انا وحماتى كامله
انا وحماتى كامله
متجوزه من سنتين ولسه مفيش اطفال انا موظفه وبقبض 22الف جنبه وجوزى موظف ومرتبه كويس وجوزى عارف
من ايام الخطوبه ان مليش فى شغل البيت غير اكل خفيف
وبجيب ست تساعدنى مرتين فى الاسبوع فى الحاجات التقيله وانا بعمل الحاجات اليوميه الخفيفه لقيت حماتى بتتصل بيا وبتقولى اعملى حسابك يوم اجازتك تيجى تنظفى الشقه عندى
قولتها ياحماتى انا مليش فى شغل البيت وانا بجيب ست بتساعدنى بالفلوس ممكن اجبهالك واعتبريها مكانى
قالت لا وانتى على رجليكى نقش الحنه
مرت سنتين على جوازي من طارق. سنتين عشناهم في هدوء وراحة بال، بنرتب تفاصيل حياتنا على الفرازة زي أي اتنين موظفين ناجحين. أنا بقبض 22 ألف جنيه في الشهر، وهو مركزه مرموق ومرتبه بسم الله ما شاء الله مية مية. الماديات عمرها ما كانت أزمة بيننا، والتفاهم كان سيد الموقف، لإننا ببساطة حطينا النقط على الحروف من أيام الخطوبة. قلتله وقتها وعيني في عينه: “أنا ماليش في شغل البيت التقيل، أكل خفيف ونظام يومي ماشي، لكن هدة الحيل لأ”، وطارق وافق وباس إيدي كمان وقال لي: “كفاية صراحتك يا بنت الأصول”.
كنا مستعينين بـ “أم أحمد”، تيجي مرتين في الأسبوع تقلب الشقة وتخليها بتبرق، وتعمل الحاجات التقيلة، وأنا بكمل باللمسات الخفيفة الإيد في الإيد عشان البيت يفضل هادي ونظيف. دنيتنا كانت ماشية زي الساعة، ومكنش منغص علينا غير غصة واحدة في قلبنا؛ إننا لسه ربنا مرزقناش بأطفال. كنا بنسعى وبندعي، وبنقول كله بأوانه.
لكن الهدوء ده مكنش إلا الهدوء اللي قبل العاصفة، عاصفة قايدتها حماتي، الحاجة فاطمة.
في يوم تلات بعد الظهر، رجعت من الشغل هلكانة، يدوب رميت الشنطة وبغير هدومي عشان أخد نفسي، لقيت الموبايل بيرن رنة متواصلة تخض. شفت الاسم، اتنهدت وقلت: “ستر استر يا رب”. رديت وصوتي هادي:
— أهلاً يا حماتي، إزيك وإزاي صحتك؟
جاءني صوتها ناشف ومن غير سلام ولا كِلام:
— أهلاً يا نادين. بصي بقى من غير لف ودوران، اعملي حسابك يوم الجمعة الجاية -اللي هو يوم إجازتك- تصحي من النجمة وتنزليلي. الشقة عندي تضرب تقلب، والسجاد عايز يتغسل غسلة نظيفة، والشبابيك مليانة تراب، وشغل الشتا كله عايز يتشال ويتهوى.
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. سجاد وإيه وتنظيف إيه؟ ده أنا شقتي مابعملهاش! حاولت أبلع ريقي وأكتم ضيقتي، واتكلمت بكل أدب:
— يا حماتي، حضرتك عارفة من أيام الخطوبة إن ماليش في الشغل التقيل ده خالص وصحتي على قدي. والحمد لله ربنا ميسرها معانا، أنا بجيب ست بتساعدني بفلوسي في بيتي. وعشان خاطرك إنتي وعينيا ليكي، أنا هبعتلك أم أحمد يوم الجمعة من أول الصبح على حسابي، تعملك كل اللي نفسك فيه وزيادة، واعتبريها مكاني يا ستي.
الخط قطع ثانية، وفجأة الصوت اتقلب لـردح وهجوم هز السماعة:
— تبعتيلي ست؟ وأنا مالي ومال الستات الشغالة! أنا لما أقول كنة ابني تنزل تنظف ورايا، يبقى تنزل ورجلها فوق رقبتها. ولا إنتي يا ختي على رجليكي نقش الحنة وخايفة عليه يتمسح؟ الشغل بيطهر البدن يا ست الموظفة يا متعلمة، والبيوت ليها أصول، ولا فاكرة نفسك هانم وجاية تتنمردي علينا؟ الجمعة تيجى ورجلك فوق رقبتك سامعة؟
وراحت قفلة السكة في وشي!
وقفت متنحة، والموبايل قاد في إيدي، ونبضات قلبي بقت مسموعة من كتر الصدمة والإهانة. “نقش الحنة؟” بتعايرني عشان مهتمة بنفسي؟ ولا عشان بدفع من شقايا وفلوسي عشان أرتاح؟
بالليل، طارق رجع وكان باين عليه التعب، بس مكنش ينفع أسكت. حكيت له كل اللي حصل بحذافيره، ودموعي غصب عني نزلت من القهرة. طارق قعد يفرك في جبهته بضيق، وبصلي وقال:
— نادين، إنتي عارفة إني شاري خاطرك وموافق على اتفاقنا، بس دي أمي.. وصوتها بيبقى عالي والكل بيعملها ألف حساب في العيلة. بلاش تصغريها وتصغري لمتنا، تعالي على نفسك المرة دي وروحي معاها بالسياسة، ساعديها في أي حاجة خفيفة وفكي القفلة دي.
بصيت له بذهول وعيني مبرقة:
— أروح بالسياسة؟ طارق، أمك بتقولي اغسلي سجاد وتنظيف شقة كاملة، وقالتلي (ورجلك فوق رقبتك)! إنت مستوعب الإهانة؟ أنا مش هروح اتهان وأتهد، وأنا مقصرتش، عرضت بديل وكنت هدفع من جيبي الخاص!
