انا حامل حكايات رومانى مكرم 1
بركيلى ياحماتى انا حامل
حماتى.. نعم حامل ازاي ياروح امك
يعنى ايه حامل ازاى دى هو مش انا مرات ابنك
ايوه حامل ازاى وانتى جوزك مسافر من خمس شهور
والله يا حماتي ما عارفه ما علي يدك هو انا
بخرج من البيت خالص ولا بروح في حته
حماتي _ اخرسي مش عايزه اسمع صوتك
خالص لما نشوف اخرتها
البدايه
الورقة كانت بترتعش في إيد “ندى”، وعينيها مش مصدقة اللي قرياه. لفت للحاجة “فاطمة” حماتها اللي كانت قاعدة بتشرب الشاي وبتبص لها ببرود. بلعت ريقها وبصوت متحشرج قالت:
— “باركيلي يا حماتي.. أنا حامل!”
الحاجة فاطمة سحبت شفتها بكسرة ونزلت كوباية الشاي برزع هزت التربيزة، وقفت بطولها وعينيها ضِاقت بشر:
— “نعم ياروح أمك؟ حامل ازاي؟!”
ندى اتراجعت خطوة لورا وخوف الدنيا كله اتجمع في قلبها:
— “إيه اللي حامل ازاي دي يا حماتي؟ بقولك حامل.. التحليل في إيدي أهو بيكدبش!”
الحاجة فاطمة قربت منها وعينها بتطق شرار، وسقفت كف على كف بصوت عالي:
— “أيوة حامل ازاي وانتي جوزك مسافر من خمس شهور؟! انطقي.. كريم ابني مركبش طيارة من خمس شهور، الحمل ده جه منين؟ من الهوا؟!”
ندى دمووعها نزلت وبقت تنهج من الصدمة:
— “والله يا حماتي ما عارفه! ما علي يدك هو انا بخرج من البيت خالص ولا بروح في حته؟ أنا من يوم ما سافر ملمحتش الشارع!”
الحاجة فاطمة ضحكت بتهكم وسخرية لوت بؤها:
— “ولا بتروحي في حتة؟ قولي والله! وأنا إيش ضمني يا ست هانم مين اللي كان بيجيلك هنا وأنا نايمة؟ ولا مين اللي كنتي بتقابليه في الرايحة والجاية؟”
ندى صرخت بحرقة والدموع بتعمي عينيها:
— “حرام عليكي اتقي الله في شرفي! أنا بخرجش إلا بإذنك، وسلفي محمود هو اللي بيجيب طلبات البيت كلها وعارف دبة نملتي.. تظلمينيش يا حماتي!”
الحاجة فاطمة شاورت بصباعها في وشها بكل قسوة وجبروت:
— “اخرسي مش عايزه اسمع صوتك خالص! شرف إيه اللي بتتكلمي عنه والفضيبة جايباها في ورق رسمي؟ لما نشوف آخرتها معاكي ومع فجرتك ده.. أنا هكلم كريم حالا ييجي يغسل عاره!”
الكاتب_رومانى_مكرم
ندى نزلت في الأرض ومسكت في جلبية حماتها بتستعطفها:
— “تكلميش كريم يا حماتي، كريم لو سمع الكلام ده هيموت فيها! والنعمة الشريفة أنا مظلومة، في حاجة غلط.. التحليل ده أكيد فيه حاجة غلط!”
الحاجة فاطمة نفضت جليبتها من إيد ندى بقرف وركلتها بعيد عنها:
— “التحليل مبيكذبش، والبطن اللي هتكبر مش هداري وراها وساختك.. اطلعي من وشي حالا غوري على أوضة السطوح لحد ما محمود ييجي ونشوف هنغسل عارنا منك إزاي يا فاجرة!”
