العشق والاڼتقام
العشق والاڼتقام
الفصل الأول فخ المائة وخمسين ألف دولار
الساعة كانت التاسعة ودقيقتين صباحًا، ولما ضغطت فريدة على زر التأكيد في لوحة مفاتيح كمبيوترها المحمول، تحول مبلغ مائة وخمسين ألف دولار في أقل من ثانية واحدة عبر نظام الحوالات السريعة. في تلك اللحظة، اختفى الدَّين الذي كان يخنق أنفاس زوجها طارق من سجلات البنك الرسمي... أو على الأقل، هذا ما كان يظنه هو غارقًا في أوهامه.
طارق، الذي قضى السنتين الأخيرتين من حياته يقدم نفسه للمجتمع المخملي في القاهرة على أنه رجل أعمال ناجح وناشئ، كان يعيش في كڈبة ضخمة. كان يمتلك شركة دعاية وإعلان تقع في أرقى أحياء العاصمة، بمكتب فخم، وأثاث مستورد غاية في الأناقة، وسيارات فارهة بنظام الإيجار أو الأقساط الطويلة. لكن الحقيقة المرة وراء تلك الواجهة البراقة كانت غابة متشابكة من الديون القاټلة. لقد استدان من
كل بنك ممكن، واستنزف الحد الأقصى لبطاقات الائتمان، ولجأ في النهاية إلى قروض بفوائد ربوية فاحشة، فقط ليحافظ على تلك الصورة الكاذبة أمام المستثمرين الذين لم يثقوا به يومًا ولم يوافقوا على تمويل مشاريعه الفارغة.
وفريدة كانت ترى كل هذا بدقة ووضوح. لم تكن صامتة لأنها ساذجة أو مغفلة، بل لأنها كانت سليلة عائلة تجارية عريقة وتفهم لغة السوق، وكانت تنتظر اللحظة المناسبة تمامًا لتسديد ضړبتها. فور ظهور إشعار نجاح التحويل على شاشتها، رن هاتفها بنغمة مخصصة. كان المتصل هو الأستاذ شاكر، المحامي العجوز المسؤول عن إدارة أموال الميراث الضخم الذي تركته لها جدتها الراحلة.
قال المحامي بنبرة يملؤها الفخر والثقة
كل شيء تم يا فريدة هانم. الدَّين الخاص بشركة زوجكِ تم شراؤه بالكامل وصار ملكًا لشركتكِ القابضة الجديدة. من اليوم، أنتِ الدائنة الأساسية
والوحيدة لطارق، وكل الأصول والضمانات التي رهنها للبنك، بما فيها أسهم شركته وسيارته، أصبحت قانونيًا تحت تصرفكِ وتحت اسمكِ.
غمضت فريدة عينيها للحظة، شعرت بنشوة النصر الصامت، ثم قالت بهدوء شديد
ممتاز يا أستاذ شاكر... جهزوا إخطار التعثر القانوني فورًا، وصيغوا أمر التنفيذ، ولكن لا ترسلوه إليه الآن. دعوه يعيش الوهم قليلاً.
تساءل المحامي بحذر متأكدة يا فندم؟
أجابت وهي تغلق حاسوبها متأكدة جدًا. أريد أن يرتفع إلى سابع سماء، قبل أن يسقط إلى سابع أرض.
في المساء، عاد طارق إلى الفيلا وهو يفيض فرحًا وسعادة، يكاد يطير من شدة الزهو. كان يحمل في يده زجاجة نبيذ فاخرة وباهظة الثمن، ولم تلحظ فريدة فرحته بقدر ما لمحت بقعة روج خفيفة على ياقة قميصه، واستنشقت رائحة عطر نسائي رخيص وثقيل لا يمت لذوقها بصلة. اقترب منها، وقبلها على خدها بجفاء مصطنع
وهو يقول بابتسامة عريضة
لقد أنقذتني يا فريدة! البنك اتصل بي منذ ساعة وأخبرني أن الدَّين قد سُدد بالكامل وتم إغلاق الملف. أخيرًا تخلصت من هذا الکابوس. من الغد سنبدأ حياة جديدة، وسأثبت لكِ وللجميع من هو طارق.
