القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بعد طلاقي 



بعد طلاقي 


بعد طلاقي 3 شهور لما عرف طليقي اني حامل قالي بكل برود اللي في بطنك مش ابني اتخلصي منه بدل ما افضحك...انا فرحي بعد اسبوع ومش عايز مشاكل...ولما شافه بهد ست سنين كان هيوقع من طوله


بعد تلت شهور من طلاقي كنت حاطة التليفون على ودني، وصوت الرنة بياكل في أعصابي.. رن تلات مرات لحد ما رد.

"عمر" فتح الخط.. من غير حتى ما يقول "ألو" أو "سلام عليكم".

قلت وانا بعيط: "عمر انا ..أنا طلعت حامل."

وسكت ثانية وتابعت: "لسه خارجه من عند الدكتور واكدلي ؟"

الناحية التانية من الخط غرق في سكوت تام لمدة تلات ثواني..

مبنتش عليها حيرة أو تردد.. لأ، ده كان سكوت الموت اللي بيسبق العاصفة.

وبعدها سمعت ضحكة خفيفة منه.. ضحكة باردة زي التلج، حستها زي الموس اللي بيجرح في قلبي.

"جرى إيه يا فريدة؟ الهزار ده بايخ قوي ومش وقته خالص."

"إحنا بقالنا تلات شهور متطلقين.. جاية تقوليلي حامل دلوقتي؟"

وبنبرة تانية خالص، نبرة تذبح، قال: "ابن مين ده؟"

الكلمتين دول نزلوا على ودني زي الصاعقة..

ضغطت بأصابع بيترعشوا على ورقة التحاليل اللي في إيدي، لدرجة إن كف إيدي عرق والورقة اتكرمشت تماماً.

"انت بتستهبل ...انا حامل في اربع شهور يعني من قبل ما نتطلق حافظ على كلامك؟!"

ضحك تاني، بس المرة دي الضحكة كانت عالية وساخرة:

"إنتي نسيتي ولا إيه؟ فاكرة لما أخدتك وروقنا وعملنا تحاليل قبل الجواز عشان نطمن؟"

"فاكرة الدكتورة قالت إيه.. ولا الذاكرة خانتك؟"

دماغي لفت، وبقيت مش مجمعة.. تحاليل قبل الجواز..

آه، فعلا حصل.. وقتها قالي إن أهله مستعجلين على الجواز ولازم نعمل الفحوصات دي، ويوم ما استلم النتيجة كان وشه مقلوب، وقالي "حاجة بسيطة ومتشغليش بالك". وأنا زي الهبلة صدقته ومفتشتش وراه.

صوته رجعني للواقع وهو بيقول بقسوة:

"الدكتورة قالتلي إني مابخلفش.. يعني أنا عمري ما هجيب عيل من صُلبي يا فريدة."

"فـ قوليلي بقى.. اللي في بطنك ده.. ابن حرام ومين أبوه؟!"

ابن حرام؟!

الكلمة دبحتني، وحسيت إن قلبي اتعصر وبقى ميت ومبقاش حتى فيا حيل للوجع.

سنان بتخبط في بعضها من الصدمة..

يعني "الحاجة البسيطة" اللي قال عليها كانت دي؟

يعني قبل يتجوزني وهو مخبي عني حاجه تخصني بالشكل ده

صوته رجع لطبيعته، بارد ومستقر كأنه بيناقش بيعة وشروة في الشغل:

"حدنا لحد هنا، وكل حي يروح لحاله."

"وعشان خاطر العشرة والتلات سنين اللي فاتوا، بنصحك تنزلي البتاع ده بأسرع وقت ونظفي وراكي."

"ومشوفش وشك تاني، ولا تتصلي بالرقم ده."

"والخط قطع.

فضلت واقفة في مكاني، ماسكة الموبايل على ودني زي الصنم، وسط زحمة ودوشة الممر في المستشفى الحكومي.

الناس رايحة وجاية..

صوت الرجلين، ونداء الممرضات، وعياط الأطفال..

كل ده كان واصلني زي ما أكون تحت الماية، بعيد ومكتوم ومبقتش سامعة حاجة.

فتحت الواتساب..

كانت لسه صورته وهو واخدني في حضنه على البحر هي الصورة الشخصية.

