منذ ثمان عشر سنه
منذ ثمان عشر سنه
اخطات في حق زوجي مرة واحدة، فعاقبني لمدة ثمانية عشر عامًا بأن ينام بجانبي وكأن جلدي ن..جس. لكن في يوم فحصه الطبي بعد التقاعد، فتح طبيب ملفًا قديمًا وقال جملة واحدة حطّمتني أكثر من خطيئتي.
لمدة ثمانية عشر عامًا، لم يُقبّلني أرفيند أبدًا.
لم يعانقني.
لم يسمح حتى لأصابعه أن تلامس أصابعي، ولو عن طريق الخـ,ـطأ.
كل ليلة، كان يضع وسادة بيضاء بيننا، كأنها جدار جنازة صغير ونظيف.
وأنا، نينا ديشموخ الغبية، كنت أظن أنني أستحق ذلك.
لأن نعم…
لقد أخطأت.
في مساءٍ ممطر من مواسم المونسون في مومباي، بينما كان المطر يضرـ,ـب أسطح الصفيح قرب دادار، وكانت الشوارع تفوح برائحة التراب المبلل والفادا باف والديزل، فعلتُ الشيء الوحيد الذي أقسمت ألا أفعله أبدًا.
خنتُ زوجي.
اسمه كان سمير.
كان بائعًا في مكتب النسيج الذي أعمل فيه.
لم يكن أكثر وسامة من أرفيند،
ولا أغنى،
ولا أطيب.
لكنه فقط… نظر إليّ وكأنني ما زلتُ حيّة.
كأنني لست مجرد “نينا تاي”، المرأة التي تُحضّر الطعام، وتكوي القمصان، وتعدّ النقود لشراء الخضار، وتنتظر كل ليلة مع العدس الدافئ على الموقد.
بدأ الأمر برسائل.
ثم شاي قرب المحطة.
ثم كذبة صغيرة.
ثم أخرى.
حتى في ظهيرة ممطرة، في نُزُل رخيص قرب سيون، خلعتُ المانجالسوترا (عقد الزواج) ووضعته على الطاولة بجانب السرير.
حتى الآن، تلك الذكرى تحرق حلقي.
عندما عدتُ إلى المنزل تلك الليلة، كان شعري ما يزال يحمل رائحة المطر والـ,ـذنب.
كان أرفيند جالسًا في المطبخ.
قدر الضغط صامت.
وصوت الساعة أعلى من اللازم.
لم يصرخ.
لم يكسر شيئًا.
لم يسألني أين كنت.
فقط نظر إلى عنقي.
إلى المكان الفارغ حيث يجب أن يكون عقدي.
ثم قال:
“اذهبي لتستحمي يا نينا… رائحتك كرائحة رجلٍ آخر.”
انهارت ساقاي.
بكيت.
توسلت.
أخبرته بكل شيء.
الرسائل.
الأشهر الثلاثة.
النُزُل.
العار.
لم يصفعني أرفيند.
لم يطردني.
لم يُخبر أهلي.
كان ذلك سيكون رحمة.
بدلًا من ذلك، وقف بهدوء، دخل غرفة النوم، أخذ وسادة من الخزانة، ووضعها بين جانبينا من السرير.
في تلك الليلة، نام وظهره لي.
كأن شيئًا مات بيننا، وهو لا يريد لمس الجـ,ـثة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يلمسني أبدًا.
لا في ديوالي.
لا عندما ماتت أمي وانهرت قرب المحرقة.
لا عندما أجريتُ عملية في المرارة وعدتُ منحنية كعجوز.
ولا حتى عندما أحضر أطفالنا كعكة وزهورًا لذكرى زواجنا الثلاثين.
أمام الناس، كان أرفيند مثاليًا.
يقدّم لي الشاي.
يفتح باب السيارة.
يناديني باسمي بهدوء يجعل الأقارب يقولون: “يا له من رجل محترم.”
في المنزل… كان جليدًا.
جليدًا مهذبًا.
جليدًا صامتًا.
جليدًا قاسيًا.
ننام تحت نفس المروحة، في نفس السرير، تحت نفس صورة اللورد غانيشا، نتنفس نفس الهواء المتعب…
لكن دائمًا مع تلك الوسادة بيننا.
حدّ أبيض.
عقاب لا يراه أحد.
