القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دور كرونا كامله 



دور كرونا كامله 


جالى دور كرونا خوفت على بناتى يتعدوا لو جم عشان يقعدوا معايا فقررت انى اروح اقعد مع مرات ابنى لانى لو قولتلها تعالى هترفض وهتقولى العيال  وكده كده ابنى مسافر وبيبعتلها فلوس يعنى هقعد عندها من خير ابنى


المهم جيت على نفسى واخدت بعضى وروحتلها شقتها وخبطت الباب لاقتها فتحت وكانت لابسه عشان خارجه


لما شافتنى تعبانه بصتلى بقلق وسالتنى


ـ مالك يا ماما فى ايه


مرضتش اقولها انى عندى كرونا خفت تخاف تتعامل معايا وانا بصراحه محتاجه اللى يخدمنى


قلت لها وأنا بنهج وساندة نفسي على الحيطة: “مفيش يا بنتي، شوية برد شداد بس ومكسرين عضامي، ولقيت نفسي لوحدي في الشقة ومقَدِرتش أقف على رجلي، قلت أجي أقعد معاكي يومين تخدميني فيهم لحد ما أفوق.. هو إنتِ كنتِ خارجة ولا إيه؟”


بصت لي يمين وشمال، وكنت شامة ريحة البرفان بتاعها لآخر الممر، وشايفاها مجهزة الشنطة في إيدها. ملامحها اتغيرت والابتسامة الهادية اللي كانت على وشها اختفت وبقى مكانها علامات قلق وتوتر باينين زي الشمس. لوت بوزها لثانية كدة وحطت الشنطة على التربيزة اللي ورا الباب وقالت بنبرة فيها حيرة ولخبطة:


ـ “يا خبر يا ماما.. سلامتك ألف سلامة.. بس يعني.. أنا كنت رايحة لماما تعبانة شوية وكانوا مستنييني هناك، والولاد لبسوا خلاص.. طب كنتِ رنيتي عليا قبل ما تيجي المشوار ده وإنتِ تعبانة كدة!”


كلامها ضايقني وحز في نفسي قوي. “ترن عليا؟” بقى أنا أدخل بيت ابني بإذن؟ ده ابني اللي شقيان ومسافر وبيبعت لها القرشين دول من خيره، يعني الشقة دي والخير ده كله بسببه!


دخلت من جنبها وأنا بجر رجلي بالعافية، وقعدت على أول كرسية قابلتني في الصالة وقلت لها بنبرة زعل عاتبتها بيها:


ـ “جرى إيه يا مرام؟ هو أنا غريبة عشان أرن وأخد إذن؟ أنا جاية بيت ابني يا بنتي، وبعدين أمك ربنا يشفيها عندها اللي يخدمها، إنما أنا مليش حد دلوقتي، وبناتي خفت عليهم يتعدوا مني لأن مناعتهم ضعيفة ومش حمل بهدلة.”


هي سكتت خالص، وبصت للأرض وهي بتفرك في إيدها، والولاد طلعوا جري من جوة فرحانين تيتة جت، بس أنا كنت خايفة أقرب منهم أو أبوسهم عشان موضوع الكورونا ده.. فزقيتهم براحة وقلت لهم: “اوعوا يا حبايب تيتة عشان أنا عيانة وبكح.”


خرجت مرام من الأوضة بعد كام دقيقة، ووشها مفيش فيه أي ضيق، بالعكس، كانت ملامحها كلها حنان ولهفة حقيقية. قفلت تليفونها وحطته في جيبها، وقربت مني وهي بتاخدني في حضنها براحة وتقول بخوف حقيقي عليا:


 “خلاص يا ماما، ولا تشيلي هم أبداً.. أنا كلمت أختي هتروح هي لماما، وأنا هقعد تحت رجلك هنا.. إنتِ بركتنا يا حبيبتي، المهم نطمن عليكي.”


رغم طيبتها دي كلها، أنا جحدت قلبي وقلت في بالي: “أهو كدة كدة غصب عنها لازم تقعد، هو إحنا كنا هنلاقي اللقمة والخدمة دي لولا بيت ابني وشقاه؟”


دخلت مرام الأوضة مع الولاد عشان تغير لهم، وكنت سامعاها وهي بتراضيهم بكلام حلو وبتقول لهم: “معلش يا حبايب ماما، تيتة تعبانة ولازم نقعد نخدمها، ربنا يخليها لينا.” أنا اتمددت على الكنبة بتعب، وجسمي كله كان بيغلي من السخونية، بس كنت بكتم الكحة بالعافية وبحاول مظهرش أي أعراض تخليها تشك إنها كورونا.. خفت لتخاف على العيال وتخليني أمشي، وأنا محتاجة اللقمة والخدمة ومقْدِرتش أقعد لوحدي.