الجزء الثاني:
صعدت ندى درجات السلم المؤدي إلى غرفة السطوح وهي تجر قدميها بصعوبة، جسدها كان يرتعش بالكامل وعيناها لم تتوقفا عن سكب الدموع. دخلت الغرفة المظلمة وأغلقت الباب خلفها، ثم ارتمت على الأرض تصرخ بكت ممرور وهي تضع يدها على بطنها. كانت تدور في حلقة مفرغة من التساؤلات؛ كيف يمكن أن تكون حاملاً وزوجها كريم مغترب ويعمل في الخارج منذ خمسة أشهر كاملة؟ هي لم تخن زوجها، ولم تسمح لأي إنسان أن يمس طرف ثوبها، فكيف ينطق هذا التحليل اللعين بحملها؟
في الأسفل، كانت الحاجة فاطمة تدور في الصالة كالمجنونة، تنفث غيظها وشياطين الأرض تترقص أمام عينيها. التقطت هاتفها بغضب وبدأت في الاتصال بابنها كريم، لكن الخط كان يعطيها دائماً خارج التغطية نظراً لطبيعة عمله في منطقة جبلية نائية. زادت حركتها عصبية وهي تتوعد ندى بالهلاك.
بعد مرور ساعتين، انفتح باب الشقة ودخل محمود، الأخ الأصغر لكريم. كان يحمل في يده أكياس الطلبات المنزلية، وبمجرد أن رأى وجه والدته المحتقن وعينيها التي تكاد تقفز من مكانهما، وضع الأكياس على الطاولة بسرعة وقال بقلق:
— “خير يا أمي؟ مالك قاعدة كدة ليه؟ وفي مال البيت هادي وفي ريحة مصيبة؟”
وقفت الحاجة فاطمة وسقفت كفيها بمرارة وقالت بصوت خفيض ومرتجف:
— “المصيبة حلت على راسنا يا محمود.. شرفنا اتمسغ في الأرض يا ابن بطني.”
محمود قطب جبينه بعدم فهم وتراجع خطوة:
— “شرف إيه وكلام فارغ إيه يا أمي؟ انطقي في إيه؟”
شخرت الحاجة فاطمة بقوة وقالت:
— “الهانم مرات أخوك.. ندى السنيورة.. طلعت حامل!”
وقع الخبر على رأس محمود كالصاعقة، جف ريقه وتصلب جسده وهو يحاول استيعاب ما يسمعه:
— “حامل؟! حامل إزاي؟ كريم مسافر بقاله خمس شهور! إنتي متأكدة يا أمي من اللي بتقوليه؟”
خرجت الحاجة فاطمة بالتحليل من جيب ثوبها ورشقته في صدر محمود:
— “أهو.. الورق مبيكذبش، والست هانم لسه كانت واقفة في الصالة دي بتتباكى وتقولي مبعتبش الشارع.. امال الحمل ده جه منين؟ من النسمة؟”
شعر محمود بالدم يغلي في عروقه، ونزل الشك في قلبه كالسُم. هو الذي كان يتولى إحضار كافة طلبات البيت، وهو الذي كان يظن أن ندى مثال للأدب والأخلاق. صك على أسنانه وقال وعينه تشع غضباً:
— “هي فين الفاجرة دي؟”
الحاجة فاطمة شاورت بصباعها لفوق:
— “رميتها في أوضة السطوح لحد ما نشوف المصيبة دي هنداريها إزاي، ولا هنستنى أخوك لما ينزل يخلص عليها بيده.”
لم ينتظر محمود سماع بقية الكلمات، بل اندفع نحو السلم وصعد الدرجات يسبق ريحه، ووراءه والدته تحثه على الصعود. ركل محمود باب غرفة السطوح بقدمه لينفتح بعنف يصم الآذان. انتفضت ندى من مكانها وزحفت نحو الزاوية وهي ترتعد من الخوف عندما رأت الشر المتطاير من عيني سلفها.
انقض محمود عليها وأمسكها من شعرها بقسوة وجذبها لتعتدل أمامه وهو يصرخ في وجهها:
— “انطقي يا فاجرة! مين اللي دخل هنا في غياب أخويا؟ مين اللي غفلنا كلنا ووسخ اسم العيلة؟ انطقي بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيعرفلك طريق!”
ندى كانت تصرخ من الألم والخوف، تحاول تخليص شعرها من قبضته القوية وهي تصيح بنبرة مقهورة:
— “والله العظيم مظلومة يا محمود! والنعمة الشريفة ما حد لمسني ولا شوفت راجل غير كريم! اسمعني يا محمود، أنا مخرجتش من البيت، أنت نفسك كنت بتجيب كل حاجة.. فتش في التليفون، فتش في أي حاجة، بس تظلمنيش!”
