جهاز عروسه كاملة
جهاز عروسه كاملة
جت عروسه ابنى تفرش شقتها وكانت جايبه من كل حاجه اتنين وتلاته طقمين صينى طقمين عشا طقمين سكاكين من كل حاجه اهلها جايبينلها بزياده قررت اطلع انا وبنتى نفرش معاهم وقولتلها لو عجبك حاجه قوليلى عشان بعد الجواز بدل ما نشترى نبقى ناخدها منها وهى كده كده مش هتلحق تستخدم كل ده
وفعلاً طلعنا نفرش معاها ولما حاجه تعجب بنتى كنت اقول للعروسه لا يت حبيبتي ماتفتحيهاش انتى فاتحتى واحده حافظه على التانيه واخدها اركنها على جمب
المهم لقيت فعلاً فاض حاجات كتير ٣ اطقم ملايات غير البشاكير والفوط كل دول اقنعت مرات اينى انها تشيلهم فوق الدولاب او تحت السرير ولما مامتها اتكلمت كنت بقولها بلاش تستخدمهم كلهم مره واحده فى داخله عيد تطلع حاجه داخله رمضان تطلع حاجه عشان تحس انها بتجدد بيتها
وفعلاً مرات ابنى وأمها اقتنعوا وشالوا بيجامات وفوط وحاجات من جهاز البنت
فعلاً، قعدنا نرتب الأمور والكل كان مقتنع بكلامي، حتى مرات ابني بقت تبص للحاجات اللي شلناها وهي فرحانة إنها عندها “مخزون” يجدد بيتها قدام. خلصنا فرش الشقة وبقت زي العروسة، وكل طقم صيني أو طقم عشا كان مرصوص في مكانه، والحاجات الزيادة اتعمل لها “مكان مخصوص” في التخزين، بعيد عن إيد الاستخدام اليومي.
بعد ما خلصنا، قعدت أشرب كوباية شاي في الصالة، وبصيت حواليا لقيت الشقة بقت تفتح النفس، والعروسة كانت فرحانة جداً بالترتيب وبالفكرة اللي زرعتها في دماغها، إن عندها “كنز” مستخبي هيطلع وقت ما تحب تجدد وتفرح.
الوضع مشي تمام في الأول، والكل كان مبسوط، بس أنا كنت حاسة إن “المخزون” ده فيه حاجات تانية ممكن نستفيد بيها. يوم الخطوبة، كان فيه تلاجة تانية في المطبخ، وكان عليها طقم توزيع كامل، وكمان طقم توابل شكله شيك جداً. بصيت لبنتي وغمزتلها، وقمت داخلة المطبخ، ولقيت العروسة بتلم الكراتين الفاضية.
دخلت عليها بهدوء، وقلتلها: “يا حبيبتي، المطبخ زحمة، وكل ده قدامك، دي الحاجات دي هتاخد مكان وتضايقك في الحركة وأنتِ بتطبخي لابني. إيه رأيك الحاجات دي كمان نحطها في كرتونة ونشيلها؟ عشان المطبخ يفضل واسع ومريح ليكي، وكده كده إنتي عندك طقم تاني، ولما تزهقي من اللي مرصوص، تبقي تطلعي ده وتغيري شكل مطبخك كأنك جايبة مطبخ جديد”.
العروسة سكتت شوية، وبصت لأمها، وأمها كانت لسه متأثرة بنصيحتي بتاعة “تجديد البيت في المواسم”، فلقيتها بتقولها: “فعلاً يا بنتي، حماتك عندها حق، التغيير ده بيجدد الروح في البيت، شيلي الحاجات دي عشان تلاقي مكان للمطبخ وللأكل اللي هتعمليه”.
وفعلاً، جمعنا طقم التوزيع وطقم التوابل، وحطيناهم مع الحاجات اللي شلناها قبل كده. بقيت أحس إن “المخزون” ده بقى بيكبر، وكل ما ألاقي حاجة زيادة، أطبق نفس الطريقة، أقنعها إن ده في مصلحتها عشان بيتها ما يتكدسش، وإنها كده بتأمن لنفسها “مفاجآت” لليالي العيد وللأيام اللي تحس فيها إنها محتاجة بهجة في بيتها.
