بعد الصبر جبر كاملة بقلم نورهان العشري
بعد الصبر جبر بقلم نورهان العشري ج١
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الصبر جبر بقلم نورهان العشري
ـ تتجوزي! تتجوزي دا ايه؟ يادي العيبة! واحدة في سنك تفكر في الجواز؟ أنتِ عايزة الناس تاكل وشنا؟ بدل ما تعملي حاجة لآخرتك جاية تقولي عايزة اتجوز! دي تبقى فضيحة..
الجملة دي سمعتها من اختي اللي شقيت عليها و علمتهاو جهزتها و جوزتها و مش هي وبس. دي هي و تلاته غيرها كمان. المشكلة مكنتش في الجملة دي وبس.. دانا اكتشفت أن اللي ضيعت عمري عشانهم هما اللي خربوا حياتي..
اسمي زينات عندي اتنين و أربعين سنة أمي أتوفت و أنا عندي ١٥ سنة و سابتلي أربع اخوات غيري بنتين وولدين اول واحد سامي كان عنده ١٣ سنة، و اللي بعديه هبة كان عندها ١١ سنين و اللي بعديها سحر ٩ سنين و أخرهم علي ٦ سنين. والدي اتوفى قبل ما يشوف علي دا. كانت أمي لسه حامل فيه. بعد ما اتوفت أمي حاوطت على أخواتي وطلعت اشتغلت في كل حاجة عشان اقدر أصرف عليهم. مرة في مواسم الجمع قطن أو فاكهة، و مرة في المباني مع الستات اللي بتروح تشيل مونة. مكنش حياتنا غير الشقة الأوضتين و صالة هي اللي كانت لمانا، الدنيا خبطتني كتير اوي و بكيت أضعاف ما ضحكت. ياما نمت من غير عشا، و كنت اضحك في وش أخواتي وانا قلبي بيبكي.
وانا عندي عشرين سنة ربنا كرمني و اشتغلت في مشغل صاحبته كانت ست طيبة، صعبت عليها و ساعدتني و علمتني الخياطة و مشتملاتها و ربنا كرمني و بقيت اشتغل في المشغل طول النهار ولما أروح الناس تجيبلي هدومهم اللي عايزة تضيق و اللي عايزة رفية و اللي عايزة تتقصر.
ربنا كرمني و ساعدت أخواتي و محوجتهمش لحد. اشتغلت و اتمرمطت و طفحت الدم عشان خاطرهم. كنت بجوع نفسي عشان ياكلوا هما. اخواتي البنات كنت بجيبلهم أحسن لبس وانا افضل لابسه الطقم من الموسم للموسم.
لما كنت ابقى عيانه وحد فيهم محتاج حاجة كنت أديله فلوس الدوا وانا مش مهم. مكنتش عبيطة وأنا بعمل كدا. لكن كنت بحبهم. كنت معتبراهم ولادي، و كنت أشوف الفرحة في عنيهم الدنيا كلها تضحكلي.
وانا خمسة و عشرين سنة. شفت شاب أخو واحدة صاحبتي في المشغل كان في كل حاجة تتمناها أي بنت. متعلم واخد بكالوريوس تجارة وشكله حلو، طول بعرض، عارف ربنا وبيصلي، و بيشتغل محاسب في شركة. غصب عني زيي زي اي بنت حلمت أن الشاب دا يكون من نصيبي، بالرغم أنه أحسن مني في كل حاجة. و خصوصا اني مكنتش كملت تعليمي.
غصب عني حبيته بالرغم اني عمري ما كلمته أنا كنت بتكسف اوي، ومعنديش وقت حتى أبص في مراية، و يشاء ربنا أن الدنيا لأول مرة تضحكلي و اتفاجئ بصاحبتي بتقولي أن اخوها دا عايز يخطبني..
حسيت أن قلبي هيقف من الفرحة. مبقتش مصدقة لما سمعتها بتقولية:
ـ محمود أخويا من أول يوم شافك هنا وهو حاطط عينه عليكِ، و سأل عنك في منطقتكوا والناس قالوله عنك كل خير، و قصدني افاتحك في الموضوع. أنتِ ايه رأيك؟حكايات نورهان العشري
مش هكذب أو قولت أن جسمي كله قشعر مكنتش قادرة أصدق. معقول أنا هفرح؟ معقول بعد المرمطة دي تكون الدنيا مخبيالي حاجة حلوة كدا؟
اتلجلجت مكنتش عارفة أرد عليها اقولها ايه. حاولت أداري فرحتي على قد ما اقدر وانا بقولها بارتباك:
ـ ييجي ينور طبعًا.