بعد شوية، خرجت مرام وهي لابسة عباية بيتي مريحة، وشها بيضحك ونفسها راضية، وقربت مني غطتني باللحاف كويس وهي بتقول:


ـ “ألف سلامة على غالينا يا ماما.. هعملك حالا ليمون دافي يظبط الصدر، وهدخل المطبخ أعملك شوربة لسان عصفور وفراخ بلدي ترم عضمك.. ثواني والحاجة تكون عندك.”


عدلت نفسي وسندت ضهري على المخدة، وبصيت في الشقة يمين وشمال، وقلت لها بنبرة فيها تلقيح كلام وضيق:


ـ “ياريت يا بنتي.. ربنا يخليلي ابني اللي مأمنّا ومأمن بيته.. لولا شقاه وسفره في الغربة والقرشين اللي بيبعتهم أول بأول والخير اللي هو مدققه في الشقة دي، مكنتش عرفت أجي في تعبي ولا ألاقي لقمة نضيفة آكلها.. ربنا يخليهولي ويفضل البيت ده دايماً مفتوح بحسه وبفلوسه وخيره.”


مرام اتفاجئت بالكلام، وبصت لي للحظة بكسرة خاطر لأنها مش مقصرة، بس بسرعة بلعت الكلمة وابتسمت ابتسامة هادية كلها ذوق وقالت: “ربنا يخليه لنا ويوسع رزقه يا ماما، هو تعبان وشقيان عشاننا وعشانك.. من عينيا حاضر، دقايق والأكل يكون جاهز.”


مشت وراحت على المطبخ بكل أدب، وأنا عيني عليها وهي ماشية، حاطة إيدي على قلبي بدعي السخونية دي تقل قبل ما تاخد بالها إنها كورونا، وفي نفس الوقت عمالة أقول لنفسي: “أنا مغلطتش.. أنا صاحبة حق في البيت ده، ده شقى ابني ودم قلبه وهي عايشة في خيره.”


عليا أسبوع بحاله وأنا قاعدة في شقة ابنـي، ومرام شايلاني من على الأرض شيل. مابتخليش نفسي في حاجة إلا وتعملها، تتبخّر في المطبخ وتطلع لي بالشوربة الدافية والأكل النضيف، وتدخل بالليل تغطيني وتطمن على حرارتي، والولاد كانت منعاهم يقربوا مني طول الوقت وبتقول لهم: “تيتة تعبانة وعايزة ترتاح”.



بس أنا مكنتش برضى أبين لها إني ممتنة، عشان متفتكرش إنها بتجاملني أو بتعمل فيا ثواب، لأ.. كنت دايماً أحب أحجمها وأعرفها إن ده واجبها ومجبرة عليه، فكنت كل ما أشوفها شايلة صينية ولا بتعمل حاجة، ألقح عليها كلام وأقول: “البيت ده عامر بفلوس ابني وشقاه في الغربة، ربنا يخليهولي ويفضل مفتوح بحسه.. ولولا القرشين اللي بيبعتهم من دم قلبه أول بأول مكنش حد عرف يعيش العيشة دي، والواحدة مننا ملهاش إلا بيت ابنها تلاقيه وقت زنقتها وتلاقي اللي يخدمها من خيره”. مرام كانت تسمع الكلام من هنا، تبتسم بكسرة خاطر وتسكت، وترد بكل ذوق: “ربنا يرجعهولنا بالسلامة يا ماما، خيره مغرقنا كلنا”.


المشكلة إن السخونية مكنتش راضية تسيبني، والكحة زادت وبقيت مش قادرة أصلب طولي، وكل ما مرام تدخل عليا أكتُم الكحة في صدري لحد ما كنت هفطس، وأقعد أدعي في سري إن السخونية تهدى عشان حكاية الكورونا دي ماتتكشفش.