أحيانًا، في الثانية صباحًا، كنت أستيقظ وأجده يحدق في السقف.
أهمس: “أرفيند…”
فيرد دون أن يلتفت:
“نامي. لدي عمل في الصباح.”
فأبتلع اعتذاري مرة أخرى.
لمدة ثمانية عشر عامًا.
كبرتُ وأنا أطلب الإذن حتى لأتنفس.
وضعتُ أحمر الشفاه؛ لم ينظر.
اشتريتُ ساريًا جديدًا؛ لم يلاحظ.
طبختُ له طعامه المفضل؛ أكل دون أن يتذوق.
استقر الحزن في عظامي، لكنني لم أرحل.
لأن جملة واحدة كانت تعود إليّ كل مرة كسم:
“أنتِ تستحقين هذا.”
كبر أولادنا وهم يظنون أن والديهم مسالمان.
العائلة كانت تعتبر أرفيند قديسًا لأنه لم يتركني.
والنساء في البناية يقلن: “أنتِ محظوظة يا نينا، رجال مثله لا يوجدون.”
كنت أبتسم وروحي تنزف خلف أسناني.
لو رأوا غرفة نومنا… لفهموا.
يمكن للرجل أن يدفـ,ـن امرأة دون أن يرفع صوته.
كل شيء تغيّر بعد تقاعد أرفيند.
ذلك الصباح بدا خاطئًا منذ البداية.
لم يشرب الشاي.
لم يقرأ الجريدة.
جلس على الطاولة، يحدق في شق صغير بالجدار كأنه جاء ليأخذه.
قال:
“لدي فحص طبي للتقاعد اليوم.”
قلتُ:
“سآتي معك.”
كنت أتوقع أن يرفض.
لكنه سكت.
وكان صمته يومها مخيفًا أكثر من رفضه.
ذهبنا إلى عيادة حكومية قرب أنديري.
غرفة الانتظار كانت مليئة برجال متقاعدين يحملون ملفات، وزوجات يمسكن علب الدواء، وممرضات ينادين الأسماء وسط رائحة المعقم والقهوة الرديئة.
لم يمسك أرفيند يدي.
بالطبع لا.
لكن ذلك اليوم… كان يمشي ببطء.
كأنه يحمل شيئًا أثقل من العمر.
داخل غرفة الطبيب، فتح الطبيب التقارير.
صفحة… ثم أخرى…
ثم ملفًا أصفر قديمًا من أسفل.
تغير وجهه.
نظر إلى أرفيند… ثم إليّ.
قال بحذر:
“السيد ديشموخ… هذا لم يحدث فجأة.”
تجمد صدري.
سألت:
“ما الذي به؟”
لم يُجب.
أخرج ورقة مطوية من الملف القديم.
مدّ أرفيند يده ليأخذها، لكن يده ارتجفت فسقطت.
ثم نظر الطبيب إليّ مباشرة وقال الجملة التي شقّت ثمانية عشر عامًا من حياتي إلى نصفين:
“السيدة نينا… قبل أن أتحدث عن حالة زوجك، أحتاج أن أعرف… هل أخبركِ أحد بما وقّع عليه قبل ثمانية عشر عامًا؟”
تجمّد كل شيء داخلي.
شعرتُ وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي، لكني تمسّكتُ بطرف الكرسي وسألت بصوت بالكاد خرج:
“وقّع على ماذا؟”
لم ينظر الطبيب إليّ مباشرة هذه المرة.
فتح الورقة ببطء… وكأن الكلمات نفسها ثقيلة.
أما أرفيند… فكان يحدّق في الأرض.
لأول مرة منذ ثمانية عشر عامًا، لم يكن جامدًا.
كان… خائفًا.
قال الطبيب بهدوء:
“قبل ثمانية عشر عامًا، جاء زوجك إلى هذا المستشفى بعد أن أجرى فحصًا خاصًا.”
توقّف لحظة، ثم أكمل:
“وكانت النتيجة… أنه لم يكن قادرًا على الإنجاب منذ سنوات طويلة.”
شعرتُ أن قلبي توقّف.
“مستحيل…” همستُ.
لكن الطبيب لم يتوقف.
“في نفس اليوم… طلب إجراء عملية دائمة لإنهاء أي احتمال… ووقّع بنفسه على الموافقة.”
