القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزى قالى "انا زهقت من مصاريفك"



جوزى قالى "انا زهقت من مصاريفك"

جوزي قالها لي في وشي: "أنا زهقت من مصاريفك! كل واحد يشيل نفسه وكل واحد ومحفظته." وأنا بكل برود وافقت... لحد ما...


كان بيقول إنه زهق من إنه يصرف عليا، وهو بياكل من الأكل اللي أنا شرياه بفلوسي، وعايش في بيت أنا اللي شايلاه ومحافظة عليه، وفي حياة مبنية كلها على تعبي وشقايا اللي مبيحسش بيهم.


عشان كده ابتسمت واديتله اللي هو عاوزه بالظبط.


وعلى يوم السبت، كانت عيلته كلها قاعدة قدام أطباق مكرونة نية، وما حدش فيهم كان طايق يبتسم حتى.


الجملة دي طلعت من بوق "شريف" ليلة أربع، والمناديل والاطباق لسه في الحوض، وريحة السلمون بالليمون لسه قالية المطبخ.


قال لي وهو واقف جنب رخامة المطبخ ومربع إيده، وبيحاول يبان في دور الراجل اللي بياخد قرار شجاع: "يا حبيبتي، من أول القبض ده، كل واحد فينا هيدير فلوسه لوحده.. أنا زهقت من المصاريف وشيل مسؤوليتك."


في اللحظة دي، المطبخ هدي لدرجة إني كنت سامعة صوت الموتور بتاع التلاجة وهو بيشتغل.


ومن شباك المطبخ، شوارع القاهرة كانت ضلمة وكئيبة في برد الشتا، وضباب خفيف مغطي الإزاز. أنوار العمارات اللي جنبا كانت باينة زي بيوت صغيرة مقفولة على أسرار أصحابها. وفي الصالة، كان صوت نشرة الأخبار شغال واطي من التلفزيون اللي شريف سابه والوع ومشي.


فضلت باصة له.


مش عشان اتصدمت.


لأ، عشان كنت عاوزة أحفر شكل وشه في ذاكرتي وهو بيقول الكلمة دي.


كان باين عليه متوتر، بس مبسوط بنفسه ومنتصر. فكه كان مشدود، وحواجبه مقربة


من بعضها، وكتافه مرفوعة لفوق كأنه مستنيني أهجم عليه. كان مرتب الكلام ده ومصطبحه في دماغه، باين أوي من قفلة شفايفه بعد ما خلص الجملة، ومن صباعه الإبهام اللي كان عمال يحركه على دبلته. كان مستني دموع، كان مستني خناقة وصريخ، كان مستني يكلمني عن العدل، والجواز الحديث، والمسؤولية الشخصية، وكل الحجج والشعارات اللي لقطها من كام مقال على النت وهو مش فاهم فيهم حاجة أصلاً.

بس اللي ماكنش عامل حسابه ليه خالص... هي ابتسامتي.


قلت له: "تمام، موافقة."


ملامحه اتلخبطت في ثانية: "إيه؟"


"قلت لك تمام." طبقت فوطة المطبخ وحطيتها بنظام على يد البوتاجاز: "من بكرة الصبح، كل واحد محفظته لوحده."


بربش بعينه وقال بذهول: "يعني موافقة؟"


"جداً."


"ومش زعلانة؟"


سألته: "وأزعل ليه؟ إنت عاوز استقلالية، وعاوز كل واحد يشيل مصاريف نفسه.. كلامك واضح ومفهوش لف ودوران."


شريف فتح بوقه عشان يتكلم، وبعدين قفله تاني.


الثقة اللي كانت في وشه دي طارت فجأة، زي الهوا لما بيهرب من فردة الكاوتش.


قلت له: "تصبح على خير"، ومشيت من قدامه.


لا رزعت باب الأوضة، ولا دخلت عيطت في الحمام، ولا كلمت صاحبتي الأنتيم أقعد أولول لها في التليفون. غسلت وشي، وغسلت سناني، علقت الروب بتاعي، ودخلت السرير. شريف جه بعدي بعشر دقائق ونام مصلب على جنبه، ومديني ضهره وباصص للحيطة.