في يوم، دخلت عليا الأوضة وهي ماسكة كوباية ينسون، وبصت في وشي بقلق حقيقي وقعدت جمبي على السرير وحطت إيدها على قورتي وقالت لي بخوف:


ـ “ماما.. إنتِ بقالك أسبوع على الوضع ده، والبرد مش عايز يروح، وجسمك لسه دافي والنهجان ده مش عاجبني.. أنا كدة هقلق عليكي بجد. البسي يلا وأنا هطلب تاكسي وننزل نروح لأقرب دكتور يكشف عليكي ويطمننا، كدة غلط يا حبيبتي.”


أنا اتنفضت من مكاني وخفت خوف مش طبيعي، وسحبت إيدي منها بسرعة وقلت بنبرة فيها حدة وعصبية عشان أداري لجلجتي وخوفي ليتكشف مستوري:


ـ “دكتور إيه يا بنتي وبتاع إيه؟ أنا ماليش في الدكاترة ومحبش الروحة والمجية بتاعتهم.. هو شوية برد وعايزين وقت وهيعدوا، سيبيني في حالي.”


مرام اتفاجئت من رد فعلي وقالت بقلة حيلة ونبرة كلها رجاء:


ـ “يا ماما عشان خاطري، إحنا بقالنا أسبوع، مفيش برد بيقعد كدة من غير ما يخف، نطمن بس عشان نكتبلك علاج صح.”


لقيت نفسي بزعق فيها وقلت بوجع ولؤم عشان أقفل السيرة خالص وأفكرها بمكانتها:


ـ “قلت لك لأ يعني لأ! أنا حرة في جسمي، وبعدين إنتِ مالك زعلانة قوي كدة ومستكتراني في السرير؟ متقعديش تزنّي على دماغي، إنتِ هنا عشان تخدميني وبس من خير ابني وفلوسه اللي بيبعتهالك.. يعني ده واجبك ومجبرة عليه ومش بتجامليني، فريحي نفسك واعملي اللي بقولك عليه من غير كتر كلام!”


سكتت مرام وبصت لي بذهول وحزن رهيب من كلامي وقسوتي عليها، ودموعها لمعت في عينيها لأنها بتعمل كدة بود، قامت خدت الكوباية وخرجت من الأوضة وهي ساكتة ومكسورة الخاطر.


أنا قعدت على السرير وأنفاسي سريعة وحاطة إيدي على قلبي، وبقيت أقول لنفسي: “أروح لدكتور إيه بس؟ ده أنا لو روحت وطلب مني مسحة ولا قالي دي كورونا، مرام هتعرف.. ولو عرفت ومكتشفتش دلوقتي هتاخد بالها إنها ممكن تكون اتعدت مني هي ولا العيال طول الأسبوع اللي فات ده من غير ما تحس.. ووقتها هتقلب عليا وتقولي إنتي السبب وإنتي اللي جبتي لنا المرض لحد بيتنا ونقلتِ لنا العدوى.. لأ، يموت الفأر في عبّه ومحدش يعرف بحاجة واهو أسبوع وعدى وهيعدي الباقي، وأنا كدة كدة قعدتي هنا بحق ابني وفلوسه”.


سكتت مرام وخرجت، وأنا فضلت قاعدة في الأوضة، قلبي بيدق بسرعة من الخوف لا تكون شكت في حاجة، أو تكون بدأت تربط الخيوط ببعضها. السخونية كانت بتزيد، وجسمي بقى متلج، بس مكنتش قادرة أتنفس كويس، والكحة بقت تطلع مكتومة زي سكاكين في صدري. قعدت أقول لنفسي: “ماتخافيش يا ولية، دي كلها كام يوم وتعدي، وهي مرام هتعمل إيه يعني؟ لو عرفت، أنا كدة كدة في بيتي، ده بيت ابني اللي شقيان فيه، مش بيت غريب.”


عدى يومين كمان، وكنت بحاول أتقّل في اللبس وأداري وشي الشاحب، بس جسمي كان بيخذلني. مرام كانت بتدخل وتخرج بهدوء، ملامحها اتغيرت خالص، الابتسامة اختفت، وبقت حركتها ميكانيكية، بتقدم الأكل والخدمة واجب وبس، وعينيها دايماً في الأرض، وكأنها بتهرب من نظراتي. كانت بتدخل العيال الأوضة التانية، وبقيت أسمع صوت كحتها هي والعيال من بعيد، وجسمي بيشيط من القلق.. يا ترى دي صدفة؟ ولا أكون بجد عديتهم وأنا مش دارية؟


في يوم، لقيت مرام دخلت ومعاها تليفونها، وشها كان ميت، وعنيها محمرة. وقفت بعيد عني، وممسكتش إيدي زي عادتها، وقالت بصوت مكسور ورجفة واضحة:


ـ “يا ماما.. أنا مش هسأل تاني عن موضوع الدكتور، ولا هجادل في موضوع الخدمة. أنا الصبح صحيت لقيت ابني الصغير حرارته عالية جداً، وجوز أختي كلمني وقالي إنهم اكتشفوا إنها كورونا.. وأنا.. أنا جسمي كله مكسر ومبقتش قادرة أقف على رجلي.”


