مراتى تخنت بعد الولاده
مراتى تخنت بعد الولاده
مراتى تخنت بعد الولاده وشكلها اتغير مابقتش حاسس انى مبسوط معاها بقيت اضايقها بالكلام يمكن تعرف تغير من نفسها وتخس بقيت فى الرايحه والجايه اقولها بصى لنفسك فى المرايه
بقيت داخل طالع أرمي كلمتين، “يا شيخة الحقي نفسك، اللبس مابقاش يجي عليكي، كأنك واحدة تانية خالص”. هي بتسكت، بتبص في الأرض، وعينيها بتلمع بدمعة محبوسة، وبتقوم تدخل المطبخ أو تروح تقعد من المولوده ، وأنا بفضل قاعد مكاني اتفرج على التليفزيون ولا كانى قولت حاجه
بقت تحاول، تعمل دايت على قدها، أو تحرم نفسها من أكلة بتحبها، وأنا بدل ما أشجعها أو حتى أسكت، كان شيطان الانتقاد بياخدني تاني. أشوفها بتجهز طبق سلطة ولا بتشيل السكر من كوباية الشاي، أروح داخل بابتسامة صفرا وكلام يكسر أي عزيمة: “يا شيخة دا إيه اللي هيخسس ده؟ ده إنتي محتاجة سنين.. دا جسمك ده عايز معجزة، مش شوية خضار”.
بشوف نظرة انكسار في عينيها، ملامح وشها اللي كانت منورة بتهبط، بتبص للأكل اللي في إيدها كأنه بقى عدوها، وبتبص لي أنا كأني جلادها. بتسيب الطبق، وبتقوم من غير ولا كلمة، وأنا بفضل قاعد، حاسس إني انتصرت في خناقة تافهة
ومش بس أنا، ده بقت “حفلة” كل ما أهلي ييجوا. أمي وأختي بقوا هما كمان بيشاركوا في نفس المسلسل، يدخلوا يقعدوا معانا، وما يعديش ساعة إلا والتعليقات بدأت تنهال عليها: “يا بنتي إيه ده؟ ده إنتي تخنتي أوي، ملامحك راحت فين؟”، وتيجي أختي تكمل عليها ببرود وتقولها: “خدي بالك يا علياء ، منير أصلاً مش بيحب الست التخينة، ده ذوقه معروف، الحقي خسي قبل ما يبدأ يبص لبره ويدور على واحدة تانية تليق بيه”.
لما بتيجي تبصلي وتستنجد بيا، مش بحس بوجع، بحس بـ “انتصار”. كأني بقولها بعيني: “شوفتي؟ الناس كلها بتقولك الحقيقة، خدي الكلام ده واشتغلي على نفسك عشان ترجعي تعجبيني تاني”. كل كلمة جارحة بتطلع من أمي أو أختي، بحس إنها مسمار جديد بيتدق في خشب العناد اللي جواها، يمكن لما تتهان قدام الكل، يوصل لها إن مفيش مفر، وإن مفيش قدامها حل غير إنها تلتزم وتخس غصب عنها.
لما بيمشوا، وبدخل الاوضة وأسمع صوت شهقاتها المكتومة، مش بلمسها ولا بطبطب عليها. بلف وشي الناحية التانية وبنام، وبقول لنفسي: “بكرة تصحى تلاقيها بدأت تاخد الأمور بجدية”. أنا مش شايفها كـ “شريكة حياة” في اللحظة دي، أنا شايفها كـ “مشروع” لازم يرجع لشكله القديم، ولو الطريق للرجوع ده بيعدي على إهانات، وتلقيح كلام، وكسرة نفس، فده ثمن طبيعي ومستاهل عشان “شكلي” قدام الناس، وعشان عيني ترتاح وهي بتبص عليها.
البيت مبيبقاش فيه صمت مريب بالنسبة لي، البيت بيبقى فيه “هدوء ما بعد العاصفة”، هدوء بيطمني إن الرسالة وصلت، وإنها بقت عارفة مكانتها، وعارفة إن قيمتها في البيت ده بقت متوقفة على الميزان. مش بفكر في “المؤامرة”، بفكر في “النتيجة” اللي أنا مستنيها، ومش فارق معايا كام دمعة نزلت، المهم إنها في الآخر تلبس اللبس اللي كان بيجي عليها، وترجع “البنت اللي كنت بتباهى بيها”.
وفي يوم رجعت من الشغل بدري على غير العادة.
فتحت باب الشقة، استغربت من الهدوء.
لا صوت تلفزيون… لا صوت المولودة وهي بتعيط… ولا حتى صوت أطباق في المطبخ.
