اهلي مسافرين كاملة
اهلي مسافرين كاملة
اهلى رايحين مصيف ماما وبابا واخويا ومراته وعياله
وانا وجوزى لا. كلمت ماما وقولتلها انا عامله حسابى هطلع معاكم علشان مخنوقه انا مليش حد غيركم تسبونى وتمشو
راحت قالتلى انتى عارفه مرات اخوكى مش عاوزاكى
علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا
البيت كان شغال خلاط من الحركة، شنط بتتجر على الأرض، وصوت أكياس البلاستيك بتاعة الهدوم الجديدة وهي بتتفرز. الكل كان بيجري حوالين نفسه، وأنا قاعدة في الشقة لوحدي، باصة للسقف، والخنقة واصلة لحد حلقي. جوزي مسافر بقاله شهور شغال برة، والبيت عليا ملوش حس ولا ونيس، والشيطان بدأ يوزّ في ودني: *“انتي غريبة وسط أهلك ولا إيه؟ هيمشوا ويصيّفوا ويسيبوكي تكلّمي نفسك في الحيطان؟”*.
قمت لابة العباية البيتي ونزلت جري على بيت عيلتي، تالت عمارة في الشارع. مفيش في دماغي غير فكرة واحدة: أروح معاهم وأهرب من الوحدة دي.
أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الفينو والجبنة الرومي مالية المكان، وأمي بتعمل ساندوتشات السفر. أبويا قاعد على الكنبة بيراجع رخص العربية، وأخويا «أحمد» واقف في الصالة شايل الشماعات وبيرص الحاجه.
دخلت وبصيتلهم، ودمعتي فرت من عيني من غير إرادة:
— “إيه يا جماعة؟ يعني خلاص.. ماشيين وسايبيني لوحدي؟”
أمي لفت ليا، وشها اتقلب ألوان، وقالت بنبرة عيانة:
— “يا بنتي ما احنا قايلين ليكِ من أسبوع.. هو احنا بنهرب؟ ما انتِ عارفة الميعاد.”
قربت منها، ومسكت إيدها المبلولة من غسيل الطماطم، وقلت بصوت مكسور:
— “يا ماما أنا مخنوقة.. طقيت من جدران الشقة وجوزي مسافر وماليش حد يونسني. أنا عامله حسابي هطلع معاكم علشان مخنوقه، لميت هدمتين في شنطة صغيرة ومش هاخد مكان.. أنا ماليش حد غيركم تسبوني وتمشوا؟ ده أنا بنتك البكرية!”
أحمد أخويا بص في الأرض، ومسح على وشه بضيق، وساب الصالة ودخل الأوضة يقفل الشنط. أبويا تنهد تنهيدة جابت الأرض، وقال:
— “يا صابرين يا بنتي، بلاش تفتحي السيرة دي تاني دلوقتي، المركب سايرة ومش عاوزين عكننة.”
في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة الجوانية اتفتح، وخرجت منه «شيماء» مرات أخويا. كانت لابسة عباية الاستقبال الجديدة، ولفت الطرحة ومبتسمة ابتسامة صفرا، أول ما شافتني الابتسامة اختفت، وبقت تبصلي من فوق لتحت عينها بتقول ميت كلمة.
قالت ببرود مستفز وهي بتعدل غوايشها:
— “أهلاً يا صابرين.. مش كنتِ تقولي إنك جاية؟ كنا عملنا حسابك في فنجان قهوة قبل ما ننزل؟”
أنا دمي فار، الحركة دي عارفاها كويس، حركات لوع الحريم. لفت لأمي وبقيت بكلم أمي وبتجاهلها تماماً:
— “شايفة يا ماما؟ أنا مستعدة أدفع نصيبي في الشاليه وفي الأكل، بس أبقى وسطكم.. أنا محتاجة أشم هوا بدل قعدتي لوحدي.”
الكاتب_رومانى_مكرم
أمي بصت يمين وشمال، كأنها بتدور على مخرج، وشيماء وقفت مربعة إيدها عند المطبخ وباصة لأمي بنظرة تحذير تطلع شرار. أمي خدتني من إيدي ودخلت بيا البلكونة، وقفلت الباب السلك وراها.