حسيت ببرودة سريت في جسمي، والسخونية اللي كانت في راسي نزلت على قلبي. حاولت أتماسك، وأبين إني مستغربة، قلت بصوت مبحوح:


ـ “كورونا؟ يا ساتر يا رب.. طب وأنا مالي يا بنتي؟ هو أنا اللي جبت لكم العدوى؟ أنا جاية بقالي فترة طويلة، والناس بتخرج وتدخل، أكيد لقطتوها من بره.. ده مرض منتشر والكل بيخاف منه.”


مرام بصت لي بصه عمري ما هنساها، نظرة عتاب ممزوجة بكسرة نفس، وقالت لي بصوت واطي وموجوع:


ـ “مش مهم مين السبب يا ماما.. المهم إننا كلنا دلوقتي بنحارب. أنا مش قادرة أخدمك ولا أخدم نفسي ولا العيال، ومش قادرة حتى أرفع سماعة التليفون أكلم حد يلحقنا، لأن البيت كله بقى محجوز. يا ريتك كنتِ قلتي من الأول.. كان زماننا أخدنا احتياطاتنا، أو حتى عرفنا نتصرف، مش نفضل مقفول علينا وأنا فاكرة إنه برد عادي وأتعامل معاكي بكل طيبة.”


سكتت خالص، مكنتش عارفة أرد أقول إيه. الجبروت اللي كنت بتكلم بيه عن “فلوس ابني وشقاه” و”حقي في البيت” بدأ يتهز قدام المنظر ده. مرام سابتني وخرجت وهي بتسند على الحيطة، وسمعتها بتقع في الصالة. حاولت أقوم، بس رجلي مكنتش شايلاني، ووقعت على الكرسي وأنا بنهج.


قعدت لوحدي في الأوضة، والبيت كان صمت رهيب، مفيش غير صوت أنفاسي العالية وكحة العيال اللي بتبعد وتقرب. لأول مرة في حياتي حسيت إن الفلوس والبيت وشقى ابني في الغربة ملهومش قيمة قدام “الستر” والصحة اللي ضيعتها بأنيتي. كنت فاكرة إني “صاحبة حق”، بس طلعت بخسارة كبيرة.. أنا اللي جبت المرض لبيت ابني، وأنا اللي خليت مرام، اللي شايلاني بقالي أسبوع، تقع هي وعيالها بسببي. قعدت أعيط، ولأول مرة، مكنتش بعيط على نفسي، كنت بعيط على “الخدمة” اللي مرام كانت بتقدمها لي بحب، وأنا قابلتها بجحود، وفي الآخر كافأتها بمرض يهد حيلها هي وعيالها.




دور كرونا ٢


بعد ما مرام كلمت جوزها وحكت له اللي حصل بالتفصيل، الدنيا اتقلبت في لحظة. صوت ابني في التليفون كان مالي البيت غضب وقهر، مش بس على مراته وعياله اللي اتبهدلوا، لكن على اللي عملته فيهم. بعد التليفون ده، حسيت إني بقيت غريبة في البيت اللي كنت بفتخر إني “صاحبة حق” فيه.


أهل مرام ما تأخروش، جم في نفس اليوم ومعاهم دكتور، وكأنهم اقتحموا البيت عشان ينقذوا اللي باقي. عملوا البيت حجر صحي بجد، منعوا أي حركة، وجابوا ممرضة لابسة لبس الوقاية الكامل، بقت تدخل لي الأوضة بصهامة، تتعامل معايا ببرود، وكل همها إنها تتابع حالتي عشان ما أشكلش خطر إضافي على حد فيهم.