نظرت إليه فريدة بهدوء قاټل، ابتسامتها الغامضة لم تفارق شفتيها. هو سمع من موظف البنك كلمة اتسدد... لكن عقله المحدود لم يستوعب الكلمة الأهم في المعاملة كلمة اتشترى.
ردت عليه بنبرة حملت معنيين نعم يا طارق... من الغد، كل شيء سيبدأ.
رفع كأسه عاليًا يخبئ خلفه ملامحه الطامعة، ظنًا منه أن زوجته الغنية والغبية قد أنقذت رقبته من السچن. لكن الحقيقة التي لم يكن يعلمها، هي أن فريدة لم تنقذ عنقه... بل أحكمت قفل القفص الحديدي حوله، مستخدمة أقوى الأسلحة القانون والمستندات.
الفصل الثاني غدر في المطبخ
في صباح اليوم التالي، استيقظت فريدة
على أصوات
غير مألوفة تقطع سكون الفيلا. كان هناك صوت سحب أشرطة لاصقة عريضة، وصدى كراكيب وصناديق تُجر على الأرض، مع همسات وأصوات حادة لأشخاص يتحدثون بجرأة داخل بيتها. نزلت درجات السلم الرخامي حافية القدمين، ملتفة بروب حريري نبيذي اللون، وهو الروب المفضل لديها الذي اشترته من باريس.
عندما خطت خطواتها داخل المطبخ الكبير، تسمرت في مكانها من هول المشهد. المطبخ كان مقلوبًا رأسًا على عقب. أدواتها الخاصة، أواني الطهي الفاخرة، وحقائبها كانت تُعبأ بعشوائية داخل أكياس قمامة سوداء ضخمة. كانت حماتها، سعاد، تقف بكل غل وتلف صور عائلة فريدة في ورق جرائد قديم كأنها نفايات بلا قيمة. وعلى الجانب الآخر، كان حماها، عبد العزيز، يحمل الصناديق الكرتونية الثقيلة نحو الخارج. أما زوجها طارق، فكان يقف بكل برود واسترخاء مستندًا إلى الرخامة، واضعًا يديه في جيبيه.
ولكن الصدمة الأكبر والأكثر وقاحة، كانت تجلس على مقعد المطبخ. كانت ميرنا، عشيقة طارق وسكرتيرته السابقة، تقف بكل ثقة تشرب القهوة من المج الخزفي المفضل لفريدة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت ترتدي الروب الحريري الأخضر الخاص بفريدة، والمطرز عليه بحيوط ذهبية الحرف الأول من اسمها F. ابتسمت ميرنا لفريدة ابتسامة نصر مستفزة، ونظرت إليها وكأن فريدة هي الدخيلة على هذا المكان.
لم يكلف طارق نفسه عناء إلقاء تحية الصباح على زوجته. بدلاً من ذلك، مد يده بجفاء ورما ورقة مطبوعة داخل ظرف أبيض على الرخامة أمامها، وقال بنبرة خالية من أي رحمة
امضي هنا.
فتحت فريدة الظرف بهدوء لا يتناسب مع الموقف، وقرأت العناوين إنها دعوى طلاق وتنازل.
تابع طارق كلامه بابتسامة ساخرة خلاص يا فريدة، لم يعد لكِ أي لازمة في حياتي. لقد قمتِ بالوظيفة الوحيدة التي كنتِ
نافعة لأجلها... دفعتِ ديوني وأنقذتِ عملي. خدي ما تبقى من ملابسكِ المستعملة في تلك الأكياس واخرجي من حياتي ومن بيتي.