بنتي كانت بتساعدني وبنظرة واحدة بيننا كنا بنعرف إيه اللي ممكن يروح “المخزن”، والعروسة كانت بتسمع الكلام بكل طيبة، يمكن لأنها صغيرة، أو يمكن لأنها شافتني حريصة على بيتها وعليها، وما حستش إن فيه أي حاجة تانية ورا كلامي غير إني بساعدها تنظم حياتها الجديدة. خلصنا كل حاجة، وخرجنا من الشقة وأنا حاسة بانتصار، الشقة بقت هادية ورايقة، وكل “الزيادة” بقت في طريقها لمكان تاني، مكان يضمن إن العروسة مش هتستخدمها دلوقتي، وهتفضل هي وبنتي في انتظار “وقت التجديد”.
بمجرد ما رجعت البيت، قفلت باب أوضتي عليا، وطلعت نوتة صغيرة وقلم. كنت حاسة بنشوة غريبة، زي ما أكون عملت جرد لمحل كبير وطلعت منه بضاعة “مستقبلية”. قعدت أرسم جدول: خانة للحاجة، وخانة للنوع، وخانة تانية للعدد، وسيبت خانة أخيرة كتبت فوقها “تم الاستلام”.
بدأت أفتكر كل حاجة دخلت في “المخزن”:
طقم الملايات (الـ 3 اللي شلناهم).
طقم التوزيع الشيك اللي كان في كرتونته.
طقم التوابل، ده كان درة التاج، قيمته لوحدها تفتح بيت.
كمية الفوط والبشاكير اللي كانت كفيلة تفرش فندق صغير، مش بيت عريس وعروسة.
كنت بكتب وأنا ببتسم، وبعلم بالقلم على كل صنف، وبحسبها في دماغي: “دي لبنتي لما ييجي نصيبها، ودي لو بنتي محتاجة حاجة وهي بتفرش، الحاجة دي غليت، والأسعار بقت نار، وأنا كده بجهز بنتي من غير ما أحسس حد، ومن غير ما أدفع جنيه واحد”.
كل ما كنت بكتب صنف، كنت بفتكر وش العروسة وهي بتشيل الحاجة، وهي فاكرة إنها بتعمل ده عشان راحتها، مكنتش تعرف إنها بتعمله عشان “مستقبل بنتي”. خلصت الورقة، وبصيت عليها بتركيز، حسيت إن الورقة دي مش مجرد ورقة، دي “خطة استراتيجية”. خبيت الورقة في مكان أمين في دولابي، تحت هدومي اللي مبلبسهاش كتير، عشان لا ابني ياخد باله، ولا حد يعرف باللي أنا مخططاله.
مرت الأيام، وجه يوم الفرح، والكل كان بيحتفل ببيتنا المزين والعروسة اللي كانت زي القمر. عدى أسبوع العسل، والوضع في شقة ابني كان ماشي غريب شوية، بس أنا كنت متابعة بدقة. مرات ابني، من كتر ما هي لسه “مبهورة” بالبيت الفاضي والرايق، ومن كتر ما هي لسه مش عايزة تكركب أي كرتونة، اعتمدت في أكلها بالكامل على والدتها.
مامتها، ست طيبة وعلى نياتها، كانت بتبعتلهم الأكل جاهز في علب حرارية، ومرات ابني كانت بتسخن وتغرف في أطباق بسيطة جداً، وتغسلهم وتدخلهم تاني، من غير ما تحتاج تطلع طقم صيني، ولا طقم عشا، ولا حتى “طقم التوزيع” اللي إحنا شيلناه.
أنا كنت براقب الموقف من بعيد لبعيد، وبنتي هي اللي بقت عيني اللي بتشوف كل حاجة. كل ما أبعتلها أكلة، أو أروح أزورهم، كنت بدخل المطبخ “أعمل جولة تفقدية” بدعوى إني بشوف محتاجة حاجة. المطبخ كان زي ما هو، “المخزون” في مكانه، بل بالعكس، العروسة كانت بتزيد قناعة إن “الرواق” ده هو سر سعادتها في البيت الجديد.
في يوم، لقيت مامتها بتكلمني وبتقولي: “يا أم العريس، البت بنتي مبسوطة أوي، بتقولي البيت مريح، ومش محتاجة تفتح كراتين ولا تكركب الدنيا، هي معتمدة على حاجات بسيطة ومستمتعة بهدوء المطبخ”.