أنا قلبي كان بيدق، كنت مستنية أمي تقولي “يغور الشاليه، هاتي شنطتك وتعالي في حضني”. لكن أمي لفت ليا، ووشها مليان حرج وخوف، وقالتلي بصوت واطي ومكتوم:
— “انتي عارفة مرات اخوكي مش عاوزاكي.. علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا.”
— ”
— “يعني هي اللي بتمشي البيت يا ماما؟ شيماء بقت هي الكل في الكل، وبنتك الكبيرة تترمي في الشارع علشان خاطر عيونها؟”
دموعي نزلت حرّاقة على وشي، وأمي حطت إيدها على بوقي وهي بتبص وراها على الباب السلك بخوف:
— “وطي صوتك يا صابرين الله يهديكِ، أخوكي لو سمع الكلام ده هيقلب السفرية نكد، وأبوكي صحته مش حمل مشاكل. شيماء دافعة نص مصاريف الشاليه من ورث أبوها، ومأكدة عليا من شهر إنها رايحة ترتاح من غير شد وجذب. انتِ عارفة إن نقاركم بيجيب لورا، امسحي دموعك وروحي شقتك وأنا أول ما أرجع هجيلك.”
سحبت إيدي من إيد أمي بقوة، وبصيتلها بكسرة نفس عمري ما حسيت بيها قبل كده. سبتها في البلكونة وفتحت الباب السلك وخرجت للصالة. شيماء كانت واقفة في نفس مكانها، حاطة إيدها في وسطها، وعلى وشها نظرة انتصار مدارياها بابتسامة باهتة.
أخويا أحمد خرج من الأوضة وشايل الشنط الكبيرة، بصلي وقال بنبرة مخلوطة بالذنب والعصبية:
— “معلش يا صابرين، الجايات أكتر من الرايحات، لما جوزك ينزل بالسلامة ابقوا اطلعوا لوحدكم.”
ما ردتش على حد فيهم. مشيت خطوتين ناحية الباب، وأبويا ناداني بصوت ضعيف:
— “مع السلامة يا بنتي، لا إله إلا الله.”
التفتّ وقلت والغصة في حلقي:
— “سيدنا محمد رسول الله.. توصلوا بالسلامة.”
قليت الباب ورايا ونزلت السلم جري، دموعي كانت مغمية عيني ومش شايفة الدرج. ركبت شقتي وقفلت الباب بالمفتاح والترباس، وكأنّي بقفل على نفسي قبر. رميت العباية على الأرض وقعدت في الصالة في الضلمة.
بعد حوالي ساعة، سمعت صوت كلاكيت عربية أخويا تحت في الشارع، وصوت ضحك عياله وهما بيركبوا. قمت وقفت ورا الستارة وبصيت من خرم صغير. شفتهم وهما بيتحركوا، العربية لفت أول الشارع واختفت، واختفى معاها كل حس في الدنيا.
الشيطان رجع تاني يوسوس في ودني، بس المرة دي مكنش بيوزني أروح معاهم، كان بيوزني أنتقم لكرامتي اللي اتهانت عشان خاطر مرات أخويا. مسكت تليفوني وبقيت بقلب في الأسماء، وعيني جت على رقم جوزي في الغربة. كنت عاوزة أتصل بيه أصرخ وأقوله “أهلي باعوني عشان الغريبة”، بس اتراجعت في آخر لحظة.. جوزي لو عرف، هيعمل مشكلة مع أخويا، والبيوت هتتخرب.
مسحت دموعي وقعدت على الكنبة، وفجأة تليفوني رن برقم غريب. رديت بصوت مخنوق:
— “ألو؟ مين؟”
جاني صوت راجل غريب ونبرته جادة جداً:
— “حضرتك صابرين؟”
— “أيوا أنا، خير في إيه؟”
— “أنا الرائد محمد من قسم شرطة الطرق السريعة.. العربية بتاعة أحمد أخوكي عملت حادثة كبيرة على طريق الإسكندرية الصحراوي، وحضرتك الرقم الوحيد اللي لقيناه متسجل باسم ‘أختي الغالية’ في التليفون اللي شغال.. لازم تيجي فوراً على مستشفى…”
التليفون وقع من إيدي على الأرض، والشقة اللي كانت خنقااني ومفيهاش حس، اتملت فجأة بصوت صويتي وصراخي اللي هز الجدران.
