القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ كامله 



هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ كامله 

— هـي الجبنـة راحـت فيـن؟! أنا لسـه جايبـاها امـبارح باللـيل، حتـة كبيـرة كده مخصـوص للسندوتشـات، قـولت أريـح نفـسي الصـبح بدل الطبـخ….

هنا وقفت “آيـة” مش قادرة تتحرك قدام باب التلاجة المفتوح على الآخر، وحاسة بنار الغيظ بتغلي جواها. هوا التلاجة الساقع كان بيخبط في وشها، بس خدودها كانت سخنة ومولعة كأن عندها الحمى. في الرف اللي في النص، مطرح ما سابت قالب الجبن التقيل امبارح وهو متغلف في كيسه الأصفر، ملقيتش غير نص لمونة دبلانة وبرطمان صلصة فيه حبة صغيرين في القعر….


من الصالة، جيلها صوت “أحمد” جوزها وهو بيدور على الفردة التانية من الشراب قبل ما ينزل الشغل:

— تلاقيكي كلتيه ونسيتي يا آية.. أو يمكن أنا قمت في وسط الليل… لأ استني، ده أنا قمت شربت مية بس. يا بنتي، هو أنتِ هتعملي مناحة ومصيبة عشان حتة جبن؟ اتكلت وخلاص، فداكي!


قفلت آية باب التلاجة براحة، بس رقعة الباب عملت صوت عالي ورخم في هدوء الصبح. المشكلة مكنتش في قالب الجبن.. ولا في لانشون الفراخ اللي اختفى من تلات أيام، ولا حتى في برطمان النسكافيه الغالي اللي لسه شارينه ولقوه نزل للنص وهما اصلا كانوا طول اليوم برا البيت! اللي كان هيموتها ويجننها حاجة تانية خالص: آية بدأت تشك في عقلها وفي ذاكرتها. هي فاكرة بالظبط وهي بتفضي الشنط وبترص الحاجه في الرفوف، وبتظبط منيو الأسبوع في دماغها. وبعدين، وبمنتهى الهدوء، الحاجه بتتبخر! من غير شوشرة ومن غير ما حد يحس، وبكميات صغيرة.


دخلت آية الصالة وهي بتمسح إيديها في الفوطة وقالت:

— يا أحمد، أنا مستحيل أكون أكلت نص كيلو جبن في ليلة واحدة، ولا أنت كمان.. ده احنا كان يجيلنا تلبك معوي ونموت! في حاجة مش مظبوطة في البيت ده.


أحمد لقى أخيراً فردة الشراب تحت الكنبة، وقعد يلبسها وهو بيبرطم وبيتأفف. هو كان جوز طيب وابن حلال: هادي، شغال، ومالوش في المشاكل والمناهدة. “نقطة ضعفه الوحيدة —واللي كان شايفها ميزة وإنه كده ابن بار— هي أمه، الست ميرفت.”


بص لمراته بنظرة كلها تعب وزهق وقال:

— رجعنا تاني للأسطوانة دي؟ أنتِ عايزة تقولي إيه بالظبط؟ إن البيت فيه عفاريت؟ ولا إن أمي هي اللي بتدخل تاخد الحاجه؟ يا آية اعقلي كلامك، دي ست كبيرة وليها معاشها ومش ناقصها حاجة. دي بتجيلنا في غيابنا عشان تسقي الزرع وتأكل القطة.. بتخدمنا يا بنتي! وأنتِ…

قاطعته آية بسرعة، مع إن ده بالظبط اللي كان على طرف لسانها:

— أنا مقلتش حاجة! أنا بس بقول إنه غريبة.. الأكل مبيختفيش إلا في الأيام اللي هي بتشرفنا فيها. الثلاثاء اللي فات، علبة السجق المستورد اختفت بالكامل. ويوم الخميس، بانيه الفراخ اللي كنت مطلعاه يفك عشان أعمله عشا.. ودلوقتي الجبن!

#حكـايات_منـي_السيـد

أحمد وقف وظبط قميصه وقال بنبرة تريقة:

— يمكن تكون نقلت الحاجه من مكانها.. أو تيمو (القطة) هو اللي أكلها…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات..

ردت آية بنفاذ صبر:

— القطة؟ القطة فتحت باب التلاجة، وطلعت قالب جبن مقفول ومتغلف وشفطته؟ أحمد، شغل مخك معايا شوية!

— طيب طيب، أنا اأخرت على الشغل — قالها وهو بيبوسها بوسة سريعة على خدها، عشان يهرب من الكلام — بالليل هبقى أشتري جبن غيره، متبوظيش أعصابك. أمي دي ست بركة، وتدي هدومها للي محتاج، وأنتِ عمالة تشكي فيها كأنها حرامية! عيب يا آية، دي في مقام مامتك.

أول ما باب الشقة اتقفل، آية اترمت على الكرسي اللي في الطرقة. وفعلاً، حست بنغزة ذنب وكسوف من نفسها. حماتها، الست ميرفت، شكلها دايماً غلبان وفي حالها؛ بعبايتها السادة، وإيشاربها، وشكواها اللي مابتخلصش من الضغط وسعر الأدوية اللي بقا في السما. كانت ساكنة في العمارة اللي جنبهم علطول، ومعاها نسخة من مفتاح الشقة “عشان الطوارئ”، زي ما أحمد صمم من أول ما اتجوزوا. في الأول، آية ممانعتش، قالت أهو ينفع لو ماسورة ضربت أو نسيت المكواة شغالة. بس مؤخراً، الزيارات دي زادت عن حدها وبقت عمال على بطال…..حصري على صفحة روايات و اقتباسات……

آية شغالة محاسبة في شركة مقاولات كبيرة. والشغلانة دي معوداها على الدقة، والتركيز في التفاصيل، وأن “واحد زائد واحد يساوي اتنين”؛ يمكن عشان كده، عقدة الأرقام والحسابات مكنتش مخلية مخها يرتاح. كانت حافظة ميزانية البيت بالقرش. هي وأحمد بيحوشوا عشان يشتروا عربية جديدة، فكانت بتظبط مصاريف الأكل بالورقة والقلم.


بس في الشهرين الأخرانيين، البند ده بدأ يوسع منهم بشكل مش مفهوم، الفلوس بتطير بسرعة، والتلاجة دايماً بتبان فاضية!

بعد الظهر، وهي مخلصة الشغل، آية عدت على السوبر ماركت. الأسعار كانت نار وتشوي! وقفت شوية محتارة ومذهولة قدام…


الفصل الثاني

صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان دايماً بيدي آية إحساس بالأمان، بس النهاردة الصوت ده كان بيعمل في قلبها رعبة غريبة. دخلت الشقة، رمت شنطتها على أقرب كرسي، وجريت على المطبخ علطول وعينها على التلاجة كأنها بتراقب متهم تحت الملاحظة. حطت الأكياس الجديدة اللي جابتها على الرخامة: قالب جبن تلاجة صغير، وعلبة تونة، وشريط لانشون. قعدت تبص للحاجه بحسرة، الفلوس اللي دفعتها كانت كفيلة من كام شهر تعمل خزين أسبوع بحاله، ودلوقتي يا دوب ممشية اليومين بالعافية.

سندت راسها على الرخامة الساقعة وهي بتفكر. كلام أحمد الصبح وجعها، خلاها تحس إنها زوجة مفترية وبتتبلى على ست كبيرة في مقام أمها. بس عقلها المحاسب، اللي مبيفوتش المليم، كان رافض يقتنع. “البركة مابتطيرش الأكل يا أحمد” الكلمة دي كانت بتلف في دماغها ومخلية النوم يطير من عينها.

قررت آية تاخد خطوة جريئة ومحسوبة. فتحت نوتة صغيرة كانت شايلاها في درج المطبخ، وبدأت تكتب بالتاريخ والساعة كل حاجة دخلت البيت، وكل حاجة اختفت. ورتبت خطتها للأيام اللي جاية بمنتهى الهدوء. يوم الأربع، يعني بكرة، حماتها ميرفت هتيجي زي عادتها عشان تسقي زرع البلكونة وتأكل القطة “تيمو” لأن آية عندها مأمورية شغل في فرع الشركة الجديد في التجمع، وأحمد هيكون في ميعاد تسليم موقع ومش هيرجع قبل الساعة سبعة بالليل. يعني الشقة هتكون فاضية تماماً ومهيأة للزيارة المعتادة.

صباح يوم الأربعاء، نزلت آية من البيت وهي مجهزة كل حاجة على الشعرة. رصت في التلاجة علبة حلاوة طحينية لسه مقفولة، وكيلو لبن بخيره، وطبق فيه أربع قطع برجر فريش كانت متبلاهم بإيدها للغدا. وقبل ما تقفل باب التلاجة، طلعت موبايلها وصورت الرفوف بدقة، كدليل قاطع تواجّه بيه نفسها قبل أي حد، عشان تخلص من وسواس الشك اللي بدأ يجننها.

نزلت، ركبت الميكروباص، وطول الطريق للتجمع وعينها على الشاشة، بتراجع الأرقام والتقارير في الشغل بس بالها كله كان في شقتها اللي في شبرا. الساعة جت اتنين الظهر، وده الميعاد اللي حماتها بتنزل فيه عادة. آية مكنتش قادرة تصبر لحد ما تروح وتشوف بنفسها. فجأة، وهي قاعدة في مكتبها، لقت فكرة لمعت في دماغها زي البرق. اتصلت بـ “مروة” صاحبتها وجارتها في العمارة اللي قصادها علطول.