ناديت:
ـ علياء!
محدش رد.
دخلت أوضة النوم، لقيت سرير البنت مترتب، والهدوم متشالة من الدولاب.
وقتها قلبي دق دقة غريبة.
طلعت أجري على الصالة، لقيت ورقة متحطوطة فوق الترابيزة.
ورقة صغيرة… لكن حسيت إنها أتقل من جبل.
مسكتها وقريتها.
“أنا تعبت يا منير…
تعبت من كل مرة بصيتلي فيها وكأني عار.
تعبت من كل كلمة جرحتني وأنا لسه جسمي بيتعافى من الولادة.
تعبت من كل مرة استنيتك تدافع عني فسيبتني لوحدي.
أنا مش ماشية عشان تخنت…
أنا ماشية عشان نسيت تبص لقلبي.
البنت معايا…
ولما تبقى جاهز تتعامل معايا كبني آدمة مش رقم على الميزان، ابقى كلمني.”
فضلت واقف أبص للورقة.
أول مرة أحس إن الشقة واسعة بالشكل ده.
وأول مرة أعرف إن صوت البنت وهي بتعيط كان مالي البيت حياة.
قعدت على الكنبة.
وبدون ما أحس، عيني راحت للمراية اللي كنت طول الوقت بقولها تبص فيها.
بصيت لنفسي.
ولأول مرة من سنين…
أنا اللي ماعجبنيش اللي شايفه.
لأن الست اللي كنت فاكر إني بعاقبها عشان تتغير…
كانت كل يوم بتنكسر بسببي.
وفجأة افتكرت يوم الولادة.
افتكرت صريخها.
افتكرت إيديها وهي ماسكة إيدي.
افتكرت إنها كانت ممكن تموت وهي بتجيب بنتي للدنيا.
وكل اللي شاغلني بعدها كان كام كيلو زيادة!
قعدت ساعات أبص للموبايل.
أكلمها؟
أبعت رسالة؟
أقول إيه؟
“آسف”؟
حسيت إن الكلمة أصغر بكتير من الخراب اللي عملته.
لكن في آخر الليل، كتبت رسالة قصيرة.
“أنا مش هطلب منك ترجعي دلوقتي…
بس لأول مرة فهمت إني كنت بكسرك بدل ما أسندك.
ولأول مرة عرفت إن المشكلة ماكنتش في وزنك…
كانت في قلبي أنا.”
بعت الرسالة.
وفضلت مستني.
ومرّت ساعات طويلة.
لحد ما الموبايل نور.
رسالة واحدة بس.
“الجرح اللي بيتفتح كل يوم…
بياخد وقت طويل عشان يخف.”
كان نفسي أول ما أشوف الرسالة أتمسك بأي أمل وأقنع نفسي إنها لسه بتحبني وإن الموضوع هيتحل بكلمتين حلوين، لكن الحقيقة إنها كانت أول مرة تحطني قدام نفسي من غير أعذار. قريت الرسالة عشرات المرات، وكل مرة كنت بحس إن كل كلمة فيها بتكشف حاجة كنت بهرب منها. الشقة بقت فاضية بشكل يخوف، لا صوت علياء وهي بتتحرك بين الأوض، ولا صوت بنتي وهي بتصحى بالليل. حتى الفوضى اللي كنت بتضايق منها بدأت أوحشني.
تاني يوم صحيت بدري وروحت الشغل، لكن ماعرفتش أركز في حاجة. كل ما أبص في الكمبيوتر أشوف وشها وهي مطأطية راسها وبتسمع كلامي. أفتكر الطبق اللي كانت بتحاول تاكل منه سلطة وأنا أهزقها عليه. أفتكر دمعتها وهي بتحاول تخبيها. لأول مرة ماحسيتش إني كسبان، حسيت إني خسرت.
بعد يومين ما استحملتش. روحت بيت أهلها.
أبوها فتح الباب وبصلي نظرة جامدة.
قال: ـ خير؟
قلت بصوت واطي: ـ جاي أشوف علياء وبنتي.
فضل ساكت شوية وبعدين قال: ـ بعد اللي عملته فيها جاي تعمل إيه؟
ماعرفتش أرد.
لأن أي رد كنت هقوله كان هيبقى كدب.
دخلني وهو متضايق.
شفتها قاعدة في الصالة، شايلة البنت بين إيديها.
كانت أهدى من الأول.
لكن الهدوء ده ماكانش راحة.
كان مسافة.
مسافة كبيرة أوي بينا.
بصتلي ثواني ورجعت تبص لبنتها.
قلت: ـ عاملة إيه؟
قالت: ـ الحمد لله.
وسكتت.
