القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 تجمع عائلي



تجمع عائلي

العيلة كلها اتجمعت عشان يعملوا لي حفلة عزاء فاخرة متكلفة بتاع ٥ مليون جنيه على روحي، وقاعدين يصوتوا ويعيطوا قدام صندوق فاضي من غالي التمن. جوزي كان واقف هناك ماسك إيد عشيقتو، وبيخططوا من دلوقتي هيصرفوا إزاي فلوس بوليصة التأمين على حياتي بتاعة الجيش.



افتكروا إن لما يحبسوني في عشة مهجورة وسط العاصفة والتلج، هتبقى دي الخطة المثالية عشان يسرقوا كل حيلتي.


بس نسوا حاجة واحدة مهمة.


أنا كنت مدربة النجاة في القوات الخاصة.


أبونا كان في نص صلاة الجنازة لما فجأة أبواب الكنيسة اتخلعت ودخلت منها. كنت ماشية في الممر والتلج والتراب والدم مغطييني، وماسكة في إيدي القفل الحديد اللي حبسوني بيه.


”لامؤاخذة إني اتأخرت على جنازتي.”


رامي كان مسمي السفرية دي “رحلة تجديد حبنا”. قال إنه عايز يصلح اللي بيننا، وأخدني وطلعنا على حتة مقطوعة وسط جبال سانت كاترين، بعيد عن المحروسة وبعيد عن أي شبكة تليفون، لحد ما وصلنا لأوضة قديمة معزولة عن الدنيا.


بس أول ما دخلت وحطيت شنطتي، الباب الخشب اترزع ورايا.


وبعدها سمعت صوت حديد بيتحرك في مكانه.


قفل اتأفل عليا.


صرخت وأنا برمي نفسي على الباب: “رامي! افتح الباب ده! الهزار ده بايخ!”


جريت على الشباك المشروخ ومسحت التلج من عليه.


دمي نشف في عروقي.


برة في العاصفة اللي كانت عمالة تزيد، كان رامي واقف.


ومكنش لوحده.


كانت واقفة جنبه ماري، لافة نفسها في بالطو فرو أبيض، وبتضحك بنفس الشفايف اللي شفت روجها قبل كده مطبوع على ورقه القضائي.


رامي رفع إيده لفوق.


كان ماسك تليفون القمر الصناعي بتاعي وجاكيت الجيش التقيل.


الواطي كان سرق معدات النجاة بتاعتي قبل ما ننزل من العربية.


زعق وسط صوت الريح: “الموضوع عمره ما كان شغلِك ولا جوازنا يا ماريان، الموضوع طول عمره فلوس. التأمين، الشقة، معاش الجيش. إنتي قيمتك وأنتي ميتة أعلى بكتير من وإنتي عايشة.”


ماري ضحكت وسندت عليه.


”يلا يا حبيبي، الجو سقعة، ولسة ورانا جنازة بـ ٥ مليون جنيه محتاجين نرتبلها.”


رامي بصلي بصه كله شماتة وأمل.


”على الصبح كده، العاصفة هتكون قامت بالواجب. اطلعي في سلام يا سيادة الملازم.”


وبعدها مشيوا وسابوني محبوسة في الضلمة والبرد اللي يقطع النفس.


لمدة دقيقة، انهرت على الأرض التراب، والحقيقة المتسخة دي قطمت ظهري.


الراجل اللي حبته سابني هنا عشان أموت.


بس زعلي ماستحملش أكتر من ستين ثانية.


غمضت عيني، أخدت نفس من الهواء التلج ده، ودفنت الزوجة المخدوعة اللي جوايا.


ولما فتحت عيني تاني، مكنش فاضل غير العسكري.


هما عملوا فخ محكم وصعب.


بس نسوا أهم تفصيلة.


أنا بعرف أعيش وأنجو إزاي.


والنار مابتتلتلجش.


قمت من على الأرض ونفضت التراب عن لبسي. البرد كان بينخر في العضم، والضلمة كحل، بس الغضب اللي جوايا كان كفيل يدفي بلد بحالها.


بصيت حواليا في الأوضة المهجورة؛ رامي وماري افتكروا إنهم لما يجرودني من سلاحي ومعداتي يبقوا قضوا عليا، ميعرفوش إن السلاح الحقيقي في القوات الخاصة هو مخك.


فتحت شنطة الظهر بتاعتي اللي سابوها معايا؛ مكنش فيها غير كام غيار وشوية حاجات شخصية. طلعت منها علبة الماكياج، والولاعة اللي مابتفارقش جيبي، وازتيت ريح (برفان) مركزين.