تدخلت الحاجة فاطمة وهي تصرخ من وراء محمود:
— “بتتحامى في مين يا بت؟ ده محمود نفسه اللي كان فاكرك شريفة! انطقي قولي مين اللي سلمتيله نفسك؟”
رمى محمود ندى على الأرض بقرف، فارتطم رأسها بحافة الفراش الخشبي لينزف جرح صغير عند جبهتها. وقف ينظر إليها بأنفاس متلاحقة، ورغم كل الغضب الذي كان يعميه، إلا أن نبرة صوت ندى الصادقة وانهيارها وجسدها الذي كان ينتفض كعصفور بلله المطر، جعلت الشك يتسرب إلى قلبه بطريقة أخرى.
نظر محمود إلى التحليل مرة ثانية، ثم نظر إلى ندى المستلقية على الأرض تنشغ بالبكاء، وقال بنبرة حادة لكنها أقل حدة من السابق:
— “انتي بتقولي التحليل غلط؟”
ندى رفعت رأسها والدموع تمتزج بالدم النازف من جبهتها:
— “أيوة غلط يا محمود.. أكيد المعمل غِلط، أو العينات اتبدلت.. أنا مستعدة أروح معاك لأي دكتور، مستعدة أموت لو ثبت عليا حاجة.. بس تودونيش في داهية وأنا بريئة.”
نظرت الحاجة فاطمة لوليدها محمود ووجدت في عينيه تردداً، فصاحت به:
— “أنت هتصدق الصعبانيات دي يا محمود؟ دي بتمثل علشان تفلت بجلدها!”
محمود أشار لوالدته بيده لتصمت، ثم التفت لندى وقال وعيناه تثبتان في عينيها مباشرة:
— “قومي اقفي.. وقومي البسي هدومك حالا.”
ندى شهقت بخوف:
— “هتوديني فين يا محمود؟”
محمود صك على أسنان وقال بنبرة حاسمة:
— “هناخدك دلوقتي حالا على أكبر مستشفى ومعمل تحاليل في المحافظة.. هنعملك تحليل دم رقمي وإشاعة تلفزيونية، ولو طلع التحليل التاني إيجابي زي ده.. يبقى تقري على نفسك الفاتحة، لأنك مش هتشوفي برة الأوضة دي تاني وعارك هيتغسل بدمك.”
نهضت ندى بسرعة البرق وهي تمسح دماء جبهتها بطرف طرحتها، ولم تتردد للحظة بل قالت بلهفة وثقة نابعة من براءتها:
— “أنا جاهزة.. ويالا بينا دلوقتي قبل بكرا، وربنا هو المطلع على شرفي.”
نزل الثلاثة من المنزل وسط نظرات الجيران المتسائلة من حركة محمود السريعة ووجه ندى الشاحب المغطى بآثار البكاء. ركبوا السيارة وتحرك محمود بأقصى سرعة نحو المستشفى المركزي، بينما كانت ندى جليسة الكرسي الخلفي تدعو الله في سرها وتناجيه، والحاجة فاطمة تجلس في الأمام وعيناها تترقبان اللحظة التي تنتهي فيها هذه الرحلة لتنكشف الحقيقة كاملة.
وصلوا إلى المستشفى ودخلوا إلى قسم التحاليل والأشعة، دفع محمود الرسوم وطلب فحصاً شاملاً عاجلاً. دخلت ندى مع الممرضة لسحب عينات الدم وإجراء الفحص بالسونار، وجلس محمود ووالدته في الاستراحة بالخارج، يمر الوقت عليهما كأنه دهور.