صاحبتي ضحكت وقالتلي وهي فرحانه أوي:
ـ والله يا زينات أنا أول ما محمود قالي. قولتله يا زين ما اختارت. دي زينات دي ست البنات و جدعة و بميت راجل.
كلامها فرحني اوي، زيادة على فرحتي اللي مكنتش اعرف انها هتموت جوايا قبل ما اعيش دقيقة واحدة منها لما لقيتها بتكمل وبتقول:
ـ و محمود مش عشان أخويا بس هو راجل ولا كل الرجالة. مكافح و عارف ربنا و جدع لو اي حد قصده في حاجة ميتأخرش، هو دا اللي هيستتك و هيعوضك عن كل البهدلة اللي اتبهدلتيها.
ابتسمت قولتلها:
ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير.
نهلة بفرحة:
ـ أنا هبلغ محمود موافقتك، و هقولك بكرة ايه اللي هيتم أن شاء الله..
وقتها كان سامي أخويا خلص جامعة و خلص جامعته و الجيش بتاعه و بدأ يشتغل بس يدوب شغله كان بيغطي مصاريفه بالعافية دا كتير كان بياخد مني كمان، وانا مكنتش بدق كنت فرحانه بيه. كان نجاحه انجار كبير بفتخر بيه. زي اللي زرع زرعه و قعد يتفرج عليها وهي بتكبر واحدة واحدة. مكنتش اعرف أن زرعتي دي في يوم من الأيام هيبقى شوك يتغرز في قلبي.
الليلة دي منمتش من الفرحة، و كنت عايزة النهار ييجي بفارغ الصبر بعد ما كنت بتمنى أن الليل يطول عشان انام و أرتاح شوية، و فعلا جه النهار و نزلت جري على الشغل وأول حد قابلته كان نهلة اللي خدتني على جنب وقالتلي بصوت واطي:
ـ أنا بلغت محمود موافقتك، وهو عايز يقعد و يتكلم معاكي ايه رأيك؟
أتاخدت و مكنتش عارفة أقولها ايه لقيتها بتكمل وبتقولي:
ـ في ايه يا بنتي؟ هو أنا بقولك قابليه في شقة! دا انتوا هتقعدوا في مكان عام، و تتكلموا مع بعض.
اقتنعت بكلامها و جه اليوم اللي هنتقابل فيه وهي كانت موجودة اول ما وصلت سلمت عليا وقامت، و قعدت لأول مرة في حياتي قدام شاب، اتكلم معاه، والحقيقة أنه كان احسن ما اتوقعت. أسلوبه كويس، محترم، كلامه حلو.
كأني قاعدة قدام فارس الأحلام اللي كنت رسماه في خيالي، وانا بنت مراهقة.
قعد يحكيلي عن ظروفه، وقالي أنه معجب بيا من أول يوم شافني فيه، وأنه فضل مراقبني فترة قبل ما يقرر أنه يكلم أخته عشان تكلمني.
كان دمه خفيف ولقيت نفسي بتكلم معاه على طبيعتي. شوية نهزر و شوية نتكلم جد. حسيت كأنه اعرفه من سنين. اتقابلنا مرة و اتنين و تلاته لحد ما حبينا بعض. هو حبني أوي، وانا كمان، و في يوم لقيته بيقولي:
ـ أنا هاجي اطلب ايدك من سامي أخوكي، بس قبل أي حاجة. عندي شرط وحيد
استغربت من كلامه و قولتله:
ـ شرط ايه؟
قالي بلهجة فيها حزم:
ـ تسيبي الشغل. من اليوم اللي هتحطي دبلتي في ايدك مش هتنزلي تشتغلي، ولو على الجهاز، فأنا مش عايز منك حاجة خالص. مش عايزك تجيبي قشايه في الشقة. حتى شنطة هدومك هجبهالك..
انصدمت صدمة عمري. مفيش شغل! طب هصرف على أخواتي ازاي؟ دا علي لسه في ثانوي، و سحر و هبة في جامعة، و هبة مخطوبة و عماله أحط القرش على القرش عشان اجمع جهازها.
