان "بيت آمن".
قضينا ليلة مرعبة. أمي حكت لي إنها كانت شاكة في توم من شهور، من وقت ما عرفت إن شركاته بتفلس، وإنه استلف مبالغ ضخمة من ناس خطر. بدأت تراقب تليفونه، وجابت محقق خاص قدر يوصل
لمراسلات بينه وبين أمه "عقربة الهانم" وهم بيخططوا لإزاحتي من المشهد عشان يورثوا الملايين ويسددوا ديونهم.
"ليه مبلّغتيش البوليس يا ماما؟" سألتها وأنا بانهار.
ردت بمرارة: "توم ذكي، ومسح كل الأدلة الرقمية. كان لازم أمسكه وهو متلبس، والورقة اللي كتبتها لك كانت الطريقة الوحيدة عشان أخرجك من "المصيدة" قدام الناس كلها، وفي نفس الوقت نكسب وقت نجمع فيه الدليل الأخير."
الدليل الأخير كان "كاس العصير". أمي قدرت تبدله بكاس تاني فاضي، وخدت الكاس المسموم معاها في شنطتها وهي بتجري ورايا في الإسعاف.
النهاية:
تاني يوم الصبح، كانت الدنيا مقلوبة. توم وأمه عملوا بلاغ إن أمي خطفتني، وكانوا فاكرين إنهم لسه مسيطرين على الموقف. بس الصدمة كانت لما البوليس اقتحم الفندق ولقى في جناح "توم" بقايا المادة السامة اللي اتطابقت مع اللي في الكاس اللي أمي سلمته للمعمل الجنائي.
المحقق الخاص بتاع أمي قدر يوصل كمان لتسجيل
صوتي توم سجله لنفسه بالغلط وهو بيراجع الخطوات مع أمه.. كان بيقول لها: "إيمي غبية ومصدقة إني بحبها.. الصبح هكون أغنى أرمل في البلد."
دخلت المحكمة بعد شهر، مش بفستان الفرح، لكن ببدلة سوداء قوية. شفت توم وهو لابس كلبشات، وشه اللي كان "ملاك" في نظري بقى باهت ومرعب. أمه كانت بتصرخ وبتتهم أمي بالتزوير، بس الأدلة كانت أقوى من صراخها.
بعد ما كل حاجة خلصت، وقفت أنا وأمي قدام البحر.
قلت لها: "أنا آسفة يا ماما إني شكيت فيكي للحظة.. أنا كنت فاكرة إنك بتبوظي حياتي."
أمي طبطبت عليا وقالت جملة عمري ما هنساها:
"يا بنتي، الأم مش بس بتجيب الدنيا، الأم هي اللي بتمنع الدنيا إنها تكسرك. فرحك مكنش هيتصلح بوقعة، بس حياتك كانت هتضيع بكلمة (موافق) لو قلتيها في المكان الغلط."
رجعت بيتي، وقطعت كل صور الفرح، وبعت الفستان الحرير اللي كان المفروض يكون كفني. النهاردة، إيمي مش بس وريثة ثروة، إيمي بقت ست قوية
عرفت إن الحقيقة ساعات بتكون مرة، بس الموت في الكذب أمر بكتير.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق