قفلو عليها التلاجه
قفلو عليها التلاجه
قفلوا علي الجرسونه جوّه التلاجة على سبيل الهزار… لحد ما الراجل صاحب المطعم سمع خبطتها
ولما الملياردير فتح الباب بنفسه… خلّاهم يندموا على اليوم اللي اتولدوا فيه
أول صوت “جاسر المرشدي” سمعه جوّه مطعم “بيلارو” ماكانش الإنذار.
ولا كان صوت الهوا وهو بيحرّك اليافطة المعدنية القديمة فوق الباب.
كان صوت خَبْط.
خفيف.
متقطع.
كأنه طالع من حد خلاص بيستسلم.
ثلاث خبطات ضعاف جايين من آخر المطبخ.
جاسر وقف في صالة المطعم الضلمة، وإيده لسه على باب الدخول، والمعطف الأسود عليه تلج خفيف من برّه. وشه كان هادي… الهدوء اللي يخوف أكتر من العصبية.
أي مطعم بعد القفل بيبقى فيه صوت حياة.
صوت تلاجات.
حنفيات بتنقط.
أطباق بتتحرك.
أجهزة بتزن.
لكن “بيلارو” كان ميت.
إلا من الخبطة دي.
تك.
سكتة.
تك.
سكتة أطول.
تك.
“فهد”، السواق والحارس الشخصي، دخل وراه فورًا ومدّ إيده ناحية سلاحه.
جاسر رفع صباع واحد بس.
فهد ثبت مكانه.
جاسر ركّز.
الصوت جه تاني… أضعف.
من آخر المطبخ.
من ناحية التلاجة الكبيرة.
المكان كان مترتب زيادة عن اللزوم.
الكراسي مرفوعة فوق الترابيزات.
الأرض متلمعة.
كل حاجة متقفلة كأن حد بيجهّز المطعم لتفتيش.
لكنهم نسوا أهم حاجة.
الباب.
جاسر مشي من غير ما ينادي على حد.
باب المطبخ عمل صرير خفيف وهو بيدخل. الضلمة ماسكة المكان، ونور الطوارئ بس اللي منوّر الاستيل والرخام.
كل حاجة نضيفة… بشكل مستفز.
كأن المطبخ بيتظاهر إن ماحصلش فيه حاجة.
وفجأة…
تك.
الخبط رجع تاني.
ضعيف جدًا.
جاسر
وقف قدام باب التلاجة.
التلج متجمع حوالين الإطار.
مسك المقبض وفتح الباب دفعة واحدة.
الهوا الساقع خرج زي نفس تقيل.
وجوّه…
كانت فيه بنت متكومة على الأرض بين كراتين الجمبري والعيش المجمد.
لابسة يونيفورم أسود خاص بالنادلات، وإيدها مرفوعة ناحية الباب كأنها كانت بتحاول تخبط لآخر مرة.
وشها شاحب بشكل مرعب.
شفايفها زرقة.
وشعرها عليه تلج خفيف.
لثانية كاملة… ما اتحركتش.
جاسر دخل بسرعة، نزل على ركبة، ولفّها بحذر على ضهرها.
— «مايا.»
كان عارف اسمها.
كل اللي شغالين في المطعم كانوا فاكرين إن صاحب السلسلة كلها مايعرفش حتى أسماء الموظفين.
كانوا غلطانين.
“مايا الشرقاوي” كانت البنت اللي بتملي الكوبايات قبل ما الزباين يطلبوا.
اللي بتفضل زيادة
لما الباقيين يتحججوا بأي حجة.
اللي بتعتذر حتى لما الغلط مش غلطها.
واللي كانت ساكتة بزيادة بقالها فترة.
جاسر حط صوابعه على رقبتها.
نبض ضعيف.
بس موجود.
فكه اتشنج.
— «فهد. إسعاف. حالًا.»
فهد كان بالفعل بيطلب.
جاسر شال مايا بين إيديه.
كانت خفيفة بشكل ضايقه أكتر مما كان متوقع.
مش لأنها ضعيفة…
لكن لأن واضح إن الناس كانت بتكسر فيها حتة حتة من زمان.
حطها فوق الترابيزة الاستيل، وقلع معطفه ولفّه حواليها كويس.
— «مايا… افتحي عينيكي.»
رموشها اتحركت.
بس ما ردتش.
بدأ يدفّي دراعاتها بإيده.
— «ماتناميش. سامعة؟ ماتناميش.»
شفايفها اتحركت بصعوبة.
في الأول ماطلعش صوت.
بعدها همست:
— «أنا… قلت لهم إني آسفة…»
جاسر سكت.
مش لأنه مفهمش.
لكن
لأنه فهم كويس جدًا.
باب التلاجة كان مفتوح وبيطلع دخان برد أبيض في المطبخ.
فهد رجع ووشه متوتر.
— «الإسعاف سبع دقايق.»
جاسر ما بصلهوش.
— «خلّيهم تلاتة.»
فهد اتصل تاني فورًا.
مايا فتحت عينيها بالعافية.
بصت لجاسر كأنه شخص طالع من حلم مش واثقة فيه.
— «هم… زعلانين؟»
جاسر قرب منها شوية.
— «مين؟»
أسنانها خبطت في بعض من البرد.
— «دياب… وكريم… ومعتز… قالوا دقيقة وهيرجعوا.»
ملامح جاسر ما اتحركتش.
وده كان السبب اللي خلّى فهد ياخد خطوة لورا.
مايا بصت ناحية التلاجة وهمست بصوت مكسور:
— «نسوني… أظن نسوني.»
جاسر حط إيده فوق إيدها بهدوء.
وقال بصوت واطي جدًا:
— «لا… هما ما نسوكيش.»
الكلام كان هادي.
لكن الوعد اللي جواه… كان مرعب.
وصلت سيارة الإسعاف في ثلاث دقائق بعد أن تحولت لهجة "فهد" على الهاتف إلى تهديد صريح بإغلاق المشفى الإقليمي بأكمله إن تأخروا ثانية واحدة. حمل المسعفون "مايا" وهي لا تزال ملتفة بمعطف "جاسر المرشدي" الأسود الثمين، بينما كانت أنفاسها الضعيفة تصنع هالة من البخار الأبيض في الهواء البارد.
جاسر لم يركب معها في سيارة الإسعاف. وقف عند الباب يراقب السيارة وهي تبتعد، وعيناه تحملان موتاً معلناً. التفت إلى فهد وقال بصوت هادئ كهدوء القبور:
— «فهد.. اطلب مدير الفرع "مدحت"، وبلّغه إن فيه اجتماع طارئ في المطعم بعد ساعة من الآن. واطلب لي "دياب، وكريم، ومعتز" ييجوا فوراً بحجة إن فيه مكافآت سنوية بتتوزع كاش كعادة السلسلة في منتصف العام.»
فهد انحنى باحترام: «تحت أمرك يا جاسر بيه.. ورجالتنا هتكون محاوطة المكان.»
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. أنوار مطعم "بيلارو" الفخم كانت مضاءة بالكامل هذه المرة، لكنه كان خاوياً من الزبائن، والهدوء الذي
يسكنه كان يشبه الهدوء الذي يسبق إعصاراً يقتلع الأشجار.
دخل "دياب"، و"كريم"، و"معتز" وهم يضحكون ويتسامرون، يبدو على وجوههم أثر سهرة صاخبة في أحد النوادي القريبة. كانوا يرتدون اليونيفورم الأنيق الخاص بمشرفي الصالة وطهاة المقبلات، وخلفهم دخل المدير "مدحت" وهو يعدل رابطة عنقه بتوتر ملحوظ بعد أن علم بوجود سيارة الجاسر بره.
لكن أول ما دخلوا المطبخ الاستيل الفخم، تجمدت الضحكات على شفاهم.
جاسر المرشدي كان يجلس على مقعد خشبي في منتصف المطبخ، واضعاً رجلاً فوق رجل، وبدونه معطفه الأسود بدا قميصه الأبيض ناصعاً وحاداً تحت إضاءة الفلورسنت القوية. وبجانبه كان يقف فهد وثلاثة حراس ضخام الجثة، وعيونهم لا ترمش.
— مدحت المدير بتلعثم وخوف: «جاسر بيه! أهلاً بحضرتك.. إحنا قفلنا المطعم على أعلى مستوى وكل حاجة تمام.. بس خير؟ الشباب بلغوني إن فيه مكافآت؟»
جاسر لم يرد. أشار بصباعه نحو باب التلاجة الكبيرة، التي كانت لا تزال مفتوحة وتخرج بروداً خفيفاً.
— جاسر بنبرة هادئة كالسم: «دياب.. إنت شغال هنا بقالك كام سنة؟»
— دياب ابتلع ريقه بنفاد صبر حاول إخفاءه: «سنتين يا فندم.. مشرف صالة أول.»
— «وكريم ومعتز؟»
— كريم بخوف: «سنة ونص يا بيه.»
جاسر وقف ببطء، مشى نحوهم بخطوات واثقة، وصوت حذائه الإيطالي على الرخام كان يوقع عقوبة الإعدام على شرفهم. وقف أمام دياب مباشرة وقال:
— «مايا الشرقاوي.. قفلتوا عليها الباب الساعة كام؟»
الكلمة نزلت عليهم كالصاعقة. دياب شحب وجهه تماماً، وكريم بدأ يهز رأسه بذعر، أما معتز فتراجع خطوة للخلف وصدمته
هدت حيله.
— دياب بتلعثم: «يا فندم.. دي.. دي كانت هزر! إحنا كنا بنهزر معاها بس! هي كانت بتتنك علينا ومبتسلمش وتعمل نفسها جد بزيادة، فقلنا نعدل دماغها شوية.. قلنا دقيقة وهنفتح! بس.. بس إحنا نسينا والله العظيم نسينا وروحنا نسهر!»
— جاسر بصوت هز أركان المطبخ الاستيل: «نسيتوها؟ نسيتوها ٦ ساعات في درجة حرارة تحت الصفر؟ البنت كانت بتموت وبتخبط لآخر ثانية وهي بتقول (أنا آسفة) لـ عيال مستهترة ميسووش ضفرها!»
التفت للمدير مدحت الذي كان يبكي من الرعب:
— «وإنت يا مدام مدحت.. إزاي قفلت المطعم وعملت جرد الكتروني من غير ما تتأكد إن موظفينك كلهم خرجوا؟ وإلا إنت متعود تغمض عينك عن قرفهم وتمرمرهم للبنات الغلبانة اللي ملهاش ضهر؟»
مدحت وقع على ركبته: «يا باشا أنا مكنتش أعرف! هما قالوا لي إن مايا مشيت بدري عشان تعبانة!»
جاسر أشار لفهد:
— «فهد.. الفلاشة اللي عليها تسجيلات كاميرات المطبخ من أول ما دخلت لحد ما قفلوا عليها، تروح فوراً للنائب العام مع بلاغ رسمي بتهمة (الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد)، وتثبيت تهمة الإهمال الجسيم والتستر للمدير مدحت.»
كريم صرخ وهو بيبكي ويتوسل: «جاسر بيه! أرجوك بلاش مستقبلنا هيروح! إحنا أهالينا ناس محترمة ولينا اسم في السوق!»
— جاسر بص لهم باحتقار مقرف: «الاسم اللي بنيتوه بالظلم، هتهدوه بالكلبشات. الست اللي كنتوا فاكرين إن مالهاش ضهر، ضهرها هو جاسر المرشدي شخصياً من اللحظة دي.»
دخل رجال الشرطة الذين كانوا ينتظرون إشارة فهد بالخارج، وتم اقتياد دياب وكريم ومعتز بالكلبشات
بملابس الشغل، والمدير مدحت وراهم، وسط فضيحة رنت في كل الأوساط الفندقية والطبية في مصر.
بعد مرور شهرين على الليلة التاريخية في ماي ٢٠٢٦..
المحكمة أصدرت حكماً رادعاً بالسجن المشدد لمدة ٥ سنوات للمتهمين الثلاثة بتهمة الشروع في القتل، وإغلاق الفرع القديم لمطعم بيلارو بالمهندسين وتغريم الإدارة ملايين الجنيهات كتعويض نفسي وجسدي.
أما في فرع المستشفى الاستثماري الكبير الخاص بعائلة المرشدي..
كانت الشمس دافية وجميلة تملأ الغرفة. مايا كانت قاعدة على السرير، وشها رجع له اللون الوردي وصحتها بقت تمام، ولابسة فستان رقيق شيك جداً.
انفتح الباب ودخل جاسر المرشدي ومعه باقة ورد ضخمة من الأوركيد الأبيض.
— جاسر بابتسامة حقيقية: «حمد الله على السلامة يا مايا.. التقرير الطبي بيقول إنك بقيتي جاهزة تبدأي حياتك الجديدة.»
— مايا بدموع فرحة: «جاسر بيه.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. حضرتك أنقذت حياتي ورجعت لي كرامتي قدام الدنيا كلها.»
جاسر قدم لها عقد تعيين فخم مذهب:
— «إنتي مش هترجعي تملي كوبايات تاني يا مايا. من بكرة الصبح، إنتي المديرة الإقليمية الجديدة لقسم الجودة والعلاقات الإنسانية في كل سلسلة مطاعم المرشدي.. بمرتب وسيارة خاصة تليق بيكي وبأصلك وتعبك. البنت اللي صمدت في التلاجة، تقدر تدير إمبراطورية كاملة بالحق والرحمة.»
ابتسمت مايا وحست إن العوض الحقيقي من ربنا ملوش حدود. وعرف جاسر المرشدي إن الفلوس والنفوذ مالهومش قيمة لو مكنوش درع يحمي الضعيف ويرد المظالم لأصحابها. وبقيت مايا فوق السحاب، وراسها مرفوعة، وعايشة
بالنفس العزيزة اللي عمرها ما هتنحني لحد تاني أبداً.
**تمت.**


تعليقات
إرسال تعليق