كنت حاسة بقمة حيرته ولخبطته في الضلمة.


كان فاكر إنه رمى طوبة هتكسر الإزاز...


بس الطوبة غطست في مية غريقة


ومطلعتش صوت.

منمتش علطول ليلتها. فضلت ق those صاحية سامعة صوت الهوا وهو بيخبط في الشيش، وسبت دماغي تلف وترجع لسنين ورا، بتفلي كل فاتورة، وكل أكلة، وكل إهانة سكت عليها وبلعتها لمجرد إني كنت فاكرة إن شراء الدماغ أرخص من النكد والمشاكل.


كان عندي واحد وتلاتين سنة. بقالي تمن سنين شغالة في شركة شحن ولوجستيات كبيرة، بدأت كمنسقة شحن لحد ما بقيت مديرة قسم الشحن الدولي كله. شغلي ماكنش من النوع المنمنم واللطيف اللي الناس بتتخيله عن شغل الشركات، ماكنش خروجات وغدا عمل ومكاتب رايقة بتطل على النيل.. لأ، كان مواعيد تسليم بتضيع، وورق جمارك واقف، ومكالمات تضرب في المليان من مخلصين الجمارك، وكونتينرات محبوسة في المينا، وموردين بيرموا اللوم على الجو، والمينا تلوم الورق، ومديرين عايزين معجزات تخلص قبل الضهر.


بس كنت شاطرة فيه.


شاطرة بزيادة كمان.


المدير العام بتاعي، "أستاذ مدحت"، قال لي مرة إني عندي قدرة غريبة إني أفضى هادية ورايقة والدنيا كلها والعة حواليا. كنت بقدر أغير خط سير شحنات في تلات بلاد وتوقيتات مختلفة وأنا بشرب قهوتي الساقعة وبحل مشاكل قانونية في نفس الوقت. كنت لقط نبرة الخوف في صوت القدامي وأفرملها بـ خطة تخلص الحوار. كنت بقبض بتاع تمانين ألف جنيه في الشهر بعد الضرائب، وساعات بتزيد لما ينزل بونص ربع سنوي.


شريف كان بيعمله حوالي خمسة وخمسين ألف جنيه كـ مهندس رسومات إنشائية في شركة مقاولات. كان مبلغ حلو، ومستقر، ومش عيب أبداً. وعمري


في حياتي ما حسسته إنه أقل مني عشان أنا بقبض أكتر.

يمكن دي كانت غلطتي.


يوم الخميس الصبح بدأ العد التنازلي.


صحيت بدري كالعادة، جهزت فطاري أنا بس. بيضتين مسلوقين، رغيف عيش سن، وكوباية قهوة بلبن. شريف لما شم ريحة القهوة دخل المطبخ وهو بيفرك عينه.


"صباح الخير." قالها وهو بيبص لطرف المطبخ كأنه مستني حاجة.


"صباح النور." قلت له وأنا باخد آخر بقة قهوة وبلم أطباقي.


بص للساندوتش بتاعي اللي لسه ما خلصتوش: "هو مفيش فطار؟"


ابتسمت ابتسامة خفيفة أوي، الابتسامة "الباردة" اللي بتنرفزه: "كل واحد وماليته، فاكر؟ تلاجتي فيها بيض، والتلاجة التانية... أيوة صح، إحنا عندنا تلاجة واحدة. أنا اشتريت الكرتونة دي بفلوسي، والعيش ده بفلوسي. لو عايز تفطر، اتفضل انزل اشتري، أو كل جبنة قريش كانت فايضة من أسبوع، متهيألي دي مشتركة."


ملامحه اتصلبت. "إنتي جادة أوي في الموضوع ده، صح؟"


"لأقصى درجة يا شريف."


شريف ساب المطبخ ونزل من غير فطار.


في الشركة، اليوم كان مطحنة كالعادة. تلت كونتينرات واقفين في مينا إسكندرية بسبب غلطة في الكود الدولي، والعميل عمال يتصل ويصرخ إنه هيخسر ملايين. قعدت أربع ساعات على التليفون، بكلم مخلص الجمارك في إسكندرية، وبكلم المورد في سنغافورة، وبرد على إيميلات المدير العام.