مرام، اللي كانت شايلاني على كفوف الراحة قبل ما الحقيقة تبان، بقت دلوقتي في أوضة تانية هي والعيال، بتعاني زيي، ومحدش مسموح له يدخل لها غير الممرضة. كل يوم، أهلها ييجوا، يحطوا الأكل والمستلزمات على عتبة باب الشقة، يرنوا الجرس، ويجروا من غير ما حد فيهم يقرب، ولا حتى يدخلوا يطمنوا على بنتهم من قريب، خوفاً من العدوى اللي أنا دخلتها عليهم بإيدي.


أنا بقيت قاعدة في الأوضة، حاسة بمرارة تملى حلقي أكتر من مرارة الدواء. الممرضة كانت بتدخل تديني العلاج وتخرج، مفيش كلمة حلوة، مفيش “ألف سلامة يا حماتي”، مفيش الحنية اللي كانت بتغلفني بيها مرام. كنت بسمع صوت مرام وهي بتكح من الأوضة التانية، وأسمع صوتها وهي بتواسي الولاد اللي بيعيطوا من التعب، وقلبي بيتقطع.


في ليلة، وأنا نايمة لوحدي في الضلمة، افتكرت كلامي اللي كنت بلقحه عليها.. “البيت ده بفلوس ابني”، “أنا صاحبة حق”.. الكلام ده اللي كان بيدي لي إحساس زائف بالقوة، دلوقتي بقى زي السكينة اللي بتدبحني في كل وقت. البيت بقا مفتوح آه، بس بفلوس أهلها اللي بيصرفوا على علاجي وعلاج عيالها، مش بفلوس ابني اللي كان بعيد ومغلول على اللي حصل في بيته.


الممرضة دخلت في مرة عشان تغير لي المحلول، بصيت لها بضعف وسألتها بصوت مخنوق:


ـ “هي مرام عاملة إيه؟ حد دخل طمنها؟”


بصت لي بنظرة كلها لوم وقالتلي بحدة:


ـ “مدام مرام تعبانة جداً يا حاجة، والولاد حرارتهم مش بتنزل.. ادعي لهم، كفاية اللي شافوه معاكي.”


كلمتها كانت قاسية، بس هي دي الحقيقة. قعدت أبص للسقف وأنا بفتكر وجه مرام الطيب وهي بتقولي “أنا هقعد تحت رجلك”، وبقارن بينه وبين نظراتها دلوقتي وهي مش قادرة حتى تبص في وشي. عرفت وقتها إن البيت مش بالحيطان ولا بفلوس الغربة، البيت بالناس اللي بيشيلوك لما تقع، وأنا كسرت أكتر حد كان ساندني، وخليت “الستر” اللي كنت بتمناه، يتحول لـ “خزي” أنا اللي شربته بإيدي.

بدأت صحتي تتحسن، وبدأت أقدر أتحرك وأشرب وأكل من غير مساعدة الممرضة اللي كانت بتعاملني ببرود رسمي. وفي يوم، رن تليفوني وكان هو.. ابني. صوته في السماعة كان مخنوق، مش صوت الابن اللي بيطمن على أمه، كان صوت راجل مكسور ومقهور، مليان غضب وحرقة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بدأ الكلام من غير مقدمات ولا “إزيك يا ماما”، قال لي بنبرة مغلولة:


ـ “أنا هنا في الغربة بتعذب يا أمي.. بتعذب لأني مش عارف أطمن على مراتي وعيالي، ومش قادر أعملهم حاجة. كنت فاكر إن وجودك معاهم في وقت تعبهم هيكون أمان ليهم، مش خطر يهد البيت عليهم! إيه اللي خلاكي تعملي كدة؟ ليه خبيتي عليهم بدل ما تحميهم؟”


كلماته نزلت على قلبي زي الرصاص. حاولت أدافع عن نفسي وأقول له: “يا بني أنا كنت تعبانة وكنت محتاجة حد يخدمني، ومرام كانت موجودة..” بس هو قاطعني بصوت أعلى وأقوى:


ـ “يخدمك إزاي؟ بأنك تغرّقيها في المرض وهي اللي شايلاكي؟ مراتي كانت بتخرج تروح لأمها، وبسببك اتحبست في البيت هي والعيال، ودلوقتي الكل بيدفع تمن خطأك! كنتِ عايزة تخدمي نفسك، بس دمرتي بيتي اللي أنا شقيان عشان أبنيه ليهم، مش عشان يتحول لمستشفى بسبب أنانية!”


