سكريبت حماتى زقتنى كامله رومانى مكرم
حماتى زقتنى كامله رومانى مكرم
حماتي زقتني من على السلم، سقطت البيبى دخلت المستشفى وبعد ما فوقت، مضيت ورق الطلاق واختفيت من غير ما أنطق بكلمة واحدة. في الليلة دي، كان جوزي “عصام” قاعد بيضحك في سريرنا مع عشيقته “سوزي”، وفجأة تليفونه رن… كان الدكتور أحمد. قال له ببرود: “مراتك كانت حامل… وسقطت، والتحاليل والإشاعات بتاعتك بتأكد إنك عقيم وعمرك ما هتقدر تخلف أصلاً!”. التليفون وقع من إيده في نفس اللحظة اللي وصلت له فيها رسالتي الأخيرة: “اشبع بقى بالعيلة اللي اخترتها!”.
الحكاية من أولها…
آخر حاجة سمعتها قبل ما راسي تخبط في رخام السلم، كان صوت حماتي “الحاجة فوزية” واطي ورايق، كأنها لسه مصلحة مفرش كروشيه معوج على السفرة:
— “عشان بعد كده تعرفي مقامك كويس وتلزمي حدودك يا بت بتوع الفول والطعمية.”
وبعدها جت الخبطة. مكنش صوتها عالي، بس كانت جافة، بيضا، وحاسمة. سقعة البلاط عضت في جسمي، النفس هرب من صدري، والدنيا ضلمت في عيني حتة ورا حتة.
فقت على نور كشافات مستشفى القصر العيني وهو ضارب في عيني وبيوجعني. الريحة كانت ميكس بين ديتول ومطهر وبلاستيك نظيف وورد رخيص دبلان قبل وقته. كان في غرز فوق حاجبي، وسور بلاستيك في معصم إيدي مكتوب عليه اسمي، وفراغ في بطني… فراغ مبشبهش أي وجع خبطة تانية.
الدكتور “أحمد” كان واقف جمب السرير وماسك في إيده التقرير الطبي. بص لي وقال بأسف:
— “شدي حيلك يا مدام رضوى… إنتي كنتي حامل في الأسبوع الثامن.”
إيدي جريت على بطني من غير ما أحس، وهمست بصوت مبحوح ودموعي نازلة:
— “لأ… مش ممكن، ابني لا.”
بص للأرض وقال:
— “الوقعة من على السلم هي السبب في الإجهاض.”
“عصام” مجاش…
مجاش يعتذر، ولا حتى اتصل بأمن المستشفى يطمن. مألموش ضميره يسأل على نتيحة الإشاعة أو التقرير اللي بيقول إني المفروض مأقومش من السرير من غير مساعدة.
بدل ما ييجى، “الحاجة فوزية” بعتت لي بوكيه ورد بلدي دبلان مع البواب!
ومعاه كارت مكتوب فيه بخطها: *”الوقعات بتحصل يا حبيبتي، بلاش دراما ومحن نسوان بقى.”*
في اللحظة دي بالذات، الوجع اللي جوايا اتقلب لـ غل وتلج.
على مدار تلات سنين، عصام وأمه كانوا بيعاملوني كأني حتة يتيمة شحاتة كتر خيرهم إنهم فتحوا لي باب بيتهم في الحارة وخدوني. تريقوا على لبسي البسيط، فتشوا ورايا في كل قرش مصروف بيت، وكانوا دايما يفكروني — باللتاتة والسهوكة بتاعة الناس اللي شافت قرشين فجأة — إن الشقة دي، والعربيات، وشركة المقاولات، كلهم بتوع “عيلة السيوفي” وهو بس.
مكنوش يعرفوا إن أبويا الله يرحمه — اللي كان مقاول قديم ومستور— ساب لي ورث وشبكة أمان في البنك وقصر متأجر قيمتهم **80 مليون جنيه**.
ومكنوش يعرفوا إن الفلوس دي متشالة ومحمية ورا قوانيين ومحامين كبار، واسمي مش ظاهر في أي حتة ممكن عصام يفكر يدور فيها. صاحبتي وأختي ومحاميتي “منى” كانت دايما تحذرني وتقولي: *”يا رضوى، تزييف الفقر وسط ناس جعانة وجشعة ده خطر”*، بس أنا كنت ببتسم وبقولها: *”الصبر بيكشف القلوب، وعايزاه يحبني لنفسي”*.
والقلوب اتكشفت خلاص… أنا بس اللي كنت مغمية عيني بـ غباوة ومش عايزة أشوف.
عصام كمان مكنش يعرف إنه من سنتين، لما شركته للمقاولات والبُنا كانت خلاص بتفلس وعليها شيكات وهتخرب، أنا اللي أنقذتها من تحت التراب في السر، ومضيت بـ “توقيع مستعار” لشركة وهمية بتاعتي. في ورق السجل التجاري، شركتي دي كانت تملك 62% من أسهم شركته. وحتى الشقة الكبيرة والعربية الفخمة اللي كان بيتنطط بيها في وسط البلد ويقول “أنا وبس”، كانوا متأجرين باسم شركتي أنا!
أنا أخفيت الحقيقة دي كلها عشان كنت عايزة حب حقيقي، حب نضيف ملوش علاقة بالقرش.
بس السكوت في بيت ناس قاسية وعينها فارغة، مبيبانش تواضع… بيبان كأنه ضوء أخضر ليهم عشان يدوسوا عليكي.
قبل الليل ما يليل، دخلت عليا “منى” أوضتي في المستشفى ومعاها شنطة جلد سودا فيها نسختين من ورقة الطلاق على إبراء، وطلب عدم تعرض في القسم، وتعليمات بتجميد أي أصول أو حسابات أو سحب رخص مربوطة بتوقيعي. الممرضة قفلت الستارة حوالينا، وجهاز نبضات القلب كان شغال بانتظام، كأن جسمي لسه بيقرر إذا كان في أمل يعيش ولا لأ.
