انا مطلقه كامله
انا مطلقه كامله
روماني مكرم
أنا مط-لقة من5 سنين وعندي طفل. ولما حصل الطلاق تمسكت بحضانة ابنى واتنازلت عن حقوق مادية كتير علشان ميخدش ابنى مني
ومن سنة أختي الكبيرة توفت وسابت طفلين ولد وبنت وجوزها رافض فكرة الجواز نهائي وعايش لأولاده
لم بنروح انا وماما علشان نطمن على ولاد اختى
بقعد الفت نظره ليا وانا معجبه بيه من زمان اوى
وهو ابتدا يلاحظ ده وبقا يكلمنى فى التلفون بالساعات
لغاية
لم يكن التنازل عن مؤخر صداقي، ونفقتي، وكل ما أملك قبل خمس سنوات مجرد تضحية، بل كان ثمن حريتي وحضانة طفلي “ياسين”. في ذلك الوقت، ظننت أنني أغلق باب قلبي إلى الأبد، وأن أمومتي هي حصني الوحيد في وجه الدنيا. عشت خمس سنوات كاملة أتنفس لابني فقط، حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا جميعاً منذ عام واحد… يوم رحيل أختي الكبيرة “هالة”.
رحلت هالة وتركت خلفها طفلين في عمر الزهور، وزوجاً انكسر ظهره أمام الجميع. “طارق”.
طارق لم يكن مجرد زوج أخت عابر في حياتي؛ بل كان سراً قديماً دفنته في أعماق قلبي منذ مراهقتي، إعجاباً صامتاً لم يلمحه أحد، وانطفأ تماماً يوم أن اختار أختي. احترمت خياره، ودفنت مشاعري، وتمنيت لهما السعادة. لكن المـ,ـوت غيّر كل القواعد.
بعد انقضاء شهور العدة الحزينة، أعلن طارق أمام العائلة كلها جملة واحدة قطعت الشك باليقين: *”أنا مش هتجوز تاني أبدًا.. أنا عايش لولاد هالة وبس”*.
لكن قلبي القديم استيقظ من سباته. كنت أنظر إليه وهو يتعثر في تفاصيل التربية، أرى الحزن في عينيه، وأرى فيه الرجل الذي تمنيته يوماً. بدأت الزيارات المنزلية التي أقوم بها برفقة أمي تأخذ منحى آخر في عقلي. لم أعد أذهب فقط كخالة حزينة على أولاد أختها، بل كمرأة تعيد اكتشاف أنوثتها المنسية.
كنت أتعمد اختيار ملابس بسيطة لكنها تبرز ملامحي بذكاء. في المطبخ، وأنا أعد الطعام لأولاده، كنت أتركه يلمح اهتمامي بأدق تفاصيله؛ كيف يشرب قهوته، كيف ينظم مكتبه. لم تكن نظراتي عابرة، كانت نظرات طويلة، مليئة بالدفء والوعود الصامتة بأنني يمكن أن أكون الأمان البديل.
وفي أحد الأيام، بينما كنا نجلس في صالة منزلهم، التقت نظراتنا طويلاً وهو يشكرني على اهتمامي بالصغار. رأيت في عينيه للحظة خاطفة اهتزاز ذلك القرار الحديدي الذي اتخذه. لقد لاحظ. لاحظ أنني لم أعد أتعامل معه كصهر سابق، بل كرجل.
بعد تلك الزيارة بأيام، رن هاتفي في ساعة متأخرة من الليل. كان هو.
بدأ الاتصال بحجة الاطمئنان على ياسين، وشكري مجدداً على ما أفعله مع أولاده. لكن المكالمة التي كان يُفترض أن تدوم دقائق، امتدت لساعة.. ثم ساعتين.. حتى الفجر. تكلمنا في كل شيء؛ عن تعبه، عن وحدته، وعن ذكريات قديمة لم نكن نجرؤ على نبشها.
تحولت هذه المكالمات الليلية إلى طقس يومي سري. أصبحنا نتحدث بالساعات، نتبادل الضحكات المكتومة، والاعترافات المبطنة. كان طارق يتنفس من خلالي، وأنا كنت أغرق في حبه أكثر فأكثر، معتقدة أنني أخيرًا سأحصل على السعادة التي حُرمت منها.
حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة منذ يومين…
كنا نتحدث في الهاتف، ونبرة صوته كانت دافئة للغاية وهو يقول لي: *”أنا مش عارف من غيرك الأيام دي كانت هتعدي إزاي.. أنتِ بقيتي حاجة أساسية في يومي”*.
وفي قمة تلك اللحظة الرومانسية الحالمة، شعرت بظِل يتحرك عند باب غرفتي. التفت بحذر، لتسقط دقات قلبي في قدمي.
لم يكن ابني ياسين.
كانت أمي.. تقف عند عتبة الباب، وعيناها تتسع الصدمة والذهول، وقد سمعت بوضوح نبرة صوتي، والاسم الذي دللت به طارق في نهاية الجملة.
#الكاتب_رومانى_مكرم
تجمدت الدماء في عروقي، وضغطت على زر إنهاء المكالمة وأنا أنظر لأمي، التي تقدمت نحوي بخطوات بطيئة مرعبة، وقالت بصوت يرتجف من الغضب والذهول:
*”أنتِ بتكلمي جوز أختك المرحومة في وقت زي ده وبتتسايري معاه؟! عايزة تاخدي مكان أختك اللي ملحقتش تنشف في تربتها؟!”*.