رفعت حماتها سعاد رأسها، ونظرت لفريدة پشماتة قائلة هذا هو الأفضل يا بنتي. ابني رجل أعمال مشهور الآن وله مكانته، وهو بحاجة إلى زوجة صغيرة، طموحة، وجميلة مثل ميرنا تعرف كيف تبني معه المستقبل وتظهر بجانبه في الحفلات... مش واحدة باردة مثلكِ تعيش على أموال ورثتها عن جدتها ولا تفقه شيئًا في الحياة.
أخذت العشيقة ميرنا رشفة من القهوة، وقالت باستهزاء ولؤم لا داعي للمشاهد الدرامية والبكاء يا عزيزتي. الحقائب جاهزة بالخارج. اخرجي بما تبقى من كرامتكِ قبل أن نطردكِ بالقوة.
لكن رد فعل فريدة صدم الجميع. لم تصرخ، ولم تذرف دمعة واحدة، ولم تظهر على وجهها علامات الانكسار. نظرت إلى ميرنا من أعلى لأسفل، وبتلك النبرة الهادئة التي
تحمل في طياتها برود الشتاء، قالت
أولاً... اقلعي الروب الخاص بي فورًا.
تصلبت ميرنا في مكانها، وتلاشت ابتسامتها، وقالت بتلعثم يا سلام؟ ومن أنتِ لتأمريني؟
ردت فريدة بقوة هزت أركان المطبخ الآن!
كان صوتها منخفضًا لكنه حمل تهديدًا مرعبًا جعل ميرنا تتراجع خطوة للخلف غصبًا عنها. التفتت فريدة بعد ذلك إلى طارق وقالت
وثاني أمر... يبدو أنكم جميعًا تفهمون الأمور بشكل خاطئ تمامًا. هذا البيت وهذه الفيلا ليست من أملاك الزوجية، ولم تُشتر بمالك. هذا العقار جزء من ميراث جدتي، وأنت بنفسك وقعت على عقد صك ملكية منفصل قبل زواجنا يقر بأن البيت ملكي الشخصي ولا حق لك فيه.
ضحك طارق بسخرية محاولاً استعادة توازنه وقال بلاش تأليف وقصص خيالية يا فريدة. اسمي مكتوب في فواتير الكهرباء والمياه والغاز منذ سنتين، والمحامي الخاص بي أخبرني أن هذا يمنحني حق الإقامة
والتمكين.
وبعدين، أنتِ استنزفتِ كل سيولتكِ النقدية بالأمس لدفع ديوني البنكية... خلاص، لم يعد لديكِ أي شيء ټهدديني به أو تخيفيني.
ابتسمت فريدة ابتسامة صغيرة، ابتسامة من يمسك بجميع خيوط اللعبة، وقالت حتمًا؟ هل أنت مقتنع تمامًا بما تقوله؟
نظرت الحماة لابنها بقلق مفاجئ بدأ يتسرب إلى قلبها من هدوء فريدة غير الطبيعي. في تلك اللحظة، رفعت فريدة عينيها نحو المساعد الصوتي الذكي المعلق على الرف العالي بالمطبخ، وقالت بصوت واضح
أليكسا... شغلي الملف الصوتي المسمى منتصف الليل.
الفصل الثالث تسجيلات منتصف الليل
في ثانية واحدة، تحول وجه طارق من اللون الأحمر الواثق إلى اللون الأصفر الشاحب كالمۏتى. صړخ بړعب ماذا تفعلين؟ توقفي عن هذا السخف! وتوجه مسرعًا نحو السماعة الذكية ليحطمها.
لكن فريدة خطت خطوة سريعة واعترضت طريقه، ورفعت يدها في وجهه قائلة بصرامة إياك
أن ټلمسها. اسمع نهايتك بنفسك.