— أيوة يا مروة، بقولك إيه… أنتِ قاعدة في البلكونة دلوقتي؟

— أه يا بنتي، بظبط المحشي وبشرب الشاي، خير في إيه؟ صوتك ماله مخضوض ليه؟

— وحياة عيالك يا مروة، ركزي معايا كده. طنط ميرفت، مامات أحمد، نزلت من عندنا ولا لسه؟

مروة سكتت ثواني، وسمعت صوت حركتها وهي بتقوم تقف في البلكونة وتتفرج على الشارع:

— استني كده بصة… أه يا ستي، لسه نازلة حالا من مدخل عمارتكم، وراكبة توكتوك ورايحة ناحية بيتها.

آية لفت دراعها حوالين وسطها وحست بنغزة في قلبها وسألتها:

— طيب… مش لمحتِ معاها حاجة في إيدها؟ يعني محملة أكياس؟ شنطة سودا؟ أي حاجة؟

مروة ضحكت بذهول واستغراب:

— وأنا مالي يا بنتي ومال حماتك! بس استني… هي فعلاً معاها الشنطة القماش الكبيرة بتاعتها دي اللي لونها كحلي، وشكلها تقيل أوي في إيدها، لدرجة إنها مالت وهي بتركب التوكتوك من تقلها. في إيه يا آية؟ أنتِ مراقباها ولا إيه؟

— مفيش يا مروة، تسلميلي يا حبيبتي، هكلمك بعدين لما أروح.

قفلت آية السكة، وحست إن الأرض بتلف بيها في المكتب. الشنطة الكحلي القماش! الست ميرفت مابتفارقهاش في أي مشوار، وبتقول دايماً إنها بتشيل فيها زجاجة المية بتاعتها وعلبة الضغط وشمسية الصيف. بس هل زجاجة المية وعلبة الدواء بيبقوا تقال لدرجة إنهم يميلوا الست وهي بتركب التوكتوك؟ الأسئلة كانت بتاكل في دماغها.

الساعة جت ستة مغرب. آية وصلت العمارة، طلعت السلم وهي بتنهج، مش من تعب المشوار، من ضربات قلبها السريعة اللي كانت مسموعة. فتحت الباب بمنتهى الهدوء، ودخلت الشقة كأنها بتقتحم مكان غريب ومش بتاعها. رمت الطرحة على الكنبة وجريت على المطبخ علطول ونفسها مقطوع.

فتحت باب التلاجة… ونزلت دموعها من الصدمة والكسرة.

البرجر اختفى بالكامل! وطبق الحلاوة الطحينية المقفول، اتفتح، ومأخوذ منه بالظبط نصه، ومحطوط مكانه المعلقة متسخة بالداخل! وعلبة اللبن نقصت برضه بشكل واضح.

طلعت الموبايل بسرعة، فتحت الصورة اللي دقتها الصبح، وقارنت بين الصورة والواقع. مكنش فيه أي مجال للشك أو التبرير. الست ميرفت بتدخل البيت في غيابهم، تاكل اللي تاكله، وتعبّي الباقي في الشنطة الكحلي وتمشي! تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

قعدت آية على أرض المطبخ، وبكت بحرقة وضيق. مكنتش بتبكي على الأكل ولا على الفلوس، كانت بتبكي على بيتها اللي ملوش حرمة، وعلى جوزها اللي مبيصدقهاش وبيطلعها كدابة وناقصة عقل ومفترية، وعلى الست اللي بتدخل بوش ملاك مكسور وغلابة، وتطلع محملة بخزين البيت اللي أصحابه بيتحرموا منه وبيوفروا في مصاريفهم عشان يحوشوا لقمة بكره ويشتروا عربية.

في وسط دموعها، سمعت صوت مفتاح أحمد وهو بيدخل من الباب. مسحت دموعها بسرعة وقامت وقفت وظبطت نفسها. دخل أحمد وهو مبتسم وشايل في إيده كيس صغير فيه علبة جبن زي ما وعدها الصبح:

— مساء الخير يا يويا.. بصي جبتلك إيه؟ أحسن قالب جبن من السوبر ماركت، عشان متزعليش تاني، وتعرفي إن جوزك ميرضيهوش نكدك وعصبيتك.

آية بصت للعلبة وبصت لوشه الصافي الطيب، وحست بغصة ومرار في حلقها. قالت بنبرة هادية كئيبة وغريبة عليها:

— شكراً يا أحمد.. كتر خيرك. ادخل غير هدومك على ما أحضر العشا.

أحمد استغرب هدوءها المفاجئ، بس فرح إن العاصفة عدت من غير مشاكل:

— طيب الحمد لله، النفوس اأطفت اهي. أنا هغير واأجي أساعدك في المطبخ.

وهما قاعدين على السفرة بياكلوا، آية مكنتش قادرة تحط لقمة واحدة في بقها. كانت بتراقب أحمد وهو بياكل بتلذذ وبراءة، وفجأة قطعت الصمت وقالت:

— أحمد.. هي طنط ميرفت معاشها كام بالظبط؟

أحمد رفع عينه من الطبق واستغرب السؤال اللي ملوش مقدمات:

— معاشها؟ عادي يعني، زي أي موظف حكومة قديم، يا دوب بيكفي علاجها وفواتير شقتها واللقمة اللي بتاكلها بالعافية. ليه بتسألي؟

آية حركت الشوكة في طبقها وهي باصة لتحت:

— أصلها دايماً تشتكي من الغلا.. وتقول إن العلاج غلي أوي، فكنت بفكر يعني لو نقدر نساعدها بمبلغ بسيط كل شهر من الميزانية؟

أحمد ابتسم ووشه نور بالرضا، ومد إيده مسك إيد آية بحب وامتنان:

— يا حبيبتي يا آية! أصيلة والله وبنت حلال وعمري ما شكيت في أصلك. بس متقلقيش، أنا فعلاً بطلع لها جزء من مرتبي كل أول شهر من وراكي.. قصدي يعني من غير ما أقولك عشان متشيليش هم المصاريف والالتزامات اللي علينا. وهي برضه بتدبر حالها، وبتطبخ وتظبط نفسها في بيتها.

الكلام نزل على آية زي المية الساقعة وصدمها أكتر. أحمد بيديلها فلوس من وراها ومن قوتهم! والست كمان بتاخد الفلوس ومن وراه وفوقيها بتيجي تسرق التلاجة والخزين! دي مقتطعة من قوتهم تلات مرات: مرة بالفلوس اللي أحمد بيديها لها بعطف، ومرة بالأكل الخزين اللي بتاخده في شنطتها، ومرة بالثقة اللي اأهزت بين آية وجوزها بسببها وعيشتهم في نكد.

يوم الجمعة الصبح، كان يوم الإجازة الأسبوعية. أحمد كان لسه نايم ومأنتخ، وآية صاحية من بدري جداً، ودماغها مبطلتش تفكير وتخطيط. “المواجهة المباشرة والكلام مش هينفعوا” قالت لنفسها وهي بتبص للسقف. لو واجهت أحمد من غير دليل مادي ملموس يشوفه بعينه، هيقلب الترابيزة عليها ويقول إنها بتتبلى على أمه وبتكرهها، وممكن الموضوع يوصل للطلاق وخراب البيوت. ولو واجهت الست ميرفت، هتعيط وتعمل عيانة وتشتكي لابنها إن مراته أهانتها وطردتها.

الحل كان لازم يكون ذكي، وحاسم، ومفيهوش ثغرة واحدة.

لبست آية ونزلت بسرعة بحجة إنها بتشتري عيش سخن وفطار للاإجازة. وراحت على محل أدوات كهربائية وإلكترونيات كبير في الشارع الوراني. دخلت وقابلت الشاب المهندس اللي واقف هناك:

— لو سمحت.. كنت عايزة كاميرا مراقبة صغيرة جداً، متتشفش بالعين المجردة، وبتتوصل بالواي فاي علطول على الموبايل.

الشاب طلع لها كذا موديل وشرح لها:

— عندي دي يا فندم، حجمها أصغر من علبة الكبريت، وممكن تتدارى في أي مكان، في فازة، أو فوق دولاب المطبخ، وبتسجل صوت وصورة بجودة عالية وبتتبعتلك تنبيه على الموبايل أول ما يحصل أي حركة في المكان.

اشترتها آية بفلوس كانت محوشاها لظروف الطوارئ الشخصية من وراء مصاريف البيت. رجعت الشقة، واستغلت إن أحمد لسه قايم يدخل الحمام، ودخلت المطبخ بسرعة وعينها على الباب. وقفت على كرسي خشبي، وثبتت الكاميرا بدقة فوق تقفيلة المطبخ العالية، في زاوية مخفية تماماً ورا برطمان ديكور قديم مليان ورد مجفف، بس كاشفة التلاجة والرخامة وباب المطبخ بالكامل. ظبطت الأبليكيشن على موبايلها، وجربت الرؤية.. كانت واضحة وزي الفل ومغطية كل شبر.

يوم الاثنين اللي بعده، آية نزلت شغلها وهي حاطة إيدها على قلبها والتوتر بياكل فيها. كانت عارفة إن حماتها بتيجي في نص الأسبوع دايماً وعينها منزلتش من على الموبايل. الساعة جت واحدة الظهر بالظبط، وفجأة، الموبايل في جيب آية اأهز بعنف متتالي.