“منى” بصت في عيني وسألتني بجدية أولاد البلد:
— “أنتي متأكدة يا رضوى؟ مفيش رجوع؟”
بصيت للكرسي الفاضي اللي جمب السرير، المكان اللي كان المفروض جوزي النطع يبقى قاعد عليه يواسيني في ابننا. وقلت وصوتي كله قوة وعزم:
— “على الآخر يا منى.. امضي.”
مضيت في المكان اللي شاورت لي عليه. منى صورت كل صفحة بالموبايل، وسجلت الوقت بالدقيقة على الملف، وكلمت مدير مكتب إدارة أموالي وقالت له: “نفذ القرار دلوقتي”.
الممرضة ساعدتني أخرج من باب الطوارئ ورا المستشفى. مأخدتش معايا أي غويشة ولا خاتم دهب من اللي جابهم لي، ولا لبس، ولا حتى صور من بيت عمره ما حسسني بأمان. أخدت بس السلسلة الفضة والانسيال بتوع أمي الله يرحمها اللي كانوا معايا في كيس المستشفى.
عصام مكنش بيدور عليا في الليلة دي.
كان في شقتنا مع “سوزي”، قاعدين يضحكوا ويسهروا على الملايات اللي أنا لسه غسلاها ومطراها بإيدي من يومين، وقزازة الحاجه الساقعة والفاكهة على التربيزة. الحاجة فوزية كانت لسه باعتا لـ عصام رسالة على الواتساب بتقوله فيها: *”البت غارت في داهية وطفشت أخيراً، والبيت نضف وبقى بتاعنا، مبروك عليك يا قلب أمك”*.
#الكاتب_رومانى_مكرم
وفجأة… تليفونه اتهز وصوته رن في الأوضة.
ظهر على الشاشة: “الدكتور
عصام رد بالصوت المتعجرف والناشف اللي بيكلم بيه البوابين أو الشغالين:
— “أيوة.. مين؟ اخلصوا مش فاضي.”
بس على الناحية التانية، الدكتور “أحمد” مكنش عنده وقت للمهاترات، وقال له الكلمتين اللي طيروا برج من دماغه وخلوه يندم على اليوم اللي اتولد فيه…
يا ترى الدكتور أحمد هيقوله إيه، وعصام هيعمل إيه لما يعرف إن الطاووس اللي كان عمال يتنطط بيه طار، والشركة والشقة والعربية بقوا في الهوا؟”
الدكتور أحمد أخد نفس طويل، صوته في السماعة كان هادي، بس الهدوء ده كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. قال له بنبرة باردة ومفيش فيها أي مشاعر:
— “معاك الدكتور أحمد من مستشفى القصر العيني. أنا بكلمك بخصوص المدام رضوى… للأسف المدام وصلت هنا بعد ما وقعت من على السلم، وحصل لها إجهاض كامل. هي كانت حامل في الأسبوع الثامن.”
عصام اتعدل في سريره، ملامحه اتمطت ببرود، وبص لـ سوزي اللي كانت بتلعب في خصلات شعرها وبتضحك بدلع. رد بكل غلظة:
— “وأنا مالي؟ ما تغور، هي اللي مهملة وبتدلع، وبعدين دي وقعة سلم يعني مش حوار.. اخلص يا دكتور وشوف هتمضوها على خروج إمتى عشان أنا مش فاضي أجي وجع دماغ.”
الدكتور أحمد قاطعه بصوت حاد وزي الس..كينة:
— “استنى هنا يا أستاذ عصام.. إنت مالي ونص! الكلام اللي جاي ده يخصك إنت بالذات. إحنا لما المدام دخلت، عملنا كل الفحوصات والإشاعات، وبناءً على فصيلة الدم والتحاليل الجينية اللي كانت مطلوبة لتوثيق حالة الإجهاض، وعينات المقارنة اللي سحبناها… أنا مضطر أبلغك بالتقرير الطبي النهائي اللي طلع من المعامل المركزية دلوقتي. التحاليل والإشاعات بتاعتك إنت شخصياً، من واقع ملفك القديم اللي متسجل عندنا في المستشفى لما كنت بتعمل عملية الدوالي من سنتين، وبمطابقتها مع النتايج الحالية… بتأكد إنك عقيم تماماً! إنت عندك غياب كامل في الحيوانات المنوية، ونسبة الخصوبة عندك صفر. يعني بالبلدي كده… عمرك ما خلفت، وعمرك ما هتقدر تخلف أصلاً!”
الكلمة نزلت على ودن عصام زي الصاعقة. ضحكة سوزي اختفت فجأة لما شافت وشه اتقلب لـ لون أزرق باهت، وعينيه برقت لدرجة الخوف. الدكتور كمل كلامه من غير رحمة:
— “المدام كانت حامل في طفل… والتحاليل بتقول إن مستحيل يكون ابنك، بس المفاجأة الأكبر إن التحليل الجيني للجنين أثبت إنك مش الأب، ولما واجهنا المدام قبل ما تمشي، قالت لنا الحقيقة كاملة.. الطفل ده كان نتيحة عملية حقن مجهري بأجنة مجمدة من زوجها السابق اللي اتوفى من أربع سنين، وهي كانت محتفظة بيهم قانونياً ورسمياً في مركز الخصوبة، وعملت العملية في السر من وراك عشان كان نفسها يبقى عندها طفل يحميها، ولأنها كانت عارفة حقيقتك وحقيقة أهلك!”
التليفون وقع من إيد عصام على الملاية. الصوت قطع، والدنيا لفت بيه. في نفس الثانية دي، تليفونه اتهز تاني.. كانت رسالة واصلة من رقم رضوى. فتحها وإيديه بتترعش كأنه ماسك جمرة نار، قرا السطر الوحيد اللي مكتوب فيها:
*”اشبع بقى بالعيلة اللي اخترتها! الطاووس اللي كنت بتتفشخر بيه طار.. وبص تحت رجليك كويس قبل ما تتكلم عن المقامات.”*
عصام وقف في نص الأوضة زي المجنون، بيصرخ في سوزي:
— “اطلعي برة! برة!”