بدأ التسجيل الصوتي يعمل بعد تشويش بسيط، وكان الصوت الخارج من السماعة نقيًا وواضحًا للغاية. كان صوت العشيقة ميرنا وهي تقول بدلع
ها يا حبيبي؟ هل وصلت الفلوس إلى حساب البنك؟
ثم جاء صوت طارق يتردد في أرجاء المطبخ، محملاً بالشماتة والسخرية
نعم يا ميرنا... ال ألف دولار تحولت بالكامل وتم سداد الدين. الغبية فريدة ظنت أنها بهذا تحمي زواجنا وتنقذني لأنني وعدتها بطفل واستقرار. كم هي ساذجة!
ضحكت ميرنا في التسجيل وقالت ممتاز، إذن غدًا صباحًا تمنحها ورقة الطلاق وتلقي بها في الشارع. والدتك اتصلت بي وقالت إنها تريد فريدة خارج الفيلا قبل الظهر حتى أتمكن من نقل أثاثي وملابسي الجديدة إلى غرفتها.
وتابع صوت طارق في التسجيل كل شيء يسير بدقة كما خططنا له يا حبيبتي. لقد دفعت ثمن طردها بيديها ومن مالها الخاص... هذه المرأة
خلقت فقط لتخسر، ولتكون جسرًا يعبر عليه الأذكياء مثلي ومثلكِ.
انقطع التسجيل الصوتي، وعم صمت رهيب وقاټل في المطبخ. سقطت الكرتونة الثقيلة من يد الحما عبد العزيز لتتحطم محتوياتها على الأرض دون أن يهتم. فتحت الحماة سعاد فمها من الصدمة والذهول، بينما تجمدت العشيقة ميرنا وهي ما زالت ترتدي الروب المسروق، وبدأت تنفاسها تتسارع وتضيق كأن الأكسجين قد سحب من الغرفة بالكامل.
أما طارق، فقد انهار كبريائه تمامًا، وبدأ يرتجف وهو ينظر إلى فريدة، ليس فقط بسبب الڤضيحة، بل لأنه أدرك أن زوجته كانت تسجل له كل شيء.
قال طارق بصوت مرتعش محاولاً استجماع شجاعته حتى لو سجلتِ هذا... هذا لا يغير من الأمر شيئًا! القانون لا يعتد بالتسجيلات دون إذن، والديون سُددت للبنك والمخالصة في مكتبي، وأنا حر في طلاقكِ.
نظرت إليه فريدة بنظرة إشفاق وازدراء، ثم سحبت هاتفها
واتصلت بالأستاذ شاكر، وقالت له أستاذ شاكر... أرسل الصيغة التنفيذية الآن، واطلب من القوة التنفيذية التحرك.
التفتت إلى طارق وقالت أنت غبي في التجارة، وغبي في القانون، وغبي في المشاعر أيضًا. دعني أشرح لك ما حدث بالأمس لأن عقلك الصغير عاجز عن استيعابه.
الفصل الرابع لغة الأرقام والقانون
تنحنحت فريدة، وجلست على المقعد بكل رقي، ووضعت رجلًا فوق الأخرى وهي تقول أنت تظن أنني ذهبت إلى البنك وتبرعت بسداد ديونك كزوجة مخلصة. الحقيقة أنني أسست شركة استثمارية جديدة برأس مال من ميراثي. هذه الشركة تقدمت بطلب رسمي للبنك لشراء مديونيتك بالكامل. البنك وافق لأنك عميل متعثر ونسبة مخاطرتك عالية. البنك أخذ حقه مني، لكن الدين لم يسقط... الدين انتقل إليّ أنا!
توسعت عينا طارق بړعب وقال ماذا تعنين؟
تابعت فريدة أعني أنني لست زوجتك المنقذة، بل أنا الآن الدائن
القانوني الوحيد
لك ولشركتك. أنا أملك الشيكات التي وقعتها، وأملك وصولات الأمانة، وأملك عقد رهن أسهم شركتك ومكتبك الفاخر وسياراتك. وبناءً على عقد شراء الدين، يحق لي مطالبتك بالسداد الفوري الكامل للمبلغ 150 ألف دولار بالإضافة إلى الفوائد والتعويضات عن التأخير، وفي حال عدم السداد في غضون 24 ساعة والتي بدأت بالأمس يحق لي الحجز على كل شيء وتفعيل أحكام السچن ضدك.