رديت عليها بصوت هادي ومطمن: “يا حبيبتي، ده أحسن حاجة، سيبيها براحتها، هي لسه عروسة جديدة، والمطبخ لسه محتفظ برونقه، خليهم يستمتعوا بالراحة دي، والحاجة في كراتينها أضمن وأحفظ لها، ولما ييجي وقتها هتبقي تطلعيها، إحنا يهمنا راحتها وراحة ابننا”.
قفلت السكة وأنا ببتسم. الخطة ماشية أحسن مما كنت متخيلة، العروسة مش بس شالت الحاجة، دي كمان “اتعودت” على عدم وجودها،
وكنت دايما ببقى حريصه انى افهمها انها كده مش هتعمل مواعين كتير ولا تتعب فى شغل البيت وهى كانت بتصدق فعلاً
بعد اسبوعين روحت ازوها
فتحت الباب بوش بشوش، والابتسامة المرسومة على وشي اختفت فجأة أول ما عيني وقعت على الرخامة جنب البوتاجاز. طقم التوزيع، الطقم اللي كنت معتبراه “درة التاج” في خطتي، كان محطوط في الحامل بتاعه، وواحدة من المعالق
المعالق بتاعته كانت جوه حلة على النار.
حسيت بدمي غلي، وروحي طلعت في لحظة. نسيت كل النصايح اللي كنت بقولها لنفسي عن “الهدوء” و”طولة البال”. دخلت المطبخ بخطوات سريعة، وصوتي كان عالي لدرجة إنها اتخضت ووقعت الغطاء من إيدها.
“إيه اللي أنا شايفاه ده؟ إنتي بتعملي إيه؟ مين سمحلك تفتحي الكرتونة دي وتطلعي الطقم ده؟”
بصتلي وهي مبرقة عينيها ومذهولة، مش فاهمة ليه الغضب ده كله على طقم توزيع: “يا طنط.. ده.. ده طقم توزيع، أنا بستخدمه عشان أطبخ، كنت محتاجة المعلقة دي عشان..”
قاطعتها وأنا بزعق أكتر، وعيني بتلف في المطبخ كأني بدور على خيانتها: “تستخدمي إيه؟ إنتي ناسية إحنا اتفقنا على إيه؟ الحاجة دي كانت متشالة عشان تحافظي على رونقها، عشان لما تزهقي من القديم تطلعي حاجة جديدة! إزاي تتصرفي وتفتحي كرتونة من غير ما تاخدي رأيي؟ إنتي عايزة تبوظي الحاجة وتغسليها وتعدميها في الاستخدام اليومي؟”
كانت واقفة مصدومة، دموعها بدأت تتجمع في عينيها، وهي بتحاول تدافع عن نفسها بضعف: “يا طنط، دي حاجاتي، وأنا عروسة ومحتاجة أستخدم حاجتي، مش فاهمة ليه كل ده..”
“حاجتك؟ أيوه حاجتك، بس إنتي صغيرة ومعندكيش خبرة، وأنا خايفة عليكي وعلى بيتك من الكركبة! أنا مش عايزة المطبخ يتملي مواعين وأطقم وتتبهدل، إحنا اتفقنا إننا نعيش بالبسيط عشان البيت يفضل هادي.. إنتي كده بتضيعي تعب أهلك اللي جابوهولك!”
في اللحظة دي، دخلت بنتي المطبخ وهي بتحاول تهديني، بس عيني كانت لسه بتشرار على العروسة. كنت حاسة إن “المخزون” اللي عندي بدأ يتهز، وإن سيطرتي على الشقة بدأت تتفك. سحبت الطقم من على الرخامة بعنف، وحطيته في الكرتونة اللي لسه كانت محتفظة بيها، وقلتلها بنبرة حادة:
“بصي يا حبيبتي، الطقم ده هيتشال تاني، ومش هيطلع غير لما أقولك، عشان تحافظي عليه لحد ما تخلصي الشوية اللي إحنا مطلعينهم.. المطبخ ده أمانة، وأنا اللي بساعدك تحافظي عليها!”
