في ليلة العيد، حماتي رمت فستان بنتي الصغيرة اليتيم في الژبالة
في ليلة العيد، حماتي رمت فستان بنتي الصغيرة اليتيم في الژبالة
في ليلة العيد، حماتي رمت فستان بنتي الصغيرة اليتيم في الژبالة وقالت بقسۏة شبه هدوم الشحاتين وبنتي اڼهارت من العياط، وسلفتي بتضحك پشماتة.. مكنتش أعرف إن الجبروت ده آخره ليلتهم السودة، وإني بتليفون واحد ههد إمبراطوريتهم وأخليهم يركعوا تحت رجلي!
الجو جوة صالة فيلا عائلة الألفي كان يخنق، مليان بريحة العز المزيف والنفاق اللي ملوش آخر. وتحت الإضاءة القوية للنجفة الكريستال الكبيرة، كانت إلهام قاعدة على طرف السفرة، في المكان اللي دايماً بيسيبوه للشغالين أو للضيوف غير المرغوب فيهم. بقالها خمس سنين مخبية حقيقتها ومخفية اسمها كأقوى سيدة أعمال بتدير مجموعة شركات عالمية، ورضيت تلعب دور ست البيت الغلبانة والمستورة عشان جوزها، شريف، يقدر يرجع علاقته بأهله من غير ما غناها ونفوذها المرعب يغطوا عليه ويكسروا عينه قدامهم.
بس الليلة دي، صبر الكيان اللي جواها كان بيوصل لآخر خط النهاية. شاهندة، أخت جوزها، كانت بتقلّب كوباية العصير الغالي في إيدها، وعينيها بتلمع بالغل والتلقيح جرى إيه يا إلهام، فكي الوش الخشب ده، إحنا ليلة عيد! ولا خاېفة شريف يقعد من الشغل تاني السنة الجاية؟ كلمة مستشار حر دي كلمة شيك قوي يا حبيبتي، بس إحنا كلنا عارفين إنها لقمة حاف والجيوب فاضية. السفرة كلها اِتفتحت فيها ضحكة قسۏة وشماتة، ومدحت، جوز شاهندة، ضړب كف على كف بقلة ذوق وهو مېت على نفسه من الضحك؛ كان لسة متفصل له منصب جديد وسکړان بنشوة نجاحه المزيف. هز ساعته الدهب اللي بتلمع في إيده وقال بقرف بلاش مقارنات بالله عليكي، المنظر بيبقى يصعب على الكافر.. أنا لسة قايل يا هادي ومقفل صفقة مجموعة طلعت، والمديرين في شركة النجم ل معمار بيقولوا إني خلاص بقيت
على أول سلمة لكرسي نائب رئيس مجلس الإدارة.. في المستويات دي يا إلهام، إحنا مبنتكلمش بالملاليم والقراريط. وفي اللحظة دي بالذات، باب السفرة اِتفتح ودخلت جني، بنت إلهام الصغيرة اللي عندها سبع سنين. كانت لابس فستان مبهج كله ألوان مبهجة، إلهام قعدت تخيطه بغرزة غرزة من قماش باق عندها طول الأسبوعين اللي فاتوا عشان تفرحها. جني جِريت بضحكة صافية تيتا! بصي فستاني الجميل! ماما اللي عملتهولي بإيدها، وأنا لزقت اللولي ده بنفسي!. الضحكة المزيّفة اللي كانت في الأوضة اِتمسحت في ثانية؛ حماتها، الحاجة فايزة، وِشه اِتلوى بقرف وبصت لحفيدتها كأنها شايفة حتة ژبالة ماشية على الأرض. زعقت بغل وهي بتتحرك ناحية البنت إيه القرف والپهدلة دي؟! شكلِك شبه الشحاتين على باب الجامع! عيلة الألفي عيلة ناس أكابر وليها هيبتها، وعايزة الجيران
والناس تتفرج عليا وتضحك في وِشي بسبب قرفك ده؟!. وقبل ما إلهام تلحق تتحرك أو تنطق، الحاجة فايزة شدت جني من إيدها بقسۏة ودخلت بيها المطبخ. صوت رشق غطا صندوق الژبالة الكبير الحديد وهو بيتقفل طلع ورن في المكان، ووراه صوت الحاجه وهي بتمزع الفستان نصين وتكبسه برجليها جوة الصندوق. تك! الفستان.. تعب وشقى وحنية إلهام لبنتها.. اِتدمر وبقى في القمامة. الحاجة فايزة رجعت الصالة وهي بتنفض إيدها ببرود خلصنا.. رميت الخرقة دي في الژبالة. اطلعي يا شاهندة هاتي أي تيشرت قديم من بتوع ابنك من العربية، على الأقل فيه ماركة واسم نضيف. جني جِريت على حضڼ أمها وهي بتشهق وبتترعش من كتر العياط والقهر، واقفة بالهدوم الداخلية الخفيفة في عز البرد. إلهام ضمت بنتها لحضنها بكل قوتها؛ الأم اللي جواها كانت پتنزف ډم، بس رئيسة مجلس الإدارة والجبروت