الساعة كانت تلاتة العصر لما الدنيا بدأت تهدا شوية. المخلص كلمني وقال لي إن المشكلة اتحلت، والكونتينرات في طريقها للمخازن. أخدت نفس عميق وابتسمت. كنت حاسة


بانتصار صغير.

في الوقت ده، إيميل جالي من البنك. القبض نزل. تمنين ألف جنيه دخلوا حسابي.


 

بصيت للرقم وحسيت براحة غريبة. مش براحة الفلوس نفسها، لأ، براحة الحرية. الرقم ده كان دليل على شقايا، على تعبي، وعلى إن مفيش حد بيصرف عليا.


لما رجعت البيت، لقيت شريف قاعد في الصالة بيتفرج على التلفزيون. ملامحه كانت متضايقة، بس أول ما شافني حاول يبتسم.


"أهلاً يا حبيبتي، حمد الله على السلامة." قالها وهو بيحاول يبان طبيعي.


"الله يسلمك."


"كنت بفكر... إحنا بكرة جمعة، يعني ممكن ننزل ناكل بره؟" سأل وهو بيبص لي بترقب.


"فكرياً، دي فكرة ممتازة." قلت وأنا بقلع جاكت الشغل: "بس مالياً، أنا مش هقدر أنزل آكل بره بكرة."


شريف اتصدم: "ليه؟"


"عشان إحنا قررنا إن كل واحد محفظته لوحده. وأنا مقررة إني أوفر فلوسي عشان عايزة أشتري حاجة محتاجاها. لو إنت عايز تاكل بره، انزل كل لوحدك، أو اعزم نفسك."


"يعني إيه؟ إنتي مش هتاكلي؟"


"آكل إيه؟"


"الفطار، الغدا، العشا..."


"آآآه، إنت تقصد الأكل؟" قلت وأنا بمثل الاستغراب: "أنا اشتريت أكل للأسبوع كله بفلوسي أنا. تلاجتي مليانة. لو عايز تاكل، اتفضل انزل اشتري أكلك."


شريف بص لي بغضب: "يعني إنتي اشتريتي أكل لنفسك بس؟"


"بالظبط. مش ده اللي إنت قولته؟ 'كل واحد يشيل نفسه'؟"


شريف مسابش الصالة غير لما رزع باب أوضته وراه.


يوم الجمعة كان يوم هادي بالنسبة لي. صحيت بدري، عملت ماسك لوشي، وقعدت أقرأ كتاب. شريف لما صحي، لقاني قاعدة باسترخاء.


"صباح الخير." قالها وهو صوته واطي.


"صباح النور."


"ممكن أسألك حاجة؟" سأل وهو بيبص لي بتردد.


"اتفضل."


"إنتي قررتي إننا نفصل ميزانيتنا بالسرعة دي؟"


"شريف، إنت اللي قررت. أنا مجرد وافقت."


"بس أنا كنت أقصد..."


"كنت تقصد إيه؟" قلت وأنا بقطع كلامه ببرود: "كنت تقصد إنك تزلني بالفلوس؟ كنت تقصد إنك تحسسني إني عالة عليك؟"


شريف اتصلب: "لأ، طبعاً لأ!"


"أمال كنت تقصد إيه؟"


"كنت أقصد إننا نكون مستقلين ماديًا."


"وده اللي حصل." قلت وأنا ببتسم: "إحنا دلوقتي مستقلين ماديًا. كل واحد ومحفظته. كل واحد ومسؤوليته."


يوم السبت كان يوم حاسم. عيلة شريف كانت جاية عندنا على الغدا. مامته، وباباه، وأخته وزوجها وأطفالها.


صحيت بدري، ونزلت اشتريت طلبات العزومة. لحمة، فراخ، خضار، فاكهة، حلويات. اشتريت كل حاجة بفلوسي أنا.


لما رجعت البيت، بدأت أطبخ. ريحة الأكل كانت مالية البيت. شريف لما شم الريحة، دخل المطبخ وهو بيبتسم.


