ابن اخويا كان بيزورني كل يوم بعد المدرسة ويطلب مني شندوتش جبنه بس
ابن أخويا كان بيزورني كل يوم بعد المدرسة ويطلب مني سندوتش جبنة بس لكن يوم ما حطيتله طبق فراخ كامل، قعد يعيط وسألني هو لازم أرجعه كله لو ما خلصتوش؟
اسمي شريف.
وعايش لوحدي في شقتي بعد ما مراتي اټوفت من 4 سنين.
أخويا الكبير سامح ساكن في نفس المنطقة.
وابنه ياسين عنده 8 سنين.
من حوالي سنة، الولد بقى يجيلي كل يوم تقريبًا بعد المدرسة.
يخبط الباب الساعة 3 بالظبط.
يدخل بهدوء.
يحط شنطته جنب الكنبة.
ويقولي نفس الجملة
ممكن سندوتش جبنة يا عمو؟
بس كده.
ولا يطلب عصير.
ولا شيبسي.
ولا أي حاجة زيادة.
في الأول افتكرت إنه طفل بسيط.
لكن بعد فترة بدأت آخد بالي من حاجات غريبة.
كان بيستأذن قبل ما يشرب مية.
ويستأذن قبل ما يفتح التلاجة.
وحتى لو وقع منه قلم كان يعتذر كأنه كسر عربية.
وفي يوم سألته
إنت بتحب الفراخ المشوية؟
بص للأرض وقال
معرفش.
استغربت.
قلت
إزاي متعرفش؟
رد بسرعة
مباكلهاش كتير.
الموضوع فضل شاغلني.
لحد يوم جمعة كنت عامل فراخ ورز وسلطة.
ولما جه ياسين قولت أجرب.
حطيت قدامه طبق محترم.
ريحة الأكل كانت مالية البيت.
لكن أول ما شاف الطبق
وشه اتغير.
وعينه اتمليت دموع.
وسألني بصوت مرتعش
هو لازم أرجعه كله لو ما خلصتوش؟
اتجمدت مكاني.
قلت
ترجعه لمين؟
بلع ريقه.
وبص ناحية الباب.
وقال
لبابا.
حسيت إن قلبي وقع.
قلت بهدوء
يعني إيه؟
قال
لو فضلت أكل في الطبق بيقول إني مبقدرش النعمة.
سكت شوية.
وبعدين كمل
وبيخليني أكله بارد تاني يوم.
ماعرفتش أرد.
فضلت باصصله بس.
وبعدين سألته
إنت جعان يا ياسين؟
هز راسه.
هزة صغيرة جدًا.
وقال
أنا دايمًا جعان.
الجملة نزلت عليا زي الطوبة.
قولتله
كل براحتك.
أول ما سمع الكلمة
مسك الشوكة بسرعة.
وبدأ ياكل بشكل خوفني.
كأنه حد هييجي ياخد الطبق منه.
كان بيبلع الأكل من غير ما يمضغه كويس.
وكل شوية يبص عليا.
كأنه مستني أزعقله.
بعد ما خلص الطبق كله
بصلي وسأل
مفيش عقاپ؟
حسيت إني مش قادر أتنفس.
قلت
عقاپ على إيه؟
قال
عشان أكلت كتير.
في الليلة دي قررت أكلم أخويا.
لكن تليفونه كان مقفول.
فروحت أجيب لهدوم ياسين من الشنطة عشان يبات عندي.
لقيت حاجة غريبة.
كراسة صغيرة مستخبية تحت الكتب.
فتحتها.
لقيت صفحات كاملة.
كل صفحة فيها تاريخ.
وجنب كل تاريخ كلمة.
جوع.
عقاپ.
من غير عشا.
حبس.
وفي آخر صفحة
كان فيه رسم لولد صغير واقف ورا باب مقفول.
وفوق الرسم مكتوب بقلم رصاص
لما أكبر هخرج.
إيدي بدأت تترعش.
وفي اللحظة دي
سمعت إشعار رسالة على موبايل ياسين.
الموبايل كان قديم ومكسور الشاشة.
لكن الرسالة ظهرت قدامي.
وكانت من رقم محفوظ باسم
بابا
فتحتها بالغلط وأنا بحاول أقفل الإشعار.
ولقيت جملة واحدة بس.