الموضوع كبر بيننا والناقش احتدم لأول مرة بالشكل ده. طارق شايف إني مكبرة الموضوع وإن “الأم ليها حق”، وأنا شايفاها كرامتي وحدودي اللي اتفقنا عليها بتتفرش في الأرض. ليلتها نمنا زعلانين وكل واحد مدي ضهره للتاني.
مرت الأيام تقيلة لحد ما جه صباح يوم الجمعة. صحيت الساعة سبعة الصبح على هبد ورزع على باب الشقة كأنه بيتكسر. قمت مفزوعة، وطارق جري ورايا وهو بيفرك في عينه.
فتحت الباب، لقيت الحاجة فاطمة في وشي، وداخلة وزاقة الباب بكتفها، ووراها بنتها الكبيرة “شيرين”. حماتي مكنتش جاية لابس لبس خروج، دي كانت لابسة عباية بيتي قديمة، ورابطة راسها بإيشارب كرب، وفي إيدها كيس أسود كبير مليان قزايز كلور ومنظفات ومقشات.
وقفت في نص الصالة، وبصتلي من فوق لتحت بقرف، ووجهت كلامها لطارق اللي واقف مش فاهم حاجة:
— صحيتك من النوم يا حبيب أمك؟ معلش، أصل الهانم مرتك مجتش تنظفلي، فقلت العيب ما يصحش يفضل في بيتنا. أنا جيت بنفسي وجبت منظفاتي معايا عشان أنظف شقة ابني.. وأعلم الهانم اللي مأصلتش إزاي البيوت بتتغسل!
وتمت لفت ليا وعينيها بتطق شرار، وزعقت بصوت سمع العمارة كلها:
— بقى بترفضى تيجي تنظفيلي وتقوليلي أبعتلك ست بالفلوس؟ طيب وريني بقى هتمشي كلامك عليا إزاي في بيتك يا ست نادين!
رميت المقشات والكلور في الأرض، والصوت رن في الصالة زي القنبلة. طارق وقف في النص، وشه جاب ميت لون، يبص لأمه المغلولة ويبصلي وأنا واقفة ببيجامتي، مذهولة من الجبروت والداخلة اللي فيها قلة قيمة لكرامتي وكرامة بيتي.
شيرين أخته وقفت حاطة إيدها في وسطها، وبصت لشقتي بنظرة كلها غل وقالت:
— جرى إيه يا طارق؟ إنت هتحط إيدك في وسطك وتتفرج على ستايل الهانم؟ أمك جاية بهدوم الشغل عشان تنظف وراك إنت ومرتك الموظفة اللي مابتعملش لقمة!
حسيت بدمي بيفور، جيت أتكلم طارق مسك إيدي جامد، وضغط عليها كأنه بيترجاني أسكت، ووجه كلامه لأمه وصوته مرعوش بين هيبتها وبين صدمته من اللي بتعمله:
— يا أمي وحدي الله، إيه اللي بتعمليه ده؟ وإيه الدخلة دي على الصبح؟ بيتي نظيف وزي الفل، ونادين مش مقصرة معايا في حاجة، إحنا مستورين والحمد لله.
الحاجة فاطمة لوت بوزها وسقفت بكفيها بتهكم:
— مستورين؟ بنظافة الستات الشغالة اللي بتدخل وتخرج وتكشف سترك يا سي طارق؟ ولا مستورين بالكل والشراب الجاهز؟ البيوت اللي مابتتدخلهاش الشمس ومابتتغسلش بإيد أصحابها بيوت مفيهاش بركة.. وعشان كده ربنا محرمكم من العيال لحد دلوقتي! لإن البركة مابتجيش للهوانم اللي خايفين على نقش الحنة!
الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة. عيالي؟ بتعايرني بقلة الخلفية اللي ملناش يد فيها؟ دموعي نزلت من الوجع والقهرة، وبصيت لطارق مستنية يثور، مستنية يوريني إنه راجل ويقف في وش اللي بتجرح مراته في أعز ما تملك. لكن طارق للاسف، نزل عينه في الأرض، ومن كتر خوفه من أمه وصوتها العالي، قال بصوت واطي:
— يا أمي ملوش لزوم الكلام ده، كله بأوان وربنا كريم.. بس متعمليش في نفسك كده، اتفضلي ارتاحي وإحنا هنحل الموضوع.
لما شافت ضعفه وسكوته، اتقوت أكتر. زقته من طريقها ودخلت على المطبخ، وبدأت تفتح الدواليب وتطلع الحلل والعلب وترمي في الحوض وتزعق:
— مفيش حاجة هتحل! أنا هغسل المطبخ ده حتة حتة، وهطلع السجاد أغسله في البلكونة، عشان الجيران كلهم يعرفوا إن أم طارق هي اللي بتنظف ورا الهانم!
وقفت في نص الصالة، مسحت دموعي بكم بيجامتي، وحسيت إن في حاجة جوايا انكسرت تجاه طارق. التفتت له وقلت وصوتي قاطع وزي الموس:
— يا طارق، أمك وأختك يطلعوا بره حالا.. يا إما أنا اللي هسيب البيت ده ومجرد خطوة واحدة بره مش هتعرف طريقي تاني.
طارق اتمطوح بين الإتنين، بيبصلي برعب وبيقول:
— نادين، ابوس إيدك عدي اليوم، أمي لو مشيت غضبانة هتفضحني في العيلة وتلم عليا الناس، معلش تعالي على نفسك.
في اللحظة دي، طلعت الحاجة فاطمة من المطبخ وفي إيدها جردل المية، وبكل غل ودون ما تعمل أي حساب، راحت دالقة المية بالكلور في نص الصالة على السجادة التبريزي الغالية اللي أنا شارياها من فلوس شقايا، وقالت بصوت جهوري:
— مفيش حد هيطلع بره، والبيت ده بيتنا، ورجلك فوق رقبتك هتنزلي على ركبك وتنظفي المية دي معايا!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ليصكم كل القصص الكامله
المية بالكلور بدأت تسرح على السجادة، والريحة الحامية المكتومة ملأت الصالة في ثواني. اللون الأصلي بتاع السجادة بدأ يتغير ويجير قدام عيني، شقايا وتحويشة شهور من شغلي وتعب قلبي في المكاتب بيتدلق عليه كلور بكل غل لمجرد كسر النفس.