"واو! ريحة الأكل روعة! شكلك طبختي حاجات كتير." قال وهو بيبص للأطباق اللي على الرخامة.


"بالظبط."


"شكراً يا حبيبتي،


أنا عارف إنك تعبتي في العزومة دي."

ابتسمت الابتسامة الباردة تاني: "أنا معملتش عزومة يا شريف."


شريف اتصدم: "إيه؟ أمال الأكل ده كله لمين؟"


"ده أكلي أنا للأسبوع الجاي." قلت وأنا ببتسم: "مش ده اللي إحنا قررناه؟"


شريف بص لي بغضب: "يعني إيه؟ أمال أهلي لما يجوا هياكلوا إيه؟"


"ماياكلوش." قلت وأنا برفع حواجبي: "أو اتفضل انزل اشتريلهم أكل من بره. أو أطبخلهم إنت. مش إنت اللي عايز استقلالية مادية؟"


شريف فتح بوقه عشان يتكلم، بس معرفش يقول حاجة. الثقة اللي كانت في وشه طارت للمرة التانية.


لما عيلة شريف جت، كان الجو متوتر. شريف كان لسه مدياق من كلامي، وأهله كانوا مستغربين إن مفيش أكل على السفرة.


"إيه يا حبيبتي، فين الأكل؟" سألت مامة شريف وهي بتبص لي باستغراب.


ابتسمت ووضحت لها الموقف: "طنط، إحنا قررنا إن كل واحد مننا يشيل مصاريفه لوحده. وأنا النهاردة مش مقررة أطبخ لعزومة."


مامته اتصدمت: "يعني إيه؟ وشريف؟ وأحنا؟"


"شريف يقدر ينزل يشتريلكم أكل من بره، أو يطبخلكم هو." قلت وأنا ببتسم: "أنا معنديش مانع."


شريف بص لي بغضب، بس معرفش يتكلم. أهله كانوا باصين لبعض بذهول.


في اللحظة دي، شريف فهم. فهم إن قراره كان غلط. فهم إنه كان عايش في وهم إنه بيصرف


عليا، وهو في الحقيقة كان عايش على حساب تعبي وشقايا.

شريف نزل واشترى أكل من بره، بس الجو كان كئيب. أهله كانوا حاسين بالغرابة، وأنا كنت قاعدة بانتصار.


بعد ما أهله مشيوا، شريف دخل الأوضة وهو مديق.


"إنتي مبسوطة باللي حصل النهاردة؟" سألني وهو بيبص لي بغضب.


"جداً." قلت وأنا ببتسم بانتصار: "مبسوطة إني عرفتك حقيقتك."


"حققتي إيه؟"


"حقيقتك إنك إنسان أناني، وعايز تحس بالسيطرة عليا." قلت وأنا ببص له بتحدي: "إنت كنت فاكر إنك بتصرف عليا، بس في الحقيقة أنا اللي كنت شايلة البيت ده على كتافي."


شريف فتح بوقه عشان يتكلم، بس معرفش يقول حاجة. الدموع بدأت تلمع في عينه.


"أنا آسف." قالها وهو صوته بيترعش.


"آسف على إيه؟"


"على كل حاجة." قالها وهو بيبكي: "على كلامي، على قراري، على كل مرة حسستك فيها إنك أقل مني."


بصيت له وبدأت أهدي.


"أنا مش عايزة استقلالية مادية يا شريف." قلت له وأنا بمسك إيده: "أنا عايزة مشاركة. عايزة نكون يد واحدة في كل حاجة. في الفلوس، في البيت، في كل لحظة في حياتنا."


شريف مسك إيدي وقبلها: "وعد، من النهاردة مفيش كلام في الفلوس تاني. إحنا شركاء في كل حاجة."


ابتسمت، وضميته ليا. في اللحظة دي، حسيت إن البيت بدأ يرجع فيه الحياة تاني.


الطوبة اللي رماها شريف مكسرتش الإزاز، بس هي خلقت تموجات في المية الغريقة، وفى النهاية، خلتنا نشوف حقيقتنا، ونقرب من بعض أكتر.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close