جملة خلت الډم يتجمد في عروقي
لو قلت لعمك أي حاجة النهارده أوعى ترجع البيت
بصيت للرسالة أكتر من مرة.
يمكن أكون فاهم غلط.
يمكن يكون فيه تفسير تاني.
لكن كل ما أعيد قراءة الجملة، كان الإحساس اللي جوايا بيكبر.
فيه حاجة غلط.
غلط جدًا.
رفعت عيني ناحية أوضة الضيوف.
ياسين كان نايم على الكنبة الصغيرة.
ضامم رجليه لصدره.
كأنه مستعد لأي خطړ حتى وهو نايم.
قفلت الموبايل بهدوء.
ورجعته مكانه.
وفي الليلة دي ما نمتش.
فضلت قاعد في الصالة لحد الفجر.
أفكر.
وأفتكر.
وأربط حاجات كتير كنت شايفها قبل كده ومركزتش فيها.
الكدمات الصغيرة اللي كانت بتظهر أحيانًا في دراعه.
الخۏف اللي بيظهر على وشه أول ما يسمع رنة تليفون.
طريقته وهو بيخبي الأكل في المناديل.
كلها حاجات كانت قدامي.
بس أنا ما فهمتهاش.
تاني يوم الصبح صحيت ياسين.
حضرتله الفطار.
ولاحظت إنه بيحط نص الساندوتش في الشنطة.
قلت له
ليه مبتاكلوش كله؟
اتوتر فورًا.
وقال
عادي.
قلت
خده معاك للمدرسة؟
هز راسه بالنفي.
وسكت.
بعد شوية قال
لو جعت بالليل.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
طفل عنده 8 سنين.
بيفكر في جوع الليل من أول الصبح.
بعد ما نزل المدرسة، قررت أروح لأخويا.
خبطت الباب.
مراته فتحت.
اسمها هالة.
وشها كان مرهق بشكل غريب.
قلت
سامح موجود؟
قالت بتوتر
نزل الشغل.
ولأول مرة أخد بالي من حاجة.
هي نفسها كانت خاېفة.
مش متوترة بس.
خاېفة.
دخلت أقعد شوية.
وبين الكلام سألتها
ياسين عامل إيه؟
لقيتها سكتت.
وبعدين قالت
الحمد لله.
لكن عينيها كانت بتقول حاجة تانية.
قبل ما أمشي بدقائق، دخلت المطبخ أشرب مية.
ولقيت ورقة صغيرة ملزوقة جوه ضلفة المطبخ.
كان مكتوب عليها بخط طفل
أنا آسف.
تحتها نجمة صغيرة مرسومة بقلم أزرق.
عرفت فورًا إنه خط ياسين.
ليه طفل يعلق ورقة اعتذار في مطبخ بيته؟
اعتذار عن إيه أصلًا؟
خرجت وأنا قلبي تقيل.
وفي نفس اليوم رحت المدرسة.
بحجة إني عايز أطمن عليه.
المدرسة كانت محترمة.
والمدرسة النفسية هناك وافقت تتكلم معايا بعد ما عرفتها إني عمه.
أول سؤال سألتني إياه كان
حضرتك قريب جدًا من ياسين؟
قلت
آه.
بصتلي ثانيتين.
وقالت
كويس.
قلبي انقبض.
قلت
ليه؟
قالت
لأن الولد محتاج شخص آمن في حياته.
الكلمة خلتني أتوتر.
فسألتها
فيه حاجة؟
قالت بحذر
إحنا بنلاحظ عليه خوف زائد عن الطبيعي.
بيعتذر باستمرار.
وبيتوتر من أي خطأ بسيط.
ولما بيجيب درجة أقل من الكاملة بيبكي ساعات.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
هو طفل ذكي جدًا… لكنه عايش تحت ضغط
كبير.
رجعت البيت وأنا حاسس إني شايل جبل فوق صدري.
وفي المساء جه ياسين كعادته.
لكن المرة دي كان ساكت أكتر من المعتاد.
قعد على الكنبة.
وبعدين قال فجأة
عمو شريف؟
قلت
نعم.
قال
لو طفل ساب البيت… يبقى وحش؟
اټصدمت.
لكن حاولت أجاوب بهدوء.
قلت
لا طبعًا.
حسب السبب.
بص للأرض.