معرفش هو استنى كل دا ليه قبل ما يقول الشرط دا؟ هل كان مستني يعلقني بيه؟ مكنتش فاهمة بس حاولت افهمه ماينفعش أسيب الشغل عشان اخواتي. دول ملزمين مني.
ـ مينفعش يا محمود اسيب الشغل. اخواتي ملزمين مني، وكلهم لسه اللي بيدرس واللي خلاص فرحها قرب. أنا مينفعش اتخلى عنهم..
وقتها انفعل وقالي:
ـ أنا مش هقبل أن الست اللي اسمها على اسمي تخرج كل يوم تروح الشغل. اخواتك مش صغيرين و يقدروا يشتغلوا ويصرفوا على نفسهم.
اتناقشنا كتير و شدينا مع بعض لدرجة أنه انفعل وقالي بغضب:حكايات نورهان العشري
ـ أنتِ عندك في اخواتك راجلين. ازاي يستحملوا يعيشوا على قفا واحدة ست.
كلامه عن اخواتي ضايقني و عصبني، قمت وقفت وقولتله بانفعال:
ـ مسمحلكش تتكلم عن اخواتي كدا، و لو دا شرطك فأنا مش قابله بيه.
حسيته اتصدم و أتوجع بس لقيته طلع حساب الكافية من جيبه و حطه على الترابيزة وهو بيقولي بلهجة باردة دبحتني:
ـ يبقى كل شيء قسمة و نصيب..
الجملة دي كانت سكاكين دبحتني. فضلت اعيط زي العيال الصغيرة لما وصلت البيت. جريت على أوضت أمي و قعدت اعيط و أنا قلبي بيتعصر و بقيت اكلم صورتها واقولها
ـ سبتيني ليه ؟ أنا محتاجة حضنك اوي.
كنت فعلا حاسة اني محتجاها حاسة اني نفسي حد يطبطب عليا. هموت من الوجع و القهرة.
غبت من المشغل أسبوعين و صاحبته عشان عرفاني و بتحبني سابتني. بس غصب عني اضطريت ارجع زي ما بعمل كل حاجة في حياتي مضطرة، وياريتني ما رجعت.
سك..ينة تانية انغرزت في قلبي لما لقيت نهلة غايبة بسأل عليها. عرفت ان النهاردة كتب كتاب محمود أخوها…
حسيت أن قلبي دا بيتمزع من كتر الوجع. بقيت نفسي اصرخ و اصوت و اقول مبقتش قادرة اتحمل لكن كالعادة كتمت في قلبي و عدت الأيام، ربنا كرمني و قدرت اجوز و هبة و خلفت وجوزت سحر، و سامي ساعدته باللي قدرت عليه و جبتله شقة واتجوز مبقاش غير علي هو اللي خاطب، ربنا كرمني وقدرت انفذ وصية أمي الله يرحمها ووقفت جنب اخواتي لحد ما اطمنت عليهم، وروحت عملت عمرة، و زورت بيت ربنا وهنا بكيت لما شبعت. معرفش كنت ببكي ليه بس حسيت اني محتاجة حد يطبطب عليا، و مفيش أحن من ربنا.
خصوصا أن اخواتي مكنوش حنينين اوي. يعني كل فين وفين على ما يكلموني الا لو محتاجين حاجة. حتى اخواتي البنات. ميكلمونيش غير عشان يفكروني بالمواسم.
بقيت حاسة اني لوحدي، و العمر جري بيا. لكن كنت بحمد ربنا. الحمدلله رضاني وبقى عندي محل و اشتريت المشغل من صاحبته و حالتي المادية ارتاحت وارتحت عن شقى زمان لحد ما في يوم بالصدفة دخلت محل اشتري هدوم ليا، و فجأة لقيتني واقفة قدام محمود. كانت صدمة صعبة، و صدفة غريبة. لقيت نفسي بدور وشي وهمشي لكن صوته وقفني:
ـ زينات. استني.
اتفاجأت أنه لسه فاكرني لكن محاولتش ابين اني متفاجأة بالعكس لفيتله وبصتله و كأني بحاول افتكره. لقيته بيقول بعتب:
ـ ياااه. معقول نستيني؟
رنة العتاب في صوته وجعتني لكن الدنيا علمتني امي اكون جامدة و مش اي حاجة تهزني رديت بصوت بارد قولتله:
ـ محمود صح؟ حكايات نورهان العشري
رد عليا بصوت حزين:
ـ صح. عاملة ايه؟
رديت بصوت جامد:
ـ الحمد لله أنت عامل ايه؟
رد عليا بصوت هادي:
ـ الحمدلله. مبسوط اوي أني شوفتك..