دخلت على الشات، ولسه بكتب أول حرف..

ظهرت لي العلامة الحمراء اللعينة ومكتوب جنبيها:

(لم يتم تسليم الرسالة.. قام الطرف الآخر بحظرك).

عملي "بلوك".. شطبني من حياته..

تليفون، وواتساب، وكل حاجة..

زي ما يكون بيرمي كركبة ملهاش عازة في البيت، مسحني من دنيته ومسابش وراه أي أثر.

نزلت على الأرض بالراحة.. قعدت القرفصاء في ركن الممر، ودفنت وشي بين ركبي.

معيطتش..

بس جسمي كله كان بيتفض نفضة غريبة، وبرد الشتا كله سكن في العضم.

ماشي يا عمر.. كتر خيرك.

إنت مش عاوز الولد ده.. بس أنا عوزاه.

ده ابني أنا، ومش ابن حرام.. ده حتة مني وهيعيش  ويبقى سندي لوحدي.

الأيام بتعدي.. تفرم فينا بس في نفس الوقت بتداوي.

ست سنين..

ست سنين كانوا كفيلين إنهم يخلعوا اسم "عمر" من جـ دور قلبي، وميفضلش منه غير خط صغير لجرير قديم مبقاش يوجع.

ست سنين حولوا حتة اللحمة الحمراء اللي كانت بتصرخ ليل نهار.. لراجل صغنون، رايح أولى ابتدائي، ولابس شنطته على ضهره، وبيجري قدامي بخطواته القصيرة.

سميته "يوسف"..

عشان ربنا يعوضني بيه عن كل اللي شفته.

الست سنين دول.. التعب فيهم كان بجد وميهزرش.

كنت بروح أكشف لوحدي، أشوف الستات واقفين والرجالة ساندينهم، وأنا واقفة لوحدي في الطابور وساندة ضهري بإيدي.

يوم الولادة.. لما جم يكتبوا إقرار العمليات، في خانة "ولي الأمر" أو "الزوج".. مسكت القلم وكتبت اسمي أنا. 

الممرضة بـ صت لي بـ شفقة، بس أنا ابتسمت ومقلتش حاجة حتى لما جيت اعمله شهادة ميلاد كتبتة على اسم اخويا ومراته 

اتكفلت بيه لوحدي من غير ما اعرف عمر اني منزلتوش بقى ابني انا وبس 

عشت الأيام بطولها وعرضها لوحدي، كشفت، وولدت، وربيت، ودوقت المرار ألوان عشان أكبره.

كنت فاكره اني عمري ما هقابل عمر تاني ولا عمره هيعرف ان ابنه عايش بس كنت غلطانه

دارت الأيام ويوسف بقى عنده ست سنين، وكان أول يوم ليه في المدرسة الابتدائية.

 شوفته هناك ..هو عمر متغيرش كتير، واقف قدام المدرسة.. لابس بدلة شيك جدا.

اول ما شافني اتفاجئ قرب مني وقال ...ايه المفاجأ دي مكنتش اتوقع اقابلك بعد كل الوقت ده

مكنتش قادره انطق كنت عايزه اجري من قدامه مش عايزاه يشوف ابني ولا يسأل عملت ايه في موضوع الحمل بس قبل ما اتحرك جه يوسف وهو بيقول ببرائة الاطفال...ماما اتاخرتي عليا انهارده 

أول ما عينه جت في عين ابني.. اتسمر في مكانه، وبلم، ومبقاش ينطق.. الولد كان نسخة كربون منه، نفس الملامح نفس العيون ومفيش فيه غلطة!

قرب خطوتين وصوته بيترعش من الصدمة:

"ماما !!!...ده..ده ابنك ... هو الولد ده عنده كام سنة دلوقتي؟"

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بصيت لعمر ببرود غريب، برود أنا نفسي اتفاجأت بيه.. الست سنين اللي فاتوا مكنوش مجرد وقت بيعدي، دول كانوا مدرسة علمتني إزاي أجمد ومخافش. يوسف كان واقف جمبي، ماسك في طرف فستاني وبيبص لعمر بفضول بريء، وعمر واقف متنح، عينه بتتنقل بين وشي ووش يوسف.. ملامح يوسف كانت بتنطق، شبه عمر في كل حاجة، من أول سحبة العين لحد وقفته وطريقة كلامه.