فضلت واقف مش عارف أقول إيه.
بعدها قلت: ـ أنا غلطت.
ردت من غير ما تبصلي: ـ عارفة.
قلت: ـ وآسف.
قالت: ـ وعارف يعني إيه آسف؟
رفعت عيني عليها.
كملت: ـ يعني تبقى فاهم حجم اللي عملته.
يعني تبقى فاكر إني كنت بصحى كل يوم خايفة تبصلي.
فاكر إني كنت باستخبى من المراية بسبب كلامك.
فاكر إني كنت باعيط بالليل عشان ما تسمعنيش.
كل كلمة قالتها كانت بتخبط في صدري.
قالت وهي تضم بنتها أكتر: ـ إنت كنت فاكر إن وزني هو المشكلة… لكن الحقيقة إنك كنت بتقنعني كل يوم إني ماستاهلش حب.
ساعتها ماقدرتش أبص في عينيها.
لأني لأول مرة فهمت إن الجرح اللي بيتعمل بالكلام عمره ما بيبقى مجرد كلام.
فضلت قاعد شوية وبعدها قمت أمشي.
قبل ما أطلع قالت: ـ لو عايز تصلح حاجة، ما تصلحهاش بكلام.
صلحها بأفعال.
خرجت وأنا سايب ورايا بيت هادي.
لكن جوايا كان في دوشة عمرها ما حصلت.
ولأول مرة من وقت طويل، ماكنتش بفكر هي خسّت كام كيلو.
كنت بفكر إذا كان في يوم من الأيام هتقدر تنسى كمية الوجع اللي أنا حطيته جوّاها.
بصيت لعلياء يومها وسكت. لأول مرة ماحاولتش أبرر، ولا أقول إني كنت خايف عليها، ولا أختبئ ورا أي حجة. لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام. أنا فعلاً خليتها تشوف نفسها بعين قاسية، وخليت كل يوم يعدي عليها وهي حاسة إنها أقل من أي حد.
بعد المقابلة دي، رجعت البيت وأنا شايل وجع غريب. وجع إنك تكتشف إن أكتر شخص المفروض يكون أمان لحد، كان هو سبب خوفه وانكساره.
عدت أسابيع وأنا ملتزم بكلامي. ماكنتش أضغط عليها ترجع. كنت أزور بنتي وأمشي. أجيب احتياجاتها لو احتاجت حاجة. أسأل عليها باحترام. وبس.
لحد يوم كنت عندهم، والبنت كانت نايمة على كتف علياء.
دخل أبوها الصالة وقعد قدامي.
بصلي وقال: ـ عارف إن بنتي لسه زعلانة.
هزيت راسي.
قال: ـ وعارف إنها اتوجعت منك.
قلت: ـ عارف.
سكت شوية وبعدين قال: ـ بس برضه شايف إنك بتحاول.
كانت أول مرة حد من أهلها يقول كلمة مش كلها لوم.
قلت بهدوء: ـ أنا مستني أي قرار هي تاخده.
هز راسه وقال: ـ القرار مش بيتاخد بالكلام… الثقة لما تقع بتاخد وقت عشان تقوم.
كلامه فضل يرن في دماغي وأنا راجع.
وبعدها بأيام حصل حاجة ماكنتش متوقعها.
علياء اتصلت بيا بنفسها.
أول ما شفت اسمها على الشاشة قلبي دق بسرعة.
رديت فوراً.
قالت: ـ ممكن تيجي؟
قمت من مكاني.
ـ خير؟ في حاجة حصلت؟
قالت: ـ لا… بس محتاجة أتكلم معاك.
روحت.
ولما وصلت، لقيتها قاعدة في البلكونة.
كان واضح إنها مجهزة كلام من زمان.
قالت: ـ أنا مش هكدب عليك.
قعدت قدامها وأنا ساكت.
قالت: ـ جزء مني لسه بيحبك.
نفسي اتفتح للحظة.
لكنها كملت:
ـ وجزء تاني لسه موجوع منك.
رجعت أسكت.
قالت: ـ كل ما أفتكر اللي حصل، أحس إني مش قادرة أنسى.
وكل ما أشوف إنك بتحاول تتغير، أحس إني مش قادرة أكرهك.
كانت أول مرة أسمع منها اللي جواها كله.
قالت وهي تبص بعيد: ـ أنا مش خايفة من وزني دلوقتي… أنا خايفة أرجع البيت وأرجع الشخص اللي كان بيعيط كل ليلة.
الكلمة دي كسرتني.
لأنها ماكانتوش خايفة مني كشخص.
كانت خايفة من النسخة اللي أنا حولتها ليها.