“تنبيه: تم رصد حركة في المطبخ.”

آية اأستأذنت من مديرها في العمل ودخلت الحمام وقفلت الباب على نفسها بالمفتاح. فتحت الأبليكيشن، وبدأت البث المباشر والكاميرا شغالة.

الشاشة ظهر فيها المطبخ بتاعها هادي. وبعد ثواني، ظهرت الست ميرفت وهي داخلة وبإيدها الشنطة الكحلي القماش الكبيرة.

الست ميرفت لفت حولين نفسها في المطبخ، وبصت بره في الطرقة تتأكد إن مفيش حد في الشقة، وفجأة ملامح وشها اتغيرت تماماً؛ مكنش وش الست الغلبانة العيانة اللي بتمشي تتسند وبتشتكي من ركبها، لاء، كانت بتتحرك بخفة ونشاط غريب يحسدها عليه الشباب!

فتحت التلاجة بكل جراءة، طلعت علبة جبنة كيرى كاملة غالية وحطتها في الشنطة. وبعدين شافت كيس لحمة مفرومة كانت آية مطلعاها الصبح تفك عشان تعمل مكرونة بشاميل لما ترجع من الشغل.. الست ميرفت مسكت الكيس، شمته، وراحت حطاه هو كمان في الشنطة الكحلي! مأكتفتش بكده، فتحت ضلفة الخزين العلوية، وطلعت زجاجة زيت ذرة مقفولة، وكيسين مكرونة، وحطتهم برضه في الشنطة لحد ما الشنطة بدأت تتملي وتتنفخ وتثقل. وقبل ما تقفل الضلفة، فتحت درج المعالق، وطلعت قالب زبدة نيوزيلاندي مستورد وغالي، أخدت منه قالبين صغيرين وحطتهم في كيس أسود صغير في جيب عبايتها الواسع!

آية كانت بتتفرج وشفايفها بتترعش من كتر الذهول والقهر الممزوج بالغل. الصورة كانت واضحة وضوح الشمس، تفاصيل الوش، الحركات الخبيثة، والسرقة العيني عينك من غير أي ذرة ضمير. سيفّت الفيديو علطول على مساحة الموبايل الداخلية، وقفلته وهي حاسة بنار وولعة بتاكل في صدرها ومش قادرة تتنفس.

رجعت آية البيت الساعة خمسة بعد الظهر. أحمد كان رجع بدري النهاردة وقاعد في الصالة بيتفرج على التلفزيون وبيتسلى. دخلت المطبخ، وبنفس السيناريو المتكرر والملعوب، لقت اللحمة المفرومة اختفت والزيت والمكرونة والزبدة.

خرجت الصالة، وقفت قدام أحمد وهو مربع رجله، وقالت بنبرة جامدة خالية من أي مشاعر أو عصبية:

— أحمد.. اللحمة المفرومة اللي كانت بتفك في المطبخ راحت فين؟ وزجاجة الزيت الجديدة فين؟

أحمد نفخ بضيق وزهق ورما الريموت من إيده على الكنبة:

— تاني يا آية؟ تاني وتالت وعاشر؟ أنا لسه راجع من الشغل وتعبان وهموت من الجوع! مش هخلص من قصة الأكل اللي بيطير والعفاريت دي؟ قلتلك ميت مرة يمكن نسيتي، يمكن استعملتيهم الصبح في حاجة ونسيتي من كتر الضغط!

آية قاطعت كلامه ببرود شديد يرعب الصخر:

— وماماتك؟ مش يمكن هي اللي خادتهم وهي بتسقي الزرع؟

أحمد وقف على حيله وعينه شررت غضب وعروق رقبته ظهرت، وزعق بعلو صوته في الشقة:

— لحد هنا وفوقي لنفسك يا آية! أمي خط أحمر وسيرتها على لسانك متجيش! أنا سكت لك كتير وقولت معلش مضغوطة وبتتوهمي، لكن تغلطي في أمي وتتهميها في شرفها وأمانتها وتقولي عليها حرامية وتمد إيدها على التلاجة عشان كيس مكرونة ولا حتة لحمة؟ لأ.. ده أنا أطربق البيت ده على دماغك ودماغ اللي جابوكي دلوقتي حالا! أمي متمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها، دي ست طاهرة وحاجة بيت الله وبتصلي وعارفة ربنا كويس!

آية محركتش رمش واحد، ومتهزتش ولا خافت من زعيقه وعصبيته وتكسيره للكلام. مدت إيدها في جيب جاكت الشغل بمنتهى الهدوء، طلعت الموبايل، فتحت الفيديو اللي سجلته، وحطت الشاشة في وش عينيه علطول ومن غير ولا كلمة.

— اتفضل يا أحمد.. اتفرج بنفسك على الست البركة الطاهرة الساجدة العابدة وهي بتسرق قوتنا وقوت عيالنا اللي لسه مجوش الدنيا وبتوفر من لقمة عيشنا. اتفرج على أمك وهي بتفضي التلاجة والخزين في الشنطة الكحلي بتاعت الدوا!

أحمد بلم وتنح، وزق إيدها في الأول بغضب وعصبية وهو فاكرها بتخرف، بس عينه لقطت الشاشة مجبرة. شاف أمه.. شاف عبايتها الكحلي، وشاف الشنطة القماش الكبيرة. صوته اختفى تماماً وكأن القطة أكلت لسانه. مسك الموبايل بإيد بتترعش زي الورقة، وقعد على الكنبة وهو مش مصدق عنيه والدم هرب من وشه. الفيديو شغال بجودة عالية، وأمه بتنقي الحاجه بنشاط مبيظهرش قدامه، وتعبّي في الشنطة، وتدور وراها بخبث وحذر عشان متسيبش أثر.

الدقائق مرت في الصالة كأنها سنين ودهور من الصمت القاتل. أحمد كان بيبص للشاشة وشه بيجيب ألوان؛ أحمر وأصفر وأزرق، الصدمة كانت أكبر بكتير من قدرته عقله على الاستيعاب. أمه.. الست اللي كان بيحلف بحياتها وصونها، واللي كان بيخانق مراته ويقاطعها عشانها، بتطلع في الآخر هي السبب الأساسي في نكد بيته، وخسارة فلوسه، وتدمير ميزانيته.

رفع عينه لآية ببطء، وكانت ملامحه مكسورة تماماً ومذلولة، دموعه كانت محبوسة وعلى وشك النزول من الكسوف والخزي، وقال بصوت متحشرج ومبحوح ومكسور:

— آية.. أنا… أنا مش عارف أقولك إيه… أنا أسف يا بنتي حقك عليا…

آية ربعت إيدها بثقة، وبصتله بنظرة قوية وحاسمة وقالت:

— الكلام والأسف ملوش أي لازمة ولا فايدة دلوقتي يا أحمد. الفيديو ده معايا ونسخة منه متشالة في مكان أمين، والسرقة دي والنهب ده بقاله شهرين وزيادة واحنا بنموت ونوفر في القرش. دلوقتي احنا قدامنا حل من الاتنين ملوش تالت، وأنت الراجل والابن البار اللي هتختار بنفسك…



سكت أحمد لثواني، كأن جبل اأتهد فوق راسه. بص للموبايل اللي في إيده وال شاشة لسه منورة على آخر كادر في الفيديو؛ كادر أمه وهي بتقفل السوستة بتاعت الشنطة الكحلي بابتسامة نصر خفيفة. بلع ريقه بصعوبة، وحس إن ريقه ناشف زي الحطب، والصالة اللي كانت من شوية بتغلي بزعيقه وعصبيته، بقت فجأة باردة وهادية هدوء القبور.

آية فضلت واقفة مكانها، متهزتش خطوة واحدة لورا. عيونها المحاسبية كانت حادة، وباصة له بنظرة خالية من أي شماتة، بس مليانة حسم وقوة. ربعت إيدها وفضلت مستنية الرد.

أحمد اأتنهد تنهيدة طويلة حرقت صدره، وسند كوعه على ركبته وحط راسه بين إيديه وهو بيفرك جبهته:

— قولي يا آية… إيه هما الحلّين؟ أنا طوعك، ومبقاش ليا عين أتكلم ولا أدافع.

آية أخدت نفس عميق، وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت رجل على رجل وقالت بنبرة هادية بس مسموعة ومفيهاش تراجع:

— الحل الأول يا أحمد، والمفروض ده الطبيعي اللي يتعمل، إننا هناخد المفتاح اللي معاها ده فوراً. والنهاردة بالليل تنزل معايا لبيتها، وتفتح الفيديو ده قدامها وقدام إخواتك كلهم؛ حسن وحسين. وتقولهم إن مامتكم الست الحاجة البركة بتدخل بيتي في غيابي تسرق شقايا وشقاك، وتعرفهم إن الفلوس اللي بتطير والتلاجة اللي بتفضى مكنتش وهم في دماغ مراتي المحاسبة اللي طلعتوها مجنونة. وساعتها، هحسب بالورقة والقلم كل مليم وكل قالب جبن وكل كيس لحمة مفرومة اختفى من البيت ده على مدار الشهرين اللي فاتوا، وإخواتك يدفعوا تمنه بالنص، لأن الأكل ده أكيد ميرفت مأكلتهوش لوحدها، دي كانت بتعمر بيه بيوتهم هما كمان على قفانا!