رسمت ابتسامة بسيطة على وشي وقولتله بمجاملة:
ـ ربنا يخليك.. عن اذنك..
وقفتني جملته اللي جمدت الدم في عروقي لما قالي:
ـ جوزك عامل ايه؟
اتلفتله وقولتله بصدمة:
ـ جوزي!
محمود قالي بتأكيد:
ـ أيوا جوزك. مش أنتِ اتجوزتي ابن عمك بردو؟؟
اتصدمت لدرجة أن عيني برقت، وقولتله باستنكار:
ـ أنت بتقول ايه؟ ابن عمي مين اللي اتجوزته؟ أنا ماليش ولاد عم أصلًا. أنت جبت الكلام دا منين؟
لقيته هو التاني اتصدم وقالي
ـ أنتِ بتهزري؟ اخوكي سامي اللي قالي كدا..
حسيت اني هيغمي عليا. قولتله بنبرة صوت بترتعش:
ـ هو أنت شوفت سامي فين؟
رد عليا بصوت باين فيه الغضب:
ـ بعد آخر مقابلة بيننا بشهر حسيت اني مش قادر اعيش من غيرك، و كنن قابل بكل شروطك. سألت وعرفت هو شغال فين و روحت اطلب ايدك منه، وقالي انك اتخطبتي لابن عمك، و هتتجوزوا.
حسيت أن الدنيا بتلف بيا. معقول؟ معقول أخويا يقول كدا و يكذب، و فجأة افتكرت أنه كتب كتابه بعدها باسبوعين قولتله بغضب:
ـ وانت كنت جاي تدور عليا ليه بعد ما كتبت كتابك؟
لقيته استغرب كلامي، وقالي وهو مندهش:
ـ مين دا اللي كتب كتابه؟ أنا متجوزتش لحد دلوقتي..
كل اللي فات كان كوم و جملته دي كوم تاني. و صرخت وقولتله:
ـ ازاي؟ أنا روحت المشغل وقالوا إن نهلة غايبة عشان كتب كتاب اخوها…
ابتسم بحزن وقالي:
ـ دا بلال اخويا الكبير…
حسيت أسوأ احساس في الدنيا. الغدر. الغدر من اقرب الناس ليا.. ليه سامي يكذب و يقول كدا ؟ و فجأة بدأ شريط طويل يتعاد قدامي، وانا بفتكر رفضهم لأي عريس يتقدملي، وكل مرة بحجة شكل، وانا مكنتش بدق عشان الموضوع مكنش في بالي.. كسرتي في موضوع محمود خلاني اكره الجواز و الارتباط، فكنت برفض على رفضهم بس النهاردة حسيت بقهرة يمكن محستهاش لما عرفت أن محمود خطب، وقررت وقررت اعرف أيه اللي جواهم، و اوقعهم في شر أعمالهم….
بعد الصبر جبر ج٢ بقلم نورهان العشري
تابع الجزء الثاني 👇
كلمتهم كلهم و جمعتهم عندي بحجة أن في موضوع مهم، ولازم اشوفهم، و فعلا جم يجروا كلهم، وقولتلهم بعلو صوتي:
ـ أنا جايلي عريس ونويت اوافق عليه..
لقيت هبة اختي بصتلي بصة وحشة اوي وقالت بقسوة:
ـ تتجوزي! تتجوزي دا ايه؟ يادي العيبة! واحدة في سنك تفكر في الجواز؟ أنتِ عايزة الناس تاكل وشنا؟ بدل ما تعملي حاجة لآخرتك جاية تقولي عايزة اتجوز! دي تبقى فضيحة..