**ينتهي الجزء الأول..**
*المواجهة مع الأم بدأت، والهاتف الذي أغلقته في وجه طارق قد يفتح أبواباً من الصراعات العائلية التي لم تكن في الحسبان.*
سقطت الكلمات من فم أمي كالصواعق، وجاءت نظراتها لتمزق كل قشرة الأمان التي غلّفت بها نفسي طوال الأشهر الماضية. لم أستطع النطق بحرف واحد؛ لسلاني كان مشلولاً، وعقلي عاجز عن تركيب جملة واحدة أدافع بها عن نفسي.
تقدمت أمي خطوة أخرى، وكانت دموع الصدمة قد بدأت تشق طريقها على وجهها الذي غطته تجاعيد الحزن على هالة. وقبل أن أستجمع شتات نفسي، خطفت الهاتف من يدي بقسوة، ونظرت إلى الشاشة المظلمة ثم نظرت إليّ وقالت بنبرة حادة ممتزجة بالكسرة:
*”أنا كنت بقول بتعوض ولاد أختها.. كنت بقول حنينة على لحمها! تطلع عينك على جوز أختك يا هند؟ طارق اللي اختار أختك من زمان وعاش معاها؟ مكفاكيش اللي جرالك في جوازتك الأولى؟ عايزة تخربي البيت اللي باقي؟”*
لم أحتمل اتهاماتها التي جرحت كرامتي، فانفجرت باكية وأنا أهز رأسي نفياً:
*”لأ يا ماما.. والله العظيم ما كدة! طارق تعبان، طارق وحيد وبيغرق، وأنا محستش بنفسي.. أنا مجرحتش هالة وهي عايشة، ولا عمري فكرت أئذيها!”*
قاطعتني بصفعة كلامية أشد:
*”وهي ميتة بتأذيها في أولادها وفي جوزها! لو حد من العيلة شم خبر باللي بيحصل ده، هتبقي بنتي اللي بريت منها ليوم الدين. قسماً بالله يا هند، لو المكالمات دي اتكررت، أو رجليكي عتبت بيت طارق تاني، لكون قايلة لطليقك على كل حاجة، وأخليه ياخد ياسين منك.. أنتِ مش أمينة على تربية طفل وأنتِ بتتسحبي بالليل عشان تخطفي راجل مكلوم!”*
تهديد أمي بأخذ “ياسين” كان القشة التي قصمت ظهري. نزلت الكلمات على مسمعي كالحكم بالإعـ,ـدام. تراجعت إلى الخلف، وارتميت على سريري أشهق بالبكاء، بينما خرجت أمي من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بقوة، تاركة إياي في ظلام دامس، مع هاتف لا يتوقف عن الاهتزاز.
كان طارق يتصل مراراً وتكراراً. أغلق الخط فجأة في وجهه أثار قلقه، وهو لا يعلم أن الكارثة قد وقعت بالفعل. تركت الهاتف يرن حتى انطفأ، ولم أنم ليلتها دقيقة واحدة. كنت ممزقة بين رعب خسارة ابني ياسين، وبين مشاعري تجاه طارق التي نمت وتغغلت في عروقي، وبين نظرة أمي التي ذبحتني.
في الصباح الباكر، لم أستطع مواجهة أمي في المنزل. ارتدت ملابسي على عجل، وأخذت ياسين بحجة إيصاله إلى مدرسته، لكنني بمجرد أن خرجت، شعرت بالاختناق. جلست في سيارتي على رصيف جانبي، وأخرجت هاتفي. وجدت عشرات الرسائل من طارق: *”هند، في إيه؟ الخط قطع ليه؟ طمنيني عليكي، أنا قلقان جداً”*.
أرسلت له رسالة قصيرة ومقتضبة: *”لازم نقابل في مكان عام.. حالاً. الموضوع حياة أو مـ,ـوت”*.
بعد ساعة، كنا نجلس في ركن منزوٍ بأحد المقاهي الهادئة بعيداً عن أعين معارفنا. كان طارق يبدو شاحباً، وعيناه مجهدتان من قلة النوم. بمجرد أن رآني، سأل بلهفة: *”في إيه يا هند؟ خضيتيني.. إيه اللي حصل امبارح؟”*
نظرت إليه، ودموعي المحبوسة غلبتني: *”ماما سمعتنا يا طارق.. سمعتني وأنا بدلعك، وعرفت كل حاجة”*.
شحب وجه طارق تماماً، وتراجع إلى الخلف في مقعده وكأن صدمة جديدة ضـ,ـربت حياته المستقرة بالكاد. تمتم بذهول: *”حماتي؟ طنط سمعت؟ وقالت إيه؟”*
نقلت له مواجهة أمي بكل قسوتها، وأخيراً نطق فمي بالتهديد الأكبر: *”هددتني بياسين.. هددتني تبلغ طليقي عشان ياخد ابني مني. أنا ضحيت بكل حاجة قبل خمس سنين عشان ياسين يفضل في حضني، ومستعدة أضحي بأي حاجة تاني عشانه.. حتى لو هضحي بيك يا طارق”*.