ساد صمت تقيل في المطبخ، مكنش فيه غير صوت البوتاجاز وهو شغال. فجأة، دخل ابني المطبخ، سمع صوت العياط المكتوم لمراته وصوتي العالي، وقف في نص المطبخ، باصص للكرتونة اللي في إيدي، وباصص لمراته اللي كانت بتحاول تمسح دموعها.
بصلي وقال بصوت هادي بس كان فيه نبرة اعتراض: “يا ماما، في إيه؟ ليه كل ده؟ دي مراتي، وحاجتها، ومن حقها تستخدم اللي هي عايزاه وتفرح بجهازها اللي أهلها جابوهولها، مش ده كان المفروض يبقى بيتها وتفرش فيه براحتها؟”
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. بصيت له بحدة، ورميت الكرتونة على الرخامة بصوت خبطة قوي، ووقفت قدامه، نظرة عينيا كانت كافية تسكت أي حد:
“بتقول إيه يا ضنايا؟ حاجتها؟ وأنا بعمل إيه؟ أنا مش عايزة ليها غير مصلحتها! هي صغيرة ومش فاهمة قيمة الحاجة اللي معاها، وبكرة لما الحاجة دي تتبهدل وتتخربش وتتكسر، هي اللي هتندم وهتقولي يا ريتني سمعت كلامك. وبعدين، دي أصول؛ العروسة الشاطرة هي اللي بتعرف تداري وتخبي وتجدد، مش اللي تفرش كل جهازها في أسبوعين وتقعد بعد كده تشتكي إنها مش عارفة تجيب جديد!”
بص لابني بنظرة حازمة وكملت بلهجة فيها نوع من “الاستعلاء التعليمي”: “ملكش دعوة إنت بالديتيلز دي، دي حاجات بيت، وإدارة مطبخ، وإنت راجل مش هتفهم في قيمة الحاجات دي ولا في حفظها. أنا فاهمة أنا بعمل إيه كويس جداً، وعارفة إيه اللي يريحها وإيه اللي يخلي بيتها يفضل عريس وعروسة سنين طويلة.”
ابني وقف محتار، بص لمراته اللي كانت بتبص للأرض، وبص لي، حاول يفتح بقه يقول كلمة تانية، بس أنا سبقت، وقربت منه ومسكت دراعه بطريقة تخلي أي حد يسكت: “اسمع كلامي، أنا بخاف على بيتك أكتر ما بخاف على نفسي، وأنا عارفة مصلحة مراتك إيه.”
التفت للعروسة، ورميت لها نظرة “تحذيرية” باردة، وقلت لها: “طقم التوزيع ده يدخل المخزن، ومحدش يفتحه غير لما أنا أقول، سمعتي؟”
طلعت من المطبخ وأنا مرفوعة الرأس، وبنتي ورايا زي ضلي، وسبتهم واقفين في المطبخ، البيت كان هادي بس كان فيه “شرارة” بدأت تتولع تحت السطح، وأنا كنت متأكدة إن سيطرتي لسه قوية، وإن أي محاولة للتمرد على “خطة المخزون” هتتواجه بنفس الحزم.
مرت الايام والشهور
والخطه ماشيه تمام وبنتى اتخطبت
بعد ما خطوبة بنتي تمت، قعدت مع ابني في يوم كان جاي يزورني فيه، خليت الجو هادي، وطلعت كوباية شاي بمرمرية، وبدأت أفتح معاه الموضوع بأسلوب الست “الحكيمة” اللي خايفة على مصلحته.
“بقولك إيه يا ابني.. أنت عارف إن أختك دي قطعة مني، وأنا عارفة إنك لسه متجوز ومصاريفك كتير، ومش عايزة أحملك فوق طاقتك وأنت بتجهزها. فكنت بفكر.. مراتك ما شاء الله عندها ‘مخزون’ كبير، وشايلة أطقم ملايات وفوط كتير في الشقة، وأنا متأكدة إنها مش هتستخدمهم كلهم في وقت واحد، دول مركونين وبقالهم شهور محدش لمسهم.”
بص لي باهتمام، فكملت بلهجة فيها شفقة: “بدل ما أنت تروح تشتري وتتكلف وتدفع دم قلبك والأسعار بقت نار، إيه رأيك تطلب منها تطلع طقمين ملايات وكام طقم فوط من اللي مركونين دول؟ أهو يكونوا مساعدة لأختك في جهازها، وتعتبر دي هدية من أخ لأخته، وفي نفس الوقت أنت كده بتخفف على نفسك المصاريف، بدل ما تضطر تستلف أو تضغط على نفسك.”