أحمد رفع راسه ووشه كان أصفر زي الليمونة، وعينه مليانة رجاء وكسرة:

— لأ يا آية.. وحياة غلاوتك عندي بلاش فضايح قدام إخواتي! حسن وحسين لو عرفوا حاجة زي دي، الست هتقع من نظرهم، وهيبقوا يعايروها، وتصغر في عيون زوجاتهم وبناتهم. دي مهما كانت أمي يا آية، وأنا بر برضه، مش هقدر أفضحها الفضيحة دي، أموت فيها والله! طيب… وإيه هو الحل التاني؟

آية ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرار:

— كنت عارفة إنك هتقول كده، وكنت عارفة إن قلبك الطيب مش هيهون عليه، مع إنها مفرقتش معاها كرامتي ولا بيتي ولا ميزانيتي وهي بتسحب من وراك. الحل التاني يا ابن الحلال، والشرط ده ملوش فصال؛ المفتاح اللي معاها يتأخد منها النهاردة بحجة صايعة وذكية من عندك من غير ما تحس إننا كاشفينها. وتاني حاجة، الزيارات اللي عمال على بطال دي تنتهي تماماً؛ طنط ميرفت متدخلش الشقة دي إلا وأنا وأنت موجودين وبإذن مسبق، زيها زي أي ضيف غريب. وتالت حاجة بقا، وده الأهم… الفلوس اللي كنت بتديها لها من ورايا من المرتب، هتقطعها من أول الشهر الجديد!

أحمد اتخض ووقف على حيله:

— أقطع المعونة عنها يا آية؟ دي أمي! وأنا لسه قايلك إن معاشها يدوب.

آية وقفت هي كمان وقربت منه وعينها في عينه:

— يدوب؟ معاشها يدوب وهي بتاخد منك جزء من المرتب، وبتاخد من التلاجة خزين يقضي عيلة؟ أحمد، افتح مخك معايا وبلاش السذاجة دي! أمك مش محتاجة، أمك بتعمل كده هواية، أو يمكن عشان توفر لإخواتك التانيين اللي قاعدين مأنتخين ومبيساعدوهاش بمليم. الفلوس دي هتقطعها، لأننا أولى بكل قرش عشان العربية وعشان بيتنا اللي بيستنزف. ولو مش عاجبك الحل التاني… يبقا نرجع للحل الأول والفيديو ينزل على جروب العيلة على الواتساب، والكل يتفرج على الست البركة!

أحمد حس بسكاكين بتقطع في كرامته ورجولته. مكنش قدامه أي مفر. مراته معاها الدليل القاطع، وهو بنفسه اتعصب عليها وظلمها وشتم أهاليتها بالباطل الصبح. طأطأ راسه وقال بصوت واطي:

— حاضر يا آية… اللي أنتِ عايزاه هيكون. المفتاح هيتأخد منها النهاردة، ومصروفها هيتقطع، وزياراتها مش هتحصل إلا في وجودنا. بس ارجوشي، امسحي الفيديو ده من على موبايلك، عشان خاطري أنا، بلاش أموت بالكسرة دي كل ما أشوفه.

آية لفت وشها ورايحة ناحية المطبخ:

— الفيديو مش هيتمسح يا أحمد. الفيديو ده الضمان بتاعي عشان لو في يوم من الأيام حنيت، أو أخت من إخواتك لوت بوزها وقالت إن آية مابتودش حماتها ومنعاها من البيت. الفيديو ده هيفضل معايا حماية لنفسي. ودلوقتي، ادخل غير هدومك عشان تنزل تجيب المفتاح بالذوق، واللحمة المفرومة اللي أمك خدتها، انزل هات بدالها كيلو من الجزار عشان أعمل العشا، لأن مفيش في التلاجة غير نص لمونة وبرطمان صلصة دبلان!

بعد العشا، كان الجو في الشقة تقيل وخانق. أحمد كان قاعد زي التلميذ المذنب، نزل جاب اللحمة ورجع، ومفتحش بقه بنص كلمة. وآية كانت بتتحرك في البيت بمنتهى الهدوء والراحة، لأول مرة من شهرين تحس إن الشك اللي كان بياكل في عقلها اأختفى، وإنها طلعت صح ومبتخرفش.

الساعة جت تسعة بالليل. أحمد لبس عبايته وقال لآية بنبرة مطفية:

— أنا نازل لعمارة أمي.. هجيب المفتاح وأطلع.

آية بصت له بطرف عينها:

— هتقولها إيه عشان تاخده من غير شوشرة؟

أحمد اأتنهد:

— هقولها إن الكالون تقيل والباب بيعلق، وعايز أغير الكالون باللي فيه، وهاخد المفتاح منها عشان أعمل عليه نسخة جديدة، ولما أغيره هبقى أنسى أديها المفتاح الجديد، وهي مع الوقت هتفهم إن الزيارات اأتقطعت.

آية هزت راسها برضا:

— تمام، روح ومتتأخرش.

نزل أحمد السلم ورجليه تقيلة كأنه رايح للمشنقة. دخل عمارة أمه اللي في الشارع اللي وراهم علطول، وطلع الدور التاني. خبط على الباب، وفتحت له أمه، الست ميرفت، وهي لابسة عبايتها البيتوتية الواسعة، وبوشها البشوش الغلبان اللي دايماً بيمثل التعب:

— أهلاً يا أحمد يا بني، خطوة عزيزة! يدوب لسه مخلصة صلاة العشا وكنت بدعيلك أنت ومراتك ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة ويهدي سركم.

أحمد حس بوشه بيولع نار لما سمع كلمة “بدعيلك”. دخل الصالة وقعد على الكنبة، وعينه جت بالصدفة على المطبخ بتاع أمه المفتوح. لقى على الرخامة زجاجة زيت الذرة بتاعته، وجنبها كيس اللحمة المفرومة محطوط في طبق عشان يفك! الدم غلى في عروقه، بس كتم الصدمة جواه وبص لأمه وقال:

— طنط… قصدي يا أمي، كنت عايز منك نسخة المفتاح بتاعت شقتنا. الباب بدأ يعلق والكالون بيخون، وقولت آخده أغير القلب بتاعه بالمرة وأعمل حساب الطوارئ.

الست ميرفت عيونها زاغت لثواني، وحطت إيدها على صدرها:

— المفتاح يا بني؟ اه.. اه طبعاً خدوه. بس هو بيعلق من إيه؟ ده أنا لسه كنت عندكم الظهر بسقي الزرع وبأكل تيمو وكان زي الفل وبيلف معايا حلاوة!

أحمد ضغط على سنانه عشان ميتكلمش ويطلع عن شعوره:

— معلش يا أمي، آية وهي بتفتح العصر الكالون علق معاها وجارتنا مروة ساعدتها، فخايف يتقطم جوه ونحتاس. هاتي المفتاح بس ومتقلقيش.

قامت الست ميرفت ودخلت الأوضة جوه، وغابت حبة حلوين، كأنها كانت بتفكر في حجج. بس في الآخر طلعت وبإيدها المفتاح، حطته في إيد أحمد وقالت بدلع أمهات:

— اتفضل يا حبيبي. بس بقولك إيه يا أحمد… أخوك حسين كان لسه عندي، وبيقول إن حاله واقف في الشغل الشهر ده، ومصاريف المدارس والدروس بتاعت العيال قاصفة ضهره. وأنا يا حبة عيني معاشي يدوب بيكفي دوا الضغط والسكر ومصاريف البيت. مفيش في إيدك قرشين زيادة من المرتب تدهوملي أديهم لأخوك يفك زنقته؟ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا بني، أنت دايماً البار بينا واليد الشغالة.

أحمد بص للمفتاح اللي في إيده، وبص لأمه اللي واقفة تطلب فلوس عشان تديها لأخوه العاطل اللي مقضيها قعاد على القهوة، واأفتكر كلام آية “دي بتسرقنا تلات مرات”. حس بقهر ورغبة في العياط. وقف وظبط عبايته وقال بجفاء ومشاعر ميتة:

— لاء يا أمي، مفيش. والشهر الجاي برضه مش هقدر أطلعلك الجزء المعتاد من المرتب، لأن مصاريفنا زادت، وآية بتلم إيدها عشان قسط العربية الجديد، والأسعار بقت نار بره وأنتِ عارفة. يادوب المرتب بيكفينا لآخر الشهر بالعافية ونمشي أمورنا.

الست ميرفت تنحت، ووشها البشوش اأتقلب في ثانية لوش خشب وجاف:

— إيه؟ مش هتديني المصروف يا أحمد؟ ومن أول الشهر كمان؟ جرى إيه يا بني، هي الست آية لوت دراعك ولا مشياك على عجين مبلبط؟ دي أمك يا أحمد! لحمي ودمي اللي كبرتك! بقا تمنع عني اللقمة والقرشين عشان خاطر قسط عربية وست؟

أحمد مكنش قادر يستحمل أكتر من كده. كان خايف يطلع الموبايل ويفرجهالها ويهد كل حاجة، فقال بسرعة وهو رايح ناحية الباب:

— مفيش ميزانية يا أمي وخلاص، الكلام انتهى. يلا تصبحي على خير.