لمعت عين طارق ببريق غامض، ولم تكن نبرته منكسرة كما توقعت، بل بدت مليئة بإصرار غريب وجديد عليه. أمسك بطرف الطاولة واقترب مني قائلاً بصوت منخفض ومكثف:
*”تضحي بيا؟ بعد ما خليتيني أتنفس تاني يا هند؟ أنا كنت ميـ,ـت، وأنتِ اللي رجعتي فيا الروح.. أنا مش هسيبك، ومش هسمح لطليقك ولا لأي حد ياخد ابنك.. في حل واحد يقفل بق الكل ويحمينا ويحمي ولادنا”*.
نظرت إليه بوجل: *”حل إيه؟”*
قالها وعيناه تثبتان في عيني بقوة: *”نتجوز يا هند.. نتجوز رسمي وقدام الكل، واليوم قبل بكرة”*.
وقعت الكلمة عليّ كالمفاجأة، لكن الخوف لم يغادر قلبي: *”نتجوز؟ وأمي؟ والعيلة؟ هيقولوا لحقت نسي أختها وبقت في حضن جوزها؟”*
طارق: *”الناس هتعرف إنك اتجوزتيني عشان تربي ولاد أختك.. ده الغطاء الشرعي والاجتماعي اللي محدش يقدر يتكلم فيه. طنط هترفض في الأول، بس لما تلاقينا حطيناها قدام الأمر الواقع، هتسكت عشان شكل العيلة، وطليقك مش هيقدر يلمس ياسين لأن جوز أمه هو خاله ولاد خالته، والمحاكم مش هتاخد الولد منك بسهولة لو رتبنا ورقنا صح”*.
بدأ كلام طارق ينساب في عقلي كالمسكن، بدأت الفكرة تلمع كطوق نجاة، لكنني كنت أعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة. وافقت طارق مبدئياً على أن نرتب خطواتنا ببطء، وعدت إلى بيتي وأنا أشعر أنني أسير فوق حبل مشدود.
لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن..
بمجرد أن فتحت باب الشقة، وجدت أمي تجلس في الصالة، ولم تكن بمفردها. كان يجلس في مواجهتها شخص لم أتوقع رؤيته في بيتنا أبداً منذ خمس سنوات.. طليقي “أحمد”، وبجانبه المحامي الخاص به، وعلى الطاولة أمامهم أوراق رسمية مفتوحة.
التفتت أمي إليّ بنظرة باردة كالثلج، وقالت بنبرة خالية من أي رحمة:
*”أهو الباشا شرف.. اتفضل يا أستاذ أحمد، المدام جت اهي عشان تحضري إجراءات تسليم ياسين بالذوق، بدل الفضايح في المحاكم”*.
تجمدت الأرض تحت قدمي، وشعرت بجدران الصالة تضيق عليّ حتى كادت تخنقني. نظرت إلى طليقي أحمد، الذي كانت ترتسم على وجهه ابتسامة انتصار شماتة طالما رأيتها في كوابيسي، ثم نظرت إلى أمي بذهول لم أستطع استيعابه. أمي.. الشخص الوحيد الذي ظننت أنه مهما قست نبرته، سيظل حصني، كانت هي من فتحت الباب لجلادي.
قال أحمد بنبرة تقطر بروداً وهو يشير إلى الأوراق:
*”أهلاً يا هند.. عاش من شافك. الحقيقة والدتك كتر خيرها، اتصلت بيا الصبح وقالت لي كلمتين اتأكدت منهم إن ابني مش في بيئة صالحة، وإنك مش فاضية لتربيته. وأنا طبعاً أولى بابني”*
التفتُّ إلى أمي وأنا أصرخ بصوت مبحوح من الصدمة:
*”أنتِ عملتي إيه يا ماما؟ بعتي بنتك؟ بعتي ياسين اللي كان بيموت قدام عينك وتنازلت عن كل مليم عشان يفضل في حضني؟ عشان مكالمة تلفون؟! عشان غلطة؟! تروحي لده؟”*
وقفت أمي بكل جمود، وقالت بصوت جاف حاد كالسيف:
*”أنا مبعتكيش.. أنتِ اللي بعتي أختك الميتة وبعتي شرفك وشرف العيلة. لما تسيبي ابنك وتتفرغي لجوز أختك المحزون وتدخلي معاه في علاقات وتسايريه بالليل، يبقا مأمنكيش على ضنايا. ياسين يتربى مع أبوه، وأنتِ فوقي لنفسك وقرفك”*
تدخل المحامي الذي كان يجلس بجانب أحمد، وتنحنح قائلاً بجدية:
*”يا مدام هند، اتقاءً للشوشرة، والوالدة مشكورة أبدت استعدادها للشهادة في المحكمة بإنك غير أمينة على المحضون بسبب سلوكيات معينة.. فالأفضل نوقع على إقرار بتنازل ودي عن الحضانة لمصلحة الأب، بدل ما تتبهدلي في نيابة الأسرة والكل يعرف السبب”*
كانت الكلمات تطعن صدري. شعرت فجأة بقوة غريبة تولد من رحم الانكسار، قوة أم يُراد سلب طفلها منها. تقدمت نحو الطاولة بقدمين ثابتتين عكس الرعب الذي بداخلي، ونظرت لأحمد والمحامي ثم لأمي وقلت بصوت هادئ ومزلزل:
*”أعلى ما في خيلكم اركبوه.. أوراق مش هتمضي، وياسين مش هيطلع من البيت ده إلا على ج*ثتي. والمحاكم بيننا يا أحمد.. ووريني يا ماما هتقولي إيه للقاضي، هتقولي بنتي بتكلم جوز أختها في التلفون؟ مفيش قانون في الدنيا بيسحب حضانة من أم عشان مكالمة تلفون، وأنا مأجرمتش!”*
قبل أن ينطق أحد منهم بحرف، خطفت حقيبتي وهاتفي، ودخلت إلى غرفة ابني ياسين الذي كان نائماً بعد عودته من المدرسة، أغلقت الباب بالمفتاح من الداخل، وانفجرت في بكاء هيري وأنا أحتضنه وهو لا يشعر بشيء.