بعد مرور ساعة ونصف من الانتظار القاتل، خرج الطبيب من غرفة الفحص يحمل في يده ملفاً الطبية، وهو ينظر في الأوراق بملامح وجه جامدة لا تفسر شيئاً. وقف محمود بسرعة واقترب منه وتبعه والدته، وقال بقلب ينبض بعنف:
— “خير يا دكتور؟ طمنا.. النتيجة إيه؟”
حكايات رومانى مكرم 2
الجزء الثالث:
نظر الطبيب إلى محمود ثم إلى الحاجة فاطمة التي كانت تفرك يديها بقلق وغل، وهز رأسه بملامح يملؤها الغموض وهو يقلب الأوراق بين يديه، ثم قال بهدوء:
— “مين فيكم يقرب للحالة ندى؟”
محمود تقدم خطوة وحنجرته جافة:
— “أنا سلفها يا دكتور، وأمي دي تبقى حماتها.. جوزها مسافر برة مصر بقاله خمس شهور، وعايزين نعرف الحقيقة بنعم أو لا.. ندى حامل فعلاً؟”
خرجت ندى في تلك اللحظة من غرفة الفحص، وجهها كان كالأموات، تقف على قدمين مرتعشتين وتسند يدها على الحائط وهي تنتظر كلمة الطبيب التي ستحكم بالإعدام على رقبتها أو تغسل شرفها أمام عائلتها.
الطبيب نظر إلى محمود بجدية وقال:
— “التحليل الرقمي اللي عملتوه برة في المعمل الخاص كان بيقول إن في حمل، لكن الأشعة التلفزيونية والتحليل الدقيق اللي عملناه هنا دلوقتي بيقولوا كلام تاني خالص.. الست ندى مش حامل.”
وقعت الكلمة على آذانهم كالقنبلة. ندى أطلقت صرخة مكتومة وسقطت على ركبتيها تبكي بحرقة وتكتم وجهها بكفيها وهي تردد: “الحمد لله.. يا رب أنت الحق.. الحمد لله”. أما الحاجة فاطمة فضيقت عينيها بصدمة وقالت بعدم تصديق:
— “يعني إيه مش حامل يا دكتور؟ أمال التحليل الأولاني ده إيه؟ والبطن اللي الهانم كانت بتقول إنها حاسة بحركة فيها واللوعة اللي بتجيلها كل شوية؟”
الطبيب تنهد بأسف وأشار لهم بالدخول إلى مكتبه:
— “تعالوا معايا جوة عشان تفهموا الموضوع علمياً، لأن الست دي مظلومة ولازم تفهموا حالتها كويس.”
دخل محمود وهو يشعر بجزء من الحمل ينزاح عن صدره، ودخلت وراءه والدته التي كانت لا تزال تشك في الأمر، بينما ساعدت إحدى الممرضات ندى على النهوض وأجلستها على مقعد داخل العيادة.
جلس الطبيب خلف مكتبه وقال موجهاً حديثه لمحمود والحاجة فاطمة:
— “الموضوع ببساطة إن ندى بتعاني من حاجة طبية معروفة اسمها ‘الحمل الكاذب’ أو (Pseudocyesis). ده اضطراب نفسي وجسدي بيحصل للستات اللي بيبقى عندهم رغبة شديدة جداً في الخلفية، أو ضغط نفسي وعصبي كبير بسبب تأخر الإنجاب أو السفر المفاجئ للزوج.”
محمود قطب جبينه:
— “يعني إيه حمل كاذب يا دكتور؟ والتحليل اللي كان إيجابي؟”
الطبيب شرح بهدوء:
— “الحالة النفسية بتأثر على الغدة النخامية في المخ، فتبدأ تفرز هرمونات بتشبه هرمونات الحمل بالظبط. الجسم بيصدق الخدعة دي، فتبدأ الدورة الشهرية تنقطع، والبطن تنتفخ نتيجة الغازات وارتخاء العضلات، وحتى الست بتحس بأعراض الوحم والغثيان. ولأن الهرمونات دي بتكون عالية في الجسم، لو عملت تحليل حمل عادي في معمل مش دقيق أو شريط من الصيدلية، ممكن جداً النتيجة تطلع إيجابي مغلوط بسبب تشابه الهرمونات.”
نظرت الحاجة فاطمة إلى الطبيب بذهول ولجم لسانها، بينما التفت محمود إلى ندى التي كانت تجلس والدموع تنهمر من عينيها بهدوء، وشعر بوخز الضمير يجتاح قلبه بعد أن ضربها وأهانها وتسبب في جرح جبهتها.
تابع الطبيب كلامه بلهجة عتاب:
— “المدام ندى عانت من ضغط نفسي رهيب في فترة غياب جوزها، وواضح إن الشكوك والضغط اللي حواليها زودوا الحالة عندها. الأشعة أثبتت إن الرحم فاضي تماماً ومفيش أي أثر لجنين، والتحليل الرقمي الدقيق أكد إن الهرمونات دي مش هرمونات حمل طبيعي. يعني باختصار.. الست دي شريفة، ومظلومة، ومحتاجة علاج نفسي ورعاية، مش ضرب وإهانات.”