ابني سكت شوية، ملامحه كانت بتعبر عن التردد، فدورت “ماتور” الإقناع أكتر:
“يا ابني دي أصول، وأنا مراتك أعرفها كويس، هي طيبة وبتحبك، لو أنت طلبت منها بكلمة حلوة، هتفرح إنها بتساعد في جهاز أختك، وهتحس إنها بقت جزء من العيلة اللي بتساعد بعضها. ده غير إن الحاجه دي لو فضلت مركونة كده هتتركن على الفاضي، لكن لما تروح لأختك وتستخدمها، يبقى كأنها راحت في مكانها الصح.”
فضلت وراه بالكلمة الحلوة والمنطق بتاع “أنت لسه متجوز ومصاريفك كتير”، لحد ما لقيته بدأ يقتنع. هو في الآخر شاب، ومش عايز يحس إنه مقصر في جهاز أخته، وفكرة إنه “يوفر” من حاجته الموجودة أصلاً كانت مغرية ليه.
خيم الصمت فجأة على الأوضة، والكلمات اللي كنت رتبتها عشان أقنعه بيها بدأت تتساقط واحدة واحدة لما شفت ملامحه بتتغير. بص لي بصه عمري ما شفتها في عيونه، نظرة صدمة مخلوطة بخيبة أمل كبيرة، والبسمة اللي كنت راسماها على وشي بدأت تتبخر.
سكت لحظة، وبعدين اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مخنوق: “يعني يا ماما.. إنتي كنتِ بتمنعي مراتي تستخدم جهازها وتفرح بيه، وتعملي فيه حفلة وتزعقي لها عشان ‘تحافظ عليه’.. كل ده عشان كنتِ راسمة عليه لبنتك ؟ كل ده عشان تاخدي من جهازها تفرشي لأختي؟”
حاولت أقطع كلامه بسرعة وأنا بداري ارتباكي: “يا ابني افهمني، أنا كنت خايفة على حاجتها تبوظ، وبعدين دي أصول، العيلة بتساعد بعضها، وأختك أولى..”
قاطعني بنبرة حادة، لأول مرة أشوفه واخد الموقف ده مني: “لا يا ماما، كفاية كده. أنا سكتّ كتير وكنت فاكرك بجد خايفة على مصلحة بيتي ومراتي، وطلعتِ بتديري بيتي عشان تجمعي ‘مخزون’ ليكي. إنتي كده ما حافظتيش على جهازها، إنتي كنتِ بتحرسي الحاجة عشان تاخديها.”
قام وقف وبص لي بوجع: “مراتي كانت بتعيط ومحروق دمها عشان طقم توزيع بسيط، وكنتِ بتخليني أضغط عليها عشان إرضاءً ليكي، وفي الآخر يطلع ده السبب؟ أنا كنت فاكرك بتعلميني الأصول، طلعتِ بتعلميني إزاي أستغل بيت بيتي.”
حسيت بلساني تقل، والكلمات هربت مني، خصوصاً لما كمل: “أنا مش هطلب منها حاجة، ولا هقرب من كرتونة واحدة شايلاها. الحاجة دي بتاعتها، وأهلها جابوها عشان هي تفرح بيها، مش عشان نتسلفها ونوزعها. وإذا أختي محتاجة، أنا هشتري لها من حر مالي، بس مش من ورا ظهر مراتي ولا باستغلال تعبها.”
وقفت مذهولة من كلامه، الكلمات وقعت على ودني زي الصاعقة. ابني واقف قدامي، لأول مرة أشوفه واعي بكل تفصيلة، عيونه فيها نظرة عتاب قوية خلتني أحس بصغري قدامه.
كمل ابني كلامه وهو صوته بيترعش من كتر الغضب المكتوم: “أختي عندها اللي يكفيها وزيادة من ورث بابا، الله يرحمه كان عامل لكل واحد فينا وديعة بتأمن مستقبلنا، ومستحيل أختي تكون محتاجة لدرجة إننا نمد إيدنا على بيت تاني عشان نجهزها.”