أخرجت هاتفي وأنا يدي ترتجف بعنف، واتصلت بطارق. رن الهاتف مرتين ثم جاء صوته الملهوف:
*”هند! عملتي إيه؟ طمنيني؟”*
قلت له والدموع تخنق حروفي:
*”لحقونا يا طارق.. أمي نفذت تهديدها، طليقي والمحامي بتاعه في الصالة ومعاهم ورق وعايزين ياخدوا ياسين، وأمي واقفة معاهم ومستعدة تشهد ضدي”*
ساد الصمت على الجانب الآخر لثوانٍ، شعرت فيها وكأن طارق استجمع كل قواه، ثم قال بنبرة حازمة لم أعهدها فيه من قبل:
*”هند.. اسمعيني كويس. اقفلي باب غرفتك ومتوقعيش على أي ورقة، ومتتكلميش معاهم نص كلمة. أنا مسافة السكة وهكون عندك، ومش هسمح للمهزلة دي تكمل”*
أغلقت الخط، وجلست خلف الباب أنتظر، وكل دقيقة تمر كانت كأنها سنة. كنت أسمع من الخارج همسات أحمد ومحاميه مع أمي، وصوت خطواتهم المفترسة في الصالة.
بعد حوالي نصف ساعة، رن جرس الباب بعنف.
سمعت صوت أمي وهي تفتح الباب، ليدخل طارق بخطوات سريعة وثقيلة هزت أرجاء الشقة.
سمعت صوته الجهوري وهو يقول فور دخوله:
*”أهلاً يا أستاذ أحمد.. خطوة عزيزة، بس شكلكم غلطانين في العنوان، والورق اللي على التربيزة ده ملوش أي لزمة هنا”*
صاحت أمي بغضب:
*”أنت إيه اللي جابك هنا يا طارق؟ ليك عين تيجي بعد اللي عملته؟”*
رد طارق بثبات وقوة:
*”جيت بيتي يا طنط.. وجيت لمراتي وابني”*
ساد صمت مفاجئ وقاتل في الصالة. فتحت باب الغرفة ببطء وخرجت وأنا أنظر لطارق بذهول، بينما وقف أحمد والمحامي وأمي شاخصين بأبصارهم نحوه.
أخرج طارق من جيب جاكيته ورقتين رسميتين باللون الأزرق، ووضعهما بقوة فوق الأوراق الرسمية الخاصة بأحمد على الطاولة، وقال وهو ينظر لأحمد بتحدٍ:
*”أنا وهند اتجوزنا.. ده عقد جوازنا الرسمي، اتكتب وتم توثيقه قانوناً وبشهود. ومن اللحظة دي، هند مراتي، والبيت ده بيتي، والطفل ده في رعايتي أنا وخالته.. ولو فكرت ترفع ق*ضية، جوز الأم هنا هو خاله وولاد خالته هما إخواته، والقاضي مش هيسيب بيئة مستقرة زي دي ويدي الولد لأب متجوز واحدة غريبة. اتفضل خد ورقك واطلع برة”*
التفتُّ إلى طارق وعيني متسعة من الصدمة.. متى وكيف فعل ذلك؟ ومتى تم هذا الزواج وهو كان يجلس معي منذ ساعتين فقط؟! لكن نظرة عينيه الغامضة الصارمة جعلتني أدرك أن هناك سراً كبيراً وراء هذا العقد المباغت.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وقفت في مكاني كالمغيبة، أنظر إلى العقدين الأزرقين على الطاولة ثم إلى طارق. كان المشهد في الصالة أشبه بلوحة سريالية؛ أحمد تجمدت الابتسامة الشامتة على شفتيه، والمحامي أخذ نظارته وتفحص العقد بنظرات سريعة محترفة، أما أمي فكانت تتنفس بصعوبة وكأن صدمة أخرى هبطت فوق رأسها لتخرسها تماماً.
تنحنح المحامي الخاص بأحمد واقترب من أحمد هامساً بصوت مسموع:
*”يا أستاذ أحمد، العقد ده رسمي وموثق بتاريخ قديم.. ده معناه إن الوضع القانوني اتغير تماماً، وموقفنا في قض*ية الحضانة بقا ضعيف جداً، خصوصاً إن الولد هيفضل مع خالته وأولاد خالته في نفس البيت”*
التفت أحمد إليّ، وعيناه تشتعلان غيظاً، ثم نظر لطارق وقال بنبرة مليئة بالغل:
*”لحقتوا؟ بالسرعة دي؟ هالة ملحقتش تموت وأنتِ دخلتي مكانها يا هند؟ مبروك عليكي جوز أختك.. بس وحياة ابني ما هسيبكم، والمحاكم بيننا، هثبت إن الجواز ده صوري وملعوب فيه”*
رد طارق ببرود وثقة هزت ثبات أحمد:
*”أعلى ما في خيلك اركبه يا أحمد.. العقد موثق وتاريخه قانوني، والشهود موجودين. اتفضل برة بيتي وبلاش فضايح قدام الناس، عشان لو لمحتك قريب من هند أو ياسين، هعرف أتصرف معاك بالقانون وبطريقتي”*
جمع أحمد أوراقه بعنف وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة، وخرج يجر أذيال الخيبة وخلفه محاميه، وأغلق الباب وراءهما بقوة كادت تقتلع الحائط.