وقف محمود من مكانه وعلامات الخجل تكسو وجهه، واقترب من ندى ونزل لمستواها وقال بنبرة مليئة بالندم:
— “حقك عليا يا ندى.. أنا أسف، الغضب أعمى عيني والورقة الأولانية لغيت عقلي. سامحيني يا مرات أخويا.”
ندى لم ترد، بل اكتفت بنظرة عتاب كسيرة، ثم التفتت إلى حماتها “الحاجة فاطمة” التي كانت تجلس على الكرسي مذهولة، وعينها زاغد في الأرض بعد أن تبين كذب ظنونها السيئة. وقفت ندى بضعف وقالت بصوت متحشرج:
— “شرفي اللي كنتي هتدبحيني بسببه يا حماتي.. ربنا نصرني فيه. أنا من النجمة هاخد هدمتي وأروح بيت أبويا، ومش هقعد في البيت ده تاني لحد ما كريم يرجع ويشوف بنفسه اللي عملتوه فيا.”
خرجت ندى من العيادة متوجهة إلى خارج المستشفى، واندفع محمود وراءها ليحاول تهدئتها، بينما بقيت الحاجة فاطمة في مكتب الطبيب، تضرب كفاً بكف، ليست فقط بسبب شعورها بالذنب، بل لأنها أدركت أن ابنها كريم لو علم بما حدث لزوجته في غيابه، فلن يغفر لها أبداً.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما هم في ممر المستشفى، اهتز هاتف محمود في جيبه.. أخرجه بسرعة ليجد اسم المتصل: “أخويا كريم”.
تحبس الأنفاس، ونظر محمود إلى الهاتف المرتعش في يده، ثم نظر إلى ندى التي كانت تبتعد عنه، وتملكه رعب شديد من الرد.. فكيف سيخبر أخاه بما حدث في الساعات القليلة الماضية؟
الجزء الرابع (قبل الأخير):
تصلب محمود في مكانه، وشاشه الهاتف تضيء باسم “كريم” وتصدر رنيناً كان في أذن محمود أشبه بإنذار حريق. نظر إلى ندى التي توقفت عن السير والتفتت تنظر إليه بعينين مغرورقتين بالدموع، وجاءت الحاجة فاطمة من خلفهما وهي تلهث، وعيناها مثبتتان على الهاتف برعب لم تعشه من قبل.
صاحت الحاجة فاطمة بصوت خفيض ومرتجف:
— “متردش يا محمود! اقفل التليفون دلوقتي لحد ما نشوف هنقوله إيه.. أخوك لو عرف باللي حصل هتحصل جناية!”
ندى تقدمت خطوتين، ورغم ضعفها وجرح جبهتها، إلا أن نبرتها كانت قوية وصامدة:
— “لا.. هيرد يا حماتي. سيبيه يرد ويقوله إن مراته الشريفة كانت هتتدبح من كام ساعة بسبب شك عبيط. سيبيه يعرف إن أمه وأخوه م صانوش غيبته!”
انقطع الرنين لثوانٍ، ثم عاد الهاتف ليعلن عن مكالمة أخرى من كريم. أخذ محمود نفساً عميقاً، وضغط على زر الرد ووضع الهاتف على أذنه وهو يحاول تجميع شتات صوته:
— “أيوة.. أيوة يا كريم، يا مرحب يا أخويا.. عامل إيه؟”
جاء صوت كريم عبر الهاتف متعباً ومشوشاً بسبب شبكة الجبال، لكن النبرة كانت مليئة بلهفة غريبة:
— “أيوة يا محمود، سامعني يا أخويا؟ الشبكة قطعت معايا بقالها يومين ولسه واصلة حالا.. أنا قلبي مقبوض يا محمود، في إيه عندكم في البيت؟ أنا اتصلت بأمي تليفونها غير متاح، واتصلت بندى تليفونها مقفول.. طمني، ندى فيها حاجة؟”
بلع محمود ريقه وصوته تحشرج في حلقه، ونظر إلى والدته التي كانت ترجوه بعينيها أن يصمت، ونظر إلى ندى التي كانت تنتظر خلفه بكسرة نفس. قال محمود متمتماً:
— “الكل بخير يا أخويا.. مفيش حاجة، إحنا.. إحنا بس في مشوار برة البيت.”