وقفت مكاني، مبرقة ومش مصدقة الجبروت. بصيت للأرض وبعدين رفعت عيني لطارق اللي واقف زي الصنم، عينيه زايفة ومذهول، بس واقف مكانه مبيتحركش! كأنه مستني المعجزة تنزل من السما تحل الموقف من غير ما ينطق بكلمة تغضب أمه.
حماتي رمت الجردل الفاضي من إيدها على الأرض، فرزع وعمل صوت هز الحيطان، وراحت حاطة إيدها في وسطها وبصتلي بنظرة انتصار مرعبة وقالت:
— يلا يا ست نادين.. ورينا بقى شطارة المتعلمات. المية اهي غطت الصالة، شمري ورينا هتعملي إيه، ولا هتفضلي واقفة تتفرجي على مال جوزك وهو بيضيع؟
شيرين أخته ضحكت بـ شماتة وجمعت عبايتها وقعدت على الكنبة وحطت رجل على رجل وقالت:
— أهو كدة الشغل الصح يا أمي، عشان تعرف إن الله حق، وإن بيوت الأصول ليها ناسها، مش ناس جاية تتدلع وتقعد حاطة رجل على رجل والخدامين داخلين خارجين.
في اللحظة دي، حسيت بنبضات قلبي بتدق في دماغي. الوجع اللي في قلبي من معايرتهم ليا بالخلفة، مع منظر السجادة اللي باظت، مع خذلان طارق، كل ده اتمزج وطلع في شكل قوة عمري ما حسيت بيها قبل كده. برود رهيب سكن جوايا، ودموعي اللي كانت نازلة نشفت تماماً.
بصيت لطارق بقمة الاحتقار، وقلتله بصوت هادي جداً بس مرعب من كتر ثباته:
— إنت واقف تتفرج يا طارق؟ أهلك بيدلقوا كلور في بيتك وبيبوظوا حاجتي، وبيهينوني في شرفي وأمومتي اللي لسه ربنا مأذنوش بيها، وإنت واقف زي الكرسي اللي مالوش لازمة؟
طارق وشه احمر وحاول يقرب مني وهو بيمد إيده:
— نادين.. عشان خاطري.. أمي داخلة على طمع في رضاها، بلاش تخربي البيت.. عدي الحوار ده وأنا هعوضك عن السجادة وعن كل حاجة، بس عشان خاطري متكبريش الموضوع قدام أختي.
— تعوضني؟
صرخت الكلمة دي في وشه لدرجة إنه اتخض ورجع خطوة لورا.
— تعوضني عن إيه ولا إيه؟ عن كرامتي اللي اتداست؟ ولا عن قلة أدب أمك؟ ولا عن معايرتها ليا بحاجة بتاعة ربنا؟ ولا عن قذارتهم وجبروتهم وهم داخلين بيتي يكسروني؟
حماتي أول ما سمعتني بقول “قذارتهم وجبروتهم”، صوتها طلع بالردح من تاني وصوتها سمع العمارة كلها:
— إحنا قذرين يا بت بتوع المدارس؟ يا اللي مش نافعة في حاجة؟ لا بتنظفي ولا بتطبخي ولا حتى خلفتي للواد عيل يشيل اسمه! طارق ده سيدك وسيد أهلك، وبكرة أجوزه ست ستك، تجيب له العيال وتملى عليه البيت، وتقعد تحت رجلي تغسلي شبشبي، مش زيك يا هانم يا بتاعة المكاتب!
نزلت حماتي على الرصيف اللي بره الشقة وبدأت تزعق في السلم عشان الجيران يسمعوا:
— يا ناس يا هوه.. تعالوا شوفوا كنة ابني الموظفة، عازمة الشغالات في بيتها، ومقعدة ابني من غير لقمة، ولما جيت أنظف وراها بتطردني من بيت ابني!
الصوت كان عالي جداً، والفضائح بدأت تملى المكان. شيرين أخته كانت بتسخنها وتزعق معاها.
أنا ميرمش ليا جفن. دخلت الأوضة بكل برود، وطارق جِري ورايا وهو بيلطم على وشه ويقول:
— يخرب بيتك يا نادين، أمي هتفضحنا في المنطقة! الناس بتتفرج علينا، أرجوكي انزلي بوسي إيدها ونهي الليلة دي!
مردتش عليه بكلمة. فتحت الدولاب، سحبت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي. كل حاجة تخصني، لبسي، جزمتي، حاجتي الشخصية. طارق وقف مذهول، مكنش متخيل إن رد فعلي هيكون بالحسم ده. حاول يمسك الشنطة ويقفلها:
— إنتي بتعملي إيه؟ إنتي اتجننتي؟ هتسيبي البيت يوم الجمعة الصبح والناس واقفة على السلم؟ عايزة تفضحيني؟
بصيت له وعيني فيها نظرة موت:
— الفضيحة هي إنك مسمي نفسك راجل وإنت مش عارف تحمي مرأتك ولا بيتك. سيب الشنطة يا طارق، لإن لو إيدك اتمدت عليها، هطلب النجدة فوراً وأعملك قضية تبديد واعتداء، وإنت عارف إني موظفة في مكان حساس وأقدر أعمل كدة وأنا واقفة في مكاني.
كلامي خلاه يترجع ويدوب يسيب الشنطة وخوفه زاد. سحبت الشنطة وخرجت للصالة. المية والكلور كانوا ماليين المكان والريحة تخنق.
حماتي لما شافتني خارجة بالجرار والشنطة الكبيرة، سكتت لحظة، وبعدين لوت بوزها وقالت بـ شماتة:
— مع السلامة والقلب داعيلك، الباب يفوت جمل. روحي لأمك اللي معرفتش تربيكي على الأصول وتعرفك إزاي تخدمي حماتك وتصوني جوزك. روحي، وطارق بكرة يتجوز ست ستك!