الصراخ كان طالع من حنجرتي زي النار اللي بتاكل في جدران الشقة. رجلي مكنتش شايلاني، رميت نفسي على الأرض وبقيت أزحف لحد ما مسكت التليفون تاني، إيدي كانت بترتعش لدرجة إني مش عارفة أتحكم في زراير الشاشة. جمعت كل قوتي واتصلت بالرقم الغريب تاني، والصوت جوايا كان بيدعي ويصرخ: “يا رب يطلع مقلب، يا رب يكون حد بيغلس عليا”.
رد الظابط تاني، وبادرت أنا بالصراخ:
— “يا بيه أنت بتتكلم جد؟ قول وحياة أولادك إنك بتهزر! أبويا وأمي وأخويا معاهم في العربية.. قولي إنهم كويسين!”
جاني صوته الجاد وفيه نبرة أسف:
— “يا مدام أنا مش ههزر في الموت والحياة. الحادثة شديدة، عربية نقل خبطتهم من ورا والعربية اتقلبت كذا قلبة. الإسعاف نقلهم على مستشفى العام، وأنتِ لازم تتحركي فوراً لأن في حالات حرجة وفي وفيات.. مستنيين حد من الدرجة الأولى يستلم ويتعرف على الحالات.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “وفيات”؟ الكلمة دي شلت حركتي تماماً. قفلت السكة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الشيطان اللي كان من ساعة بيوزني وأنا زعلانة ومكسورة منهم، اختفى تماماً، وحل محله رعب حقيقي.. رعب إن العيلة اللي كنت زعلانة منهم يمشوا وميرجعوش تاني، والكسرة اللي حسيت بيها في البلكونة بقت ولا حاجة جنب الكسرة اللي أنا فيها دلوقتي.
قمت زي المجنونة، لبست أول عباية وقابلتني، ولفيت الطرحة من غير ما أبص في المراية. نزلت السلم جري، والشارع كان هادي ومفيش فيه حد في وقت الظهرية ده. وقفت تاكسي وأنا ببكي بهستيريا، الراجل اتخض من منظري وقالي:
— “في إيه يا بنتي؟ مالك؟”
قلتله بصوت متقطع ومنهار:
— “على المستشفى العام.. بسرعة أرجوك.. أهلي عملوا حادثة وبيموتوا.”
الراجل كبس بنزين وبقى يجري بأقصى سرعة، وأنا طول الطريق حاطة إيدي على قلبي وبدعي، بفتكر نظرة أمي المكسورة ليا في البلكونة، بفتكر تنهيدة أبويا وهو بيقولي “المركب سايرة ومش عاوزين عكننة”، وبفتكر ملامح أخويا أحمد وهو شايل الشنط.. حتى شيماء، مكنتش قادرة أكرهها في اللحظة دي، كنت بدعي ليهم كلهم بالسلامة، وعياله الصغيرين اللي ملهمش ذنب في أي حاجة.
وصلت المستشفى بعد نص ساعة كانت أطول من سنين عمري. رميت للراجل الفلوس ونزلت جري، دخلت الاستقبال ولقيت الدنيا مقلوبة.. دكاترة بتجري، وممرضات، وريحة المطهرات والدم مالية المكان.
رحت لمكتب الاستقبال وأنا بنهج وبصرخ:
— “الحادثة اللي جات من على الصحراوي.. عيلة أحمد عبد الرحمن.. فينهم؟”
الموظف بصلي بأشفاق وشاورلي على ممر طويل في آخر الاستقبال وقال:
— “حالات الحادثة دي كلها جوة.. هتلاقي الرائد محمد واقف هناك.”
جريت في الممر، وشفت الظابط واقف وبيتكلم في اللاسلكي. أول ما شافني وعرفني من لبسي ومنظري المنهار، قرب عليا وقال:
— “أنتِ صابرين؟”
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق، وبصيت للاوض اللي حواليا.
الظابط اتنهد وقال:
— “البركة فيكِ يا فندم.. والدك.. البقاء لله وحده، اتوفى قبل ما يوصل المستشفى.”