قلت بهدوء: ـ لو رجعتي… عمري ما هسمح بده يحصل تاني.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وحزينة.
وقالت: ـ كل الناس بتقول كده بعد ما تغلط.
قلت: ـ عارف.
ـ طب أصدقك ليه؟
ساعتها ماعرفتش أرد بسرعة.
فكرت ثواني طويلة.
وبعدين قلت:
ـ ما تصدقينيش.
خلي الأفعال هي اللي تتكلم.
لو فشلت مرة واحدة… امشي وسيبيني.
فضلت باصة ليا.
وكأنها بتحاول تعرف إذا كنت بقول الكلام ده من قلبي ولا لا.
وفي اللحظة دي، خرجت بنتنا من الأوضة وهي بتحبو ناحيتنا وتضحك.
أنا وعلياء بصينا عليها في نفس الوقت.
ولأول مرة من شهور، كان في هدوء بينا مش ناتج عن زعل.
كان هدوء فيه أمل صغير…
أمل إن اللي اتكسر يمكن مايرجعش زي الأول.
لكن يمكن يتبني من جديد بشكل أقوى وأصدق من قبل.
الأيام اللي بعدها بدأت أروح أشوف بنتي بشكل منتظم. ماكنتش بروح عشان أضغط على علياء ولا عشان أقنعها ترجع، كنت بروح عشان أكون أب، ولأول مرة يمكن من وقت طويل، كنت بعمل الحاجة الصح من غير ما أستنى مقابل.
علياء كانت لسه حذرة. تعاملها معايا محترم، لكن فيه حدود واضحة. لا عتاب، لا خناق، ولا حتى دفء زي زمان. كأنها حطت بينا باب زجاج. شايفاني وبتسمعني، لكن لسه مش قادرة تفتح الباب.
وفي يوم وأنا قاعد بلعب مع البنت على الأرض، رن جرس الباب.
دخلت أمي وأختي.
أول ما شافوا علياء، بدأت النظرات المعتادة.
لكن المرة دي حصل حاجة مختلفة.
أمي قالت وهي بتبص لعلياء: ـ أهو شكلك اتحسن شوية عن الأول.
الكلمة كانت شكلها عادي، لكني شفت وش علياء اتشد في ثانية.
نفس النظرة القديمة.
نفس الجرح القديم.
ولأول مرة، ما سكتش.
بصيت لأمي وقلت: ـ يا أمي، من فضلك بلاش نتكلم في شكلها أو وزنها تاني.
الصالة كلها سكتت.
أختي بصتلي بدهشة.
وأمي قالت: ـ يعني إيه؟ أنا بقول كلمة حلوة.
قلت بهدوء: ـ حتى الكلمة الحلوة لو الشخص ما طلبهاش، ممكن تفتح جرح قديم.
أمي اتضايقت.
وقالت: ـ هو إحنا بقينا غلطانين في كل حاجة؟
قلت: ـ أنا اللي كنت غلطان.
واللي حصل زمان مش هيتكرر.
بصيت ناحية علياء.
لقيتها ساكتة.
لكن لأول مرة من شهور، شفت في عينيها حاجة مختلفة.
حاجة شبه الأمان.
بعد ما أمي وأختي مشيوا، علياء كانت واقفة في المطبخ.
دخلت عندها.
قلت: ـ زعلتي؟
هزت راسها بالنفي.
وبعدين قالت: ـ أول مرة تحطني قبليهم.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها نزلت على قلبي تقيلة.
لأنها كشفت حاجة عمري ما فكرت فيها.
إنها طول عمرها كانت مستنية مني موقف.
مش معجزة.
مش هدية.
مش اعتذار طويل.
موقف واحد أحسسها فيه إنها مش لوحدها.
عدى شهر كمان.
وبدأت علاقتنا ترجع خطوة خطوة.
كنا بنتكلم أكتر.
نضحك أحيانًا.
نخرج مع البنت.
لكن الجرح لسه موجود.
وفي ليلة وأنا موصلها لبيت أهلها بعد خروجة قصيرة، قالت فجأة:
ـ تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
قلت: ـ إيه؟
قالت: ـ إنك كنت عارف إني تعبانة بعد الولادة.
وعارف إني مش بنام.
وعارف إني بحاول.
وبرضه اخترت تكون ضدي.
ماعرفتش أرد.
لأنها كانت محقة.
كملت بصوت هادي:
ـ أنا كنت محتاجة زوج يمسك إيدي… مش قاضي يحاسبني.
ساعتها حسيت بدموعي بتتحرك لأول مرة من سنين.