وقفت على باب الشقة، وبصيت لحماتي وشيرين وبصيت لطارق اللي واقف وراهم وعينيه مكسورة وخايف من الناس وخايف من أمه.
قلتلهم بابتسامة ثقة وكسرة عين ليهم كلهم:
— البيت ده أنا دافعة في تمنه وفي فرش السجادة اللي دلقوا عليها الكلور دي نص الفلوس من شقايا وتعب شهريتي الـ 22 ألف جنيه اللي ابنك مكنش يحلم يتجوز واحدة بيهم. الشقة دي شقتي بالنص يا حاجة فاطمة، وأنا ماشية دلوقتي بمزاجي عشان ريحة المكان بقت خنقة.. بس وحياة قهرتي ودموعي ومعايرتكم ليا بالخلفة، لتدفعوا تمن الدخلة دي غالي أوي.. وطارق مش هيشوف ضفري تاني إلا في المحاكم.
سحبت شنطتي ونزلت السلم والجيران كلهم واقفين بيبصوا عليا بنظرات ذهول وعطف، وأنا رافعة راسي لفوق، مدمعتش ولا دمعة قدامهم. ركبت عربيتي ودموعي مكنتش نازلة من الضعف، كانت نازلة من الغل والتخطيط للي جاي.
وصلت بيت أهلي، وأول ما أبويا وأمي شافوني بالمنظر ده والشنطة في إيدي، وشافوا السواد اللي تحت عيني، أبويا وقف مخضوض:
— في إيه يا نادين؟ طارق جرى له حاجة؟
حكيت لهم كل اللي حصل، من أول تليفون يوم الثلاثاء، لحد دلقة جردل الكلور ومعايرتي بالخلفة. أبويا، الراجل الصعيدي اللي دمه حامي، وشه بقى أحمر زي الدم، وقام وقف وضرب الكف بالثاني وقال:
— بقى الحرمة دي وبنتها يدخلوا بيت بنتي ويهينوها ويعايروها بأمر ربنا؟ والندل واقف يتفرج؟ وحق جلال الله يا نادين، لندمهم على اليوم اللي فكروا فيه يدوسوا ليكي على طرف.. اجهزي يا بنتي، لإن الحساب هيبدأ من الليلة دي.
وفي نفس الليلة، تليفون أبويا رن، وكان المتصل.. طارق!
أبويا بَص للشاشة، وشاف اسم طارق وهو بيرن. ملامحه اتصلبت وعروق إيده برزت من كتر الغيظ. ساب الموبايل يرن لحد ما فصل، ومارضيش يرد. طارق رن تاني وتالت، وفي الرابعة أبويا فتح الخط وفتح “الاسبيكر” عشان أسمع، وصوته طلع رزين بس مليان هيبة تخوف:
— أهلاً يا طارق بيه. خير؟
صوت طارق جاء من الناحية التانية مرعوش، ونبرته فيها كمية توتر وخوف مش طبيعية، وبدأ يتكلم بسرعة كأنه بيحاول يلحق المصيبة قبل ما تكبر:
— عمي.. الله يخليك اسمعني بس. أنا عارف إن نادين عندك وعارف إنها زعلانة وحكتلك.. أنا والله العظيم ماليش ذنب في اللي حصل الصبح، دي أمي وإنت عارف مقام الأم، وأنا اتفاجأت بوجودها هي وأختي ومقدرتش أقف في وشها وأرمي حاجتها في الشارع. نادين هولت الموضوع وشالت شنطتها ومشت قدام الجيران وفضحتني في المنطقة، وأنا باقٍ على بيتي وباقٍ على نادين، وجاهز آجي أصالحكم دلوقتي حالا ونقفل الصفحة دي.
أبويا ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة كلها استهزاء، ونطق بكل حسم:
— تصالح مين يا ابن الأصول؟ وتصالح على إيه؟ على كرامة بنتي اللي اتفرشت في الأرض قدام الجيران؟ ولا على بيتها اللي اتهان وحاجتها اللي باظت بالغل؟ ولا على عيرتكم ليها بقلة الخلفية وكأن الأمر بإيدها مش بإيد ربنا؟ طارق.. إنت سقطت من نظري ونظر بنتي لما وقفت زي الحرمة في الصالة وأمك بتدلق الكلور وبتهين مرأتك وإنت باصص في الأرض. الراجل اللي ميعرفش يحمي مراته في بيته، ملوش عندي بنات تروح معاه.
طارق صوته بدأ يعلو بس برعب:
— يا عمي إنت هتكبر الموضوع ليه؟ دي خناقة ستات مع بعضها! أمي وأختي الكبيرة، أدخل أضربهم يعني عشان ترتاحوا؟ نادين مراتي ومكانها في بيتها، والموضوع مش مستاهل المحاكم والكلام الكبير اللي هي قالته وهي ماشية!
هنا أبويا قاطعه بصوت زي الرعد هز الأوضة:
— خناقة ستات لما يكونوا في سوق! لكن دول داخلين هجمية على بيت بنتي، وبنتي مش هترجع البيت ده تاني يا طارق. الشقة اللي إنت قاعد فيها دي، بنتي دافعة نص تمنها ونص فرشها بفلوس شقاها، ومن الليلة دي كل شيء هيمشي بالأصول والقانون. حاجتها هتيجي لحد هنا، وحقها هيتاخد تالت ومتلت، والباب اللي قفلته أمك في وش بنتي، مش هيتفتح لك تاني. اقفل يا طارق، والكلام اللي جاي مش هيكون معايا، هيكون مع المحامين.
أبويا قفل السكة في وشه من غير ما يديله فرصة ينطق بكلمة تانية. التفت ليا وطبطب على كتفي وقالّي:
— ارفعي راسك يا نادين، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش مخلوق يكسر لك عين ولا يعايرك ب رزق ربنا. بكره الصبح تروحي شغلك عادي جداً، تلبسي أنظف ما عندك وتنزلي بكامل أناقتك، ولا كأن في حاجة حصلت. الشغل ده هو سندك وقوتك بعد ربنا، وأنا من النجمة هكون عند المحامي.