رحت على السرير القديم اللي في ركن الأوضة، شديت المرتبة السفنج وقطعتها حتت. رشيت عليها البرفان كله، وبسرعة قفشت سلكين كهربا قدام نازلين من السقف، قشرت السلوك بستانلي صغير كان مستخبي في توكة حزامي، ولمستهم في بعض مع شرارة الولاعة… وفي ثواني، النار ولعت في السفنج.


استنيت لحد ما الدخان ملى الأوضة والنار بدأت تاكل في الخشب القديم بتاع السقف. الجو سِخن، والضغط جوة الأوضة زاد. رحت واقفة ورا الباب، وجمعت كل قوتي واندفعت بكتفي ضربت القفل الحديدي اللي مكنش متثبت كويس في الخشب المرطب بتاع الباب. مع تالت خبطة، الخشب اتقطم والباب اخلع.


طلعت وسط العاصفة. التلج كان بيجلد وشي، والريح بتعوي، بس تدريبي في جبال سانت كاترين زمان علمني إزاي أقرا الأرض. مشيت ورا أثر عربية رامي اللي التلج لسة مغطاهوش بالكامل. مشيت كيلومترات، رجلي غرزت، والدم نشف على إيدي من البرد والجروح، بس مكنتش حاسة بحاجة غير برغبتي في الرَّد.


وصلت الطريق الرئيسي بعد ساعات عذاب، وقفت عربية نقل نص نقل كانت معدية بالصدفة، السواق اتخض من منظري، بس لما شاف الكارنيه بتاعي سكت ووصلني لأقرب نقطة جيش.


ومن هناك… رتبت دخولي.


نرجع بقى للكنيسة…


أبونا وقف الصلاة، والناس كلها برقت، وصوت الصريخ والهمهمة ملى المكان.


رامي وشه قلب أزرق، وإيد ماري سيبت إيده والشنطة السواريه وقعت منها على الأرض.


مشيت بكل ثقة لحد ما وصلت قدام الصندوق الفاضي، رميت القفل الحديدي المكسور على الأرض رن في الكنيسة كلها، وبصيت لرامي وقولتله بصوت هز الحيطان:


”العاصفة مقامتش بالواجب يا رامي… بس أنا جيت أعمل الواجب معاك أنت والمحروسة.”


في اللحظة دي، دخلت قوات الشرطة العسكرية من باب الكنيسة، وقبضوا عليهم بتهمة الشروع في قتل ضابط بالقوات الخاصة والتزوير.


بصيت لرامي وهو بيجرّوه والكلبشات في إيده وقولتله:


“الملازم ماريان مابتموتش بالبرد… الملازم ماريان هي اللي بتولع الدنيا.”


الشرطة العسكرية سحلت رامي وماري وسط ذهول العيلة كلها اللي كانت بتصوت، بس المرة دي مش حزناً عليا، دي صدمة وفضيحة هزت الكنيسة. رامي كان بيبصلي بنظرات رعب وكأنه شايف شبح، شفايفه كانت بترتعش ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، وماري كانت بتعيط وتصرخ وتقول: “أنا ماليش دعوة.. هو اللي خطط لكل حاجة!”.


أبونا قرب مني وهو مش مصدق، صليب الخشب في إيده بيرتعش، دمعته نزلت وربت على كتفي وقال بصوت مخنوق: “يا بنتي.. المسيح حياكي من جديد، إنتي كنتي في عداد الأموات”.


بصيت له وابتسمت من وسط التعب والدم اللي على وشي وقولتله: “ربنا كبير يا قدس أبونا، ومبيسيبش حق حد.. كمل صلاتك بس المرة دي صلاة شكر، عشان الملازم ماريان رجعت لخدمتها”.



التفتّ للعيلة، لعمامي وخالاتي اللي نصهم كان جاي عشان يورث ونصهم التاني كان مصدوم بجد. قولت لهم بصوت قوي سمعه كل اللي واقفين: “العزا خلص يا جماعة.. الليلة دي ليلة فرحي بميلادي الجديد. البوفيه اللي معمول بـ 5 مليون جنيه ده ميتلغيش.. كلوه بالهنا والشفا، بس اعتبروه عشا الخلاص من الخاينين”.


خرجت برة الكنيسة، الهوا المنعش خبط في وشي، ورغم الجروح والبرد اللي كان لسة مأثر في جسمي، كنت حاسة بنار الانتصار مدفياني. ركبت عربية الجيش اللي كانت مستنياني، وبصيت للمراية.. شفت في عيني نظرة واحدة بس: نظرة جندي دخل معركة الموت وكسبها بدراعه.