سكتّ وأنا مش قادرة أفتح بوقي بكلمة، لأول مرة حسيت إن كل حججي تافهة وصغيرة. كمل هو كلامه بوجع:


ـ “أنا كنت ببعت الفلوس عشان يعيشوا في راحة، مش عشان أشتري لهم مرض بسبب تهاونك. مرام وأولادي دلوقتي بيعانوا، وأنا مش هنا.. وكل اللي بقدر أعمله إني بكلم أهلها يلحقوهم. يا ريتك كنتِ قعدتي في بيتك وطلبتِ دكتور، كان أهون بكتير من اللي حصل.”


قفل التليفون، والبيت حواليا بقى كأنه فاضي تماماً. قعدت على طرف السرير، وبصيت للأوضة اللي فيها مرام والولاد. سمعت صوتها وهي بتكح كحة ناشفة وقوية، وصوت ابني الصغير بيعيط بضعف.


حسيت بـ “القلم” الحقيقي اللي كان ناقصني. أنا اللي كنت دايماً أقول “فلوس ابني وخيره”، اكتشفت إن ابني في اللحظة دي بيتمنى لو كل القرش اللي بيبعته يروح، مقابل إن مراته وعياله يرجعوا لصحتهك، ومقابل إن “البيت” اللي كنت بفتخر بيه يرجع دافي من تاني.


قمت بالراحة، ومشيت لحد باب أوضتها. كنت عايزة أخبط، عايزة أقول لها كلمة واحدة.. “آسفة”. بس إيدي اتجمدت في الهواء. لقيت نفسي واقفة قدام الباب، سامعة صوت أهلها وهما بيكلموها من ورا الباب الموصد، بيطمنوا عليها وبيدوها التعليمات، وأنا.. أنا كنت مجرد طرف تالت، “غريبة” في البيت اللي كنت فاكرة إني صاحبته.


رجعت قعدت على الكنبة في الصالة، وبدأت أفكر في اللي جاي. ابني اللي كان بيبرني، دلوقتي بيلملم شتات بيته اللي أنا بعثرته، ومرام اللي كانت بتخدمني بحب، بقت بتشوفني مصدر خطر. مسحت دموعي بإيدي، ولأول مرة حسيت إن “الجبروت” اللي كنت عايشة بيه، ما هو إلا هشاشة ووجع خبيتهم ورا جملتين عن الفلوس والواجب.


بعد ما اتكلمت مع ابني، حسيت إني محتاجة أواجه مرام، حتى لو من ورا الباب. الوقفة دي كانت أصعب لحظة في حياتي، أصعب من المرض نفسه. قمت وسحبت نفسي لحد قدام باب أوضتهم، كان الباب مقفول، سامعة فيه أنفاسهم المكتومة وصوت كحتهم اللي بيقطع في قلبي.


خبطت خبطات خفيفة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح:


ـ “مرام.. يا بنتي.. سامعاني؟”


ساد صمت طويل، لدرجة إني افتكرت إنها مش هترد. وبعد لحظات، سمعت صوتها، صوت ضعيف ومكسور، مش زي عادتها وهي بتدلعني وتطمني. قالت بصوت واطي:


ـ “أيوة يا ماما.. سامعاكي.. فيه حاجة؟”


دموعي نزلت غصب عني، ومسحتها بطرف طرحتي:


ـ “عايزة أقولك.. أنا آسفة. آسفة على كل كلمة قسيت بيها عليكي، وآسفة إني دخلت بيتكم بمرضى وخبيته عنك.. أنا اللي كنت فاكرة إني صاحبة حق، طلعت بجهلي وأنيتي ضيعت أغلى حاجة عندي.. ضيعت البيت اللي كان دافي بيكي.”


سكتت، كنت مستنية أي رد، أي عتاب، حتى لو صرخة في وشي، بس مرام سكتت خالص. وبعدين قالت بصوت فيه رجفة:


ـ “يا ماما.. اللي حصل حصل. مفيش داعي للكلام دلوقتي، كل اللي يهمني إننا نقوم بالسلامة، ونخرج من المحنة دي. المهم دلوقتي صحة الولاد.. والحمد لله إن أهلنا واقفين معانا، وإلا مكنش حد هيعرف يوصل لنا أكل ولا علاج.”


كلمتها كانت قاسية في براءتها؛ لأنها فكرتني إن لولا “أهلها” اللي أنا كنت بقلل منهم ومن مكانتهم، كان زماننا ضيعنا. حسيت إن كل “الخدمة” اللي كانت بتقدمهالي طول الأسبوع، كان وراها قلب أبيض أنا اللي كنت بظلمه.