ثاني يوم الصبح، نزلت شغلي وأنا حاطة نظارتي الشمسية، رافعة راسي، وبحاول أكون قوية قدام زمايلي، رغم إن قلبي من جوه كان قايد نار من صدمتي في طارق وسنتين الجواز اللي ضاعوا مع راجل مبيعرفش يحمي بيته.
الساعة اتنين الظهر، وأنا قاعدة في مكتبي، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم أخت طارق، شيرين. فتحت الرسالة ولقيتها كاتبالي:
“أهو كدة بان أصلك يا بتاعة الموظفين، روحتي جريتي تستخبي ورا أبوكي وتشتكي زي العيال. طارق أخويا سيدك وسيد أهلك، والشقة اللي فرحانة بنصها دي بكرة ينورها ست ستك اللي تصونه وتجيب له العيال، مش زيك أرض بور مابتطرحش! اعلى ما في خيلك اركبيه إنتي وأبوكي، وإحنا مش هنموت عليكي، والشنطة اللي أخدتيها مش هتشوفي غيرها.”
مسكت الموبايل، وإيدي كانت بترتعش من كمية الغل اللي في كلامها، وخصوصاً كلمة “أرض بور”. الكلمة دي قطعت في فروة راسي، بس تماسكت، ومارضيتش أرد عليها بنص كلمة. عملت “سكرين شوت” للرسالة وبعتها فوراً للمحامي بتاعنا، وعملت لشيرين “بلوك”.
بعدها بيومين، المحامي بتاعنا أخد الإجراءات القانونية وبدأ يتحرك في كذا اتجاه؛ قضية تمكين من الشقة لأنها مناصفة ومكتوبة في العقد، وقضية تبديد منقولات لأن في حاجات باظت وحاجات تانية هما مستوليين عليها، وقضية سب وقذف بالرسائل اللي شيرين بعتتها.
وفي يوم الخميس، يعني بعد أسبوع بالظبط من الواقعة، كنت راجعة من الشغل، لقيت بواب العمارة بتاعة أهلي بيكلمني وبيقولي:
— يا ست نادين، في واحدة ست كبيرة وبنتها كانوا واقفين تحت العمارة من شوية، وعمالين يسألوا عليكي وعلى والدك، وشكلهم مش مريح وكأنهم بيخططوا لحاجة.
عرفت فوراً إنها حماتي وشيرين، وإنهم مش هيسكتوا، وخصوصاً بعد ما المحضرين راحوا لطارق في الشغل وبلغوه بالقضايا اللي اترفت ضده وضد أخته.
وبالفعل، يدوب طلعت الشقة ومقعدتش ربع ساعة، وسمعنا صوت زعق وردح شغال في الشارع تحت البلكونة بصوت يهز المنطقة كلها! جريت أنا وأبويا وأمي على البلكونة ونزلنا برأسنا عشان نشوف في إيه..
لقينا الحاجة فاطمة وبنتها شيرين واقفين في نص الشارع، ولمين حواليهم الناس والجيران، وحماتي رافعة إيدها لفوق وبتصرخ بأعلى صوتها وتغلط فيا وفي أبويا قدام المنطقة كلها!
الحاجة فاطمة كانت واقفة في نص الشارع، لامة العباية في إيدها، وبتصوت وتلطم على صدرها بنبرة رداحة هزت الحيطان، وشيرين بنتها واقفة وراها تسقف وتصوت معاها عشان تلم الناس زيادة. الجيران كلهم فتحوا الشبابيك وبقوا يبصوا من البلكونات، والمارة في الشارع وقفوا يتفرجوا على المنظر.
حماتي زعقت بأعلى صوتها وهي بتبص لبلكونتنا:
— انزل يا صاوي يا مغازي.. انزل يا اللي مش عارف تربي بنتك! يا اللي بنتك خربت بيت ابني وضيعت شقاه، وجاية تتبلى علينا بالمحاكم والمحضرين! يا ناس يا عالم، شوفوا الراجل الكبير اللي بيشجع بنته ترفع قضايا على جوزها وتبهدله في أقسام الشرطة عشان تسرق شقته! بنته الهانم الموظفة اللي مابتفهمش في الأصول، عايزة تاخد الشقة وتطرد ابني في الشارع، وهي لا نافعة في بيت ولا نافعة تجيب حتة عيل يشيل اسم العيلة!
الكلام كان زي الطعنات المسمومة قدام الجيران والمنطقة اللي طول عمرنا عايشين فيها ولينا هيبتنا واحترامنا وسطها. أمي حطت إيدها على قلبها ودموعها نزلت من الخضة والفضيحة، وجت تزعق وترد عليهم من البلكونة، لكن أبويا مسك إيدها بحسم وقوة وقالها بصوت قاطع:
— ولا كلمة يا أم نادين.. اطلعي جوه إنتي وهي، الرد على الأشكال دي ميكونش من البلكونات. إحنا ولاد أصول ومبندقش طبل في الشوارع.
أبويا سحبنا لجوه وقفل شيش البلكونة تماماً، وطلع تليفونه بكل هدوء وثبات ينّم عن ذكاء وخبرة سنين. اتصل بمأمور القسم اللي يربطه بيه معرفة قديمة وشغل، وقاله بلهجة واثقة:
— مساك بالخير يا فندم. أنا صاوي مغازي. عندي حالياً حالة شغب وسب وقذف علني وتجمهر تحت بيتي من سيدات بيحاولوا يبتزوني ويهينوا عائلتي في الشارع، وأنا راجل ملتزم بالقانون ومش عايز يحصل اشتباك من شباب العيلة معاهم. أرجوك ابعتلي دورية فوراً تاخدهم من تحت البيت عشان يتعمل بيهم محضر عدم تعرض وسب وقذف في المحضر الرسمي.