اتصدمت من كلامها وقولتلها:
ـ فضحية ايه؟ هو أنا هعمل حاجة غلط! ما كلكوا اتجوزتوا و شفتوا حياتكوا. اشمعنى أنا؟
لقيت سامي أخويا كشر وبصلي بغضب وقالي:
ـ حياة ايه اللي عايزة تشوفيها في السن دا؟ أنتِ مجنونة! هو بعد ما شاب ودوه الكتاب! عيب على سنك هو أنتِ نوغة؟
حسيت كأن في جردل مية متلجة وقع فوقي ولقتني بقوله بصدمة:
ـ أنت بتقولي أنا الكلام دا؟
زعق فيا وقال:
ـ أيوا بقولك أنتِ. شايفة حد قليل العقل هنا غيرك. أنتِ عندك ٤٢ سنة جواز ايه اللي بتفكري فيه؟
الوجع جوايا اتحول لغضب خلاني قومت من مكاني و زعقت بعلو صوتي وقولت:
ـ ولما كان عندي خمسة و عشرين سنة وجه محمود يطلب ايدي منك قولتله ليه اني مخطوبة لابن عمي؟ يا كذاب..حكايات نورهان العشري
الصدمة بانت على وشه واتلجلج في الكلام لكن فجأة أنا اللي بقيت مصدومة لما سمعت صوت اختي سحر وهي بتقول بانفعال:
ـ وأنتِ هتتجوزي محمود أفندي دا و تسبينا لمين! كنتي عيزانا نطلع نتلطم في الشوارع و نشتغل و نتمرمط عشان حضرتك تتجوزي!
كنت هتشل من الصدمة. ازاي الناس دي كدا؟ ازاي أنانيين بالشكل دا؟ حسيت قلبي هيقف لما سمعت هبة بتقول:
ـ متلوميش على سامي، وحطي نفسك مكانه. كنا هنتجوز ازاي لو كنتي اتجوزتي و مشيتي! مين كان هيصرف علينا؟
بصيتلهم التلاتة و كأني شايفة شياطين قدامي. دول اخواتي اللي ضيعت عمري عشانهم؟ دول اللي كنت بجوع عشان أأكلهم؟ و البس هدوم مقطعة عشان اجبلهم هدوم جديدة؟ الدنيا اسودت في وشي وانا شايفة جبروتهم وقسوتهم. و لقتني بقولهم بعلو صوتي:
ـ انتوا ازاي كدا؟ مش شايفين غير نفسكوا وبس. أنا اتحرق. ولا أولع مش فارقلكوا.. عايزين مصلحتكوا وبس. انتوا مش بني آدمين؟
وقف سامي أخويا قدامي وقالي بارتباك:
ـ وايه المشكلة لما نفكر في مصلحتنا؟ و بعدين مش أنتِ الكبيرة، ودي شيلتك لازم كنتي تشيليها..
لقيت نفسي بصرخ وبقوله:
ـ ودا جزاتي عشان شيلتها! تغدروا بيا و تحرموني من السعادة طول حياتي..
فجأة سمعت صوت هبة أختي بتقول بكل تجبر:
ـ متعيشيش دور الضحية اوي كدا. ما أنتِ عايشة اهو أحسن عيشة. شقة ومحل ومشغل ودهب من ايدك دي لأيدك دي. زعلانه ليه بقى؟
فجأة محستش بنفسي غير وانا برفع إيدي و بنزل بينا بقلم جامد على وشها صوته سمع في المكان كله ولقيت الكل بيبصلي بصدمة وكأنهم مش مصدقين اللي حصل، ولقيت علي الصغير بيقولي بحدة:
ـ ايه الجنان دا؟ ازاي تضربيها كدا؟ و كل دا عشان ايه عايزة تتجوزي؟ دا فعلا عيب؟
اخويا الصغير اللي كنت بقول دا ابني بيكلمني بالطريقة الوقحة دي! متصدمتش اوي مانا بقيت اتوقع أي حاجة. لكن هما متوقعوش أنهم يشوفوا مني الوش دا ولقيتني بقوله:
ـ طيب يا باشمهندس علي أنا ست متعرفش العيب. روح بقى دور على حد غيري يدفعلك مقدم الشقة، ولا أقولك روح قول لحماك المستشار انك هتأجر للسنيورة بنته. حكايات نورهان العشري
لقيت علي وشه جاب ألوان و بصلي و كأنه مش مصدق، و طلع سامي من ورايا وقال:
ـ هي حصلت لكدا؟ بتعايري اخوكي عشان هتقفي جنبه و تساعديه في جوازه؟
لقيتني بتلفت وبقوله بغيظ:
ـ و أنت يا أستاذ يا محترم. ياريت تسيب مفتاح عربيتك اللي جايه بشقى و عرق واحدة متعرفش العيب زيي.
اتلفتت وقولت لهبة اللي كانت لسه مصدومة من القلم اللي نزل على وشها:
ـ و انتِ يا هانم. شوفيلك حد يدفع مصاريف ولادك في المدرسة الأنترناشيونال.