خرج أحمد وقفل الباب وراه، وساب أمه واقفة في الصالة تبرطم وتدعي وتتحسبن وهي مش فاهمة إيه الانقلاب المفاجئ ده اللي حصل لابنها الطوع الهادي.

لما رجع أحمد الشقة، حدف المفتاح لآية على الترابيزة وقال بتعب:

— أهو المفتاح يا ستي، والمصروف اأتقطع من الشهر الجاي والزيارات اأتنست. ارتحتي كده؟

آية مسكت المفتاح بحسم وحطته في شنطتها:

— اه ارتحت يا أحمد. والراحة دي ليك أنت قبل ما تكون ليا، بكره لما تلاقي فلوسك بدأت تظهر وتعمل حاجة، وتلاقي تلاغتك عمرانة ومفيش نكد ولا شك، هتعرف إن مراتها حمت بيتك من الخراب.

مرت الأيام، وجه شهر جديد. وبدأت الميزانية تظبط فعلاً مع آية وأحمد. الفلوس بقت تقعد لآخر الشهر، والتلاجة بقت تفضل مليانة وخيرها فيها. أحمد كان لسه جواه حتة زعل وكسرة من ناحية أمه، بس كان شايف بعينه إن بيته بقى أهدى، ومبقاش فيه خناق الصبح على قالب الجبن ولا علبة اللانشون.

الست ميرفت مكنتش من النوع اللي يسكت بسهولة. لما لقت المفتاح اتسحب والمصروف اأتقطع، ولقت إن آية ومروة جارتها دايماً واقفين في البلكونة وبيراقبوا الشارع، عرفت إن اللعبة مبقتش سهلة. فقررت تغير الخطة وتلعب على الحبل التاني؛ حبل “المسكنة والظلم” قدام العيلة كلها.

في يوم الجمعة اللي بعده، آية وأحمد كانوا قاعدين بيفطروا في هدوء، فجأة موبايل أحمد رن. كان أخوه الكبير حسن. أحمد فتح الخط:

— أيوة يا حسن، صباح الخير.

جاله صوت حسن عالي وزاعق ومليان غضب ومقاطعة:

— صباح الزفت يا أحمد! أنت فين؟ بقا أنت يا راجل يا محترم، تمنع المصروف عن أمك الغلبانة العيانة؟ وتطردها من شقتك وتسحب منها المفتاح كأنها غريبة؟ وتخلي مراتك المحاسبة تملي دماغك عليها وتتحكم فيك؟ أمك قاعدة بتبكي بدموع عينيها وبتقول إنك رميتها ومبقتش عايز تشوف وشها! انزلنا حالا عند أمك في البيت، أنا وحسين مستنيينك هنا، وعايزين نشوف أخرة القسوة والافترا دي إيه مع الست اللي ربتك!

أحمد وشه جاب ألوان، وبص لآية بخوف وارتباك واللقمة وقفت في زوره. حسن قفل السكة بعنف من غير ما يديله فرصة يشرح.

آية سمعت كل الكلام لأن صوت حسن كان طالع من السماعة العالية. مسحت إيدها في الفوطة بمنتهى البرود، وقامت وقفت وقالت وعينها بتلمع بتحدي:

— اأجهز يا أحمد والبس أحسن هدوم عندك.. النهاردة الجمعه، واللمة هتبقى حلوة أوي في بيت حماتي.

أحمد بلع ريقه وقال بخوف:

— آية.. أنتِ هتعملي إيه؟ بلاش فضايح أرجوكي!

آية ابتسمت وثبتت الطرحة على راسها قدام المراية:

— مفيش فضايح يا أحمد، احنا رايحين نرد كرامتنا بالدليل والبرهان. والست اللي اأتبلت عليا وقالت إني منعتها وطردتها، لازم العيلة كلها تعرف هي اأ تمنعت ليه وبأمارة إيه! شيل الموبايل بتاعك في جيبك، وخلي شحن موبايلي مية في المية… الحفلة هتبدأ حالا!

تفتكروا آية هتعمل إيه في بيت حماتها قدام حسن وحسين؟ وهل الست ميرفت هتقدر تلف وتدور وتطلع نفسها بريئة، ولا الفيديو هيقضي على كل الحجج ويهد العيلة؟



نزلو السلم هما الاتنين، أحمد خطوته كانت تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه، وعينه في الأرض من الكسوف والخوف من المواجهة اللي جاية. أما آية، فكانت ماشية بخطوات ثابتة، وراسها مرفوعة، وفي عينيها نظرة حد عازم على النصر ومبقاش عنده حاجة يخسرها. شنطتها الكروس كانت شايلاها على جنبها، والموبايل جواها مشحون وجاهز؛ الس*لاح الفتاك اللي هيرد لها اعتبارها قدام الكل.

وصلوا مدخل عمارة الست ميرفت، وطلعوا الدور التاني. قبل ما أحمد يمد إيده يخبط، آية حطت إيدها على كتفه وقالت له بصوت واطي ومسموع:

— أحمد، افتكر كويس مين اللي اتظلم هنا، ومين اللي اتقال عليها مجنونة وناقصة عقل ومفترية. لو حاولت تداري على أمك أو تيجي عليا قدام إخواتك، أنا مش هسكت، وهطلع الفيديو وأفرجه للشارع كله مش العيلة بس. املك نفسك وخليك راجل.

أحمد بلع ريقه وهز راسه من غير ما ينطق. خبط على الباب، وثواني وفتح لهم حسين، الأخ الصغير، وكان واقفلهم وبوزه شبرين، وعينه مليانة تريقة وغضب:

— أهلاً يا سيدي أحمد.. أهلاً يا باشمهندس. خطوة عزيزة، اتفضلوا، الست الوالدة جوه بتموت من القهر بسببكم!

دخلوا الصالة الكبيرة، ولقوا حسن، الأخ الكبير، قاعد على الكرسي المذهب وحاطط رجل على رجل، وملامحه كلها هيبة مزيفة وعصبية. وفي النص، على الكنبة الكبيرة، كانت قاعدة الست ميرفت، لافة إيشارب أسود حوالين راسها، وماسكة سبحة في إيدها، وبتئن وتتمسكن بصوت واطي كأنها في أنفاسها الأخيرة، وجنبها علبة المناديل والضغط.

أول ما شافوا أحمد وآية دخلوا، حسن وقف وزعق بصوت جهوري هز الحيطة:

— اقعد يا أحمد! اقعدي يا ست آية يا محترمة يا محاسبة يا بنت الأصول! بقا هي دي الأمانة؟ هي دي الست البركة اللي شيلتونا ذنبها؟ أمك يا أحمد، الست اللي صانتك وكبرتك لحد ما بقيت طول الباب، تيجي النهاردة تطردها من بيتك وتسحب منها المفتاح وتمنع عنها لقمة العيش والقرشين اللي بيفكو زنقتها؟ ليه؟ عملتلكوا إيه الست الغلبانة دي؟

الست ميرفت بدأت تعيط بنشيج وتقول من ورا المناديل بصوت مبحوح ومصطنع:

— سيبهم يا حسن يا بني.. سيبهم، ربنا يسامحهم. أنا مكنتش بروح عندهم إلا عشان أخدمهم، أسقي الزرع اللي بيموت وأأكل القطة اللي جعانة في غيابهم. كنت بدخل أدعلهم في كل ركن في الشقة. وفي الآخر… الست آية تقلب ابني عليا وتخليه يشك فيا ويقولي مفيش فلوس ويسحب المفتاح كأني حرامية وغريبة! أنا يا أحمد؟ أنا يتعمل فيا كده في كبري؟

حسين اتدخل وزعق هو كمان وهو باصص لأحمد بتحدي:

— وأنت واقف زي اللوح كده ليه يا أحمد؟ متمطق! جرى إيه للرجولة؟ بقيت تمشي ورا كلام مراتك اللي شيفانا كلنا طمعانين فيكم؟ عشان حتة عربية جديدة تقاطع أمك وتكسر بخاطرها؟

أحمد كان واقف وشه أحمر زي الدم، وعينه بتروح وتيجي بين إخواته وبين أمه، وكان هينطق ويقول “حقكم عليا وأنا أسف”، بس لقط نظرة آية. آية كانت قاعدة على الكرسي الخشبي ومنتهى البرود مرسوم على وشها، وحاطة إيدها على الشنطة كأنها بتهدده.

آية قطعت الصمت وقالت بصوت هادي، رايق، وبيرن في الصالة زي الجرس:

— خلصتوا كلامكم يا جماعة؟ ولا لسه في اتهامات تانية عايزين ترموها عليا؟

حسن بص لها بغل وزعق:

— وأنتِ ليكي عين تتكلمي يا آية؟ أنتِ أساس النكد والخراب في البيت ده! أمنا خط أحمر، والقرشين والمفتاح هيرجعوا فوراً ورجلك فوق رقبتك، وإلا مفيش قعاد ليكي في العيلة دي!

آية ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة ثقة خلت حسن وحسين يتنحوا، والست ميرفت عياطها يقف فجأة وعينها تزوغ ورا المنديل. قامت آية وقفت، وفتحت سوستة الشنطة الكروس، وطلعت الموبايل بتاعها وبصت للست ميرفت وقالت:

— طنط ميرفت… أنتِ قلتي لحسن وحسين إنك كنتِ بتدخلي الشقة تدعي لنا وتسقي الزرع وتأكلي القطة وبس، صح؟ وإن أنا اتبليت عليكي وخليت أحمد يسحب المفتاح ويقطع المصروف افترا مني؟

الست ميرفت ردت بسرعة بنبرة مسكنة:

— أيوة يا بنتي، وهو أنا كان ورايا إيه غير خدمتكم؟ عمري ممديت إيدي على حاجة مش بتاعتي، ده أنا أدخل بعبايتي وأخرج بعبايتي!