الحاجة فاطمة وشيرين بره افتكروا إن سكوتنا ده خوف وانكسار، فزودوا في الردح والغلط، وشيرين بدأت تصرخ وتجيب في سيرتي وسيرة مكاني في الشغل وتقول: “دي فاكرة نفسها هانم عشان بتقبض قرشين.. دي بكرة تترمي في الشارع ومحدش هيعبرها!”
مفاتش عشر دقائق، وصوت سرينة عربية الشرطة رن في الشارع. الجيران كلهم اتلموا لما شافوا البوكس واقف، ونزل منه أمين شرطة واثنين عساكر. حماتي أول ما شافت البوكس، صوتها هدي فجأة ووشها جاب ألوان، وشيرين استخبت وراها.
أمين الشرطة سأل بنبرة حازمة:
— مين الستات اللي بتعمل شغب وبتزعق هنا وتلم الناس؟
أبويا نزل في اللحظة دي بكل هيبته، ومعاه بواب العمارة واثنين من جيرانا اللي شهدوا الواقعة من أولها ورفضوا الإهانة اللي حصلت لنا. أبويا بص للأمين وقال:
— الستات دول يا فندم جايين لحد بيتي وبيهينوني وبيهينوا بنتي وقذفوها بالباطل قدام المنطقة كلها، وعندي شهود من الجيران الكرام على كل كلمة اتقالت، وبطلب عمل محضر رسمي بالواقعة دي حالا.
أمين الشرطة وجه كلامه لحماتي وشيرين:
— قدامي على البوكس إنتي وهي.. في القسم الكلام ده يتقال، مفيش لم لـ الناس وعمل فوضى في الشارع هنا.
شيرين بدأت تصرخ:
— بوكس إيه يا باشا؟ إحنا ولاد ناس وأصحاب حق! دي كنة أمي وهي اللي طردتنا!
الأمين زعق فيها:
— قداااامي بقولك! مسمعش صوتك!
أخدوهم في عربية الشرطة والمنظر كان كفيل يكسر عينهم وعين طارق في المنطقة كلها. أبويا أخد الشهود وطلع على القسم عشان يثبت المحضر ويوثق السب والقذف اللي حصل، والرسائل اللي شيرين بعتتها على الواتساب انضمت للمحضر كدليل إدانة إلكتروني قوي ملوش مخرج.
على الساعة حداشر بالليل، وأنا قاعدة مع أمي في الصالة بنحاول نستوعب الهجوم ده، الباب خبط. فتحت أمي، ولقينا طارق واقف على الباب!
وشه كان أصفر كأنه ميت، وعينيه دبلانة، وهدومه مبهدلة. أول ما شافني، زق الباب ودخل وجري عليا، ومسك إيدي وهو بيترعش ودموعه نازلة من عينيه، وقال بصوت مخنوق ومكسور:
— نادين.. ارحميني وارحمي أبويا اللي مات غلبان.. أمي وأختي محجوزين في القسم وهيباتوا في الحجز الليلة! المحامي بتاعي قال لي إن القضية لبساهم لبساهم بسبب الشهود ورسائل الواتساب، وأبوكي رافض يتنازل ومصمم يبيتهم في التخشيبة! أبوس رجليكي يا نادين، أنا انتهيت في شغلي وفضيحتي بقت بجلاجل، وحقك على راسي، أنا مستعد أعملك كل اللي إنتي عايزاه بس طلعيهم من هناك!
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وشلتها بكل برود وقسوة، وقلتله:
— وإنت كنت فين يا طارق وأمك بتعايرني في شرف أمومتي الصبح وفي الشارع؟ كنت فين والكلور بيبوظ حاجتي؟ جاي دلوقتي تبكي لما القانون علمهم الأدب؟
طارق نزل على ركبه في الأرض وبصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال:
— هطلقك يا نادين.. لو عايزة الطلاق هطلقك واديكي كل حقوقك، بس بلاش يدخلوا السجن.. أمي ست كبيرة ومش هتستحمل حجز الأقسام.. أرجوكي!
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أبويا من بره، وعينيه بتطق شرار أول ما شاف طارق قاعد على ركبه في الصالة..
أبويا وقف على الباب، طوله بعرضه قفل المخرج، وعينيه كانت حامية زي الجمر أول ما شاف طارق مكسور وقاعد على ركبه في نص الصالة. طارق اتنفض من مكانه ووقف وهو بينفض بنطلونه، وشه الأرض مش قادر يرفع عينه في عين أبويا.
أبويا قفل الباب وراه براحة، ومشى بخطوات ثابتة ومرعبة لحد ما بقى واقف قدام طارق بالظبط، وحط إيده في جيبه وقالّه بصوت هادي بس يقطع زي السكينة:
— إنت إيه اللي جابك هنا يا طارق؟ وبأي عين جاي تدخل بيتي بعد اللي أمك وأختك عملوه في الشارع قدام اللي يسوى واللي ميسواش؟
طارق اتكلم وصوته بيرتعش والدموع محبوسة في عينيه:
— يا عمي أنا جاي وشايل كفني على إيدي. أنا ماليش ذنب في نَزلة أمي الشارع ولا كنت أعرف إنها هتعمل كدة، أنا رجعت من شغلي لقيت الجيران بيكلموني ويقولوا لي أمك وأختك اتقبض عليهم من تحت بيت حماك. يا عمي أمي ست كبيرة ومريضة ضغط وسكر، وبياتها ليلة واحدة في حجز القسم ممكن يروح فيها عمرها. أنا مستعد أمضي لك على شيكات، مستعد أتنازل لنادين عن نص الشقة التاني، مستعد أطلقها حالا بالمعروف وتاخد كل حقوقها لحد آخر مليم، بس تنازل عن المحضر الليلة دي وخليها تخرج.. دي أمي يا عمي!