لبس هدومه بأي طريقة ونزل جري على السلم، ركب عربيته المرسيدس وهو مش شايف قدامه، وطار على مستشفى القصر العيني. دخل يزعق ويدور على أوضة رضوى، بس الممرضة وقفته ببرود وقالت له:
— “المدام كتبت طلب خروج على مسؤوليتها ومضيت ورق الطلاق على إبراء من ساعتين.. واختفت، ومفيش أي حد يعرف مكانها.”
رجع عصام البيت ودموعه نازلة من القهر والصدمة، دخل الشقة لقى أمه “الحاجة فوزية” قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل، وبتشرب شاي وبتزغرد بصوت واطي:
— “مبروك يا قلب أمك، العقربة غارت.. والبيت فضي لينا، يالا بقى عشان نخطب لك سوزي هانم اللي هتملا عليك الدنيا عيال.”
عصام بصلها بعين حمرا ك الدم، وصوته طلع مخنوق:
— “عيال؟ عيال إيه يا أمي! الدكتور لسه مكلمني.. أنا عقيم! عقيم مش بخلف! رضوى كانت حامل من أجنة جوزها الميت بالحقن المجهري.. وإنتي.. إنتي اللي زقتيها وضيعتي السر اللي كان هيسترني قدام الناس! طردتيها وضيعتي كل حاجة!”
الحاجة فوزية قطعت كلامه بضحكة صفرا وقالت:
— “عقيم إيه وخيبتك إيه؟ ده كلام مستشفيات حكومة عشان تداري على وساختها! وبعدين غارت في ستين داهية، الشقة دي تسوى لها 5 مليون جنيه، وعربيتك والشركة أهم، بكره نجيب ست ستها وتكتب لها عيال باسمك!”
وفي وسط خناقتهم، تليفون عصام رن تاني.. المرة دي مكنش الدكتور، ده كان “مدحت” المحاسب القانوني بتاع شركة المقاولات بتاعته. عصام رد وهو بيلهث:
— “أيوة يا مدحت.. في إيه إنت كمان؟”
صوت مدحت كان مرعوب ومبحوح:
— “الحق يا عصام بيه.. المصيبة حلت علينا! من نص ساعة بالظبط، السجل التجاري اتبعت لنا منه إخطار رسمي. الشركة الوهمية اللي كانت شارية 62% من أسهم شركتنا وعملت لنا إعادة هيكلة من سنتين.. رفعت علينا قض..ية حجر وتنفيذ فوري، وسحبت كل الأصول! مش بس كده.. الشقة اللي إنت قاعد فيها دلوقتي، والعربية المرسيدس اللي بتركبها، طلعوا مأجرين بعقود رسمية باسم نفس الشركة، والشركة دي بعتت أمر إخلاء فوري للشقة بالبوليس خلال 24 ساعة، وحجزت على العربية من التتبع!”
عصام حس إن ركبه مش شايلاه، قعد على الأرض وهو بيشد في شعره:
— “شركة إيه يا مدحت؟ ومين صاحب الشركة دي أصلاً؟! مين اللي يقدر يعمل فيا كده في ليلة واحدة؟”
مدحت رد بصوت واطي ومليان صدمة:
— “المالك الفعلي والرئيس التنفيذي للشركة دي.. هي المدام رضوى عبد الحميد.. مراتك! طلعت هي اللي كانت شارياك وشارية شركتك، وهي اللي منعت حبسك من سنتين.. ودلوقتي قفلت الحنفية، ودمرت كل حاجة في لحظة!”
الحاجة فوزية لما سمعت اسم رضوى، كوباية الشاي وقعت من إيدها واتشظت على رخام الصالة. الوش الخشب اللي كانت بتتنطط بيه اتقشر، وبان الرعب في عينيها. بصت لابنها اللي بقى نايم على الأرض منهار وبيعيط زي العيال الصغيرة، وبدأت تصرخ:
— “رضوى؟ بت بتوع الفول والطعمية تعمل فينا إحنا كده؟! تاخد شقائي وعمري وعمر ابني؟”
في نفس اللحظة دي، برة الحارة، كانت في عربية جيب سوداء وفخمة جداً واقفة على أول الشارع الرئيسي. رضوى كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، لابسة نظارة سودا مخبية عينيها التعبانة، ووشها باهت بس ملامحها حاسمة وقوية زي الصخر. جمبها كانت “منى” المحامية ماسكة اللابتوب وبتقفل الملفات.
منى بصت لـ رضوى وقالت:
— “كل حاجة اتنفذت بالحرف يا رضوى. الشقة، العربية، الشركة، كله رجع لحضنك بقوة القانون. هما دلوقتي في الشارع حرفياً.. وعصام عليه شيكات من غير رصيد للعمال والموردين بقيمة 12 مليون جنيه، يعني مسألة وقت والشرطة هتقبض عليه.”
رضوى من غير ما تلتفت وراها، بصت للطريق القدام وقال بصوت هادي ومفيش فيه تراجع:
— “الناس اللي بتدوس على قلوب البشر عشان فاكرين إن الفلوس والمقامات بالمنظرة، لازم يتعلموا الدرس من تحت الصفر. أنا مش زعلانة على اللي فات.. أنا زعلانة على الغباء اللي خلاني أفتكر إن الثعبان ممكن يغير جلده بالحب. اطلعي يا منى.. الحكاية لسه بتبدأ، وأنا مش هسيب حقي ولا حق ابني اللي مات من غير ما أشوف فوزية وعصام وهم بيشحتوا في الملكوت اللي كانوا فاكرين إنهم يملكوه.”