الدنيا لفت بيا، ومحستش برجلي وهي بتسيب الأرض، لولا إن الممرضة سندتني وقعدتني على كرسي. أبويا؟ السند؟ الراجل اللي كان لسة بيراجع رخص العربية وقاعد على الكنبة مات؟ مات وهو زعلان مني؟ مات من غير ما أودعه ودعوة رضا حقيقية؟ بقيت ألطم على وشي وأصرخ: “يا أبويا.. يا حبيبي.. سبتني ومشيت زعلان؟”
الظابط استنى لما هديت شوية وقال بصوت واطي:
— “والدتك وأخوكِ أحمد في العمليات دلوقتي، حالتهم خطيرة جداً وعندهم نزيف داخلي وكسور مضاعفة، الدكاترة بيعملوا اللي عليهم.”
سألته وأنا برتعش وصوتي طالع بالعافية:
— “وشيماء؟ والولاد؟”
رد عليا:
— “الولاد ربنا نجاهم.. في أوضة الملاحظة، كدمات وجروح بسيطة ومرعوبين. أما زوجة أخوكِ.. فدي في العناية المركزة، غيبوبة تامة من كدمة شديدة في الدماغ.”
قمت وقفت على رجلي زي الالي، رحت لأوضة الملاحظة الأول أشوف الولاد. فتحت الباب لقيت “بودي” و”جنا” قاعدين على السرير بيعيطوا، لبسهم الجديد بتاع المصيف متبهدل تراب ودم. أول ما شافوني، جريوا عليا وارتموا في حضني وهم بيصرخوا: “عمتو.. عمتو.. العربية اتقلبت وبابا وماما مش بيردوا علينا.. جدو نام ومش عاوز يصحينا!”
حضنتهم وبقيت أعيط معاهم، وفي اللحظة دي نسيت أي زعل، نسيت إن أمهم كانت مش عاوزاني أروح معاهم، نسيت كل حاجة وبقيت شايفة إن العيال دي ملهمش غيري دلوقتي. قعدت أهديهم لحد ما ناموا من كتر التعب والخوف.
خرجت للممر تاني، ووقفت قدام باب العمليات. الساعات كانت بتمر عليا كأنها دهر. جوزي اتصل بيا من السفر، مكنتش قادرة أكلمه، ردت عليه الممرضة وشرحتله الوضع، وسمعته بيبكي في التليفون وبيقول إنه هيحجز أول طيارة وينزل فوراً عشان يقف جنبي.
على الساعة 6 المغرب، باب العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مليان تعب وإحباط. جريت عليه ومسكت في بالطو الدكتور:
— “طمني يا دكتور.. أمي وأخويا.. أرجوك قولي إنهم عاشوا!”
الدكتور بص في الأرض وقال بنبرة حزينة:
— “إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه ونقلنا دم كتير.. لكن والدتك قلبها متحملش الصدمة والنزيف.. وتوفت من نص ساعة. أحمد أخوكِ طلع العناية المركزة، بس حالته غير مستقرة بالمرة، ومحتاجين ندعي له.. الـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا يعيش ولا يروح مننا.”
وقعت على ركبي في نص الممر.. أمي كمان ماتت؟ المطبخ اللي كان مليان ريحة الفينو والجبنة الرومي فجأة فضي؟ السند والضهر تاهوا في لحظة؟ بقيت أبص لكفوف إيدي اللي كانت ماسكة إيد أمي المبلولة من شوية.. إزاي مشيت؟ إزاي سابتني؟
الحزن والكسرة في قلبي اتحولوا لطاقة رهيبة من الصدمة. بقيت لوحدي في المستشفى، معايا جثة أبويا وأمي في المشرحة، وأخويا بين الحيا والموت في العناية، ومراته في غيبوبة في العناية التانية، وعيالهم الصغيرين نايمين في الأوضة ملهمش عائل.
الليل ليل، والمستشفى بدأت تهدى، وأنا قاعدة على الكرسي الخشب في الممر، باصة للفراغ. فجأة، سمعت صوت جهاز ضربات القلب من الأوضة اللي فيها شيماء مرات أخويا بيصفر بصوت مستمر سريع.. والدكاترة والممرضات جريوا على الأوضة وهما بيزعقوا: “حالة العناية 2 بتموت.. هاتي جهاز الصدمات بسرعة!”
الدكاترة جوة الأوضة كانوا بيجروا زي الخلايا، الممرضة ضغطت على زرار الطوارئ، وجهاز رسم القلب بدأ يطلع صوت صفارة واحدة مستمرة.. الصوت اللي بيعلن إن الروح بتنسحب بالبطيء. الدكتور بدأ يعمل إنعاش يدوي لعضلة القلب، كان بيضغط على صدر أحمد بكل قوته، وهو بيصيح في الممرضة: “أدرينالين بسرعة! شحنة 360 على الصدمات!”.