نظرتُ إلى أرفيند، والـ,ـدماء تنسحب من وجهي.
“لماذا؟” سألتُ، وصدري يحـ,ـترق.
لم يُجب.
فأكمل الطبيب الجملة التي حطّمتني:
“لأنه… كان قد استلم بالفعل تقريرًا آخر قبلها بأسابيع… يؤكد أن الأطفال ليسوا من صُلبه.”
الصمت…
ثم صوت دقات قلبي فقط.
“أي… أطفال؟” سألتُ، وأنا أعرف الإجابة لكني أرفضها.
رفع الطبيب عينيه نحوي:
“أطفالكما.”
اختنق الهواء في صدري.
“لكن… لكن خـ,ـيانتي كانت…”
تلعثمت.
“ثلاثة أشهر فقط… بعد سنوات من زواجنا!”
نظر الطبيب في الملف، ثم قال:
“التقرير أقدم من ذلك بكثير.”
عندها فقط… فهمت.
لم يكن صمته عقابًا على تلك الخـ,ـيانة فقط.
لم تكن الوسادة جدارًا بسبب رجل واحد.
كان يعيش مع شك…
مع جرـ,ـح أقدم… أعمق… لم أعرفه أبدًا.
التفتُّ إلى أرفيند، ودمـ,ـوعي تسقط بلا صوت:
“كنتَ تعرف؟… كل هذه السنين؟”
أغلق عينيه للحظة… ثم قال بصوت مكسور لم أسمعه منه من قبل:
“كنت أعرف… أنني لا أستطيع أن أنجب.”
ارتجف صوتي:
“لكن… لماذا لم تقل لي؟ لماذا عاقبتني هكذا؟”
رفع رأسه ببطء… وعيناه مليئتان بشيء لم أره فيه منذ عشرين عامًا:
الألم.
“لأنني…”
توقّف، ثم أكمل:
“لم أكن أعرف… هل أخنتِني قبل أن أعرف؟ أم بعد؟”
سقطتُ على الكرسي.
كل تلك السنوات…
لم تكن صمتًا فقط.
كانت سؤالًا…
لم يُطرح أبدًا.
قال وهو ينظر إلى يديه:
“لو أخبرتُكِ أنني لا أستطيع الإنجاب… هل كنتِ ستبقين؟”
لم أستطع الرد.
لأن الإجابة… كانت تؤلمني أنا أيضًا.
أكمل بصوت خـ,ـافت:
“وعندما اعترفتِ… لم أعرف هل كنتِ أول رجل… أم مجرد واحد منهم.”
شهقتُ وكأن أحدهم طـ,ـعنني.
“أرفيند! أقسم لك… لم يكن هناك أحد قبله!”
لكن صوتي جاء متأخرًا… متأخرًا جدًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة… مكسورة:
“ثمانية عشر عامًا… وأنا أبحث عن هذه الجملة.”
الصمت عاد… لكنه لم يكن نفس الصمت.
كان أثقل.
مدّ الطبيب الملف نحونا وقال بهدوء:
“زوجك مريض… لكن ما قـ,ـتله ببطء… ليس المرض.”
نظرتُ إلى أرفيند.
إلى الرجل الذي عشتُ معه عمرًا كاملًا… ولم أعرف قلبه.
الوسادة التي كانت بيننا كل ليلة…
لم تكن عقابًا فقط.
كانت خـ,ـوفًا.
شكًا.
وسؤالًا بلا إجابة.
مددتُ يدي… لأول مرة منذ سنوات.
ترددتُ.
ثم لمستُ أصابعه.
تجمّد.
لكن… هذه المرة…
لم يسحب يده.
ظلّت أصابعي فوق يده… مرتجفة، خفيفة كأنها تخـ,ـاف أن تجـ,ـرحه أكثر.
ثمانية عشر عامًا من البُعد… اختُصرت في تلك اللمسة.
لم يسحب يده.
لكنّه أيضًا… لم يُمسك بها.
نظرتُ إليه، وقلت بصوت مكـ,ـسور:
“أنا آسفة… بس مش على الخـ,ـيانة بس… على كل يوم سِبتك فيه لوحدك مع الشك ده.”
أغمض عينيه طويلًا… كأنه أخيرًا سمح لنفسه أن يتعب.