أبويا بص له من فوق لتحت باحتقار شديد، ونطق بكل قسوة:
— وأنا بنتي نادين.. اللي أمك وقفت تعايرها ب رزق ربنا في وسط الشارع وتسمع المنطقة إنها “أرض بور”. بنتي اللي دخلتوا بيتها بهدلتوه ودلقتوا فيه الكلور عشان تكسروا نفسها وتذلوها. وقتها إنت مكنتش راجل يا طارق، وقفت تتفرج وتترجاها تسكت عشان خاطر أمك. وأمك الست الكبيرة المريضة دي، مكنتش مريضة ليه وهي جايبة مقشاتها والكلور ونازلة تكسر بيت بنتي؟ مكنتش مريضة ليه وهي بتصرخ وتلم الناس وتردح في الشوارع؟
طارق جِري عليا ومسك طرف العباية بتاعة أمي وهو بيبكي:
— يا أم نادين.. وحياة غلاوة ناد عندك، اتوسطي لي عند الحج صاوي. الستات ليهم قلب وبيحنوا، أمي غلطت والشيطان ركبها، بس بلاش السجن والفضيحة. أنا مستقبلي في الشغل هيضيع لو الموضوع ده اتعرف.
أمي لفت وشها الناحية التانية بحسم وقالت:
— اللي يرضى بإهانة بنتي ملوش خاطر عندي يا طارق. إحنا ياما شيلناكم وياما سكتنا، لكن لحد كرامة بنتي وكسرة قلبها.. مفيش حنية.
أبويا شاور لطارق بصباعه وقال بلهجة قاطعة مفيهاش رجوع:
— اسمع يا طارق.. أنا مش هتنازل عن المحضر الليلة. أمك وأختك هيباتوا في الحجز الليلة دي عشان يعرفوا إن بيوت الأصول ليها حرمة، وإن القانون في البلد دي بياخد حق المظلوم. بكرة الصبح.. الصبح بالظبط، هتروح مع المحامي بتاعي ومحاميك على الشهر العقاري، تتنازل لنادين عن نص الشقة بتاعك بيع وشراء قطعي، وتمضي على قسيمة الطلاق في الإبراء، وتسلمنا كل منقولاتها اللي عندك في الشقة من غير نقص معلقة واحدة.. ساعتها بس، المحامي بتاعي هيروح النيابة ويقدم إقرار بالتنازل عن محضر السب والقذف، وتخرج أمك وأختك بضمان محل إقامتهم. غير كدة.. وحياة شيبتي دي، لأسيب القضية تاخد مجراها لحد ما يتحكم عليهم بالحبس والتعويض المدني، وساعتها خليهم ينفعوك.
طارق حس إن الدنيا لفت بيه، الشروط كانت قاسية وبتنهي كل حاجة، بس مكنش قدامه أي مخرج تاني. المحامين بتوعه أكدوا له إن موقف أمه وأختك ضايع تماماً بسبب رسائل الواتساب وشهادة الجيران وبواب العمارة اللي أيدوا أقوالنا في النيابة.
بصلي ونظراته كانت مليانة كسر وخزي، وقال بصوت ضعيف:
— إنتي موافقة على الكلام ده يا نادين؟ موافقة تنهي سنتين جواز بالشكل ده وتدمريني؟
بصيت له بكل جمود، وقلتله بكلمتين اتنين مفيش غيرهم:
— السنتين دول ماتوا من يوم ما وقفت تتفرج على أمك وهي بتبوظ حاجتي وبتعايرني في بطني.. بكرة الصبح نتقابل عند المأذون والشهر العقاري يا طارق.. ده لو عايز أمك تخرج.
طارق هز راسه بقلة حيلة وانكسار، وخرج من باب الشقة وهو بيجر رجليه زي الأموات، بعد ما عرف إن اللعبة خلاص انتهت، وإن الهدوء اللي عاشه سنتين اتقلب لعاصفة شالت كل حاجة في طريقها.
أبويا قفل الباب ورا طارق، والتفت ليا وابتسم ابتسامة نصر وقالي:
— كدة حقك رجع يا بنت الصاوي، وبكرة اللعبة الكبيرة هتنتهي، وهعلمهم إزاي يدوسوا على طرف لـ بنت الأصول.
لكن صباح يوم السبت.. وقبل ما نروح الشهر العقاري والمأذون بساعة واحدة، تليفون المحامي بتاعنا رن، وجاءنا خبر صدمنا كلنا، وقلب الترابيزة في اللحظة الأخيرة!
المحامي صوته كان سريع وفي قمة الاندهاش وهو بيكلم أبويا في التليفون:
— ألو.. يا حج صاوي، الحقني بسرعة على مستشفى العام! الحاجة فاطمة جالها جلطة مفاجئة في الحجز الفجر من كتر الضغط والخوف، ونقلوها في عربية إسعاف تحت الحراسة، وطارق قالب الدنيا وهيموت من الرعب، ومحاميه بيكلمني وبيقول إن طارق رافض يوقع على أي ورقة أو يتنازل عن الشقة قبل ما أمه تقوم بالسلامة ويطمن عليها!
أبويا قفل السكة، وبصلي وبص لأمي والوجوم مغطي وشه. طارق افتكر إن الجلطة دي كارت الإرهاب الأخير اللي هيخليني أتنازل من غير شروط، وخاف إن أمه تضيع منه وهو بيمضي على قسيمة طلاقه وبيع شقته.
لكن أبويا حط إيده في وسطه وقال بعزم قوته:
— لآخر لحظة بيلعبوا بالبيضة والحجر.. اجهزي يا نادين، إحنا رايحين المستشفى حالا، بس مش عشان نتنازل.. عشان ننهي الفيلم ده للأبد.
وصلنا المستشفى، ولقينا طارق قاعد على الأرض قدام غابة من العساكر والضباط، وشيرين أخته قاعدة جمبه بتعيط بحرقة وخوف بعد ما شافت الموت بعينيها في الحجز. أول ما طارق شافني داخلة ومعايا أبويا والمحامي، قام وقف وجري علينا وزعق بصوت مكتوم مليان غل وكسرة:
— ارتحتي يا نادين؟ ارتحت يا عم صاوي؟ أمي بتموت جوه بسبتكم! مش هتمضي على حاجة، ومش هطلق، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.. لو أمي جرى لها حاجة أنا هطربق الدنيا على الكل!