أنا ورا الزجاج كنت بتمزق، دموعي نشفت من كتر الرعب، وبقيت أتحرك يمين وشمال زي المجنونة، بضرب على الزجاج وأصرخ بصوت شرخ الحنجرة: “قوم يا أحمد.. قوم عشان خاطر عيالك.. أنا مسمحاك والله مسمحاك، يغور الصيف ويغور الشاليه، بس قوم افتح عينك!”
جسم أخويا اتنفض مع أول صدمة.. وتاني صدمة.. والدكتور عينه على الشاشة المستقيمة. في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها وقفت، الزمن اتمط، وافتكرت لما دخلت الصالة ولقيته شايل الشماعات وبيرص الحاجه، وافتكرت لما مسح على وشه بضيق وبص في الأرض.. كان حاسس؟ كان قلبه حاسس إنها آخر لِمة؟
الدكتور ضغط تالت مرة، وفجأة.. الخط المستقيم بدأ يتموج، وجهاز ضربات القلب رجع يصفر النبضات البطيئة المتقطعة. الدكتور رفع إيده ومسح جبهته وبصلي من ورا الزجاج، هز راسه بإرهاق شديد كأنه بيقولي: “رجعناه.. بس الوضع لسة على شعرة”.
أنا سجدت في الأرض، لزقت وشي في بلاط المستشفى الساقع وبكيت بكاء هستيري، بكاء شكر وخوف ومذلة لربنا.. “يا رب متختبرش طاقتي أكتر من كده.. يا رب أنا عبدتك الضعيفة”.
عدت الساعات تقيلة ومريرة كأنها سنين، لحد ما نور الفجر بدأ يشق عتمة الممر. ومع أول خيط ضوء، لقيت حد بيحط إيده على كتفي برفق. لفيت وشي وأنا مخضوضة، لقيت محمود جوزي واقف قدامي.. لسة بشنطة سفره، وشه شاحب وعيونه مليانة دموع، هدومه مبهدلة من جِري المطارات والطريق.
أول ما شفته، رميت نفسي في حضنه وقعدت أصرخ بكل الوجع اللي كتمته: “ماتوا يا محمود.. أمي وأبويا مشيوا وسبوني.. سابوني وأنا زعلانة منهم يا محمود.. الكسرة موتتني”. محمود حضنني بقوة وبقى يطبطب عليا ويدمع: “وحدي الله يا صابرين.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. ادعيلهم بالرحمة، هما في مكان أحسن، وأنا جنبك ومش هسيبك، طول ما فيا النفس هكون سندك وسند عيال أخوكي”.
وجود محمود رجعلي عقلي اللي كان طار. مسح دموعي وقام معايا، خلص بقية الإجراءات الرسمية، وبدأت أصعب صباحية في حياتي.. صباحية الجنازة.
الساعة عشرة الصبح، كنا واقفين في مدافن العيلة. الشمس كانت حامية، بس قلبي كان جواه برودة الموت. شفت أبويا وأمي وهما نازلين القبر ورا بعض.. الاتنين اللي طلعوا من البيت مع بعض فرحانين، رجعوا مع بعض في كفن. الناس كانت بتعزيني وأنا مش سامعة حاجة، مفيش في ودني غير صوت كلاكيت العربية وصوت ضحك العيال وهم بيركبوا قبل الحادثة بكام ساعة.
بعد ما الدفن خلص، محمود أصر نرجع المستشفى فوراً عشان العيال وأحمد وشيماء. أول ما دخلنا الاستقبال، لقيت دكتور العناية اللي بيعالج شيماء بيدور عليا، أول ما شافني قرب وقال بنبرة فيها أمل ضعيف:
— “مدام صابرين.. زوجة أخوكي بدأت تفوق من الغيبوبة.. هي لسة تحت تأثير الصدمة ومش قادرة تتكلم، بس عمالة تفتح عينيها وتبص حواليها وبتشور بإيدها كأنها بتدور على حد.. ادخلي لها، يمكن وجود حد من العيلة يهدّيها ويساعدها تسترد وعيها تماماً”.