العربية اتتحركت في وسط ضلمة الليل، وسابت وراها حارة بتغلي، وعصام واقف في البلكونة بيبص لعربيته وهي بتتجر على ونش الحجز، وأمه بتلطم على وشها في الصالة.. من غير ما يعرفوا إن اللي جاي هيكون أشد بكتير من مجرد خسارة فلوس.
حماتى زقتنى 2
## الجزء الثاني: زلزال في حارة السيوفي
مرت الساعات الأولى بعد ليلة الدمار وكأنها دهر كامل داخل جدران الشقة التي لم تعد ملكهم. مع دقات الثامنة صباحاً، لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت طرقات عنيفة ومتتالية على الباب الخشبي الخارجي.
عصام، الذي قضى ليلته ملقى على أرضية الصالة بملابس الخروج المجعدة وعينيه الحمراوين الغائرتين، انتفض من مكانه فزعاً. خلفه خرجت الحاجة فوزية برداء منزلي مهلهل، وجهها الذي كان يشع كبراً بالأمس بات باهتاً كالموتى.
فتح عصام الباب ليتفاجأ برجل يرتدي حلة رسمية صارمة، وبجانبه ضابط شرطة واثنين من أمناء الشرطة، وخلفهم يقف حارس العقار بنظرات انكسار وشماتة مواربة.
تحدث الرجل ذو الحلة الرسمية بنبرة حاسمة:
— “أستاذ عصام السيوفي؟ أنا الأستاذ رمزي، المستشار القانوني لشركة ‘النور للمقاولات والاستثمار’.. شريكتكم السابقة والمالكة الحالية للعقار والمحتويات. معانا صيغة تنفيذية من المحكمة بإخلاء الشقة فوراً وتسليمها خالية من الأشخاص.”
صرخت الحاجة فوزية وهي تدفع ابنها جانباً:
— “إخلاء إيه يا عمر افندي أنت؟! دي شقة ابني.. شقة عيلة السيوفي! أنت مش عارف بتتكلم مع مين؟”
وجه الضابط نظرة حادة للحاجة فوزية وقال بصوت جهوري:
— “يا حاجة الزمي حدودك ومتعطليش شغلنا. الورق رسمي ومختوم بختم النسر. قدامكم بالضبط نص ساعة تاخدوا هدومكم الشخصية، وأي حاجة تانية في الشقة من عفش وأجهزة محجوز عليها لصالح ديون الشركة الفاشلة.”
انحنى عصام، والطاووس الذي كان بداخله قد ذُبح تماماً، همس وصوته يرتجف:
— “يا فندم.. بس أمهلونا لأخر اليوم.. أروح فين بأمي في الشارع؟”
رد المستشار رمزي ببرود جاف:
— “المدام رضوى عبد الحميد أمهلتكم تلات سنين كاملين يا عصام بيه.. والوقت انتهى. نص ساعة.. والبوليس هيقفل الباب بالشمع الأحمر.”
## الهروب إلى القاع
في مشهد لم تدع الحارة أحداً يفوته، خرجت الحاجة فوزية وهي تحمل حقيبة قماشية قديمة تحوي بعض ملابسها، وخلفها عصام يجر قدميه حاملًا حقيبتين، بينما كان “الونش” بالأسفل قد انتهى بالفعل من رفع السيارة المرسيدس وتثبيتها تمهيداً لجرها إلى مخازن التحفظ.
جيران الأمس، الذين كانوا يتلقون نظرات التعالي من الحاجة فوزية، وقفوا في الشرفات وعلى ناصية الشارع يتهامسون. لم تجد فوزية وعصام ملجأً سوى شقة قديمة متهالكة في أطراف العشوائيات، كانت ملكاً لأخت فوزية المتوفاة، شقة برائحة الرطوبة والجدران المقشرة، لا تشبه في شيء قصر السيوفي الوهمي.
بمجرد أن أغلقوا الباب الخشبي المكسور لتلك الشقة، انفجرت فوزية في الصراخ:
— “أنا يتقال لي يا بت بتوع الفول والطعمية؟ أنا أترمي في الشارع عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟! كلم المحامي بتاعك يا عصام.. ارفع عليها قض..ية طاعة.. ارفع قض..ية سرقة.. لازم تحبسها!”
ضرب عصام بيده على الحائط السيراميكي المتسخ وصاح بجنون:
— “محامي إيه وقض..ية إيه يا أمي؟! أنا مديون بـ 12 مليون جنيه شيكات مقاولين وعمال! المحاسب قفل تليفونه، والموردين قالبين عليا الدنيا! رضوى مش سارقة حاجة.. رضوى كانت بتشتري أسهم الشركة باسمها من سنتين لما كنت أنا بسهر مع سوزي وبمضي على ورق مش فاهمه عشان أنقذ نفسي من الحبس! الشقة والعربية كانوا بيتدفع إيجارهم من حساب شركتها.. إحنا كنا عايشين في خيرها وهي ساكتة!”
ثم هبط على ركبتيه ودفن وشه بين كفيه وهو يبكي بحرقة:
— “والأوسخ من ده كله.. أنا مش راجل يا أمي.. أنا عقيم! التحاليل في القصر العيني طلعت من ملفي القديم.. يعني الفضيحة هتبقى بجلاجل وسط السوق.. مفيش شركة، مفيش فلوس، ومفيش عيال!”
## خلف الستار الأسود
في نفس تلك الساعة، وفي الطابق الثامن من برج إداري فاخر يطل على النيل، كانت رضوى تجلس خلف مكتب ضخم من الزجاج الأسود. كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء كحلية، وشعرها مرفوع بعناية، ورغم الشحوب الذي يكسو وجهها أثر الإجهاض، إلا أن عينيها كانت تشع ببريق غامق يشبه النيران الخامدة.
دخلت “منى” المحامية وفي يدها ملف جلدي أحمر، وابتسامة انتصار ترتسم على شفتيها:
— “عصام وأمه استلموا الإخلاء الصبح يا رضوى. الحارة كلها اتفرجت عليهم وهما خارجين بالهدوم اللي عليهم. وعصام حالياً تليفونه مبيردش، بس الموردين بدأوا يرفعوا جنح الشيكات.. أول جلسة خلال أسبوع، وبأمر قضائي هيتمنع من السفر.”