لفيت لسحر وقولتلها من بين دموعي:
ـ و أنتِ يا سحر هانم. القسط بتاع عربية جوزك خليه يا حبيبتي يدفعه هو. مانا مبعرفش العيب. مانا النهيبة اللي انتوا استحلتوها. أخس عليكوا. أخس..
صرخت في وشهم كلهم و دخلت أوضتي و قفلت عليا وأنا منهارة ببكي سنين عمري اللي ضاعت تحت رجليهم وانا بنحت في الصخر عشانهم و عشان يكونوا أحسن ناس. كنت بشوف نجاحهم أكنه نجاحي، و فرحتهم فرحتي. افتكرت كل مرة كان ضهري بيتقسم من المسئولية اللي فوق كتافي و مكنتش بشتكي. للدرجادي هنت عليهم؟
للدرجادي مكنتش شيفاهم على حقيقتهم؟
صعب اوي ان الانسان يتحسر على اللي فاته ويلاقي نفسه مش قادر يلحق اللي جاي.
دخلت اتوضيت وصليت وقعدت أقول يارب. يارب.
قعدت اشكي لربنا، لحد ما هديت. مر يوم والتاني والتالت، لحد ما لقيت الباب بيخبط في يوم فتحته واتفاجئت بنهلة صاحبتي سلمت عليها و دخلتها و شوفت نفس الضحكة اللي شوفتها من سنين على وشها وهي جاية تقولي أن محمود عايز يخطبني، ولقيتها بتقولي:
ـ ياااه يا زينات بالرغم من السنين اللي مرت الا اني جاية النهاردة عشان اقولك نفس اللي قولتهولك من ١٧ سنة. محمود عايز يتجوزك..
المرة دي بقى لما سمعت كلامها مفرحتش، بس افتكرت فرحتي زمان، و لقيت نفسي بعيط. بعيط على كسرة خاطري وعلى عمري اللي راح، و على قلبي اللي اتوجع، ولقيتني بقولها:
ـ زي ما قولتي يا نهلة السنين جريت، و اللي كان ممكن يحصل من ١٧ سنة استحالة هيحصل دلوقتي..
لقيتها بتقولي بلهفة:حكايات نورهان العشري
ـ ليه بتقولي كدا؟ محمود لسه لحد دلوقتي متجوزش،. وبيحبك من وقت ما شافك وعرف الكذبة اللي أخوكي كذبها عليه وهو هيتجنن. انتوا اتلعب بيكوا و ضاع عمركوا هدر. الحقوا اللي باقي منه. محدش هينفعك يا زينات. كله شاف حياته إلا أنتِ. هتعيشي الباقي من عمرك وحيدة بين أربع حيطان؟
الكلام رد في عقلي، ولقيت نفسي عند آخر جملة قلبي بيتقبض من كلامها، و حسيت بخوف مفاجىء و فجأة اتخيلت اني ممكن أموت لوحدي هنا ومحدش يحس بيا.
لقتني بحكيلها على اللي حصل من اخواتس و بعيط، و هي فضلت تواسي فيا. اليوم دا مقدرتش اديها رد، و فضلت بعدها أسبوع في شقتي ضغطي كان عالي و تعبانه و مكنتش لاقية حد يناولني حتى كباية ميه، و بقى كلام نهلة يرن في ودني. لحد ما قررت أخرج اشم هوا عشان فعلًا كنت مخنوقة.
و لسه يدوب بفتح الباب لقيت نهلة قدامي، والمرة دي مش لوحدها. لقيت محمود كمان معاها..
اتصدمت و حسيت اني رجعت للحظة البنت الصغيرة اللي كان قلبها بيدق لما تقابل حبيبها، اتلخبطت مبقتش عارفة اقولهم اتفضلوا ولا ارجعوا، لحد ما سمعت محمود بيقولي:
ـ عايزين نقعد في مكان بره نتكلم شوية
و فعلا خرجت معاهم، و قعدنا في مكان على النيل، ولقيت محمود بيقولي بصراحة صدمتني:
ـ أنا عايز اتجوزك يا زينات.
لقتني ببصله مش عارفة أقوله ايه؟ لكن هو وفر عليا كتير لما قالي بنبرة لمست قلبي:
ـ لو كنت حبيتك زمان قيراط النهاردة حبيت أربعة و عشرين. أنتِ أصيلة اوي يا زينات وحنينة اوي. خلينا نتجوز و نكمل اللي باقي من حياتنا سوى. كفاية اللي ضاع
بصيت في الأرض و حسيت اني هعيط. افتكرت اللي حصل، واللي عملوه اخواتي، ولقيت حاجة جوايا بتقولي وافقي. عيشي لنفسك مرة واحدة.