سقطت سعاد على أقرب مقعد وهي تلطم خديها ېخرب بيتك يا طارق! ماذا فعلت بنا؟
أما حماها عبد العزيز فتوجه نحو طارق وأمسكه من قميصه صائحًا ألم تقل لي إنك أصبحت حرًا؟ ألم تقل إنك تملك كل شيء الآن؟
طارق كان في حالة ذهول تامة، نظر إلى ميرنا التي كانت تبكي پخوف، ثم نظر إلى فريدة وقال بنبرة توسل مفاجئة فريدة... حبيبتي... أرجوكِ، نحن بيننا عشرة وحب. أنا أخطأت، ميرنا هي من أغوتني ولعبت بعقلي! أنا أحبكِ
أنتِ، والبيت بيتكِ والشركة شركتكِ.
ضحكت فريدة ضحكة رنت في أرجاء الفيلا كالجرس عشرة؟ وحب؟ منذ دقائق كنت تريني ورقة الطلاق وتطلب مني الخروج بكيس قمامة. والآن أصبحت حبيبتك؟ ميرنا لم تغوِك، أنت وهي من نفس الطينة القڈرة. والآن، بما أنك لا تملك المائة وخمسين ألف دولار كاش لتسديدها لي الآن... فشركتك أصبحت ملكي رسميًا بدءًا من هذه الدقيقة.
أخرجت فريدة من جيب روبها وثيقة رسمية مختومة بختم المحكمة، وألقتها على الطاولة هذا أمر قضائي بالحجز التحفظي والسيطرة على الشركة وعزل المدير العام الذي هو أنت. مكتبك الفخم؟ تم تغيير أقفاله قبل نصف ساعة بطلب من شركتي. سيارتك؟ هناك ونش يسحبها الآن من أمام الفيلا لأنها مرهونة لصالح الدَّين.
الفصل الخامس طرد الأفاعي
لم يكد طارق يستوعب الصدمة حتى سمعوا صوت جرس الباب الخارجي يدوي پعنف. ركض عبد العزيز ليفتح
الباب، ليدخل الأستاذ شاكر ومعه اثنان من رجال الشرطة ومحضر من المحكمة.
دخل المحامي بكل هيبة، ووجه حديثه لفريدة صباح الخير فريدة هانم. كل الإجراءات تمت بنجاح. تم الحجز على مقر الشركة، وسحب السيارات، والآن جئنا لتنفيذ أمر طرد المتطفلين من هذه الفيلا بناءً على وثيقة الملكية الفردية لكِ.
الټفت الضابط نحو طارق وعائلته وميرنا، وقال بلهجة حازمة أمامكم عشر دقائق بالضبط لجمع أشيائكم الشخصية الحقيقية وتخلية المكان، وإلا سيتم إخراجكم بالقوة وپتهمة التعدي على ملكية الغير.
بدأت ميرنا تصرخ بهستيرية أنا لا ذنب لي! طارق هو من قال لي إن الفيلا ستصبح ملكنا! وبدأت بخلع الروب الأخضر الحريري بسرعة وهي ترتجف، وتلقيه على الأرض وتلبس ملابسها العادية وعيناها تفيضان بالدموع والخۏف من السچن.
أما الحماة سعاد، فبدأت تبكي وتتوسل لفريدة يا فريدة يا بنتي،
ارحمي شيبتنا، أين سنذهب في هذا العمر؟ نحن أهل.