بمجرد إغلاق الباب، التفتت أمي نحو طارق، وجسدها كله يرتجف، وصاحت بصوت مخنوق بالدموع:
*”تاريخ قديم؟ اتجوزتوا من ورايا؟ ومن امتى؟ من وهالة عايشة يا طارق؟ كنتوا بتخونوا بنتي وهي بتموت؟”*
تقدم طارق من أمي بسرعة، وانحنى على يدها يقبلها باحترام التمسك الأخير برضاها، وقال بصوت حزين صادق:
*”والله العظيم يا طنط ما حصل، ولا عمري خانت هالة ولا هند خانت أختها. العقد ده أنا عملته من ساعتين بس.. أنا ليا معارف في التوثيق والمحاماة، وقدرت أطلع العقد ده بتاريخ قديم وموثق عشان أحمي هند وأحمي ياسين من طليقها. عملت كدة كذب مشروع عشان مكسرش هند ومضيعش ابنها”*
نظرت أمي إليه بعيون حائرة بين الغضب والكسرة، ثم نظرت إليّ وقالت:
*”يعني الجواز ده حقيقي؟ أنتِ بقيتي مراته يا هند؟”*
نظرت لطارق، ثم لأمي، وهززت رأسي ببطء. لم أكن أعلم تفاصيل ما فعله، لكنني كنت أعلم أنني أصبحت أمام الأمر الواقع. نظرت إلينا أمي بنظرة طويلة مليئة بالعتاب والخذلان، وقالت بصوت منخفض:
*”ربنا يتولاكم برحمته.. أنا مش هقول لولا د هالة حاجة دلوقتي، بس أنا مش قادرة أقعد في البيت ده”*
جمعت أمي حقيبتها وخرجت، تاركة إيانا في صمت ثقيل.
التفتُّ لطارق، وكانت نبضات قلبي تتسارع:
*”أنت عملت إيه يا طارق؟ إزاي قدرت تعمل عقد بتاريخ قديم؟ ده تزوير! لو أحمد شغل دماغه ورا العقد ده هيروح في داهية وتضيعنا معاك”*
اقترب مني طارق، وأمسك بكتفيّ ليهدئ من روعي، وقال بنبرة دافئة وصارمة في آن واحد:
*”هند، مفيش وقت للخوف. العقد متقفل قانوناً وصعب جداً الطعن فيه، والمهم دلوقتي إننا نقلب الكدبة لحقيقة.. إحنا لازم نتجوز فعلاً يا هند، وننقل عيشتنا كلها في بيت واحد. ولاد هالة محتاجينك، وأنا محتاجك، وياسين مكانه هنا وسطنا”*
نظرت في عينيه، الرجل الذي عشقته في صمت لسنوات، والذي ضحى بسمعته ومبادئه في لحظة لينقذني وينقذ ابني. شعرت بمزيج مرعب من السعادة والخوف. هل هذا هو الحب الذي تمنيته؟ أم أنها بداية لعاصفة عائلية أكبر؟
بعد يومين فقط، انتقلت بأغراضي وأغراض ياسين إلى شقة طارق.. شقة أختي الراحلة هالة.
بمجرد أن خطوت عتبة الشقة، استقبلني طفلا هالة، “عمر” و”ندى”، بالفرحة والدموع، ظناً منهما أن خالتهما جاءت لتقيم معهما وتخفف عنهما لوعة فراق أمهما. لكن الأجواء لم تكن وردية كما توقعت.
في المساء، بعد أنام الأطفال جميعاً، دخلت إلى غرفة المعيشة، ووجدت طارق يجلس وعلامات الهم تعلو وجهه، ويمسك بهاتفه.
نظر إليّ وقال بنبرة قلقة:
*”هند.. والدتك اتصلت بأخوات هالة وأخواتي، وبلغتهم بالخبر. العيلة كلها مقلوبة، وأخويا الكبير جاي في السكة ومعاه أعمام أولاد هالة.. وجايين يطالبوا بيا وبأولاد أختك”*
وقبل أن أرد عليه، تعالت أصوات طرقات عنيفة وغاضبة على باب الشقة، كأنها طبول حرب جديدة توشك أن تبدأ.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تسارعت دقات قلبي، ونظرت إلى طارق بذعر. تعالت الطرقات على الباب من جديد، وكانت أعنف هذه المرة، وكأن من يقف بالخارج لا يريد مجرد الدخول، بل يريد اقتلاع الباب ومن فيه.
أشار لي طارق بيده أن أهدأ، وقال بصوت منخفض حازم:
*”هند، ادخلي جوه عند الأولاد، ومش عايزك تخرجي مهما حصل بره. أنا اللي هقابلهم”*
أومأت برأسي ممتثلة لطلبه، ودخلت مسرعة إلى غرفة الصغار. نظرت إلى “عمر” و”ندى” و”ياسين” المستغرقين في نوم ملائكي لا يدرون شيئاً عن العواصف التي تدور حولهم، وجلست بجانبهم أستمع إلى ما يحدث في الصالة وقلبي يكاد يقفز من صدري.