رفعت راسي وقولتله
ـ موافقة.
شوفت الفرحة في عنيه و في ضحكته و سمعتها في صوته وهو بيقول:
ـ وعد مني مش هتندمي أبدًا، و هشيلك في عيني وفي قلبي..
حسيت قلبي بيرفرف من الفرحة، و قد ايه الكلام الحلو دا انا كان نفسي اسمعه. زي ما يكون روحي كانت عطشانه حب وحنية، واني قابلت محمود في الوقت الصح، بس كان لازم كل حاجة تمشي مظبوط. روحت لإمام المسجد عندنا و حكيتله كل حاجة، و طلبت منه يكون وكيلي، لكن هو قالي أنه هيتكلم مع سامي أخويا الأول يمكن قلبه يلين. لكن ازاي الحجر يلين؟!
اخويا سامي متكسفش وهو بيقوله بغضب:
ـ تتجوز! عبيطة دي ولا أيه؟ في واحدة في سنها تفكر تتجوز! لا و بتقولها وهي فرحانه من غير ما تتكسف على دمها ولا على شيبتها!
إمام الجامع اتصدم وقاله بعتاب:حكايات نورهان العشري
ـ ايه يا ابني الكلام دا؟ تتكسف من ايه وسن ايه ؟ دا حلال ربنا، واختك وقفت جنبكوا وضيعت عمرها عشانكوا. دا رد الجميل؟ الظلم وحش يا سامي. اتقي الله في أختك ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم
“وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون”
من سورة الشعراء، الآية 227
حسيت أن سامي اتهز شوية لكن فضل بردو على موقفه، وبعد ما مشي اتكلمت مع الشيخ اللي قبل يكون وكيلي، و مر أسبوع وانا و محمود بنتكلم زي المراهقين بيطمن عليا كل يوم و بطمن عليه حسيت أن حياتي بقى ليها طعم و معنى اتاريني كان فايتني كتير اوي، و محمود كان فعلا بيحبني، وأنه مقدرش يرتبط بعدي. لكن للمرة اللي معرفش عددها تتكسر فرحتي.
في يوم لقيت محمود بيكلمني، وبيقولي أنه جايله غرامة كبيرة من الضرايب، و كأن هيتجنن ازاي دا يحصل، و أنه مظبط كل ورقه وعمر دا ما حصل معاه، وهنا كانت صدمتي.
سامي أخويا بيشتغل في الضرايب واكيد هو اللي عمل كدا، ومش بس كدا. دا بعت لمحمود أنه لو مبعدش عني هيحبسه.
مكنش قدامي حل غير اني ادخل
تابع الجزء الثالث.
بعد الصبر جبر ج٣ بقلم نورهان العشري
تابع الجزء الثالث 👇
مكنش قدامي حل غير اني ادخل. كلمت أبو مرات سامي، و قولتله يقابلني عنده في البيت، و روحت على هناك. شقة سامي دي اللي هي شقة أمي، و هو اشترى الشقة اللي جنبها و فتحهم على بعض أو بمعنى أصح أنا اللي اشتريتها، و عشان كان يقدم على شقة في الاسكان خلى صاحب البيت يكتبلي الشقتين باسمي، و قولتله مش هرجعهالك غير لما اجيب لأخوك شقته عشان تبقوا زي بعض، وعشان هو كمان له في ورث في شقة بابا، وماما.
سبحان الله ربنا اللي عمل كدا عشان الوقت دا.
قعدت مع سامي ومراته و حماه، وحكتلهم على اللي حصل و في نهاية الكلام قولت لحما سامي:
ـ و دلوقتي انا محتاجة الشقة دي عشان ادي تمنها لمحمود عشان يكمل عليه ويدفع ديونه للضرايب اللي جابها عليه سامي بالظلم. دا حقي يا حاج رجب ولا مش حقي؟
الراجل اتصدم مش علشان أنا عايزة الشقة. لا. دا عشان متخيلش أن سامي يكون كدا. لقيته بيقوله بصدمة:
ـ أنت ازاي تكون وحش كدا؟ ازاي تعمل كدا في أختك اللي شالتك ووقفت جنبك لحد ما بقيت راجل ملو هدومك! دانا على كدا عمري ما هآمن على بنتي معاك؟ اذا كنت عملت كدا في اللي من لحمك و دمك هتعمل فيها هي ايه؟
سامي كان زي اللي مضروب على دماغه من كلام حماه، حتى مراته مسكتتش لقيتها بصتله بغضب وقالتله :
ـ معقول أنت تبقى كدا يا سامي؟ يعني لو جرالنا حاجة يرضيك ولادك عمر و حمزة يعملوا كدا في مي بعد ماتشيلهم و تكبرهم؟ أنا مصدومة فيك ..