من اليوم ده، مبقاش في حياتي مكان لـ “رامي” ولا لأي حد ممكن يكسرني. قفلت الصفحة دي تماماً، ورجعت لشغلي ووحدتي في القوات الخاصة، عشان أثبت لنفسي وللدنيا كلها.. إن اللي يلعب مع النار، ملهاش حل معاه غير إنها تحرقه.


بعد الأيام الصعبة دي، رجعت لخدمتي في الجيش برأس مرفوعة. القضية اتقفلت في المحكمة العسكرية وجنايات أمن الدولة بسرعة الصاروخ؛ رامي وماري أخدوا حكم يشيب بتهمة الشروع في قتل ضابط قوات خاصة مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية. بوليصة التأمين اللي كانوا بيحلموا بيها اتقلبت عليهم، وبدل ما يصرفوا الملايين، بقوا بيصرفوا أيامهم ورا القضبان.


الشقة اللي رامي كان عايز يسرقها اتكتبت بالكامل باسمي بحكم محكمة، وكل قرش كان ناوي يسرقه رجع لصحابه.


بعد كام شهر، كنت واقفة في طابور الصباح في وحدتي وسط سينا، الشمس طالعة وحامية، بتنور على رتبتي الجديدة اللي خلوها “نقيب” بعد كفاءتي في التعامل مع الموقف والنجاة من ظروف مستحيلة. القائد بتاعي وقف قدام الطابور كله، ضربلي تعظيم سلام وسلمني نوط الواجب العسكري.


بصيت للعساكر والضباط اللي واقفين وحاسين بالفخر، وافتكرت اللحظة اللي كنت فيها في الكوخ وسط البرد والظلمة، واللحظة اللي دخلت فيها الكنيسة بدمي وترابي.


عرفت وقتها إن ربنا مبيسبش حد مظلوم، وإن القوة مش في السلاح اللي في إيدك، القوة في العقيدة اللي جوة قلبك. رامي افتكر إنه سابني في جبال سانت كاترين عشان أموت من التلج، مكنش يعرف إن البنت المصرية لما تلبس الميري،مبيفرقش معاها لا برد ولا نار.


نزلت من طابور الصباح، عدلت كاب الجيش بتاعي، وبصيت للسما وابتسمت. الرحلة كانت قاسية، بس النهاية كانت تليق بيا. قفلت باب الماضي ورايا بالضبة والمفتاح، وبدأت حياتي من جديد… حياة مفيهاش مكان غير للوجع اللي بيقوي، والنصر اللي بيعيّش.


ومرت السنين، والقصة دي بقت هي الحدوته اللي بتتحكي لكل الدفعات الجديدة اللي بتدخل القوات الخاصة. بقيت أنا النموذج الحتة اللي القادة بيشاوروا عليه لما يحبوا يعلموا العساكر يعني إيه “عقيدة النجاة”.


في يوم من الأيام، كنت قاعدة في مكتبي بالوحدة، وجالي عسكري ومعاه دوسيه قديم. فتحته ولقيت فيه إخطار من مصلحة السجون؛ رامي بعتلي جواب استعطاف من ورا القضبان، كاتب فيه كلام كله ندم وكسرة، بيترجاني فيه أسامحه ويطلب مني أساعده في الإفراج الصحي بعد ما صحته اتهددت جوة السجن، وماري سابته ورمت كل التهم عليه ومبقتش بتسأل عنه.



بصيت للورقة وضحكت من قلبي.. الضحكة دي مكنش فيها غِل، كان فيها راحة. الراجل اللي كان شايفني مجرد “شيك” بـ 5 مليون جنيه، بقى دلوقتي ميسواش في نظري تمن الحبر اللي كاتب بيه الجواب.


مسكت الجواب، ومضيت عليه بكلمة واحدة بس في خانة الرد: “مرفوض”.


قمت من مكتبى، ولبست الكاب بتاعي، وخرجت عشان أشرف على تدريب طابور جيل جديد من وحوش القوات الخاصة. الجو برة كان حر ونار، شمس سينا كانت حامية بتلسع الوشوش، بس أنا كنت حاسة بانتعاش ملوش مثيل.


بصيت للوحوش اللي قدامي وزعقت فيهم بصوت رج الكتيبه: “الوحش منكم ميتعلمش بس إزاي يضرب نار.. الوحش يتعلم إزاي يرجع من الموت عشان ياخد حقه! مفيش ظروف بتكسرنا، ومفيش فخ بيحبسنا.. مفهوم يا وحوش؟”


ردوا كلهم بصوت واحد زلزل الأرض: “مفهوم يا فندم!”