خرجنا من العيادة بصمت.
الشمس كانت حادة في عيوننا، والناس تمشي كأن العالم لم يتغيّر… بينما عالمي أنا كان ينهار ويُعاد بناؤه في نفس اللحظة.
في الطريق للبيت، لم نشغّل الراديو.
لم نتحدث.
لكن لأول مرة… لم يكن الصمت جليدًا.
كان… انتظارًا.
—
في تلك الليلة، دخل أرفيند غرفة النوم قبلي.
وقفتُ عند الباب… قلبي يدق كأنني عروس خائفة، لا امرأة عاشت عمرًا كاملًا.
نظرتُ إلى السرير.
الوسادة… ما زالت هناك.
نفس الوسادة البيضاء.
نفس الجدار الصغير الذي دفـ,ـننا أحياء.
تقدّمتُ ببطء.
جلستُ على طرف السرير.
ثم… مددتُ يدي… وسحبتُ الوسادة.
لم أرْمِها.
وضعتها على الأرض… بهدوء.
رفعتُ عيني إليه.
كان ينظر…
بدهشة… وخـ,ـوف… وكأنني أزيل شيئًا أكبر من مجرد قماش.
همستُ:
“لو هتفضل بينا… يبقى لازم تكون إحنا اللي حطيناه… مش وجعنا.”
سكت طويلًا.
ثم قال بصوت خافت جدًا:
“متأخرة قوي يا نينا…”
اقتربتُ أكثر.
“عارفة… بس لسه عندنا شوية وقت… صح؟”
نظر بعيدًا… إلى صورة “جانيشا” المعلقة فوق السرير… ثم عاد إليّ.
تردّد.
ثم… ببطء شديد… وكأنه يتعلّم من جديد…
مدّ يده.
تجمّدتُ.
يده لم تكن قوية كما كانت.
كانت أضعف… أبطأ… لكنها دافئة.
أمسك أصابعي.
لأول مرة… منذ ثمانية عشر عامًا.
وانهرتُ.
لم أبكِ بصوت.
لكن جسدي كله كان يبكي.
—
مرّت الأيام التالية ببطء.
لم نصبح فجأة زوجين مثاليين.
لم تختفِ الجروح.
لكن… شيئًا تغيّر.
أرفيند بدأ يتكلم.
قليلًا… ثم أكثر.
حكى لي عن كل ليلة كان يسأل نفسه فيها نفس السؤال.
عن كل مرة أراد أن يسألني… وخـ,ـاف من الإجابة.
وأنا… حكيت له عن وحدتي.
عن كيف أنني عاقبت نفسي قبله.
عن كيف أنني ظللتُ أعيش كأنني لا أستحق الحب.
اكتشفنا أننا… كنا شخصين يتعذبان في نفس الغرفة، لكن كل واحد في سـ,ـجن مختلف.
—
بعد شهر… في صباح هادئ، كنتُ أعدّ الشاي.
جاء أرفيند من خلفي.
توقّفتُ… دون أن ألتفت.
ثم شعرتُ بشيء خفيف…
على كتفي.
يده.
تجمّدتُ… ثم أغمضتُ عيني.
قال بهدوء:
“الشاي هيبرد.”
ضحكتُ… وبكيتُ في نفس اللحظة.
—
في تلك الليلة… عندما ذهبنا للنوم…
لم تكن هناك وسادة بيننا.
كان هناك خـ,ـوف… نعم.
وكان هناك ماضٍ ثقيل.
لكن كان هناك أيضًا…
شيء لم يكن موجودًا منذ زمن طويل.
محاولة.
وقبل أن نطفئ النور، همس أرفيند:
“نينا…”
“همم؟”
تردّد… ثم قال:
“خلّينا… نبدأ من اللي باقي… مش اللي ضاع.”
أمسكتُ يده بقوة هذه المرة.
“حاضر.”
—
أحيانًا… لا يدمرنا الخطأ.
ولا حتى العقاب.
الذي يقـ,ـتل ببطء…
هو الصمت.
ثمانية عشر عامًا… ضاعت بين سؤال لم يُسأل… وإجابة جاءت متأخرة.
لكن في النهاية…
حتى القلوب المتعبة…
تجد طريقها… إذا قررت أن تتكلم.


تعليقات
إرسال تعليق