قرب مني خطوة، وكأنه بيواجهني بالحقيقة اللي كنت بحاول أداريها بكل ذكاء مصطنع: “سؤالي ليكي يا أمي، وبصراحة.. تقبلي على نفسك؟ تقبلي إن لما أختي تتجوز، تيجي حماتها وتقولها ‘سيبي حاجتك وشيليها’، وبعدين تاخدها عشان تجهز بيها بنتها؟ تقبلي إن تعب بابا وشقاه اللي جابهولي عشان يسترها بيه يروح لحد غيرها
سكت شوية، والهدوء اللي كان في الأوضة بقى تقيل ومخنق، وبعدين كمل بوجع: “أنا كنت فاكرك بتعلميني الأصول، بس طلعتِ بتعلميني الطمع. مراتي دخلت بيتي وهي واثقة فيكي، شافت فيكي الأم اللي هتحافظ على بيتها، مش اللي بتعدّ عليها كراتينها. إزاي هبص في وشها تاني؟ إزاي هقولها إني كنت بضغط عليكي عشان أفرش بيت أختي من ورى ضهرك؟”
حاولت أفتح بوقي أدافع عن نفسي، أقوله “دي وجهة نظر”، أو “أنا كنت فاكرة”، بس الكلام اتحشر في زوري. ملامحه كانت بتعبر عن خيبة أمل كبيرة في “الأم” اللي كان فاكرها الحكيمة.
نزل عينيه عني، وبص للنوتة اللي في إيدي بقرف: “الورقة دي يا أمي ارميها . أنا كنت حاطط فيكي كل الثقة، ومراتي كمان. خسارة إننا وصلنا للمرحلة دي، وخسارة إنك فكرتي في أختي بالطريقة دي، لأن أختي أكرم من إنها تتجهز من ورا ضهر حد، وأنا أكرم من إني أكون وسيلة لده.”
سحب مفاتيح عربيته من على التربيزة، وبصلي نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وخرج وقفل الباب وراه بقوة. فضلت قاعدة مكاني، النوتة سقطت من إيدي على الأرض، وكل الحسابات والخطط اللي رسمتها بقالي شهور، اتشافت في لحظة إنها مجرد “سقطة” كبيرة في حق نفسي قبل ما تكون في حق غيري. قعدت لوحدي في البيت، والهدوء اللي كنت بحاول أفرضه في كل مكان، بقى هو الوحيد اللي بيحاصرني دلوقتي.
ليلتي دي كانت أطول ليلة عدت عليا في حياتي. قعدت في أوضتي، الضلمة حواليا كانت خانقة، وكلام ابني لسه بيرن في وداني كأنه رصاص.. “تقبلي على نفسك؟”. الجملة دي كانت بتجلدني، وكل ما أحاول أغمض عيني، أشوف صورة مرات ابني وهي بتعيط يوم ما خدت منها طقم التوزيع، وأشوف نظرة الخيبة في عين ابني وهو بيسيبني ويخرج.
مسكت النوتة اللي كنت فاكراها “خطة استراتيجية”، لقيتها دلوقتي مجرد كومة ورق فضحت طمعي وسوادي. قعدت أراجع تصرفاتي شهر بشهر.. إزاي كنت بدخل المطبخ كأني “مفتش”، إزاي كنت بلعب على وتر “الحنية” عشان أوصل لغرضي، وإزاي أقنعت نفسي إن اللي بعمله ده “مصلحة العيلة” عشان أداري الحقيقة الوحيدة.. إني كنت بستغل طِيبة العروسة عشان أريح نفسي وأوفر لجيب بنتي من جيب غيري.
كلمة ابني عن “ورث بابا” فجرت جوايا حقيقة تانية كنت دافناها؛ أنا مش بس استغليت العروسة، أنا أهنت كرامة ابني ورجولته قدام نفسه. هو كان شايفني “الحكيمة”، وأنا كنت في نظره “المستغلة”. قعدت أقلب في الورق، كل علامة “صح” كنت بحطها بفخر، دلوقتي بقت بتوجع قلبي زي السكاكين.