وقفت وربعت إيدي وبصيت للأفق.. أنا ماريان، البنت المصرية المسيحية اللي جوزها افتكر إن البرد هيكسرها، فغلبت الموت ورجعت برتبة نقيب. عشت حياتي بكرامة، ومتعلمتش غير إني أبص لقدام.. ولحد آخر يوم في عمري، هفضل فاكرة إن اللي معاه ربنا، والبدلة الميري، مبيخافش من الضلمة.


بعد الطابور، رجعت على مكتبي وأنا حاسة براحة مفيش بعد كده. أخيرًا، الدائرة اتقفلت وكل واحد أخد حقه تالت ومتلت.


فتحت درج مكتبي وطلعت منه الإنجيل الصغير اللي بابا الله يرحمه كان مديهوني وأنا داخلة الكلية الحربية. فتحته وقريت الآية اللي دايماً كانت بتطمن قلبي: “لاَ تَدَعِ الشَّرَّ يَغْلِبُكَ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ”. الخير هنا مكنش إني أسيب حقي، الخير كان إني أحق الحق وأقف في وش الظلم بقوة القانون والعدل.


النهارده وأنا بكتب سطور قصتي دي، مش كاتباه عشان أبان ضحية، أنا كاتباه عشان كل بنت وكل ست تعرف إنها مش ضعيفة، وإن القوة مش بالصوت العالي ولا بالخداع، القوة بإنك تقفي على رجليكي وتواجهي الدنيا مهما كانت الظروف ضدك.


لو حد سألني النهارده: “ندمانة يا ماريان على اللي حصل؟” هقوله: “ولا ثانية واحدة”. التجربة دي هي اللي صقلتني، هي اللي خلتني النقيب ماريان اللي الكل بيعملها ألف حساب، وهي اللي عرفتني إن غدر البشر ممكن يرميكي في قاع الجحيم، بس إيمانك بربنا وبنفسك يقدر يرجعك للحياة من تاني وبأعلى رتبة.


قليت كاب الجيش بتاعي، وبصيت لصورتي في المراية اللي على الحيطة؛ الملامح اتغيرت، وبقى فيها هيبة وقوة مكنتش موجودة زمان. ابتسمت لنفسي ونزلت عشان أروح بيتي… بيتي اللي ملكي ومحدش يقدر يشاررني فيه.


الحكاية خلصت في الكنيسة وفي المحكمة، بس حياتي أنا لسة بتبتدي كل يوم مع كل شروق شمس جديدة فوق أرض مصر الحرة.


خرجت من مبنى القيادة، وركبت عربيتي عشان أرجع المحروسة. الطريق من سينا للقاهرة كان طويل، بس طول السكة كنت مشغلة ترانيم هادية في العربية، وصوت “كيرياليسون” (يا رب ارحم) كان بيملا المكان ويدخل السكينة في قلبي.



لما وصلت مصر الجديدة، ركنت العربية ونزلت اشتريت شوية حاجات من السوبر ماركت، والناس في الشارع كانت بتبصلي باحترام وفخر وهي شايفاني بالبدلة الميري. دخلت عماراتي، وطلعت شقتي اللي رامي كان هيموت وياخدها.


أول ما فتحت الباب، لقيت طاقة نور وشمس مالية المكان. علقت الكاب والجاكيت، ورحت وقفت قدام صورة العذراء ومارمينا اللي معلقاها في الصالة، ولعت شمعة صغيرة، ووقفت أصلي صلاة شكر من كل قلبي. صليت عشان ربنا نجاني من الموت، وعشان هداني القوة والصبر في أصعب لحظة.


قعدت في البلكونة وبإيدي كوباية الشاي بالنعناع، وبصيت على شوارع القاهرة الزحمية وصوت الكلاكسات اللي بحبه، وحسيت إني أخيرًا اتولدت من جديد.


تليفوني رن، وكان القائد بيباركلي على مأمورية جديدة برا مصر الشهر الجاي لتدريب قوات مكافحة الإرهاب الدولية. قفلت معاه وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “شايف يا رامي؟ إنت كنت عايز تدفنّي في كوخ مهجور وسط التلج، وربنا طيّرني في السما وخلى اسمي يلف العالم”.


قصتي دي مش مجرد حكاية غدر وانتقام، دي رسالة لكل حد فاكر إن الدنيا اسودت في وشه؛ طول ما فيك نفس، وطول ما حقك معاك، اوعى تستسلم. الملازم ماريان اللي دخلت الكنيسة بدمها وترابها، بقت النهارده النقيب ماريان اللي بتعلم الأجيال إزاي تدوس على الوجع وتعيش برأس مرفوعة.


تعليقات

التنقل السريع
    close