لم تبتسم رضوى، بل ظلت ملامحها كالصخر، وقالت بصوت منخفض وحاد:
— “دي البداية بس يا منى. أنا مش عايزة عصام يتحبس في شيكات.. الحبس في شيكات خروج منه سهل بجدولة أو تسوية. أنا عايزة عصام وفوزية يدوقوا الذل حتة حتة.. عايزة فوزية اللي كانت بتعايرني بأبويا المقاول البسيط، تعرف إن الفلوس اللي كانت بتتمنظر بيها كانت فلوس المقاول البسيط ده.”
منى بتساؤل:
— “ناوية على إيه تاني؟”
التفتت رضوى بكرسيها نحو زجاج المكتب الناظر للنيل، وقالت وهي تضغط على قلمها الذهبي:
— “سوزي.. عشيقته. سوزي مش مع عصام عشان سواد عيونه، سوزي معاه عشان كانت فاكرة إنه صاحب شركة السيوفي للمقاولات. خلي حد من طرفنا يوصل لـ سوزي بطريقة غير مباشرة ويعرفها إن عصام بقى على الحديدة، وإن عليه 12 مليون جنيه.. وخليها تعرف كمان بموضوع التقرير الطبي وإنه عقيم. أنا عايزة السك…ينة اللي طعنتني بيها أمه، تيجي من أكتر واحدة هما وثقوا فيها.”
تابعت رضوى ونبرتها تزداد قسوة:
— “أما بالنسبة للحاجة فوزية.. فـ أنا عرفت إنها كانت شايلا قرشين دهب وشهادات استثمار باسمها في بنك مصر.. شقى عمرها القديم اللي كانت بتخبيه عن الكل. كلمي ‘مكتب التحريات’ اللي شغال معانا.. عايزة الديون والالتزامات اللي على شركة عصام تتسحب قانونياً بحيث تمس الضامنين.. وفوزية كانت ماضية معاه ضامن في قرض البنك القديم بضمان شهاداتها.. اسحبي الشهادات دي بقوة القانون لصالح المديونية.”
## الخيانة المرتدة
لم يمر سوى يومين حتى بدأت الخطة تؤتي ثمارها. في الشقة العشوائية الضيقة، كان عصام يحاول الاتصال بـ سوزي للمرة الخمسين، لكن هاتفها كان يعطي “غير متاح”.
أخيراً، سار عصام برجليه المتعبتين إلى الكافيه الفاخر الذي كانوا يلتقون فيه دائماً في وسط البلد. وجدها تجلس هناك، ترتدي نظارة شمسية وتدخن بشراهة، وبجانبها شاب آخر يضحك معها.
اندفع عصام نحو الطاولة وصاح بصوت مخنوق:
— “سوزي! مبترديش عليا ليه؟ أنا في مصيبة يا سوزي.. أمي طردوها من الشقة والشركة ضاعت!”
نظرت إليه سوزي من خلف نظارتها ببرود واستهزاء، وقالت وهي تشير له بوعاء الرماد:
— “جرى إيه يا شاطر؟ أنت جاي تعمل عليا نمرة هنا ولا إيه؟ شركة إيه وشقة إيه؟ أنا عرفت كل حاجة.. أنت طلعت مقلب! لا وكمان طلعت عقيم وكاتم السر وبتضحك عليا ومفهمني إنك هتطلق مراتها عشان مش بتخلف؟!”
صدم عصام وتراجع خطوة للخلف:
— “أنتي.. أنتي عرفتي منين؟”
ضحكت سوزي بصوت عالٍ أثار انتباه الموجودين:
— “السوق كله عرف يا عصام بيه! ورق قض..ية الحجر وإفلاس شركتك بقى على كل لسان في وسط البلد. وأنا بصراحة مش فاضية للمشاكل دي، ورجاءً ملمحش وشك تاني عشان منظري قدام الناس.. ويلا يا بابا من هنا من غير فضايح.”
خرج عصام من الكافيه والهواء يغلي في صدره. شعر بالدوار، والشارع يدور به. تذكر كلمات رضوى الأخيرة في رسالتها: *”اشبع بقى بالعيلة اللي اخترتها”*. لقد خسرت كل شيء.. زوجته النظيفة التي أنقذته، وعشيقته التي باعته في أول محطة، وأمه التي دمرت حياته بجشعها.
## المواجهة الأولى
في المساء، عادت الحاجة فوزية إلى الشقة العشوائية وهي تصرخ وتلطم على خديها بشكل جنوني، حتى تجمع الجيران على صوتها. دخلت الشقة ورمت حقيبتها على الأرض:
— “الحقني يا عصام! الحقني يا ابن بطني! رحت البنك أصرف عوايد الشهادات عشان نشتري لقمة ناكلها.. قالوا لي الحساب مجمد! الشهادات والدهب اللي في الخزنة اتحجز عليهم عشان القرض اللي كنت ضامناك فيه من سنتين! شقى عمري ضاع يا عصام! ضاع في الهوا!”
جلس عصام على الكرسي الخشبي المكسور، ولم يبكِ هذه المرة، بل ضحك ضحكة هيرستيرية باردة، ضحكة شخص فقد عقله تماماً:
— “ضاع؟ وطبعا هيضيع يا أمي.. رضوى مش سايبة حتة في جسمنا إلا وبتنهش فيها. أنتي زقتيها من على السلم عشان تخلصي منها.. وهي دلوقتي بتزقنا كلنا لجهنم!”
وفي تلك اللحظة بالذات، رن هاتف عصام. كان رقماً غريباً. رد بصوت ميت:
— “أيوة..”
جاءه صوت أنثوي هادئ، واثق، ورصين.. صوت كان يعرفه كويس، لكنه لم يعد يحمل ذلك الحنان القديم:
— “مساء الخير يا عصام بيه.. ومساء الخير للحاجة فوزية.”