قمت مشيت في الصالة، بصيت في المراية.. شفت واحدة تانية، واحدة الستات دايماً بيحذرو منها، “الحماة اللي بتدير بيوت ولادها بالتخطيط والكدب”. افتكرت نظرة العروسة يوم ما شالت الحاجات، كان فيها ثقة عمياء فيا، ثقة أنا خنتها بأبشع طريقة ممكنة.
بدأت أسأل نفسي: أنا ليه عملت كده؟ عشان الفلوس؟ ولا عشان حب التملك والسيطرة؟ ولا عشان كنت فاكرة إني أذكى من الكل؟ الحقيقة المرة اللي واجهتني في نص الليل هي إني كنت “ببني” جهاز بنتي على “خراب” ثقة ابني فيا، وعلى كسر قلب واحدة مكنش ليها ذنب غير إنها وثقت في “حماتها”.
دموعي نزلت، ولأول مرة من سنين، بكيت مش على حد، بكيت على نفسي. حسيت إني كبرت، بس مش في السن، كبرت في الغلط. قعدت أراجع كلامه تاني وتالت، كل جملة كان ليها معنى، كل كلمة كانت بتشيل قناع من على وشي.
ساعة الفجر أذنت، وأنا لسه في مكاني، ماسكة الورقة، قررت إني لازم أصلح اللي انكسر، حتى لو التمن غالي. قمت، قطعت الورقة حتت صغيرة، ورميتها في الباسكت. رميت معاها “خطة” طويلة من الأوهام والكدب. بس السؤال اللي كان محيرني دلوقتي.. هل ممكن ابني يسامح؟ وهل مرات ابني ممكن تبصلي تاني بنفس الثقة بعد اللي عملته؟
قعدت على سجادة الصلاة، ورفعت إيدي لربنا، بدعي بقلب مكسور إن يغفر لي، وإن يلهمني إزاي أرجع الحق لأصحابه، وأكسر “المخزن” اللي بنيته من غير ما يهد بيتي كله. الليلة دي كانت أول ليلة بجد أواجه فيها نفسي، وبدأت أفهم إن “الشطارة” مش في إزاي تجمعي حاجات، الشطارة هي إزاي تحافظي على قلوب الناس اللي حواليكي.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا واخدة قراري، جهزت شنطة فيها طقم كاسات كريستال كان عندي، وجمعت كل “المخزون” اللي كنت شايلاه يخصها في كراتين نظيفة، وطلعت على بيت ابني. قلبي كان بيدق بعنف، خايفة من نظرة ابني، وخايفة أكتر من نظرة مرات ابني.
فتحتلي الباب، وشها كان باهت ومخفية فيه علامات التعب، ابني كان واقف في الصالة، نظراته كانت محايدة، لا فيها ترحيب ولا فيها غضب. دخلت المطبخ بقلب جامد، ونزلت الكراتين على الرخامة، وقلت بصوت بيترعش من التأثر: “يا حبيبتي، أنا جيت النهاردة عشان أعتذر لك. قعدت مع نفسي وفكرت.. لقيت إني كنت غلطانة. الحاجة دي جاية عشان تتهني بيها وتفرحي ببيتك، ولو مافرحتيش بيها دلوقتي وإنتي عروسة، هتفرحي بيها إمتى؟ ده جهازك وحقك، وأنا اللي كنت غلطانة لما فكرت إني ‘بحافظ’ عليكي، وأنا في الحقيقة كنت بحرمك من حقك في الفرحة.”
طلعت طقم التوزيع اللي كنت سحبته منها، وحطيته قدامها بابتسامة ندم، وكملت: “يا بنتي، طلعي حاجتك، افرشي ملاياتك، استخدمي أطقمك، البيت بيتك، وأنا مش عايزة أشوف غير سعادتكم.”