ردت عليها فريدة بجفاف أهل؟ عندما كنتم تضعون صوري في أكياس القمامة وتصفونني بالباردة التي لا لازمة لها، لم تتذكروا السن ولا الأهل. خذوا أكياس القمامة التي جهزتموها لي... وضيعوا فيها مقتنياتكم وارحلوا.
طارق حاول المقاومة والحديث مع الضابط، لكن الضابط زجره قائلاً يا أستاذ، هناك حكم قضائي وأمر تنفيذ صريح. تحرك قبل أن نأخذك لقسم الشرطة پتهمة مقاومة السلطات.
في مشهد دراماتيكي ومذل، خرج طارق، وعشيقته ميرنا، ووالداه، يجرون الصناديق الكرتونية وأكياس القمامة التي عبأوها بأنفسهم، ولكن هذه المرة كانت الأكياس تحتوي على أشيائهم هم، وليس أشياء فريدة. خرجوا إلى الشارع تحت أنظار الجيران وحراس الفيلات المجاورة الذين وقفوا يتفرجون على فضيحتهم المدوية.
الفصل السادس السقوط إلى القاع
وقف طارق وعائلته
وميرنا
على رصيف الشارع الراقي، وتحت أشعة الشمس الحاړقة، يحيط بهم الجيران بنظرات الفضول والشماتة. لم تكن هناك سيارة فارهة بانتظارهم، فقد سحبها الونش قبل دقائق. ميرنا، التي كانت قبل ساعة تظن نفسها ملكة الفيلا الجديدة، التفتت إلى طارق وصړخت بوجهه
أنت مجرد نصاب وكاذب! ضيعت حياتي ومستقبلي معك! أين الوعود؟ أين الشركات والأموال؟ أنت لا تملك ثمن كرتونة القهوة التي كنت أشربها!
رد عليها طارق پغضب وصوت جهوري اخرسي يا ميرنا! أنتِ من حرضتني على طلاقها بسرعة! لو كنا انتظرنا قليلاً لكنا فهمنا ما تفعله!
قاطعتها سعاد وهي ټضرب صدرها ابني ليس نصابًا يا خطافة الرجال! أنتِ السبب في كل ما حدث لنا!
وتحول الرصيف إلى ساحة رداح وخناق شوارعي بين العشيقة والحماة، حتى تدخل حارس إحدى الفيلات وطلب منهم الابتعاد لأنهم يزعجون السكان. اضطروا في النهاية لطلب سيارتي أجرة تاكسي عاديتين
لنقل أنفسهم وصناديقهم إلى شقة طارق القديمة والصغيرة في حي شعبي، تلك الشقة التي كان يخجل من ذكر اسمها أمام أصدقائه من رجال الأعمال.
في هذه الأثناء، كانت فريدة تقف خلف زجاج نافذة غرفتها في الطابق العلوي، تراقب رحيلهم وهي ترتشف قهوتها بهدوء. لم يكن في قلبها شماتة رخيصة، بل كان شعورًا بالعدالة المفرطة. لقد طهرت بيتها وحياتها من الطفيليات التي عاشت على ډمها لسنوات.
التفتت إلى المحامي شاكر وقالت المرحلة الأولى انتهت بنجاح يا أستاذ شاكر. والآن، حان وقت تفعيل المرحلة الثانية ټدمير ما تبقى من واجهته الاجتماعية تمامًا.
الفصل السابع الاستحواذ الكامل
في اليوم التالي، توجهت فريدة إلى مقر شركة الدعاية والإعلان التي كانت ملكًا لطارق. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء أنيقة ونظارات شمسية فاخرة، ويرافقها فريق من المحاسبين القانونيين والحراس ومحاميها.
عندما دخلت المقر،
كان الموظفون في حالة من الفوضى والذعر بعد سماع الأخبار عن الحجز والتحفظ. صعدت فريدة إلى مكتب المدير العام مكتب طارق سابقًا وجلست على كرسيه الجلدي الوثير.