تصلب عصام في مكانه، وهمس برعب:
— “رضوى؟!”
التفتت الحاجة فوزية بسرعة وعيناها متسعتان من الغل والخوف.
قالت رضوى عبر الهاتف بنبرة باردة كالثلج:
— “أنا كلمتك بس عشان أقولك إن القسط الأول من تمن دم ابني اللي مات لسه مخلصش.. الشقة والعربية والشركة والشهادات دول كانوا مجرد ‘المقبلات’.. الطبق الرئيسي لسه منزلش يا عصام. بكره الصبح المحامين بتوعي هيحركوا قض…ية جنائية ضد أمك بتهمة ‘الضرب المفضي إلى إجهاض عمدي’.. ومعانا تقرير مستشفى القصر العيني والتحاليل الجينية للجنين، وشهادة بواب العمارة اللي شافها وهي بتزقني وسجلت معاه منى في المستشفى.”
صرخ عصام:
— “رضوى.. ارجكي.. بلاش أمي.. أمي ست عجوزة مش هتستحمل السجن!”
قاطعت رضوى كلامه بصوت حاد كالسيف:
— “وأنا كنت بنت صغيرة ومستحملتش نزول ابني في بطني وسقعة بلاط السلم يا عصام! قفل المحاضر زمان بالحب والدية مبيشفيش الغليل.. أنا هخلي أمك تلبس الأبيض بتاع الحبس، وتدخل السجن برجليها بتهمة جناية.. وأنت هتقف تتفرج عليها وأنت مش قادر تدفع تمن محامي يدافع عنها.”
وقبل أن ينطق بكلمة، أغلقت الخط.
نظرت الحاجة فوزية لابنها بخوف حقيقي لأول مرة في حياتها:
— “قالت لك إيه يا عصام؟ البت دي عايزة تعمل فينا إيه تاني؟”
نظر إليها عصام وعيناه فارغتان تماماً من أي حياة:
— “بتقولك جهزي نفسك يا أمي.. عشان السجن في انتظارك.”
## الجزء الثالث: في ممر الفئران
لم تكن كلمات رضوى مجرد تهديد عابر لترهيبهم؛ ففي تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، كان ضابط المباحث بصحبة قوّة من أمناء الشرطة يقفون أمام باب الشقة العشوائية الضيقة. لم يتطلب الأمر الكثير من البحث، فصوت صراخ الحاجة فوزية المستمر منذ ليلتين كان دليلاً كافياً ليدلّ القاصي والداني على مكانهم.
خرجت فوزية يجرّها اثنان من أمناء الشرطة، وهي تصرخ وتكيل الشتائم لرضوى وللجميع، بينما كان الجيران الجدد ينظرون إليها باحتقار، وبعضهم يبصق على الأرض تنديداً بالمرأة التي تجرأت على إسقاط زوجة ابنها الحامل. أما عصام، فقد وقف على ناصية الشارع الضيق، بجسد هزيل وأعين منكسرة، عاجزاً عن تحريك ساكن أو دفع القوة الأمنية بعيداً عن أمه.
تم اقتياد الحاجة فوزية إلى قسم الشرطة التابع للحارة القديمة، وهناك، جُرِّدت من مظاهر الاستعلاء الزائفة. أُودعت حجز السيدات في انتظار العرض على النيابة المسائية. كان المشهد داخل الحجز صدمة مرعبة لامرأة عاشت تظن أن أموال ابنها تحميها من الخطأ؛ الرائحة الخانقة، الوجوه القاسية، والجلوس على الأرض المتسخة في زاوية مظلمة.
## السقوط في الفخ القضائي
في موازاة ذلك، كان عصام يهرول كالمجنون بين مكاتب المحامين في وسط البلد، يعرض عليهم القض..ية وصوته يرتجف. لكن الصدمة كانت تلاحقه في كل مكتب يدخله. بمجرد أن يقرأ المحامي اسم المدعية “رضوى عبد الحميد” ويطلع على المستندات المرفقة، كان يعتذر ببرود:
— “يا أستاذ عصام، القض…ية دي خسرانة، والطرف التاني معاه مكتب مستشاريين قانونيين يهدّوا جبال. التقرير الطبي من القصر العيني حاسم، وشهادة بواب العمارة موثقة، والتحاليل الجينية للجنين تثبت الجناية ونفي النسب ليك. دي قض..ية ضرب أفضى إلى إجهاض، وعقوبتها السجن المشدد. عشان ننقذ والدتك، محتاجين مصاريف وأتعاب مش أقل من نص مليون جنيه مبدئياً.”
وضع عصام يديه على رأسه وخرج يجر أذيال الخيبة. نص مليون جنيه؟ وهو لا يملك في جيبه ثمن مواصلة تعيده إلى الشقة العشوائية، والملامح القانونية لشركته المفلسة تحاصره بأوامر ضبط وإحضار في قضايا الشيكات التي بدأت تنهال على النيابات كالمطر.
## لعبة الهرير
في المساء، وداخل مكتب النيابة، جلست الحاجة فوزية أمام وكيل النائب العام، تترعش يدها ويهتز صوتها كبندول الساعة بعد أن فارقها الكبرياء:
— “يا بيه أنا مزقتهاش.. دي هي اللي رجليها لفت وهي نازلة.. دي بت بتوع فول وطعمية ومتبلية عليا عشان تاخد قرشين من ابني!”
في تلك اللحظة، تقدمت المحامية “منى” بخطوات وثيقة واثقة، ووضعت أمام وكيل النيابة حافظة مستندات جديدة:
— “يا فندم، نطلب إرفاق هذا التسجيل الصوتي الموثق للمتهمة، بالإضافة إلى إقرار كتابي بخط يد بواب العقار ‘عم مجاهد’ الذي تعرض لتهديد مباشر من المتهمة لولا تدخل مكتبنا لحمايته. المتهمة اعترفت صراحة في مكالمة هاتفية مسجلة بإسقاط المجني عليها انتقاماً لخلفيتها الاجتماعية.”