محمود مسك إيدي وقال: “ادخلي لها يا صابرين.. دي ملهاش ذنب في قدر ربنا، والزعل والخصام بيموتوا مع الموت”.
هزيت راسي، وأنا ببلع ريقي بصعوبة. مشيت في الممر بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت بتفكرني بنظرتها الصفرا وبكلماتها المستفزة.. بس لما وصلت لباب أوضتها وفتحت الباب، وشفتها راقدة، وشها كله كدمات زرقا، وراسها ملفوف بالشاش، وإيدها اللي كانت بتعدل الغوايش مليانة خراطيم ومحاليل.. كل ذرة غضب أو عتب في قلبي تبخرت.
قربت من السرير براحة، أول ما شيماء حست بحركتي، فتحت عينيها بالتدريج.. عينيها كانت مليانة رعب وكسرة ودموع محبوسة. أول ما شافتني، شفايفها بدأت تترعش وحاولت تنطق، بس صوتها كان طالع زي الفحيح المكتوم:
— “صـ.. صابرين.. الـ.. الولاد.. أحمد.. فين؟”
دموعي نزلت، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير ومسكت إيدها المرتعشة بكل طيبة وحنان، وقلت لها بصوت دافي عشان أطمنها:
— “الولاد كويسين وزي الفل معايا يا شيماء.. متخافيش عليهم، وأحمد جوة في العناية والدكاترة معاه وقايمين بالواجب.. حمد الله على سلامتك يا حبيبتي”.
شيماء بصت في عيني، ودمعة سخنة نزلت من عينها على الشاش الملفوف على وشها.. كانت باصة لي بنظرة ندم وكسوف تقرأ فيها مية كلمة اعتذار.. كانت حاسة بالذنب لأنها منعتني أكون معاهم، ومكنتش تعرف إن المنع ده هو اللي نجاني، وإن البنت اللي استخسرت فيها شاليه، هي الوحيدة اللي واقفة فوق راسها دلوقتي وبتحمي عيالها.
ضغطت على إيدي بضعف شديد، وقالت بصعوبة:
— “سامحـ.. سامحيني يا صابرين.. أنا..”
وقبل ما تكمل كلمتها، لقيت باب الأوضة بيتفتح بعنف، والممرضة ممرضة العناية بتاعة أحمد دخلت ووشها مخطوف وبتبصلي وهي بتنهج وتقول:
— “مدام صابرين.. تعالي بسرعة.. أحمد أخوكي فاق وطلب يشوفك فوراً.. بس المؤشرات الحيوية بتاعته فجأة…”
الممرضة مكملتش كلمتها، وأنا سبت إيد شيماء وجريت وراها في الممر وقلبي يتنافض بين ضلوعي. دخلت أوضة أحمد، لقيت الدكاترة واقفين حواليه، والستارة مرفوعة. أول ما عينه جت عليا، خطوط وش التعبانة هديت شوية، وحاول يحرك شفايفه الناشفة البيضا اللي طالع منها خرطوم الأكسجين.
الدكتور شاورلي أقرب وقال بصوت واطي: “هو صمم يشيلوا جهاز التنفس ثواني عشان يكلمك، ادخلي يا بنتي بس بسرعة”.
قربت منه، وطيت راسي عليه ودموعي بتغرق وشه. مسكت إيده الساقعة وبستها:
— “أنا جنبك يا أحمد.. أنا جنبك يا حبيبي، متتكلمش وماتتعبش نفسك.”
أحمد بصلي بنظرة عمرها ما هتفارق خيالي.. نظرة أخ بيودع أخته الكبيرة، وعينه مليانة أسف وندم ووجع. اتكلم بصوت متحشرج وطالع بالعافية من وسط الأجهزة:
— “سامحيني يا صابرين.. كسرنا بخاطرك ومشينا.. ربنا.. ربنا نجّاكي علشان تكوني السند.. العيال يا صابرين.. بودي وجنا أمانة في رقبتك.. وشيماء مالهاش ذنب.. أنا اللي طاوعت.. سامحيني يا أختي.”
— “مسامحاك يا نور عيني، والله مسامحاك ومسمحة الكل، بس قوم عشاني وعشان عيالك!”
أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة ووديعة، كأنه ارتاح لما سمع الكلمة دي، وعينه لفت ناحية السقف، وشفايفه اتململت بشهادة تانية: “أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله”. ومع آخر حرف، إيده اللي كانت في إيدي ارتخت تماماً، وجهاز رسم القلب طلع الصفارة الطويلة المستمرة اللي مفيش بعدها رجوع.
الدكتور قرب بسرعة، قاس النبض، وبصلي ونزل عينه في الأرض: “البقاء لله وحده.. شدي حيلك”.
أنا م صرختش المرة دي. الصراخ جف جوة حنجرتي. وقفت مكاني باصة لأخويا الوحيد، السند التاني اللي راح بعد أبويا. حسيت إن الدنيا فضيت تماماً ومبقاش فيها غيري. خرجت من الأوضة زي الروبوت، لقيت محمود جوزي مستنيني برة، أول ما شاف وشي عرف.. خدني في حضنه وبكى هو بالنيابة عني.
مرت الأيام والشهور، والوقت مبيشفيش الوجع، بس بيخلينا نتعايش معاه. شيماء قعدت في المستشفى شهرين لحد ما خفت وقامت على رجليها، بس قامت واحدة تانية خالص.. الضحكة الصفرا اختفت، والغوايش اتقفلت عليها الدرج، ومبقاش على لسانها غير كلمة “يا اختي يا صابرين”.
محمود جوزي نزل مصر نهائي، صمم ميسافرش تاني وقرر يفتح مشروع هنا عشان يفضل جنبي وجنب عيلة أحمد. نقلنا شيماء والولاد وعشنا كلنا في بيت عيلتي القديم.. البيت اللي شهد لمتنا الأخيرة وضحكنا وزعلنا.
شيماء بقت بتعاملني كأني أمها وأختها الكبيرة، وكل ما تبص في عيني، أشوف في عينيها نظرة الامتنان والندم، وعمرها ما نسيت إن البنت اللي كانت مستخسرة فيها أسبوع على البحر، هي اللي شالت عيالها وصانت بيتها في وقت الشدة.
وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة، وبودي وجنا بيلعبوا حواليا وبيضحكوا، وجوزي محمود قاعد بيراجع معاهم الواجب. بصيت لسقف الصالة، واقشعر جسمي وأنا بفتكر اليوم ده.. اليوم اللي كنت قاعدة فيه لوحدي مخنوقة والشيطان بيوزني، وعرفت إن ربنا لما قفل في وشي باب السفرية دي، مكنش بيعاقبني ولا بيكسر بخاطري.. ده كان بيحميني من الموت، وبيدخرني عشان أكون السند والظهر للعيال اليتامى دول.
عرفت إن تدبير ربنا دايماً أعظم وأرحم من أمانينا، وإن المنع في حد ذاته.. كان عين العطاء.
الحكمة من هذه القصة تتلخص في أن **”تدبير الله دايماً أوسع وأرحم من أمانينا الضعيفة، وأن المنع في حد ذاته قد يكون عين العطاء”**.
ويمكننا أن نلمس هذه الحكمة في عدة جوانب عاشتها “صابرين”:
* **خفايا الأقدار واللطف الخفي:** في اللحظة التي بكت فيها صابرين لشعورها بالرفض والكسرة لأن عائلتها تركتها، كان هذا المنع هو سبب نجاتها وحياتها. ما ظنته حِرماناً وقسوة من أهلها، كان في حقيقته رحمة إلهية أبعدتها عن حادثة مميتة.
* **جبر الخواطر وسلامة الصدر:** رغم الإهانة والوجع الذي شعرت به صابرين من زوجة أخيها، إلا أنها لم تسمح للشيطان أن يزرع الشماتة في قلبها وقت المصيبة. هذا الصفاء والنبل جعلها السند الحقيقي للعائلة، وحوّل علاقتها بزوجة أخيها من الندّية والخصام إلى الندم والامتنان العميق.
* **الإنسان مسيّر لا مخيّر في أرزاق القلوب:** لقد اختار الله صابرين لتكون الأم البديلة والملجأ لأطفال أخيها، وكأن الله أبقاها حية لتؤدي هذه الرسالة النبيلة، وتصبح هي الجمع بعد الشتات.
> **”عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”**.. فالبيوت لا تُبنى بالأنفة والكبر، بل بالصبر، والتسامح، والرضا بما قسمه الله لنا حتى لو كان في ظاهره الوجع.


تعليقات
إرسال تعليق