رجعت قعدت في الصالة، والبيت اللي كان دايماً بيتشاف في عيني “ملك لفلوس ابني”، بقى دلوقتي بيت “مرام”.. بيت ست أصيلة شايلة أمانة بيتها وعيالها، حتى وهي بتمر بأصعب أزمة.


بدأت ألملم بقايا كبريائي المكسور، وبدأت أدعي ربنا ليل ونهار، مش عشان أخف وبس، لكن عشان يسامحني مرام، وعشان ابني يقدر يرجع يثق فيا تاني. عرفت ساعتها إن “البيت” مش بالفلوس اللي بتتبعت في أول الشهر، البيت بالناس اللي بيخافوا على بعض، وأنا كنت أول واحدة فرطت في الخوف ده، ودفعت التمن غالي أوي من أعز ما أملك: كرامتي وراحة بالي.


بقيت بقضي يومي في الصلاة والدعاء، وأنا بسمع صوت مرام من ورا الباب، بحاول أخدمها حتى لو بكلمة طيبة، وبحاول أصلح اللي انكسر.. ولو حتى كان الإصلاح ده هياخد العمر كله.


عدى أسبوع تاني، والبيت بدأ يرجع فيه النفس بالتدريج. السكون اللي كان مالي المكان بدأ يتكسر بصوت حركة مرام الخفيفة جوه الأوضة، وصوت ضحكات الولاد اللي بدأت تظهر تاني بعد ما خفت حدة المرض. الممرضة بدأت تخفف من إجراءاتها، وبدأت ملامح “الحياة” ترجع للبيت اللي كان محجوز.


في يوم، لقيت باب الأوضة بيتفتح ببطء، ومرام طلعت.. كانت لسه شاحبة ووشها فيه إرهاق باين، بس كانت واقفة على رجليها، وشايلة ابنها الصغير اللي كان بيضحك لي لأول مرة من ساعة ما جيت. وقفت قدامي، وبصت لي بصه طويلة، مفيش فيها غضب، لكن فيها هدوء غريب بيخوف أكتر من العتاب.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

حاولت أقوم من مكاني، بس رجلي خذلتني، ففضلت قاعدة وبصيت لها بدموع محبوسة:


ـ “مرام.. حمد لله على سلامتك يا بنتي.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه.”


قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قدامي، حطت ابنها جنبها، وبصت لي بنبرة هادية جداً:


ـ “الحمد لله يا ماما.. ربنا نجانا، ونجى الولاد. إحنا خلاص بنتحسن، وأهلي قالوا إن مفيش داعي للممرضة من بكرة.”


سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:


ـ “ماما، أنا مش عايزة أفتح مواضيع قديمة، ولا عايزة ألومك تاني، لأني شفت الموت بعيني، وشفت ولادي وهما بيتوجعوا، وكل ده كان أهون بكتير من إني أفقد الثقة في اللي حولي. اللي حصل كان درس قاسي لينا كلنا، وأنا بجد.. سامحتك عشان خاطر ولادي، وعشان خاطر جوزي اللي مش عايزه أشيله هم أكتر من اللي هو فيه.”


كلماتها نزلت على قلبي زي المية الساقعة. مكنتش مستنية “سماح” بالسهولة دي، كنت مستنية صد، أو قسوة، أو حتى طرد، لكن طيبتها دي كبرت جرحي أكتر.


قمت وقربت منها، وخدتها في حضني، ودموعي أخيراً انفجرت. كنت بعيط مش بس على غلطتي، لكن على الإنسانة النضيفة اللي أنا كنت بكسرها وبطالبها بواجبات وهي شايلة البيت بدم قلبها. قالت لي وهي بتطبطب على كتفي:


ـ “خلاص يا ماما، خلينا نبدأ صفحة جديدة. البيت محتاج يرجع يلمنا، ومحتاجين ننسى الأسبوعين اللي فاتوا دول كأنهم كابوس وراح.”


ساعتها عرفت إن مرام ما كانتش بس مرات ابني، دي كانت “عمدان البيت” اللي أنا كنت فاكرة إنها من غيرهم البيت هيقع، وهي بجد اللي شالت البيت في أصعب وقت. قررت من جوايا إني لازم أغير طريقتي تماماً، ولازم أعرف إن البيت ده مش “ملك” لفلوس ابني، لكن ملك “للمودة والرحمة” اللي مرام هي اللي بتزرعها في كل ركن فيه.