سمعت صوت فتح الباب، ثم اندفاع خطوات ثقيلة وصياح غاضب. كان هذا صوت “محمود”، شقيق طارق الأكبر، يصرخ بنبرة مليئة بالاستنكار:
*”أنت اتجننت يا طارق؟ اللي سمعناه من حماتك ده حقيقي؟ لحقت؟ هالة ملحقتش تكمل سنة في تربتها، تروح تتجوز أختها؟! هي دي الأمانة؟”*
وجاء صوت عم أولاد هالة، “الحاج رأفت”، يكمل بغلظة:
*”إحنا جينا ناخد ولاد أخونا يا طارق.. مش هنسيب لحمنا يتربى في بيت دخلته واحدة مكان أختها بالسرعة دي. الناس بتاكل وشنا بره، وبيقولوا إنكم كنتم على علاقة من زمان! إحنا مش هنشيل العار ده”*
رد طارق بصوت جهوري وثابت، حاول فيه تملك أعصابه قدر الإمكان:
*”يا جماعة صلوات النبي في قلبكم واسمعوني.. مفيش عار ومفيش خيانة. أنا اتجوزت هند عشان هي أحن واحدة على ولاد أختها، وعشان طليقها كان جاي ياخد ابنها ويحرمها منه. الجواز ده حمى ياسين، وهيحمي ولاد هالة من إنهم يتربوا مع واحدة غريبة لو أنا اتجوزت بره العيلة!”*
زعق محمود مقاطعاً:
*”متحوراش يا طارق! حماية إيه وكلام فارغ إيه؟ أنت كسرت الأصول، وخليت سيرتنا على كل لسان. حماتك نفسها مكسورة ومش قادرة تبص في وش حد! الجوازة دي مش هتم، ولو مأطلقتش هند دلوقتي، ولاد هالة مش هيقعدوا معاك ثانية واحدة، وهنرفع عليك ق*ضية ضم حضانة لأم هالة أو لينا إحنا”*
أمام تهديد طارق بأولاده، شعرت أنني لا يمكنني الاختباء أكثر من ذلك. لم أعد تلك المرأة المستسلمة التي ترتعد خوفاً. فتحت باب الغرفة وخرجت بخطوات ثابتة إلى الصالة.
وقفت أمامهم، ونظرات الذهول والاشمئزاز تصوب نحوي من محمود والحاج رأفت. نظرت إليهم وقلت بنبرة قوية واضحة:
*”أنا مخدتش مكان أختي.. ولا عمري هكون مكانها. أنا هنا خالة لولادها، وأم لياسين. لو كنتم خايفين على كلام الناس، فالناس بتتكلم في كل الأحوال. طارق محتاج اللي يشيل معاه الحمل، والأولاد محتاجين أم.. وأنا أولى بيهم من أي غريبة. مش هسمح لكم تهدوا البيت ده”*
بصق الحاج رأفت على الأرض بغضب وقال:
*”أنتِ بالذات تسكتي خالص! حسابك مع أهلك.. وإحنا كلامنا مع الراجل”*
ثم التفت إلى طارق وقال قاطعاً:
*”قدامك 24 ساعة يا طارق.. يا تطلقها وترجع لوعيك، يا إما بكره الصبح المحامي بتاعنا هيتحرك، وهتشوف ولادك دول في قاعة المحكمة.. اختار يا ابن أبويا، يا مرأتك الجديدة.. يا ولاد هالة”*
خرجوا وصوت إغلاق الباب خلفهم ترك خلفه صمتاً مرعباً.
التفتُّ إلى طارق، وجدته قد انهار على المقعد، ووضع رأسه بين يديه يتنفس بتسارع. اقتربت منه ودموعي تنهمر:
*”طارق.. أنا السبب. أنا اللي بوظت حياتك وحياة ولادك”*
رفع رأسه ونظر إليّ بعيون حمراء متعبة، لكنها مليئة بحب حزين:
*”أنتِ ملقيش ذنب يا هند.. أنا اللي مش هتحمل يخطفوا ولادي مني. هالة أمانتها في رقبتي”*
في تلك اللحظة، رن هاتف طارق برقم غريب. مسح وجهه وأجاب بنبرة مجهدة: *”ألو؟”*
لكن ملامحه تغيرت فجأة، وتحولت من التعب إلى الرعب الخالص. وقف فجأة وهو يصرخ في الهاتف:
*”أنت بتقول إيه؟! فين؟ إزاي ده حصل؟!”*
سقط الهاتف من يد طارق على السجادة، ونظر إليّ بوجه شاحب كالموتى، وقال بصوت يرتجف كلياً:
*”أحمد.. طليقك.. راح المدرسة وأخد ياسين بالقوة، ومحدش عارف مكانهم دلوقتي!”*
*حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو صفحه
وقعت الكلمات على مسامعي كقذيفة مدمرة نسفت ما تبقى من ثباتي. شعرت بروحي تُسحب مني، وأظلمت الدنيا في عيني لثوانٍ تمنيت فيها أن الأرض تنشق وتبتلعني قبل أن أسمع هذه الفاجعة. “ياسين!”.. ابني، قطعة من قلبي، والحصن الذي دمرت حياتي وضحيت بكل شيء لأجل بقائه في حضني، أصبح الآن في يد جلادي.
صرخت بهستيريا وأنا أهز طارق من كتفيه:
“أنت بتقول إيه؟! ياسين فين؟ أحمد خده إزاي؟! المدرسة سابوه إزاي؟! طارق اتصرف.. ابني هيضيع مني!”