آية هزت راسها وقالت:

— تمام أوي… وبما إن واحد زائد واحد بيساوي اتنين، وبما إن شغلانتي في الحسابات معوداني على الدقة ومبصدقش غير الورق والمستندات… فإنا معايا النهاردة المستند القاطع اللي هيقفل السيرة دي خالص.

حسن زعق:

— مستند إيه وزفت إيه! أنتِ هتتظاهري علينا؟

آية فتحت الموبايل، وجابت الفيديو، وعملت أعلى درجة صوت في الجهاز، وقربت من حسن وحسين وحطت الشاشة قدام عيونهم علطول وقالت:

— اتفضل يا أستاذ حسن… اتفرج يا كابتن حسين. اتفرجوا على الست الوالدة البركة الطاهرة الساجدة وهي بتخدمنا في غيابنا الظهرية!

في الأول، حسن وحسين اأتمنعوا يبصوا، بس الفضول والصوت العالي بتاع الفيديو أجبرهم. الشاشة كانت جايبة مطبخ آية بمنتهى الوضوح والجودة العالية. وظهرت الست ميرفت وهي بتفتح الباب بالنسخة اللي معاها، وتدخل تلف حولين نفسها بخفة ونشاط غريب مبيظهرش في صالة بيتها!

حسن عينه اتسعت وصوته اأكتم. وحسين فتح بقه وشه اأتقلب.

الفيديو كان شغال: الست ميرفت بتفتح التلاجة، وتطلع علبة الجبنة الكيري وتحطها في الشنطة الكحلي. وبعدين تاخد كيس اللحمة المفرومة وتكشفه وتأخده هو كمان. وتفتح ضلفة الخزين وتطلع زجاجة الزيت وكيسين المكرونة، وقالب الزبدة النيوزيلاندي الغالي وهي بتقطعه وتحطه في جيب عبايتها بحذر وبتبص وراها بخبث!

الصالة اأتحولت لثلاجة! مفيش صوت غير صوت الفيديو وصوت السوستة بتاعت الشنطة الكحلي وهي بتقفل في الموبايل.

الست ميرفت لما لقطت تفاصيل الفيديو من بعيد، وسمعت صوت حركتها في الموبايل، المنديل وقع من إيدها، ووشها بقى أبيض زي القماشة، والسبحة اتدلدلت من صوابعها وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الحيلة اأتكشفت، والتمثيلية اأتهدت فوق راسها بـ “فيديو” تمنه دقائق معدودة.

آية سحبت الموبايل وقفلته وحطته في شنطتها تاني، وربعت إيدها وبصت لحسن وحسين اللي كانوا قاعدين زي التماثيل ومش قارين يرفعوا عينهم في عين أحمد أو في عين آية. الكسوف والخزي كان مالي المكان.

قالت آية بنبرة حادة وقوية:

— ها يا أستاذ حسن؟ يا ترى اللحمة المفرومة والزيت والمكرونة والزبدة دول كانوا من ضمن الدعوات والبركة اللي طنط بتسيبهم في الشقة؟ يا ترى قالب الجبن التقيل ولانشون الفراخ وبرطمان النسكافيه الغالي اللي كانوا بيتبخروا بقالهم شهرين، دول القطة تيمو هي اللي كانت بتفتح التلاجة وتشيلهم في الشنطة الكحلي؟ طنط ميرفت كانت بتدخل شقتي تسرق شقايا وتعب جوزها وتفضي تلاجتنا اللي بنحرم نفسنا عشان نملاها، وتروح تعمر بيوتكم أنتوا الاتنين بالأكل المستورد والغالي اللي إحنا مش قادرين ناكله!

حسين بلع ريقه وبص لأمه بصة عتاب وكسوف، وحط راسه في الأرض. وحسن، اللي كان من شوية بيزعق ويطربق البيت، صوته حشرج وقعد على الكرسي وهو مش عارف يودي وشه فين من أخوه الصغير أحمد اللي ظلموه.

أحمد أخد خطوة لقدام، ولأول مرة صوته يطلع بقوة وعينيه تدمع من القهر:

— بقا دي أمي؟ دي أمي اللي كنت بخانق مراتي عشانها وبقول عليها ست بركة؟ بتسرقيني يا أمي؟ بتسرقي بيتي وتفضّي تلاجتي وتطلّعيني عيل وناقص قدام مراتي؟ وكمان فوق كل ده، باخد من بقنا وبديكي مصروف كل أول شهر من ورا آية عشان تديه لحسين وحسن اللي قاعدين مأنتخين ومبيشتغلوش؟ أنا قصرت معاكي في إيه عشان تعملي فيا كده وتهدي بيتي وتعيشيني في نكد وشك؟

الست ميرفت بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف وخزي وفضيحة، وقالت بصوت متقطع:

— يا بني… يا أحمد وحياة غلاوتك… أنا… أنا كنت باخد الحاجة عشان أخواتك مزنوقين… وقولت أنت حالك ميسور وربنا كرمك…

آية قاطعتها بمنتهى القسوة:

— حاله ميسور؟ إحنا بنحوش القرش على القرش وبنجيب أكلنا بالورقة والقلم عشان نشتري عربية نمشي بيها أمورنا! إحنا بنموت في الغلا ده عشان نأمن بكرة، وتيجي أنتِ تاخدي خزين الأسبوع بحجه إن إخواته مزنوقين؟ هما مزنوقين ينزلوا يشتغلوا ويطفحوا الدم زي أحمد وزيي، مش يعيشوا على قفانا وسرقة تلاجتنا!

حسن وقف وهو باصص للأرض، وقال بصوت واطي ومكسور:

— خلاص يا آية… خلاص يا أحمد. الموضوع انتهى، وحقكم علينا. إحنا مكنّا بجد نعرف إن الحاجة دي بتيجي بالطريقة دي، أمي كانت بتقول لنا إنها شارياها من معاشها أو إن أحمد هو اللي جايبها لها زيادة. إحنا أسفين يا أحمد، واقفل على الموضوع ده وبلاش فضايح بره العيلة.

آية بصت لحسن وقالت له:

— الموضوع يقفل بشرطي يا حسن، وإلا والنعمة الشريفة، الفيديو ده هيكون على جروب العمارة وجروب العيلة وجروبات الفيس بوك كلها تفرج مصر كلها على الست الحاجة!

حسين رفع راسه مخضوض:

— شروط إيه تاني يا آية؟ ما خلاص الست اتفضحت والقرشين اأقطعوا والمفتاح اتأخد!

آية فتحت نوتة صغيرة من شنطتها وقالت:

— الشروط كالتالي: بالورقة والقلم، كل كيلو لحمة، وكل قالب جبن، وكل زجاجة زيت وسجق ولانشون ونسكافيه اأتاخدوا من بيتي على مدار الشهرين اللي فاتوا، تمنهم محسوب هنا بالظبط بأسعار السوبر ماركت بتاعة النهاردة؛ الإجمالي تمنية آلاف جنيه مصري! المبلغ ده، حسن وحسين هيدفعوه بالنص حالا، أو بكرة الصبح كحد أقصى، لأن الأكل ده دخل بطونكم وبطون عيالكم. وتاني شرط… طنط ميرفت متدخلش شقتي تاني أبداً، ولا في وجودي ولا في غيابي، والود اللي بيني وبينها انقطع تماماً لحد ما أموت. وأحمد لو عايز يود أمه، ينزل يودها في بيتها هنا، ومن غير ولا مليم زيادة من ورايا!

حسن بص لأخوه حسين، وبصوا لأمهم اللي قاعدة تعيط ومنكسرة، ومكنش قدامهم أي حل غير الموافقة. حسن طلع محفظته وطلع منها أربعة آلاف جنيه وحطهم على التربيزة وقال بقلة حيلة:

— دول نصي يا أحمد… وحسين هيجيبلك نصيبه بكرة الصبح في الشغل. والشرط التاني مقبول، ومحدش هيعتب بيتك تاني.

آية مدت إيدها، ولمت الفلوس ببرود وثقة، وحطتها في شنطتها. بصت لأحمد وقالت له:

— يلا يا أحمد، فطارنا برد في الشقة، وإحنا ورانا مشاوير النهاردة.

خرجت آية وأحمد من الشقة، وقفلوا الباب وراهم، وسابوا صالة الست ميرفت مولعة نار؛ خناق وزعيق بين حسن وحسين وأمهم اللي فضحتهم وخلت راسهم في الأرض قدام أخوهم الصغير ومراته المحاسبة.

لما طلعوا الشارع، أحمد كان ماشي ساكت، بس حاسس إن في حمل انزاح من على قلبه، وإنه نجى من فخ كبير كان ممكن يهد حياته. بص لآية، اللي كانت ماشية جنبه ومبتسمة ابتسامة نصر رايقة، وقال بنبرة مليانة ندم وامتنان:

— آية… أنا أسف للمرة المليون. أنتِ بجد طلعتي بـ مية راجل، وحميتي بيتنا وفلوسنا. أنا من النهاردة مش هخبي عليكي الهوا، وكل مليم هيدخل ويخرج هيبقى تحت إيدك وبالورقة والقلم.