قلت: ـ لو الزمن رجع، كنت هعمل كل حاجة بشكل مختلف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
ـ الزمن عمره ما بيرجع يا منير.
بس الإنسان ممكن يتعلم.
نزلت من العربية وسابتني واقف أبصلها وهي داخلة بيت أهلها.
لكن المرة دي، ماحسيتش إنها بتبعد.
حسيت إننا أخيرًا بدأنا نمشي في الطريق الصح.
طريق طويل…
لكن لأول مرة، كنا ماشيينه سوا، مش ضد بعض.
مرت شهور، والعلاقة بيني وبين علياء كانت بترجع ببطء. بطء يخلي أي حد مستعجل يزهق، لكني كنت عارف إن كل يوم زيادة في صبرها معايا نعمة أنا ماستحقهاش بسهولة.
وفي يوم، وأنا عند أهلها بلعب مع بنتي، دخلت علياء من بره.
كانت راجعة من النادي.
لابسة تريننج بسيط، ووشها مورّد من الحركة.
لكن اللي لفت نظري مش شكلها.
اللي لفت نظري إنها كانت مبتسمة.
ابتسامة حقيقية.
مش الابتسامة المجاملة اللي بقت ترسمها من ساعة ما بعدت.
وقفت أبصلها لحظة.
فاكر زمان لو شفتها راجعة كنت أول حاجة هبص عليها هي الميزان.
خست كام؟
شكلها اتغير ولا لا؟
إنما المرة دي كنت ببص لحاجة تانية.
لبنت كانت راجعلها روحها.
قعدنا نشرب شاي في البلكونة بعد ما البنت نامت.
وقالت فجأة:
ـ تعرف إني خسيت؟
ابتسمت.
وقلت:
ـ بصراحة… ماخدتش بالي.
ضحكت لأول مرة قدامي من قلبها.
وقالت:
ـ كداب.
ضحكت أنا كمان.
وقلت:
ـ لا والله.
أنا خدت بالي إنك بقيتي مبسوطة أكتر.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
ـ عشان بطلت أكره نفسي.
الجملة دي فضلت معلقة في الهوا بينا.
وقالت بعدها:
ـ زمان كنت كل ما أبص في المراية أسمع صوتك.
“خسي.”
“شكلك وحش.”
“بقيتي غير اللي اتجوزتها.”
كنت ببص لنفسي بعينيك إنت.
مش بعيني أنا.
نزلت عيني للأرض.
أما هي فكملت:
ـ دلوقتي لما أبص في المراية، بشوف أم تعبت عشان بنتها.
وواحدة بتحاول تبقى أحسن لنفسها.
مش عشان حد يرضى عنها.
أول مرة أحس إن علياء أقوى من أي وقت فات.
وأول مرة أفهم إن المشكلة عمرها ما كانت في جسمها.
المشكلة كانت في الطريقة اللي كنت بخليها تشوف بيها نفسها.
بعدها بأسبوع، علياء وافقت ترجع البيت.
اليوم ده كنت متوتر أكتر من يوم فرحنا.
كنت خايف.
خايف من أي تفصيلة تبوظ كل حاجة.
ولما دخلت البيت، وقفت في الصالة وبصت حواليها.
كل حاجة كانت متغيرة.
مش الأثاث.
أنا.
أول زيارة لأمي بعد رجوعها كانت اختبار حقيقي.
أمي دخلت وقعدت.
وبعد شوية قالت:
ـ أهو رجعتي بيتك أخيراً.
علياء ابتسمت بأدب.
لكن بعد دقائق بدأت أمي تدخل في تعليقاتها المعتادة.
نظرت لعلياء وقالت:
ـ المهم بقى تحافظي على نفسك ومتتخنيش تاني.
الصالة سكتت.
وأنا بصيت لأمي.
وقلت بهدوء:
ـ يا أمي… لو سمحتي.
مفيش كلام عن شكل علياء تاني.
ولا وزنها.
ولا جسمها.
أمي اتضايقت.
لكن المرة دي ما رجعتش في كلامي.
ولا سكت.
ولا غيرت الموضوع.
ثبت على موقفي.
وعلياء كانت قاعدة ساكتة.
لكن لما أمي مشيت، لقيتها واقفة في المطبخ ودموعها نازلة.
اتخضيت.
وقلت:
ـ مالك؟
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
ـ ولا حاجة.
بس عمري ما تخيلت ييجي يوم وتحس إن كرامتي من كرامتك.
وقتها بس…
عرفت إن بعض الجروح بتبدأ تخف مش لما الناس تعتذر.
لكن لما تحس إن اللي جرحك بقى أخيراً فاهم حجم الوجع اللي سببه.


تعليقات
إرسال تعليق