كريم لم يقتنع بنبرة شقيقه، فصاح بنبرة حادة ملؤها القلق:
— “محمود! متخبيش عليا.. صوتك مش عاجبني، وأمي مال تليفونها؟ ندى جرى لها حاجة؟ أنتوا فين؟”
في تلك اللحظة، لم تتحمل ندى، فاقتربت من محمود وسحبت الهاتف من يده بقوة، ووضعته على أذنها وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:
— “أنا أهو يا كريم.. أنا سامعاك يا حبيبي.”
كريم عندما سمع صوت بكائها انتفض عبر الهاتف:
— “ندى! مالك يا روح قلبي؟ بتبكي ليه؟ في إيه؟ أمي عملت فيكي حاجة تاني؟”
ندى نظرت إلى حماتها التي انحنت تقريباً وهي تقبل يد ندى بالمنظر لتستعطفها ألا تتكلم، ونظرت لمحمود الذي نكس رأسه في الأرض خجلاً. تذكرت ندى كيف رميت على الأرض، وكيف اتهمت في عرضها، لكنها في نفس الوقت تذكرت حب كريم لها وحالته المغتربة في الجبال، وخافت أن يصيبه مكروه أو يسقط من طوله هناك إن علم بالفجيعة. تراجعت خطوة وقالت وهي تكتم غصتها:
— “مفيش يا كريم.. أنا بس تعبانة شوية، إحنا في المستشفى بنعمل تحاليل وكشف.. أنا مغمى عليا من الصبح وأمك ومحمود جابوني هنا وجريوا بيا.”
كريم تنهد براحة دبت في أوصاله لكن قلقه لم ينتهِ:
— “تعبانة مالك يا ندى؟ الدكتور قال لكم إيه؟”
نظرت ندى للطبيب الذي خرج من مكتبه يتابع الموقف، ثم قالت وعيناها مثبتتان في عين حماتها:
— “الدكتور بيقول إني كنت بمر بحالة نفسية صعبة بسبب غيابك، وجسمي وهيألي إني حامل من كتر شوقي للخلف.. حمل كاذب يا كريم. بس الحمد لله، أمك ومحمود وقفوا معايا ومسابونيش، والدكتور طمننا كلنا.”
أغلقت ندى الهاتف بعد أن طمأنت زوجها ووعدته أن تتحدث معه ليلاً فور عودتها للمنزل. التفتت ووجدت الحاجة فاطمة تبكي بندم شديد، واقتربت منها وحضنت يدها وهي تقول:
— “سامحيني يا بنتي.. أنا غما على عيني الشيطان، حقك على راسي.. أنا أسفة يا ندى.”
ندى سحبت يدها بهدوء وجفاء:
— “أنا داريت عليكي وعلي ابنك عشان خاطر كريم ميموتش بغربته يا حماتي، مش عشان مسمحاكي. أنا هروح معاكم البيت دلوقتي ألم هدمتي، ورجلي مش هتعتب البيت ده ولا هتشوفوا وشي إلا لما كريم يرجع بسلامته وهو اللي يرجعني بيده.”
تحركت ندى نحو باب الخروج بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس، يتبعها محمود ووالدته مطأطئي الرؤوس من خزي الموقف وعظمة براءتها، دون أن يدروا أن هناك مفاجأة أخرى كانت بانتظارهم فور وصولهم إلى عتبة المنزل.. مفاجأة ستغير مسار الأمور تماماً قبل النهاية.
الجزء الخامس والأخير والحكمة:
وصلت السيارة إلى باب منزل العائلة، ونزلت ندى وعيناها مثبتتان على الأرض، لا ترى أمامها سوى اللحظة التي تلم فيها شتات ملابسها وتغادر هذا المكان الذي كاد أن يبتلع شرفها. صعدت السلم وخلفها الحاجة فاطمة ومحمود، والسكوت يلفهم كالكفن.
بمجرد أن فتح محمود باب الشقة، تراجع خطوة إلى الوراء وصاح بذهول:
— “كريم!!”