آية مسكت إيده وحضنتها بحب وقالت:

— إحنا شركاء يا أحمد، والبيت اللي ملوش باب، الكل بيطمع فيه ويستبيحه. إحنا قفلنا الباب بالضبة والمفتاح، وبكرة بتاعنا وهيبقى أحسن بكتير.

مرت الأيام، وجه شهرين تانين. الشقة بقت هادية، الميزانية بقت مرتاحة جداً والفلوس بدأت تفيض لدرجة إنهم حجزوا العربية الجديدة خلاص واستلامها بعد أسبوع. أحمد قطع المصروف والزيارات تماماً، وبقى ينزل لأمه مرة كل أسبوع ساعة واحدة يطمن عليها ويرجع، والست بقت تقعد معاه وهي حاطة راسها في الأرض ومن غير ما تطلب مليم أو تفتح بؤها بكلمة.

وفي يوم السبت، وآية قاعدة في المطبخ بتعمل قهوة الصبح ومبسوطة بالهدوء، لقت موبايل أحمد رن برقم غريب. أحمد فتح الخط وسكت شوية، وفجأة وشه اأتقلب ولقينا الموبايل وقع من إيده على الأرض وهو بيصرخ:

— يا نهار أسود!!! طنط ميرفت؟؟؟ أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟!

آية جريت عليه وال رعبة مالية قلبها:

— في إيه يا أحمد؟ طنط ميرفت مالها؟ حصل إيه؟!

أحمد بص لها وعيونه طالعة لبرة من الصدمة والرعب، وقال بصوت بيترعش تماماً:

— آية… أمي… أمي اتقبض عليها في السوبر ماركت الكبيـر اللي في أول الشارع… ممسوكة متلبسة وهي بتسرق!!!

يا ترى الست ميرفت عملت إيه في السوبر ماركت؟ وهل السرقة دي كانت فعلاً هواية ومرض عندها ولا في سر تاني خالص العيلة كلها متعر فوش؟ وأحمد وآية هيتصرفوا إزاي في المصيبة الجديدة دي؟


وقعت الكلمة على ودان آية زي رقعة الرعد. صرخة أحمد وصوته اللي كان بيترعش خلّوا برطمان القهوة يفلت من إيدها ويقع على الرخامة، ويتدلق البن في كل مكان. بصت لجوزها اللي كان واقف مسمر في مكانه، وشه اتقلب أبيض زي الحيطة، وعينيه بتلف في الصالة كأنه مش مستوعب الكلام اللي سمعه من الشاشة.

— اتقبض عليها؟ اتقبض عليها بتسرق في السوبر ماركت الكبير؟! — قالتها آية بصوت واطي ومخضوض، وهي بتقرب من أحمد اللي كان بيحاول يلم موبايله من على الأرض وإيديه بتترعش بطريقة غريبة.

أحمد بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مخنوق ومبحوح:

— أيوة يا آية… المدير بتاع الأمن هناك كلمني من موبايلها. بيقولي الست الوالدة ممسوكة في الماركت اللي في أول الشارع الرئيسي، ومعاها حاجات في الشنطة الكحلي مش دافعة تمنها، والناس هناك لَمّوا عليها أمن الفرع وعايزين يطلبوا لها النجدة ويعملوا محضر سرقة علني! أنا لازم أنزل حالا يا آية… دي فضيحة! فضيحة بجلاجل وسط المنطقة والناس كلها عارفانا!

آية، برغم الصدمة، عقلها المحاسب المرتب مأقفلش. اأتنفسّت بسرعة وظبطت وقفتها وقالت بحسم:

— استنى يا أحمد، أنا نازلة معاك. مش هسيبك تروح هناك لوحدك وتتصرف بعضبية وتضيع حقنا أو تلبسنا مصيبة. البس قميصك بسرعة ويلا بينا.

نزلو الشارع والخطاوي كانت بتسبق الأرض. الشارع كان زحمة وهوا الصبح بيخبط في وشوشهم، بس أحمد مكنش حاسس بأي حاجة حواليه. كان ماشي وعرقان، ودماغه بتودي وتجيب. أمه؟ الست الحاجة ميرفت اللي لسه مصلية وفضحاهم من أسبوعين عشان الأكل، تروح تسرق من محل غريب؟ وليه؟ وهي معاها الفلوس ومعاشها بيكفيها، وحسن وحسين لسه دافعين تمانية آلاف جنيه يعني بيتها عمران خير!

وصلوا السوبر ماركت الكبير؛ فرع ضخم مكون من دورين وعليه حركة ورجل كتير. دخلوا من الباب الزجاج، وأحمد سأل الكاشير اللي على الباب بنبرة مهزوزة ومكسوفة:

— لو سمحت… فين مكتب مدير الأمن هنا؟

الكاشير بص له بنظرة فيها شفقة وفهم علطول:

— اطلع الدور التاني يا فندم، أول ممر على اليمين ورا قسم الأجهزة الكهربائية.

طلعوا السلم الكهربائي وآية كانت ماسكة إيد أحمد بتشد من أزره، مش حبّاً في حماتها، بس حماية لاسم جوزها وكرامته اللي هي من كرامتها. وصلوا المكتب، وخبط أحمد ودخل.

المكتب كان تكييفه ساقع أوي، وفي النص كان فيه مكتب خشب كبير قاعد وراه راجل تلاتيني ببدلة كحلي ووشه جاد جداً، وجنبه اتنين من أفراد الأمن بالزي الرسمي. وفي الركن، على كرسي جلد مقطوع، كانت قاعدة الست ميرفت!

منظرها كان يقطع القلب ويقهر في نفس الوقت. كانت لامة نفسها، وإيشاربها مبهدل ومطوح على كتافها، وعينيها حمرا وورامة من العياط الخوف. وعلى مكتب المدير، كانت محطوطة الشنطة الكحلي القماش إياها… ومفتوحة برُخص! ومطلعين منها: علبتين كريم بشرة غاليين أوي مستوردين، تلات برطمانات زبدة فول سوداني، وعلبة شيكولاتة بندق كبيرة، وقالب جبنة شيدر أحمر مستورد!

أحمد أول ما شاف المنظر، قدم رجل وأخر رجل، وحس إن ركبه مش شايلاه. قرب من المكتب وقال بصوت واطي ومكسور:

— السلام عليكم… أنا أحمد، اللي حضرتك كلمتني من شوية.

مدير الأمن رفع عينه وبص لأحمد وآية، وهز راسه بأسف:

— أهلاً يا باشمهندس أحمد. اتفضل استريح. أنا أسف إني كلمتك في موقف زي ده، بس إحنا لقينا رقمك متسجل تحت اسم “ابني أحمد البار” على تليفون الست الوالدة، وقولت أجيبك الأول قبل ما نطلب شرطة النجدة ونعمل إجراءات رسمية تضر بالست في السن ده.

أحمد بص لأمه اللي أول ما شافت ابنها، خبت وشها في كم عبايتها وبدأت تصوت وتعيط بصوت واطي:

— سامحني يا أحمد يا بني… وحياة غلاوتك غصب عني… الشوشرة لمت عليا الناس!

أحمد لف لمدير الأمن وقال والدموع في عينيه:

— حصل إيه بالظبط يا فندم؟ وتمن الحاجات دي كام؟ أنا مستعد أدفع تمنها وتمن تمنها، بس بلاش بوليس وبلاش فضايح!

مدير الأمن سحب تقرير صغير من قدامه وقال بجدية:

— الحكاية يا باشمهندس إن الست الوالدة مكنتش دي أول مرة تدخل الفرع هنا. الكاميرات في غرفة المراقبة مرقباها بقالها تلات أسابيع. كل يوم سبت بتدخل، تشتري كيس ملح أو زجاجة مية صغيرة وتدفع تمنهم عند الكاشير عادي أوي. بس ركن المراقبة لقط إنها بتدخل الممرات الجانبية اللي مفيهاش رجل كتير، وبتفتح الشنطة الكحلي دي وتعبّي فيها حاجات غالية وحجمها صغير ومبتعديش بيها على الكاشير. النهاردة، موظف المراقبة تتبعها خطوة بخطوة، وأول ما عدت خط الكاشيرات ومن غير ما تدفع، أفراد الأمن استوقفوها وطلبوا يفتشوا الشنطة. وطبعاً لقوا الحاجات دي، والإجمالي بتاع النهاردة بس داخل في ألفين ونص جنيه! ده غير المرات اللي فاتت اللي متسجلة عندنا في الفيديوهات ومحسوبة.

أحمد حط إيده على وشه ومش قادر يتكلم. آية هنا اتدخلت، وبصت لمدير الأمن ونطقت بنبرتها المحاسبية الهادية اللي فيها ذكاء:

— يا فندم، إحنا مقدرين جداً أمانتكم وشغلكم، وإحنا ناس محترمين وبنتق الله. الست كبيرة في السن، وزي ما حضرتك شايف، يمكن يكون عندها تعب نفساني أو حاجة بتخليها تعمل كده من غير وعي، لأن حالتها المادية ميسورة جداً ومش ناقصها حاجة في بيتها. إحنا مستعدين ندفع غرامة تمن الحاجات كلها بتاعة النهاردة والمرات اللي فاتت اللي متسجلة في الكاميرات، ونتعهد لك بكتابة إقرار إن الست مش هتعتب السوبر ماركت ده تاني أبداً وطول حياتها. بس بلاش محضر وبلاش فضيحة وقسم شرطة، عشان خاطر ابنها المهندس ومستقبله وشغلنا.