أبويا مقربش منه، ساب المحامي بتاعنا يتقدم بخطوات واثقة ويطلع حزمة ورق من شنطته ويحطها قدام وش طارق ومحاميه وقال بنبرة قانونية صارمة:
— طارق بيه.. النيابة صرحت بكشف طبي شرعي على الوالدة، والتقرير طلع حالا إنها تمارضت، والضغط عِلي حاجة بسيطة من الخضة ومفيش جلطة ولا حاجة، ودي محاولة لتعطيل الإجراءات. والضابط هنا مستني إما ورقة التنازل عشان يخرجوها، يا إما هترجع التخشيبة فوراً وتتعرض على النيابة الساعة ١٢ الظهر مع تقرير السب والقذف.. قدامك نص ساعة بالظبط، يا تمضي والست تخرج لبيتها، يا المحضر هياخد مجراه والنيابة هتجدد حبسها هي وأختك!
طارق بَص لمحاميه وهو مذهول، ومحاميه هز راسه بالرفض وقاله وشوشة: “موقفنا صفر يا طارق، والتقرير كشفنا، امضي وخلص نفسك بدل ما والدتك تتبهدل بجد”.
في اللحظة دي، طارق انهار تماماً. قعد على المكتب اللي في الطرقة، وإيده بترتعش، ومضى على عقد بيع وتنازل قطعي عن نصيبه في الشقة ليا، ومضى على إقرار بتسليم المنقولات كاملة دون نقصان.
وبعدها، وقف قدام المحامي والمأذون اللي طلبناه، وبصلي وعينيه مليانة دموع وندم، وقال بصوت مخنوق:
— إنتي طالق يا نادين.. طالق بالثلاثة، وربنا ينتقم من اللي كان السبب في خراب بيتنا.
أبويا أخد قسيمة الطلاق وعقد الشقة، وبص للمحامي وقاله: “قدم التنازل يا متر وخلي الست الكبيرة تخرج لبيتها، إحنا خدانا حقنا بالشرع والقانون”.
التفتت لطارق لآخر مرة، وبصيت له وبكل ثقة وفخر قلتله:
— اللي خرب بيتك هو ضعفك وخوفك، والبيوت اللي مابتتحميش بالرجال.. بتهدها النساوين. مع السلامة يا طارق.
سبته ومشيت ورا أبويا وأمي، وأنا حاسة إن جبل انشال من على صدري.
مرت الشهور، وحياتي اتقلبت تماماً. قعدت في شقتي لوحدي ملكي ونظيفة وزي الفل، كملت في شغلي وربنا كرمني بترقية كبيرة، وبقى مرتبي بسم الله ما شاء الله يكفيني ويفيض، وأم أحمد لسه بتجيلي مرتين في الأسبوع والبيت دايماً منور.
أما طارق، فعرفت من الجيران إن أمه وأختك بقوا يمشوا في الشارع وعينهم في الأرض من كتر الفضيحة، وطارق عايش معاهم في شقتهم القديمة في نكد ومشاكل مبتخلصش، والكل بقوا يتجنبوا عيلتهم ومحدش رضي يناسبهم بعد اللي حصل.
وبعد سنة كاملة من الطلاق، ربنا أراد يبعتلي العوض اللي يمسح كل الوجع. اتقدم لي زميل ليا في الشغل، راجل بجد، ابن أصول وبيفهم في الأصول، وعرف قيمتي وشالني على راسه.
والإعجاز الإلهي اللي كسر مناخير حماتي وأثبت إن البركة والرزق بإيد ربنا وبس.. إني بعد شهرين بس من جوازي الجديد، تعبت وروحت للدكتور، وخرجت وأنا ماسكة في إيدي تحليل بيقول إني “حامل”!
ربنا رزقني بالطفل اللي حرموني منه وعايروني بيه، عشان يثبتلي إن المنع كان لحكمة، وإن ربنا مبيظلمش حد. وقفت في بلكونة شقتي، وأنا حاضنة بطني، وباصة للسما وبقول: “الحمد لله يا رب.. حق بنت الأصول دايماً بيرجع تالت ومتلت”.
الحكمة من هذه القصة تتلخص في عدة دروس حياتية واجتماعية قوية:
* **البيوت تُبنى على الأصول والاتفاق الواضح:** الصراحة من البداية هي أساس النجاح، واحترام الاتفاقات بين الزوجين واجب، ومحاولة طرف ثالث فرض رأيه بالقوة والذل تخرب أمتن البيوت.
* **الرجولة حماية وموقف:** الرجل ليس مجرد اسم أو منصب مالي، بل هو موقف وحماية لزوجته وبيته. طاعة الوالدين وبرهما لا تعني أبداً السماح لهما بظلم شريكة الحياة أو إهانة كرامتها ودخول بيتها عنوة.
* **الرزق والخلفة بيد الله وحده:** لا يحق لبشر أن يعاير إنساناً بابتلاء أو تأخر في الرزق (كالخلفة)، فالمنع والعطاء لحكمة إلهية، وسبحان من رزق نادين في الوقت المناسب مع الشخص المناسب ليكسر عين من عايروها.
* **الاستقلال المادي للمرأة سلاح وقوة:** عمل المرأة وذمتها المالية المستقلة يحميها في أوقات الأزمات؛ فلولا وظيفة نادين وقوتها المادية لما استطاعت الحفاظ على حقها وشراء نصيبها في الشقة والوقوف في وجه الظلم بقوة.
* **كرامة الإنسان خط أحمر:** من يقبل الإهانة مرة ويدوس على كرامته بالسياسة “لتسيير المراكب”، يفتح الباب لإهانات أكبر. وبنت الأصول تعرف متى تصبر، ومتى تقف وتأخذ حقها بالقانون والشرع دون أن تتدنى لمستوى الردح والشوارع.


تعليقات
إرسال تعليق