التقط طارق الهاتف بسرعة وهو يحاول التماسك رغم الرعب البادي في عينيه، وبدأ يجري اتصالات سريعة بمديرة المدرسة وببعض معارفه في الشرطة. تبين أن أحمد استغل وجود ثغرة قانونية، وبصفتة الأب، وبمساعدة ولاية تعليمية كان قد استصدرها في خضم المشاكل القديمة ولم تلغَ، استطاع أخذ الولد بحجة أنه سينقله إلى مدرسة أخرى، وسط ذهول إدارة المدرسة التي لم تستطع منعه قانوناً.
لم أنتظر ثانية واحدة؛ جرت نحو الباب كالمجنونة، وطارق يحاول الإمساك بي:
“هند.. استني! رايحة فين في الحالة دي؟ مش هتعرفي تعملي حاجة لوحدك، أحمد قفل تلفونه وتلفون محاميه، ومش في بيته القديم!”
صرخت في وجهه بدموع حارقة:
“مش هقعد هنا وأنا ابني مخطوف! هروح له بيته، هروح لأهله، هقلب الدنيا لغاية ما ألاقيه! لو حصل لياسين حاجة أنا هموت نفسي يا طارق!”
ركبنا السيارة وانطلق طارق بأقصى سرعة نحو شقة أحمد القديمة، وطوال الطريق كنت ألتفت يميناً ويساراً في الشوارع وكأنني سألمح ابني في زحام السيارات. وصلنا إلى البناية، وصعدت السلالم ركضاً، وظللت أطرق باب شقته بعنف أحدث ضجة في المبنى كله، لكن دون جدوى.. الشقة كانت خاوية تماماً، والجيران أكدوا أنه لم يأتِ إلى هنا منذ أيام.
انهارت قواي تماماً، وارتميت على الأرض أمام باب الشقة المغلق، أجهش بالبكاء وأنا أردد اسم ابني بحرقة غسلت وجهي بالدموع. اقترب مني طارق، وجلس بجانبي على ركبتيه، ولف ذراعيه حولي محاولاً مواساتي وصوته يرتجف:
“وعد مني يا هند.. وحياة هالة في تربتها، وحياة ولادي، ما هسيب أحمد ياخد ياسين، هجيبهولك لو كان في بطن الأرض.. بس قومي معايا دلوقتي لازم نتحرك بشكل قانوني وبسرعة قبل ما يهرب بيه بره المحافظة.”
في تلك اللحظة، رن هاتفي برقم غير مسجل. خطفته بسرعة وصحت بلهفة: “ياسين؟!”
لكن الصوت الذي جاءني كان صوت أمي.. كان صوتها مليئاً بالندم والكسرة، وهي تبكي بنشيج مسموع:
“هند.. سامحيني يا بنتي.. أنا السبب.. أنا اللي دللت أحمد على مكان مدرسة ياسين الصبح عشان ألاوي ذراعك وتطلقي طارق، مكنتش أعرف إنه بالندالة دي وهيحرمك منه ويخطفه.. أنا بموت يا هند، أحمد كلمني دلوقتي وقال لي إنه هياخد ياسين ويسافر بيه بره البلد ومحدش هيشوفه تاني لو طارق مطلّقكيش وحق أختك رجع!”
سقطت الهاتف من يدي للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يكن الرعب هو ما يتملكني، بل تحول الخوف إلى طاقة غضب واندفاع لا حدود لهما. نظرت إلى طارق وعيناي تلمعان بنظرة حاسمة وقاتلة، وقلت بصوت جاف خاوٍ من أي مشاعر:
“أحمد مش عايز الحضانة يا طارق.. أحمد بيساومنا بدم ابني.. عايز يكسرك ويكسرني، وعايز جنازة أختي هالة تفضل ممدودة بيننا.. مفيش وقت للمحاكم ولا للشرطة.. إحنا لازم نوصل له قبل ما يوصل للمطار، وأنا عرفت هو مستخبي فين!”
وقفت بقوة، واندفعت نحو السلالم، بينما كان طارق يتبعني بذهول وقلق وهو يرى في عيني تحولاً مرعباً لامرأة مستعدة لحرق الأخضر واليابس لإنقاذ طفلها.
اندفعتُ نحو السيارة والشرر يتطاير من عيني، وطارق خلفي لا يكاد يلاحق خطواتي. ركبتُ وقلت له بصوت حازم كالرصاص:
*”على المزرعة القديمة بتاعة أبوه في طريق بلبيس.. أحمد ملوش مكان تاني يستخبى فيه ومحدش يعرفه غيري، كان دايماً بيقول لي إن المكان ده أمانه لما الدنيا تضيق بيه”*.
انطلق طارق بالسيارة بسرعة جنونية، يلتهم الطريق الصحراوي التهاماً. كانت دقات ساعتي تبدو وكأنها تعد أنفاسي الأخيرة، وصوت أخي الصغير “ياسين” يتردد في أذني مستغيثاً. طوال الطريق، كان طارق يضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضّت مفاصله، ونظر إليّ قائلاً:
*”هند.. مهما حصل جوه، أنا معاكي.. مش هسيب ابننا يضيع”*. لم تكن كلمة “ابننا” عابرة؛ شعرتُ في تلك اللحظة أن الأقدار ربطت مصائرنا جميعاً برباط لا يمكن الفكاك منه.