مدير الأمن بص لآية بتقدير، وحس إن كلامها عاقل وموزون. بص لأحمد وقال:

— عشان خاطر كلام المدام، وعشان شكلكم ناس ولاد ناس وأنا مش غاوي خراب بيوت وفضايح لست في عمر والدتي… أنا هقبل التصالح الودي. الحاجات دي تمنها بالمرات اللي فاتت المحسوبة حوالي سبعة آلاف جنيه. هتدفعوهم في الخزنة كتعويض، وتكتبوا تعهد بعدم دخول الست الفرع تاني، وتاخدوها وتمشوا في هدوء من الباب الخلفي.

أحمد فتح محفظته بسرعة، بس لقى الفلوس اللي معاه متكملش تلاتة آلاف جنيه. بص لآية بعينين مكسورة وتايهة. آية من غير ما تتكلم، فتحت شنطتها الكروس، وطلعت رزمة الفلوس اللي كانت لسه واخداها من حسن وحسين الأسبوع اللي فات تمن الأكل المسروق! عدت أربعة آلاف جنيه كملت بيهم على فلوس أحمد، وحطتهم على المكتب:

— اتفضل يا فندم، الفلوس اهي كاملة وشاملة.

بعد نص ساعة، كانت الإجراءات خلصت. خرجوا من الباب الخلفي للسوبر ماركت؛ باب البضائع والمخازن عشان ميروحوش من قدام الكاشيرات والناس تتفرج عليهم.

الست ميرفت كانت ماشية بتجر رجليها، ووشها في الأرض، والكسرة والذل باينين عليها بجد المرة دي. مكنش وش المسكنة بتاع زمان، كان وش حرامي اتكشف قدام الغريب والقريب واتسحب منه البرستيج الكداب.

أحمد وقف في ممر جانبي فاضي، ولف لأمه وبص لها بعيون ناشفة ومفيهاش أي ذرة عطف:

— ليه يا أمي؟ ليه؟ بتسرقي بيتي وبسكت وبقول ماشي أمي وبتوفر لأخواتي… لكن توصلي تسرقي بره في المحلات الكبيرة وتفضحيني وتفضحي اسمي؟ أنتِ ناقصك إيه؟ المعاش ومعاكي، وفلوس حسن وحسين معاكي! بتعملي كده ليه؟ فهميني عشان هموت!

الست ميرفت قعدت على طوبة كبيرة في الممر، وبكت بحرقة وغطت وشها:

— غصب عني يا أحمد… غصب عني يا بني! الموضوع بقا زي المرض في دمي! أنا من ساعة ما أبوكم مات وحسيت بالوحدة، وبقيت أدخل المحلات ألاقى الحاجه غالية والناس بتشتري، بقيت أحس بمتعة وأنا باخد الحاجه من وراهم وبحطها في الشنطة وبخرج ومحدش حاسس بيا. بقيت أحس إني شاطرة وبوفر الفلوس عشان أشيلها للزمن ولأخواتك الغلابة. الموضوع بدأ بحتة جبنة صغيرة من الدكان اللي تحت… ولما لقيت محدش بيكشفني، الموضوع كبر في دماغي وبقيت أعمل كده دايماً. ياما دخلت بيوت جيراني وأصحابي وأخدت حاجات صغيرة وكنت بفرح أوي بالشنطة الكحلي وهي مليانة! سامحني يا بني… أنا مريضة… مريضة والله والشهوة دي غلبتني!

آية وقفت وبصت لها بذهول مقترن بشفقة خفيفة. المرض النفسي ده اسمه “كلبتومانيا” أو هوس السرقة، بس الست ميرفت خلطت المرض النفسي بالطمع وحب التوفير على حساب بيوت الناس وشقاهم.

آية بصت لأحمد وقالت له بصوت حاسم:

— أحمد… الكلام واللوم هنا ملوش لازمة. مامتك محتاجة دكتور نفسي يتعالج معاه، ومحتاجة قبل الدكتور… حبس منزلي! الست ميرفت متخرجش من باب بيتها تاني لوحدها أبداً.

أحمد هز راسه بالموافقة وعينه مليانة قسوة:

— عندك حق يا آية.

بص لأمه وقال بنبرة مفيهاش تراجع:

— اسمعي يا أمي… ده أخر كلام عندي. المفتاح بتاع شقتي معايا، والمصروف مقطوع. ومن النهاردة، الشنطة الكحلي دي هتترمي في الزبالة قدام عيني حالا! وتاني حاجة… أنتِ مش هتخرجي من باب شقتك إلا ومعاكي حسن أو حسين، هما اللي يشتروا لك طلباتك ويدفعوا تمنها من معاشك. وأنا هكلم دكتور نفساني أصحابي معرفة، وهيجيلك البيت يعالجك من القرف والمرض ده من غير ما حد من الجيران يحس. ولو عرفت إنك عتبتي الشارع لوحدك أو دخلتي دكان، أنا بنفسي هروح أبلغ حسن وحسين باللي حصل النهاردة وأسلمهم الفيديوهات، وأقاطعك ليوم الدين! يلا قومي معايا عشان أوصلك لبيتك، واليوم ده يتنسي من حياتنا خالص.

قامت الست ميرفت منكسرة، ومشت في وسطهم كأنها سجينة بتتسحب لزنزانتها. وصلوها لحد باب شقتها، وأحمد قفل الباب وراها بالمفتاح وسابهولها من جوه، ونزل وهو حاسس إن روحه اإتأثرت بس عقله رجعله.

لما رجعوا شقتهم في شبرا، قفلوا الباب. آية دخلت المطبخ، لمت البن المدلوق على الرخامة، وغسلت إيدها، وعملت اتنين فنجان قهوة بوش مظبوط زي ما أحمد بيحبهم.

خرجت الصالة، لقت أحمد قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه والسكوت مالي المكان. حطت الفناجين على التربيزة وقعدت جنبه، وحطت إيدها على كتفه:

— اشرب القهوة يا أحمد… عشان تفوق.

أحمد رفع راسه، وبص لآية بعيون كلها امتنان، ومد إيده مسك إيدها وباسها بحرارة:

— أنا مش عارف أشكرك إزاي يا آية. أنتِ النهاردة حمتيني من مصيبة، ودفعتي الفلوس اللي كانت معاكي من غير ما تفكري ثانية في حقك أو في المشاكل اللي كانت بينك وبين أمي. أنتِ بجد بنت أصول وزوجة صالحة، وأنا عمري ما هنسالك الموقف ده طول ما أنا عايش.

آية ابتسمت ابتسامة هادية وصافية، وقالت بذكاء وحكمة المرأة المصرية الأصيلة:

— يا أحمد يا حبيبي… إحنا قفلنا الصفحة دي خلاص. أمك مريضة ومحتاجة علاج، والحمد لله إن الموضوع وقف لحد كده واتسترنا قدام الغريب والبوليس. الفلوس تروح وتيجي، المهم إن بيتنا رجعت له حرمته وأمانه. تلاجتنا بقت عمرانة بخيرنا، ومفيش حد هيدخل ياخد لقمة عيالنا من وراك تاني. إحنا وفرنا وصنا شقانا، والحمد لله الغمة انزاحت عننا.

أحمد ابتسم لأول مرة من الصبح، وأخد نفس عميق وحس إن صدره انشرح:

— الحمد لله يا يويا… الحمد لله. بكرة الصبح إن شاء الله هننزل مع بعض نستلم العربية الجديدة اللي حجزناها، ونبدأ صفحة جديدة خالص في حياتنا، مفيهاش غير الصدق والورقة والقلم والوضوح.

آية هزت راسها وضحكت:

— بالظبط كده… واحد زائد واحد بيساوي اتنين، وال حسابات دايماً بتكسب في الآخر!

ومرت الأيام والشهور على آية وأحمد في سعادة وهدوء. الميزانية بقت مظبوطة على الشعرة، والعربية الجديدة بقت تحت البيت بتفسحهم وتسهل عليهم مشاوير الشغل في التجمع وشبرا. الست ميرفت بدأت رحلة العلاج النفسي مع الدكتور في بيتها، وتحت مراقبة شديدة من حسن وحسين اللي بقوا يتناوبوا على خدمتها وشراء طلباتها بخوف وحذر عشان الفضيحة متطلعش بره العيلة. والتلاجة في شقة آية فضلت دايماً مليانة، وقالب الجبن فضل في مكانه محفوظ ومتغلف، يشهد على إن الذكاء والوقفة الحاسمة هما اللي بيحموا البيوت من الخراب والنهب، وإن الصدق دايماً هو حبل النجاة لأي زوجين عايزين يبنوا حياتهم على أساس متين.

تمت الرواية بحمد الله 🤍🍒

أتمنى تكون القصة عجبتكم ونالت رضاكم وعشتوا مع تفاصيلها ومواقفها الواقعية!

متبخلوش بالدعم واللايك والكومنت الجميل عشان يوصلكم كل جديد وحصري من الحكايات والقصص المشوقة القادمة 🫵✨


تعليقات

التنقل السريع
    close