انتفضت ندى من مكانها ورفعت عينيها لتجد زوجها كريم واقفاً في الصالة، وبجواره حقيبة سفره! كان وجهه شاحباً من التعب، وعيناه مجهدتين من السفر المفاجئ. التفتت الحاجة فاطمة لولدها بزهول وقالت:
— “كريم يا ابني! أنت جيت إزاي؟ ده أنت لسه مكلم القفل من ساعة وكنت في الجبل!”
كريم اقترب من ندى، وعيناه وقعتا فوراً على جرح جبهتها الصغير وعلى عينيها المنتفختين من البكاء. نظر إلى أخيه وأمه بنظرة حاسمة ملؤها الذكاء وقال بصوت هادئ ومخيف:
— “أنا نزلت إجازة مفاجئة من يومين يا أمي، ووصلت مصر الصبح.. وتليفوني اللي كلمتكم منه ده كان تليفون زميلي في المحطة هنا في القطر.. أنا كنت مراقب كل حاجة من بعيد.”
ساد الصمت كالصاعقة، وتابع كريم وهو يمسك يد ندى ويمسح على جرحها:
— “أنا جيت البيت هنا الصبح ولقيتكم مش هنا، ولقيت في باسكيت الزبالة شريط تحليل الحمل اللي ندى عملته.. ولقيت المعمل اللي ندى راحتله ورا البيت. رحت للمعمل بنفسي قبل ما أكلمكم، وصاحب المعمل راجل معرفة، ووراني النتيجة وعرفت اللخبطة والهرمونات.. وجيت هنا وقعدت مستنيكم وأنا غليان، وكلمتكم في التليفون وأنا قاعد في صالتكم عشان أشوف ندى هتقول إيه.. وأشوف أنتوا هتعملوا إيه!”
التفت كريم إلى أمه وأخيه وعيناه تشتعلان:
— “ندى اللي كنتوا هتطيروا رقبتها، دارت عليكم واستحملت ضربكم وإهانتكم عشان خايفة على قلبي في الغربة! ندى صانت غيبتي وأنا مش موجود، وأنتوا اللي من دمي ولحمي كنتوا هتدبحوها من غير ما تفكروا ولا تتبينوا!”
سقطت الحاجة فاطمة على الكرسي وهي تبكي بحرقة:
— “سامحني يا ابني.. الشيطان عمى قلوبنا والورقة لغت عقولنا.”
ومحمود تقدم ونكس رأسه: “أنا غلطت يا أخويا.. والدم فار في عروقي وعمى عيني، واهو حقها عليا وأنا مستعد للحق.”
كريم أخذ حقيبة سفر ندى وبيدها الأخرى احتضن كتفها وقال بقوة:
— “الحق إن مراتي الشريفة مش هتقعد هنا دقيقة واحدة.. إحنا خارجين على بيتنا التاني اللي جهزته في المحافظة، والبيت ده مش عتباه تاني إلا لما نفوسكم تصفى وتعرفوا قيمتها وتيجوا تعتذروا لها في بيتها.”
خرج كريم بندى وهي مرفوعة الرأس، دموعها تسيل لكنها دموع النصر والراحة، تاركين خلفهم داراً تعلمت درساً لن تنساه طوال العمر.
### الحكمة من القصة:
> **”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”**
>
تنتهي القصة بدرس قاصم في الحياة؛ **الشك المقترن بالتسرع هو أسرع مقصلة لخراب البيوت وهتك الأعراض.**
1. **التبيّن قبل التخوين:** العلم والطب يثبتان كل يوم أن الظواهر قد تخدع، وأن الأوراق العادية قد تخطئ، لكن الأخلاق والمواقف لا تخطئ أبداً. لو استمعت الحماة أو الأخ لصوت العقل والتبيّن قبل الاندفاع، لوفّروا على أنفسهم خزي الموقف وندم العمر.
2. **معدن الأصالة في الغياب:** الزوجة الأصيلة (ندى) ثبتت على طهرها، ولم يمنعها ظلمهم من حماية قلب زوجها في غربته، فكانت المكافأة الإلهية أن ظهرت براءتها على يد زوجها نفسه، ليظل الشرف تاجاً لا يمسه سوء الظن.


تعليقات
إرسال تعليق