بصيت لمرات ابني مستنية رد فعل يطمن قلبي، مستنية أشوف فرحة في عينيها، أو حتى ابتسامة صلح، بس الصدمة كانت في رد فعلها. بصت للكراتين ببرود، وقالت بهدوء غريب: “يا طنط، أنا بجد مش فاهمة ليه كل الكركبة دي؟ أنا فعلاً مرتاحة كده. وماما لما زارتني وشافت نظامي في المطبخ، عجبها جداً، وعملت زيي بالظبط، شالت كل الكركيب الزياده فى مطبخها
وقفت مصدومة، مش قادرة أستوعب كلامها. هي مش بس مش فارق معاها الحاجة، دي كمان خدت “فلسفة التخزين” بتاعتي اللي كنت فاكراها “طمع” وحولتها لأسلوب حياة مقتنعة بيه هي وأهلها! كملت هي بابتسامة هادية: “وبعدين يا طنط، أنا مابقتش أعرف أطبخ وأنا شايفة الرخامة زحمة، أنا اتعودت على النظام ده، والمخزون ده في بيت ماما أضمن وأبعد عن أي كركبة هنا. خليهم عندك أو ودي لجوزي يرجعهم لبيت ماما، أنا بجد مش محتاجة غير اللي قدامي ده.”
بصيت لابني اللي كان واقف بيسمع، ملامحه مكانتش بتدل على غضب، بالعكس، كان بيبص لي بنظرة شفقة، وكأنه بيقول لي: “شوفِ، اللي زرعتيه فيهم بقى جزء من تفكيرهم، حتى لو إنتي رجعتي في كلامك.”
وقفت في الصالة مذهولة، والكلمات وقفت في زوري. بصيت لابني، لقيته باصص لي بنظرة كلها حنية، نزل لمستواي ومسك إيدي وباسها، وقال بصوت واطي عشان مراته ما تسمعش: “يا أمي، كفاية كده.. أنا عارف إنك ندمتي، وعارف إن نيتك دلوقت بقت صافية، ومفيش داعي نفتح في اللي فات، البيت محتاج هدوء مش محاسبة، وأنا مسامحك عشان أشوفك مبسوطة في بيت ابنك.”
قبل ما ألحق أرد أو أستوعب كلامه، لقيت مرات ابني داخلة عليا بابتسامة زي الورد، وفي إيدها شنط كبيرة تقيلة. حطيتهم على الكنبة وقالت بصوت مليان ود: “يا طنطدى هدبه بمناسبه خطوبه جودى ، وكنت جايبة الحاجات دي جديده ومكنتش لسه فتحتها.. خدي يا طنط دول هدية مني لأختي الصغيرة، عشان تجهز نفسها وتفرح، ومبروك عليها مقدماً.”
فتحت الشنط.. لقيت طقمين ملايات تطريزهم يجنن، وطقمين فوط من أغلى الأنواع، والأحلى.. طقم حلل جديد تماماً، لسه في كراتينه.
حسيت ببركان في قلبي، وبغصة في حلقي خلتني مش قادرة أتمالك نفسي. دي البنت اللي أنا كنت بحرمها من استخدام حاجتها، اللي كنت بستخسر فيها تفرش بيتها، اللي كنت “بسرق” فرحتها عشان أجهز بنتي.. هي دلوقتي بتدي بنتي من “جهازها” اللي أنا حاولت أستولي عليه.
من غير تفكير، رميت نفسي في حضنها، وضميتها بقوة لصدري، وبدأت أعيط.. عياط الندم، عياط الست اللي اكتشفت إنها كانت “فقيرة” في روحها رغم إنها حاولت تملأ بيتها حاجات. كنت بضمها كأني بحاول أسترد ثقتها، وبحاول أغسل بدموعي سواد التفكير اللي سيطر عليا شهور.
كنت بقولها في سري: “يا ريتني كنت زيك، يا ريتني كنت بالطيب ده، يا ريتني ما خسرت نفسي وعيالي عشان كراتين وأطقم”.
حسيت في اللحظة دي إني اتعلمت أعظم درس في حياتي؛ إن الأم مش اللي بتجمع وتخزن، الأم هي اللي بتزرع المحبة والتسامح. خرجت من حضنها وأنا بمسح دموعي، وبصيت لابني اللي كان مبتسم وراضي، وحسيت لأول مرة بسلام داخلي حقيقي، بسلام أغلى من كل “المخزون” اللي كان ممكن أجمعه في الدنيا.
قررت ساعتها إني هفتح صفحة جديدة، هكون الحماة اللي هي محتاجاها، الأم اللي بنتها هتفتخر بيها، وهحط كل “جهازي” اللي كنت شايلاه تحت تصرفها هي وجوزها، مش عشان أسيطر، لأ.. عشان أرد جزء بسيط من الطيبة اللي واجهوني بيها


تعليقات
إرسال تعليق