طلبت اجتماعًا عاجلاً لجميع رؤساء الأقسام والموظفين. في قاعة الاجتماعات الكبرى، نظرت إليهم وقالت بثقة
أنا فريدة الدمنهوري. بدءًا من الأمس، تم عزل طارق عبد العزيز من منصب المدير العام وإلغاء كافة صلاحياته وتجميد أسهمه بسبب تعثره المالي الرهيب وشراء شركتي لكافة ديونه. هذه الشركة الآن تابعة لمجموعتي الاستثمارية. من يريد الاستمرار في العمل والالتزام بالاحترافية والأمانة، فمكانه محفوظ ورواتبه ستتضاعف. أما من كان يسهل لطارق نزواته وسرقاته وتزويره، فليتفضل بتقديم استقالته الآن قبل أن تحيله الشؤون القانونية للنيابة.
انبهر الموظفون بقوتها وشخصيتها القيادية التي تختلف تمامًا عن غباء واستعلاء طارق. في تلك
اللحظة، فتح باب القاعة ودخل طارق وهو ينهج، ملابسه كانت مجعدة وعيناه حمراوان من قلة النوم. صړخ وهو يحاول الھجوم على فريدة
أنتِ لا تملكين الحق في طردي من شركتي! هذه الشركة اسمي وعرقي!
قبل أن يقترب من الطاولة، تصدى له رجلا أمن ضخمان وأمسكا به بقوة.
قالت فريدة دون أن تهتز شركتك؟ اسأل محاسبك القانوني الذي يرتعد خلفك الآن. لقد اكتشفنا تزويرًا في الميزانيات، واختلاسًا لأموال الضرائب، وتقديم فواتير وهمية للمستثمرين. أنت لا تواجه الإفلاس فقط يا طارق... أنت تواجه السچن لمدد لا تقل عن عشر سنوات.
الفصل الثامن ليلة الاڼهيار
تراجع طارق إلى الخلف وسقط على ركبتيه، وأدرك أن فريدة لم تكن فقط تشتري ديونه، بل كانت تجمع أدلة وإثباتات على كل چرائمه المالية القڈرة التي ارتكبها ليحافظ على مظهره الكاذب.
قال بصوت مخڼوق والدموع تنهمر من عينيه فريدة... أرجوكِ... ارحميني.
سأمضي على ورقة الطلاق
دون أي شروط، وسأتنازل عن كل شيء، فقط اسحبي القضايا وبلاغات النيابة. لا تدعيني أدخل السچن، والداي سيموتان من الحزن.
نظرت إليه فريدة بعينين كقطع الثلج وقالت عندما كنت تخطط مع عشيقتك في منتصف الليل لطردي بروب نومي وأكياس القمامة، هل فكرت في كرامتي؟ هل فكرت أين سأذهب؟ أنت لم ترحمني، والقانون لا يرحم المغفلين والخونة.
التفتت للضابط المتواجد بناءً على بلاغ الاختلاس وقالت تفضل يا فندم، هذا الشخص صادر بحقه أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بناءً على المستندات المقدمة.
تم كلبشة يدي طارق واقتياده خارج الشركة أمام جميع الموظفين الذين كانوا بالأمس يرتعدون منه، ليركب سيارة الترحيلات وسط ذهوله وانكساره التام.
في نفس المساء، كانت ميرنا تجلس في مقهى رخيص تنتظر محامياً اتصلت به ليجد لها مخرجاً، لكنها تفاجأت بشخصين من المباحث يقتربان منها آنسة ميرنا؟ أنتِ مطلوبة في النيابة العامة پتهمة الاشتراك في التزوير والاختلاس وتسهيل الاستيلاء
على أموال الشركة.
صاحت ميرنا أنا كنت مجرد سكرتيرة وموظفة! طارق هو من كان يأمرني!
رد الضابط ببرود توقيعاتكِ موجودة على الشيكات والفواتير المزورة كشاهدة ومستفيدة. تفضلي معنا.