نظر وكيل النيابة إلى الأوراق، ثم وجه نظرة صارمة للحاجة فوزية وقال بحسم:
— “بناءً على التقرير الطبي الجنائي، وشهادة الشهود، وتوافر القصد الجنائي.. تقرر حبس المتهمة فوزية السيوفي أربعة أيام على ذمة التحقيق، وتُحال للمحاكمة الجنائية العاجلة مع استمرار حبسها.”
عند سماع الكلمة، سقطت فوزية مغشياً عليها على أرضية المكتب، بينما صرخ عصام الذي كان يقف خلف السلك:
— “أمي! يا بيه أرجوك.. كفالة.. أي حاجة!”
رد الحرس بدفعه للخارج:
— “برا يا أستاذ.. الجلسة انتهت.”
## خيوط العنكبوت تلتف
لم تكن رضوى تتابع الأخبار من بعيد فحسب، بل كانت تدير المشهد ببرود وبأدق التفاصيل. في صباح اليوم التالي، تلقت اتصالاً من منى أبلغتها فيه بقرار حبس فوزية وإحالتها للمحاكمة.
تنغمت رضوى بنبرة هادئة تحمل وزناً ثقيلاً من الأسى والانتصار في آن واحد:
— “وعصام؟”
ردت منى:
— “عصام حالياً نايم على رصيف المحكمة، بيدور على أي حد يضمنه أو يطلّع أمه بكفالة، والموردين عرفوا مكانه وبلغوا التنفيذ عنه. القوة هتحرك للقبض عليه في قضايا الشيكات خلال ساعات.”
قالت رضوى وهي تنظر إلى صورة قديمة لوالدها المقاول الراحل كانت تضعها على مكتبها:
— “أنا عايزة عصام يدخل نفس السجن اللي هتدخله أمه، بس مش في نفس العنبر طبعاً.. عايزاه يلبس الأزرق وهو عارف إن مفيش مخلوق في الدنيا هيسأل فيه. سوزي سابته، وأصحابه بتوع السهر اختفوا، وأمه اللي كانت بتقدسه هتبقي ورا السلك بسببه.”
تابعت رضوى وعيناها تلمعان بقسوة:
— “منى.. ارفعي الدعوى المدنية للمطالبة بالتعويض المؤقت بـ 5 مليون جنيه عن الأضرار الجسدية والنفسية الناتجة عن حادثة السلم. دي الخطوة اللي هتقفل عليهم المحبس تماماً، وتضمن إن حتى لو خرجوا بعد سنين، هيفضلوا مديونين ليا طول عمرهم.”
## ليلة السقوط الأخير
في ليلة قاسية شديدة البرودة، كان عصام يسير في شوارع القاهرة حافي القدمين تقريباً بعد أن سرق أحدهم حذاءه وهاتفه أثناء نومه للحظات على مقعد خشب في حديقة عامة. كان يتلفت حوله كالفأر المذعور، يخشى كل سيارة شرطة تمر بجانبه.
قرر بالصدفة العودة إلى الشقة العشوائية ليأخذ ما تبقى من ملابس أمه، لعل وعسى يبيعها ليشتري بها طعاماً. وبمجرد أن وضع مفتاحه الصدئ في الباب ودخل، أُضيئت أنوار الصالة فجأة.
لم يكن هناك لصوص، بل كان يقف ثلاثة من رجال المباحث يرتدون الملابس المدنية. تقدم أحدهم وبيده كلابشات حديدية لمعت تحت ضوء المصباح الهزيل:
— “عصام السيوفي؟ صادر ضدك 6 أحكام غيابية واجبة النفاذ في قضايا شيكات بدون رصيد وتبديد أصول شركة المقاولات. هات إيدك.”
لم يقاوم عصام، بل مد يديه بضعف واستسلام كامل، والصوت الوحيد الذي خرج منه كان أنيناً خافتاً. وضعوا الحديد في يديه، وقادوه إلى الخارج عبر نفس السلم المتهالك، ليلحق بأمه في غياهب الحبس النيابي.
وفي نفس تلك اللحظة، وصلت سيارة نقل تابعة لشركة رضوى، وبدأ العمال في تفريغ الشقة العشوائية من أخر قطع الأثاث القديمة المتبقية، لتباع في المزاد العلني تنفيذاً للأحكام القضائية. لم يتبقَّ لعائلة السيوفي شيء.. لا اسم، ولا مال، ولا جدران تسترهم.
انطوت الليلة، وعصام يقبع في زنزانة ضيقة ومظلمة، يسمع أصوات السجناء الآخرين يتهامسون عن “ابن عيلة السيوفي اللي بقا على الحديدة”، بينما كانت أمه في العنبر الآخر تبكي وتلطم وجهها في صمت، بعد أن أدركت أخيراً أن “مقامات الناس” لا تُقاس بالمنظرة الكاذبة، بل بنقاء القلوب.. وأن يد رضوى “بنت بتوع الفول والطعمية” كانت أقوى وأقسى مما تخيلت يوماً.
## الجزء الرابع والأخير: الحصاد المر
دارت عجلة العدالة سريعة وحاسمة، وجاء يوم الفصل الذي انتظره الجميع. قاعة محكمة جنايات القاهرة كانت غاصة بالناس، لكن مقاعد الدفاع عن عائلة السيوفي كانت خاوية تماماً؛ فلا مال بقي مع عصام ليستأجر محامياً كبيراً، ولا صديق من أصدقاء الأيام الخوالي تذكرهم في محنتهم.
وقف عصام داخل قفص الاتهام بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وجسده المنهك يرتعش، وبجانبه وقفت أمه “الحاجة فوزية” التي انحنى ظهرها، وغزا الشيب رأسها بالكامل، واختفت نظرات التعالي والغطرسة من عينيها ليحل محلها رعب قاتل.