قرب عمر خطوة كمان، وشه بقا أصفر زي الليمونة، ولسانه اتقل وهو بيقول: "فريدة.. ردي عليا.. الولد ده ابن مين؟ وعنده كام سنة؟ مش ده اللي قولتِ لي إنك..."

قاطعته وأنا برفع راسي وببتسم ابتسامة سخرية، نفس الابتسامة اللي هو ضحكها ليا من ست سنين في التليفون:

"ده يوسف يا عمر.. ابني.. وعنده ست سنين.. زي ما أنت شايف كده، داخل أولى ابتدائي."

عمر حسيت إنه هيقع


من طوله فعلاً، رجله مكنتش شايلاه، ساند بإيده على سور المدرسة وضغط على دماغه كأنه مش مستوعب، وقال بصوت مكتوم ومليان صدمة: "ست سنين؟ يعني.. يعني ده ابني؟ إزاي.. والدكتورة.. والتحاليل؟"

ضحكت بصوت واطي وقولتله: "التحاليل اللي أنت فرحت بيها دي كانت غلط يا عمر، أو يمكن ربنا أراد يوريك إن مش كل حاجة بتمشي بحسابات البشر. بس أنت اخترت تصدق الورق وتكذبني.. اخترت تتهمني وتقفل السكة في وشي وتعملي بلوك عشان تلحق فرحك اللي كان بعد أسبوع!"

عمر كان بيبص ليوسف ودموعه نزلت لأول مرة، حاول يمد إيده يلمس وش يوسف، بس أنا سحبت يوسف ورا ضهري بسرعة. يوسف بصل ومستغرب وقالي: "مين عمو ده يا ماما؟ وليه بيعيط؟"

نزلت لمستوى يوسف وقولتله: "ده واحد يا حبيبي كنا نعرفه زمان.. يلا اركب الباص مع المستر

عشان متتأخرش." يوسف جرى برأته المعهودة وركب الباص وهو بيشاورلي، وعمر عينه متعلقة بيه ومش قادر ينطق.

أول ما الباص تحرك، عمر لف ليا وزعق بصوت مبحوح ومليان ندم: "حرمتيني من ابني ست سنين يا فريدة؟ ده ابني أنا.. من صلبي أنا.. أنا لازم أصلح كل حاجة، لازم يرجع لحضني وبيتكتب باسمي!"

بصيت له بكل قوة وقولتله:

"ابنك؟ أنت ملكش عيال عندي يا عمر. الولد ده يوم ما اتولد، أنا اللي مضيت إقرار عمليته، وأنا اللي سهرت جنبه في المستشفيات الحكومية، وأنا اللي طفحت المر عشان أربيه من غير ما أمد إيدي لحد. أنت يوم ما رمتني وقولتلي (نزلي البتاع ده ونضفي وراكي)، أنت موتّ الأبوة جواك بإيدك."

عمر قعد على الرصيف وهو بيعيط بحرقة، الندم كان بياكل فيه صاحي، وقال: "كنت غبي.. صدقت الدكاترة وخفت من كلام


الناس.. فريدة، مراتي اللي اتجوزتها مخلفتش منها، وبقالي ست سنين بلف على الدكاترة ونفسي في حتة عيل.. يوسف هو أملي الوحيد.. أرجوكي سامحيني."

بصيت له لآخر مرة وأنا حاسة بنصر ملوش مثيل، بس في نفس الوقت حاسة بنظافة من ناحيته، مبقاش يفرق معايا.. قولتله بكلمات حاسمة:

"سبحان الله.. ربنا حرمك من الخلف منها، وحرمك من ابنك اللي من صلبك بذنبي وبذنب الكلمة اللي قذفتني بيها. يوسف هيعيش وهيكبر، وعمرك ما هتعرف تلمسه ولا هتقدر تقول له أنا أبوك، لأنك بنظره مجرد غريب.. زي ما أنت شطبتني من حياتك بلوك، أنا شطبتك من دنيتنا للأبد."

سيبته واقف مكانه مكسور، ولفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي طول الست سنين فاتوا انزاح، وربنا جابلي حقي لحد عندي ومن غير ما أعمل أي حاجة.

 


تعليقات

التنقل السريع
    close