سامي كان في ربع هدومه و لأول مرة أشوفه في الوضع دا بس مكنش قدامي غير كدا عشان أرده عن ظلمه. تخيلوا اني اكون في السن دا و بحارب عشان اخد حقي الطبيعي في الحياة اني يكون ليا حياة من الأساس..
لقيت سامي أخويا بصلي بندم وقالي:
ـ حقك عليا يا زينات. أنا أسف، و موضوع الضرايب دا انا هحله زي ما عملته.
اتكلم حماه بهيبة:
ـ اسمعي يا بنتي. أنتِ بنت أصول و جدعة و مشوفناش منك غير كل خير. وانا هعمل معاكي اللي عملته مع بنتي دي لما اخوكي جه يخطبها، وهقعد اتفق مع خطيبك، و هكون وكيلك في كتب كتابك، ولو اخواتك مرديوش يحضروا بناقص. أنتِ ليكي أهل…
عنيا دمعت من كتر ما اتأثرت بالكلام، و خصوصا لما داليا مرات سامي قامت حضنتني وقالتلي بحب:
ـ طول عمرك حنينة عليا و على ولادي و مشوفتش منك حاجة وحشة، وهقف جنبك كأنك أختي، و سيبك منهم خالص. هما اللي خسرانين مش أنتِ..
حضنتها اوي وانا مش مصدقة نفسي اني هلاقي حد جنبي في اليوم دا، و الحمد لله سامي قدر أنه يظبط موضوع الضرايب، و جه يوم كتب كتابي داليا كانت معايا في كل حاجة و هي اللي ذوقتني و لبستني و كان معايا اخواتها البنات و إخوتها الصبيان هما اللي كانوا شهود على كتب كتابي وانا قاعدة قدام المأذون لقيت سامي و معاه أخواتي داخلين عليا. اتفاجئت و فرحت بس لقتني بدور وشي الناحية التانية حبيت اقولهم اني مش محتجاهم. بس اتفاجئت لما جم اتلموا حواليا كلهم وقعدوا يبوسوا في راسي و ايدي.
مقدرتش أردهم حتى لو جوايا وجع كبير اوي منهم. حضنتهم، و فرحت بلمتهم حواليا. يمكن يكونوا جم عشان خايفين أخد منهم اللي ادتهولهم. أو عشان أفضل ادي زي مانا. أو يمكن يكونوا ندموا على اللي عملوه.
معرفش بصراحة بس أنا كنت فرحانه لأول مرة من سنين افرح كدا. محبتش افكر في حاجة، وبصيت لمحمود اللي كان فرحان ولا اكنه الشاب الصغير اللي حبته من ١٧ سنة.
و بعد ما كل الناس مشيت لقيته قرب وخدني في حضنه قعد يبكي، و كأنه طفل صغير كان تايه من أمه و ما صدق لقاها.
الحمد لله على كل حاجة مريت بيها. الوجع قبل الفرح. جبر ربنا ليا و الحب والحنان اللي شفتهم من محمود نسوني كل حاجة، و خصوصًا وانا النهاردة ولدت وجبت ولد و بنت بعد ما عملت تلت مرات حقن مجهري عشان اقدر اخلف، وكل مرة يفشل بس أنا كان عندي إصرار رهيب عليه. قولت ربنا اللي جبر بخاطري بعد السنين دي كلها بمحمود حب حياتي. قادر يجبر بخاطري تاني وتالت، و عملت العملية للمرة الرابعة و الحمد لله ربنا كرمني وشايلة بين إيديا ولادي. عشان كدا عمري ما هبطل الحمد لله على كل حاجة يجبها ربنا…
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه 🩵
تمت بعد الصبر جبر بقلم نورهان العشري


تعليقات
إرسال تعليق