بدأت تساعدني أقوم ونمشي سوا في الشقة، والبيت بدأ يرجع يضحك تاني، بس أنا كنت عارفة إني محتاجة وقت طويل عشان أصلح “الصورة” اللي مرام خدتها عني، وعشان أستاهل فعلاً الكرم والستر اللي ربنا كافأني بيه رغم غلطتي الكبيرة.


عدت الأيام، والبيت رجعت له روحه تانية، كأن الغيمة السوداء اللي غطت عليه اتكشفت وطلعت الشمس من جديد. مكنتش بمر بس بفترة نقاهة من المرض، كنت بمر بمرحلة “شفاء” من قسوة قلبي. مرام كانت بتتعامل معايا بـ ودّ غريب، ودّ مش نابع من الواجب، بس نابع من صفاء قلبها اللي اختارت تغفر بيه عشان البيت يفضل عامر.


لحد ما جه اليوم اللي اتغير فيه كل شيء؛ اليوم اللي رجع فيه ابني من السفر.


أول ما دخل من باب الشقة، كانت أول مرة أشوف فيها ابني من سنين طويلة وهو “مكسور” بجد، مش عشان غربة ولا تعب، لكن عشان خاف على بيته اللي هو “أمانه”. دخل لقى الشقة هادية ونضيفة، ولانا (مرام) واقفة تستقبله بابتسامة باهتة لكنها راضية، والعيال جريوا عليه في حضنه.


أنا كنت واقفة في الصالة، قلبي بيدق بتوتر وخوف، لأني مش عارفة نظرة ابني ليا هتكون إيه بعد اللي عرفه. بص ليا.. نظرة مطولة، مفيش فيها عتاب صريح، بس كان فيها “عتاب الخذلان”. قربت منه، مسكت إيده اللي كانت بتعب وبشقى بتبني البيت ده، وبصيت في عينيه وقلت بصوت بيترعش:


ـ “سامحني يا ابني.. أنا اللي غلّطت، وأنا اللي كنت السبب في الوجع اللي مر عليكم. كنت فاكرة إني بحمي نفسي، وطلعت بهدم بيتك اللي كنت بتشقى عشان تبنيه.”


سكت ابني للحظة، وبص لمرام اللي كانت واقفة بعيد، وبعدين رجع بص لي وقال بنبرة مفيهاش قسوة، بس فيها وجع:


ـ “يا أمي، اللي فات مات، والحمد لله إن الكل بخير. بس يا ريت تفضلي فاكرة إن البيت ده مش بس طوب وحيطان، البيت ده روح، والروح دي هي اللي كانت في خطر بسببه.. اللي يهمني دلوقتي إنك تكوني معانا بقلبك، مش بس بجسدك.”


مرام دخلت في النص بذكائها وطيبتها، وقالت وهي بتمسح دمعة نزلت من عين ابني:


ـ “خلاص يا حبيبي، ماما تعبت معانا في الأيام الأخيرة، وكلنا اتعلمنا الدرس. المهم إننا اتجمعنا تاني.”


في الليلة دي، قعدنا كلنا سوا، ولأول مرة من زمان، حسيت بمعنى “العيلة”. مكنتش أنا “الحمات” اللي جاية بفلوس ابنها، ولا مرام “الزوجة” اللي مجبرة تخدم، كنا بشر، كل واحد فينا كان محتاج للتاني.


مرت الشهور، وأنا غيرت طريقتي تماماً. مبقتش ألقح كلام، ولا بقيت أفتكر الفلوس والخير، بالعكس، بقيت أنا اللي بقف في المطبخ أعمل لمرام أحلى أكل، وبقيت أنا اللي باخد بالي من الولاد عشان هي ترتاح. لقيت نفسي في العطاء، لقيت إن كلمة “تسلم إيدك يا ماما” اللي مرام بقت تقولهالي بصدق، أغلى بكتير من أي احساس بالسلطة كنت بفرضه قبل كدة.


البيت دلوقتى بقى بيت بحق وحقيقي، مليان مودة ورحمة، وأنا اتعلمت إن الستر اللي كنت بدور عليه، كان دايماً موجود في قلب مرام، اللي ربنا رزقني بيها عشان تفضل لي “ستر” وغطى، وأنا اللي كنت عمياء ومش شايفة.


 تمت 


تعليقات

التنقل السريع
    close