بعد ساعة من التوتر القاتل، لاحت من بعيد أسوار المزرعة المهجورة. أطفأ طارق مصابيح السيارة واقتربنا بهدوء. ترجلنا وتسللنا عبر البوابة الحديدية شبه المفتوحة، حتى وصلنا إلى مبنى صغير ينبعث منه ضوء خافت. ومن خلف النافذة المكسورة، رأيت المشهد الذي مزق نياط قلبي: ياسين يجلس على مقعد خشبي يبكي بصمت مروع، وأحمد يقف أمامه ممسكاً بهاتفه، يصرخ بغضب في محاميه مستعجلاً أوراق السفر.
لم أتمالك نفسي، دفعتُ الباب بكل ما أوتيت من قوة واقتحمتُ الغرفة صارخة: *”ياسـيـن!”*.
ارتمى ابني في أحضاني وهو يصرخ: *”ماما! كنت عارف إنك هتيجي!”*. احتضنته بقوة وكأنني أحاول إدخاله بين ضلوعي.
انتفض أحمد بذعر، وتراجع للخلف يصيح: *”أنتِ جيتي هنا إزاي؟! وازاي تجرؤوا تدخلوا عليا كدة؟”*.
في تلك اللحظة، تقدم طارق بخطوات ثابتة ووقف حائلاً بيني وبين أحمد، ونظر إليه بعينين تشتعلان غضباً وقال بصوت منخفض مرعب:
*”اللعبة انتهت يا أحمد.. سلم الولد بالذوق، واحمد ربنا إني مبلّغتش الشرطة بتهمة خطف لغاية دلوقتي”*.
ضحك أحمد بهستيرية وأخرج من جيبه سكيناً صغيراً، وصرخ وعلامات الجنون تكسو وجهه:
*”مش هتمشوا بالولد! أنت خدت كل حاجة يا طارق.. خدت مراتي القديمة، وعايز تاخد برستيجي قدام الناس؟ الجوازة دي لازم تتهد! يا تطلقها حالا وتمضي على إقرار بإن العقد تزوير، يا إما هخلص عليكم كلكم هنا ومحدش هيعرف لكم طريق!”*.
كان المشهد على حافة الهاوية. لكن فجأة، وبحركة سريعة ومباغتة، هجم طارق على أحمد ليجرده من الس*لاح. دارت بينهما معركة عنيفة، سقطت فيها الطاولة وتحطم المقعد الخشبي. كنت أضم ياسين إلى صدري وأبكي برعب، حتى تمكن طارق بقوته وجسده الرياضي من تثبيت أحمد أرضاً وشل حركته تماماً، وألقى بالسكين بعيداً.
وفي نفس اللحظة، اقتحمت المكان قوات الشرطة ومعهم شقيق طارق “محمود” وأمي!
تبين أن طارق، بذكائه، كان قد أرسل إحداثيات الموقع لأخيه محمود أثناء الطريق ليبلغ الشرطة فوراً. اندفعت أمي نحوي وهي تبكي بحرقة، وارتمت على قدميّ تطلب السماح: *”سامحيني يا بنتي.. بغبائي وخوفي من كلام الناس كنت هضيع ضناكي.. سامحيني!”*.
نظرتُ إليها، ورغم كل الوجع، احتضنتها.. فالأم تظل أماً مهما أخطأت.
تم القبض على أحمد بتهمة الخطف والتهديد بالس*لاح، وانتهى كابوسه إلى الأبد بعد أن وقّع في النيابة على تنازل نهائي ودائم عن الحضانة مقابل إسقاط بعض التهم الجنائية عنه.
### ## بعد مرور عام..
نجلس جميعاً في حديقة المنزل. “ياسين” يلعب بالكرة مع “عمر”، و”ندى” الصغيرة تجلس في حجري وأنا أصفف لها شعرها. طارق يجلس بجانبي، يتأمل الأطفال بابتسامة هادئة غابت عن وجهه لسنوات. وأمي تجلس في المواجهة، تدعو لنا بالبركة والستر، بعد أن استوعبت العائلة كلها أن البيوت لا تُبنى بآراء الناس، بل بالرحمة والأمان.
التفتُّ إلى طارق وقلت له بهمس: *”تفتكر هالة زعلانة مننا؟”*.
أمسك يدي بحنو وقال: *”لأ يا هند.. هالة في مكان أحسن، وأكيد مرتاحة وهي شايفاكي بتصوني سرها، وبتحمي ولادها اللي هما ولادك.. إحنا مخلقناش الظروف يا هند، بس الظروف هي اللي اختارتنا نكون لبعض عشان نرمم اللي انكسر”*.
### ### الحكمة من القصة:
> **إن البيوت والقلوب لا تُقاس بنظرة المجتمع وصخب الألسنة، بل تقاس بمقدار الأمان والرحمة التي ننشدها تحت سقفها. في كثير من الأحيان، يضعنا القدر فى اختبارات قاسية تبدو في ظاهرها خطأً أو خروجاً عن المألوف، لكنها في باطنها تكون طوق النجاة الوحيد لأرواح أضناها الفقد والانكسار. التضحية الحقيقية ليست في الاستسلام لكلام الناس، بل في الشجاعة لحماية من نحب، وإعادة بناء الحياة من وسط الركام.. فالأصل في العلاقات الإنسانية هو صون الأمانة، وليس إرضاء البشر.**


تعليقات
إرسال تعليق