وقال
ولو كان خاېف؟
هنا فهمت.
هو مش بيسأل عن طفل تاني.
هو بيسأل عن نفسه.
قربت منه.
وقلت
الطفل اللي بېخاف محتاج حد يحميه.
أول ما قلت الجملة دي…
الولد اڼفجر في البكاء.
بكاء مكتوم.
بكاء طفل حاول يبقى قوي فترة أطول من عمره.
فضل يبكي وأنا ساكته.
لحد ما قال وسط دموعه
أنا بحاول أبقى كويس.
والله بحاول.
بس بابا دايمًا زعلان.
حطيت إيدي على كتفه.
وقلت
إنت مش مطلوب منك تبقى كامل.
إنت طفل بس.
في اللحظة دي بالذات…
سمعنا صوت خبط عڼيف على الباب.
خبط خلى ياسين ينتفض من مكانه.
ووشه فقد لونه.
عرفت قبل ما أفتح.
سامح.
فتحت الباب.
فعلاً كان واقف.
وشه أحمر من الڠضب.
وقال أول ما شاف ابنه
تعالى.
ياسين اتجمد.
مكانش بيتحرك.
سامح بصلي وقال
ابني هيرجع البيت.
قلت بهدوء
أكيد هيرجع… بس محتاج نتكلم الأول.
قال بعصبية
مفيش كلام.
ولأول مرة في حياتي وقفت قدام أخويا.
وقلت
لا. فيه كلام كتير.
الصالة سكتت.
سامح بصلي باستغراب.
كأنه مش مصدق إني اعترضته.
قلت
ابنك خاېف منك.
ۏجعان.
وبيفكر في العقاپ طول الوقت.
ملامحه اتغيرت.
لكن مش بالشكل اللي توقعته.
الڠضب اختفى.
وحل مكانه شيء أقرب للانكسار.
جلس على الكرسي فجأة.
وډفن وشه بين إيديه.
أنا وهالة وياسين بصينا لبعض.
محدش فهم حاجة.
وبعد دقيقة كاملة…
رفع رأسه.
وكانت عينيه مليانة دموع.
أول مرة أشوف أخويا بيعيط.
قال بصوت مبحوح
أنا اتربيت كده.
سكتنا كلنا.
قال
أبويا كان بيعاقبنا على كل حاجة.
كان فاكر إن القسۏة تربية.
وأنا… عملت نفس الغلط.
هالة بدأت تبكي.
وياسين كان باصص له في صمت.
سامح كمل
كل يوم كنت أقول هبقى أحسن.
وكل يوم أرجع أكرر اللي اتعمل فيا.
الغرفة كلها كانت ساكتة.
ثم قام من مكانه.
وركع أمام ابنه.
وقال
أنا آسف يا ياسين.
الولد بصله بعدم تصديق.
كأن الكلمة عمره ما سمعها منه.
سامح مسح دموعه.
وقال
مش هعاقبك عشان الأكل.
ولا عشان الغلط.
ولا عشان تكون طفل.
وفجأة…
ياسين جري عليه
أقوى حضڼ شوفته في حياتي.
حضڼ طفل كان محتاج يسمع كلمة واحدة فقط.
أنا آسف.
بعدها بأشهر، الأمور ما اتصلحتش في يوم وليلة.
لكن سامح بدأ يحضر جلسات إرشاد أسري.
وبدأ يتعلم ازاي يربي من غير خوف.
وهالة بقت أقوى في الدفاع عن ابنها.
أما ياسين…
فبطل يخبي الأكل.
وبطل يعتذر كل دقيقة.
وبقى يدخل بيتي بعد المدرسة ويقول
عمو… عامل إيه؟
مش
ممكن سندوتش جبنة؟
وفي يوم وأنا بحضر الغدا، حطيت قدامه طبق فراخ كبير.
بص للطبق.
وبعدين بصلي.
وقال مبتسم
لو ما خلصتوش كله… عادي؟
ابتسمت.
وقلت
عادي جدًا.
ضحك.
وأكل على راحته.
ولأول مرة من سنة كاملة…
شفت طفلًا حقيقيًا جالسًا أمامي.
مش طفلًا خائفًا.
ولا طفلًا جائعًا.
فقط… طفل سعيد.


تعليقات
إرسال تعليق