في الجهة المقابلة، جلست رضوى في الصف الأول للمحكمة. كانت ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، تضع فوق كتفيها شالاً من الحرير، وعلى وجهها علامات هدوء وثبات غريب. بجانبها كانت المحامية منى تراجع اللمسات الأخيرة في المستندات.
أمسك الحاجب الميكروفون وهتف بجلال:
— “محكمة!”
ساد الصمت التام في القاعة، واعتلى القاضي منصته، ونظاراته الصارمة تتفحص أوراق القض..ية التي هزت الرأي العام. بدأ القاضي بقراءة الحيثيات بنبرة صوت جهورية تهز أرجاء القاعة:
> “إن المحكمة وهي بصدد الفصل في هذه الدعوى، قد استقر في وجدانها وعقيدتها، وبناءً على التقارير الطبية الجنائية القاطعة، وشهادة الشهود الموثقة، أن المتهمة الأولى ‘فوزية السيوفي’ قد تجردت من كل معاني الرحمة والإنسانية، ودفعتها الأحقاد والطبقية الزائفة إلى الاعتداء العمدي على المجني عليها، مما أفضى إلى إسقاط جنينها وحرمانها من طفلها. وحيث إن المتهم الثاني ‘عصام السيوفي’ قد تواطأ بالصمت والإهمال، وتورط في تبديد حقوق العباد بغير حق…”
>
تنحنح القاضي، ثم نطق بالحكم الفاصل:
— “حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، بمعاقبة المتهمة فوزية السيوفي بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات عما أسند إليها من اتهام بالضرب المفضي إلى إجهاض. ثانياً، بمعاقبة المتهم عصام السيوفي بالسجن لمدة 5 سنوات مع الشغل والنفاذ في قضايا النصب وتبديد الشيكات الدائنة، وإلزامهما متضامنين بدفع التعويض المدني المؤقت وقدره 5 ملايين جنيه للمجني عليها.”
ضرب القاضي بالمطرقة:
— “رُفعت الجلسة.”
ارتفع صراخ فوزية وعويلها داخل القفص وهي تتشبث بالقضبان الحديدية وتنظر إلى رضوى مستغيثة:
— “سامحيني يا رضوى! أبوس إيدك يا بنتي ارحميني.. أنا ست عجوزة ومش هتحمل السجن! ارحمي شيبتي!”
أما عصام، فسقط على ركبته داخل القفص، ودموعه تسيل في صمت وهو ينظر إلى زوجته السابقة نظرة ندم متأخر، ندم الشخص الذي طرد الملاك بيديه ليحتضن الشياطين.
لم تلتفت رضوى خلفها. نهضت بكبرياء، وعدلت شالها الحريري، وتحركت بخطوات ثابتة وثقة نحو باب القاعة، تاركة خلفها صراخ الظالمين يتردد بين الجدران الباردة.
## شروق جديد
بعد مرور عدة أشهر على صدور الحكم، وفي صباح يوم مشمس، كانت رضوى تقف في شرفة قصرها القديم المطل على حدائق المعادي الواسعة. كانت ملامح الشحوب قد اختفت من وجهها، وحل محلها سلام داخلي عميق.
دخلت منى الشرفة ومعها فنجانان من القهوة، وابتسمت قائلة:
— “المزاد العلني خلص النهاردة الصبح يا رضوى. تم بيع الشقة القديمة وبواقي أصول شركة السيوفي لتسديد جزء من التعويض المدني والمستحقات. عصام وفوزية دلوقتي مجرد أرقام في دفاتر السجون.. ومبقاش ليهم أي أثر في السوق.”
أخذت رضوى فنجان القهوة، ونظرت إلى الأفق حيث تشق الشمس خيوط الضباب، وقالت بصوت هادئ ومريح:
— “الحمد لله يا منى.. كدة حق ابني رجع، ونفوس أبويا ارتاحت في تربتها.”
وضعت رضوى يدها على بطنها، وابتسمت لأول مرة من قلبها منذ سنوات، ثم تابعت:
— “الدنيا دي دوارة يا منى، والقرش اللي بيخلي البني آدم يدوس على كرامة الناس، هو نفسه القرش اللي بيذله في الآخر لو كان من حرام وقسوة.”
## الحكمة من الحكاية
خرجت رضوى من هذه التجربة القاسية، ومعها أثمن ما يمكن للإنسان أن يتعلمه في حياته، حكمة خطت بدموع الألم والانتصار:
* **الأصل النظيف لا يثمن بمال:** إن المقامات والبيوت لا تُبنى بـ “المنظرة” الكاذبة، ولا بعدد السيارات والشقق الفاخرة، بل تُبنى بنقاء السريرة والرحمة بالبشر. فالغنى غنى النفس، والفقر الحقيقي هو فقر الأخلاق والضمير.
* **تزييف الحقيقة لطلب الحب وهم:** من الخطأ أن يدفن الإنسان حقيقته أو يخفي نعم الله عليه ليثبت للآخرين أنه يستحق الحب؛ فالذي يحبك لنفسك سيبقبلك في فقرك وفي غناك، أما الجشع والعين الفارغة فلن يملأها إلا التراب.
* **ظلم البشر دين مستحق الوفاء:** إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، والظلم مهما طال ليله ومهما ظن صاحبه أنه محمي بماله أو بجاهه، فإن له نهاية مخزية. فالصفعة التي تأتي من قضاء الله وقدره وعقابه تكون دائماً في نفس موضع الكبرياء والتعالي الذي أذى به الظالم غيره.
نظرت رضوى إلى السماء، واستنشقت الهواء النقي، وهي تعلم أن صفحتها القديمة قد أُغلقت تماماً بالعدل، وأن كتاباً جديداً من حياتها يبدأ الآن.. كتاباً ليس فيه مكان لأصحاب الوجوه المزيفة.


تعليقات
إرسال تعليق