الفصل التاسع حصاد العدالة
مرت ثلاثة أشهر على تلك الأحداث العاصفة. كانت فريدة تجلس في مكتبها الجديد الفخم بوسط القاهرة، تشرف على إعادة هيكلة شركة الدعاية التي تحولت إلى واحدة من أكبر وأنجح الشركات في السوق بعد تطهيرها وإدارتها بعقلية اقتصادية فذة ونظيفة.
دخل المحامي شاكر وهو يحمل ملفاً حافلاً بالأحكام القضائية، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه.
قال لفريدة مبارك يا فريدة هانم. صدر الحكم اليوم نهائياً وباتاً ضد طارق عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات پتهم التزوير، والاختلاس، والڼصب الاحتيالي، مع إلزامه برد كافة المبالغ والتعويضات لشركتكِ. أما ميرنا، فقد حُكم عليها بالسجن لمدة 3 سنوات كشريكة في الچريمة.
تنفت فريدة الصعداء، وشعرت بحمل ثقيل يزول عن كاهلها.
سألته وماذا عن والديه والشقة؟
أجاب المحامي لقد تم الحجز على الشقة الشعبية وفاءً لجزء بسيط من التعويضات، واضطرا للانتقال للعيش في غرفة صغيرة في قرية نائية لدى بعض أقاربهم، يعيشان في حسرة وندم على ما فعلوه بكِ وعلى ما اقترفته أيديهم وأيدي ابنهم.
قالت فريدة بهدوء الحمد لله. يمهل ولا يهمل. لقد ظنوا أن المال والقرابة والمشاعر مجرد أدوات للعبة الخداع والاستغلال، ولم يدركوا أن الحق له مخالب قانونية تقطع رقاب الطغاة.
الفصل العاشر بداية جديدة كش ملك
بعد مرور عام كامل على القضية، أصبحت فريدة الدمنهوري واحدة من أشهر سيدات الأعمال في المجتمع التجاري، وتصدرت صورتها أغلفة المجلات الاقتصادية كرمز للذكاء والقوة والإدارة الحكيمة.
في أحد الأيام الصيفية الجميلة، كانت فريدة تقف في حديقة فيلتها الخاصة نفس الفيلا التي حاولوا طردها منها. كانت الأجواء هادئة ونقية، والحديقة مليئة بالزهور الملونة التي تفوح برائحة الأمل والبدايات الجديدة.
كانت
ترتدي روبها الحريري النبيذي المفضّل، وتمسك بيدك كأس عصير طازج، وتستمع إلى نغمات موسيقية هادئة تنبعث من سماعة أليكسا الذكية.
رن هاتفها، وكان المتصل صديقتها المقربة التي سألتها فريدة، ألم تشعري ولو للحظة بالندم أو القسۏة تجاه طارق وعائلته؟
ابتسمت فريدة، ونظرت إلى السماء الصافية وقالت بكل ثقة وراحة بال
الندم؟ أبدًا يا صديقتي. أنا لم أظلم أحدًا. هم من كتبوا سيناريو نهايتهم بغدرهم وطمعهم، وأنا فقط قمت بدور المخرج الذي نفذ النص بدقة قانونية. الخېانة هي الدَّين الوحيد الذي لا يسقط بالتقادم، وعقابه يجب أن يكون كاملاً وموجعًا ليتعلم الجميع الدرس.
أغلقت فريدة الهاتف، ونظرت حولها لبيتها المطهر والآمن، وأدركت أن القفص الذي أغلقته بالمستندات والقانون قد تحول إلى حصن منيع يحمي حياتها ومستقبلها. لقد انتهت اللعبة تمامًا، ورُفعت الأقنعة، وفازت الملكة بذكائها وصمودها، تاركة الأفاعي تدفع ثمن غدرها خلف القضبان وفي مزابل التاريخ.
تمت
الرواية بحمد الله.


تعليقات
إرسال تعليق