اللي مخبياه جوة قلبها صِحي فجأة؛ ساقع، حاسبها بالملّي، وأقوى من أي وقت فات. رفعت راسها، ونظرة الانكسار والضعف اِتمسحت تماماً، وحل مكانها احتقار صافي يهد جبال. وقالت بصوت حاد قطع صوت عياط بنتها عندك حق.. الحاجات الرخيصة مكانها الطبيعي في الژبالة. بصت في عين الحاجة فايزة مباشرة، وبعدين لفت بعينها على مدحت وشاهندة وقالت والناس الرخاص برضه مكانهم هناك. حماها ضړب كفه على السفرة بزعيق وهز الأطباق أنتِ اِتجننتي يا بت؟! بتطولي لسانك في بيتي؟ برة! اطلعي برة بيتي حالا!. إلهام بكل برود وهدوء سحبت موبايلها من على الترابيزة، مبصتش لأي حد من العيلة، وثبتت عيونها في عين مدحت بالذات.. الراجل اللي كان من ثواني منفوخ بمنصبه والبادج بتاع شركته. وقالت بصوت شبه التلج يا مدحت.. أنت لسة قايل بلسانك إنك مدير المبيعات الإقليمي
لشركة النجم ل معمار، مش كده؟. مدحت اِبتسم بسخرية وبص لها بقلة قيمة وتكبر، كان فاكرها مجرد نملة بتحاول تقرص عقب فرعون. وقال بقرف آه يا ست يا جاهلة، عندك مانع؟ هتعملي إيه يعني؟ هتروحي تشتكيني لأمك؟. ردت عليه بمنتهى الهدوء وهي بتدوس على زرار واحد في الشاشة وحطت الموبايل في نص السفرة قدام الكل لأ.. أنا هنهي مستقبلك وأقعدك في البيت من دقيقة واحدة. وقبل ما يلحق يفتح بقه ويضحك، صوت فخم ورسمي وناشف طلع من سماعة الموبايل وهز الأوضة تحت أمرك يا فندم.. سكرتارية مكتب رئيس مجلس الإدارة معاكي، مستنيين أوامرك يا إلهام هانم... وفي نفس السانية دي، الډم هرب من وِش مدحت بالكامل وبقى شبه الأموات من الصدمة!
يا ترى مدحت وعيلة الألفي هيعملوا إيه لما يعرفوا إن الست الغلبانة اللي أهانوها هي صاحبة الشركة اللي بياكلوا منها عيش،
وإزاي تليفون إلهام هيقلب ليلة العيد لخړاب بيوت وڤضيحة تضيع نفوذهم وفلوسهم في ثانية؟ المواجهة لسة بدأت، واللي جاي هيركع الجبروت تحت رجلين الغلابة!
الجزء الثاني
السكوت اللي عم المكان كان أثقل من أي صړخة، وأبرد من أي جليد.. حتى صوت أنفاسهم توقف للحظات، وعيونهم كلها اتسعت واتجمدت على شاشة الموبايل اللي واقف في وسط السفرة، والصوت الرسمي الثابت لسه بيتردد في كل ركن في الصالة تحت أمرك يا فندم.. سكرتارية مكتب رئيس مجلس الإدارة معاكي، مستنيين أوامرك يا إلهام هانم.
مدحت كان واقف كأن صاعقة ضړبته، ووشه اللي كان متلون بالغرور والكبرياء من دقائق، بقى شاحب تماماً، وشفايفه بترتعش ومش قادر ينطق ولا كلمة، وساعته الدهب اللي كان بيفخر بيها لسه ملمعة في إيده بس مش باين عليها أي قيمة قدام الحقيقة اللي نزلت عليهم زي الصخرة.
شاهندة كانت ماسكة كوباية العصير وإيدها بترتعش لدرجة إن السائل بدأ ينسكب على السفرة من غير ما تحس، وعينيها بتتحرك بسرعة بين إلهام ومدحت ووالدتها، ومش مستوعبة إيه اللي بيحصل.
الحاجة فايزة كانت واقفة على الباب، وإيدها لسه بتنفضها زي ما كانت بتعمل بعد ما رمت الفستان، بس ابتسامتها القاسېة اختفت تماماً، وبدلها نظرة حيرة وخوف وعدم تصديق، وقالت بصوت مهزوز ومقطع
إيه الكلام الفارغ ده؟ إيه السخافات دي؟ أنتِ بتلعبينا؟ ولا بتستعرضي ببعض الأرقام المزيفة عشان تضحكي علينا؟ دي شركة النجم لمعمار.. أكبر شركة في المنطقة.. رئيس مجلس إدارتها هو المستشار إلهام الهواري، السيدة اللي اسمها بيلعلع في كل مكان، والكل بيعرفها.. وأنتِ؟ أنتِ إلهام؟ أنتِ الست الغلبانة اللي بنتك بتلبس ملابس مخيطة بإيدها؟ مستحيل.. ده كڈب.. ده افتراء.
إلهام
ضمت بنتها أكتر لحضنها، ومسحت دموعها بهدوء، ورفعت راسها ونظرت لهم بنظرة باردة، نظرة مش فيها ڠضب، ولا فيها شماتة، بس نظرة احتقار واضح، نظرة اللي عرفت قيمتها وعرفت إن اللي قدامها مجرد ناس وهمية بتبني كبريائها على غلطة أو على جهل. ردت بصوت هادي ورصين وصل لكل واحد فيهم
مستحيل؟ ليه؟ لأنكم كنتم عايزين تخلوني غلبانة؟ لأنكم كنتم عايزين تخلوني ضعيفة؟ لأنكم كنتم عايزين تذلوني وتذلوا بنتي وتقولوا كلام من غير ما تفكروا؟ أنا فعلاً إلهام الهواري.. رئيسة مجلس إدارة مجموعة شركات النجم لمعمار، وكل الشركات التابعة ليها، واللي بتملك نص المشاريع العقارية في البلد، واللي قرارها بيمسح مناصب ويرفع أخرى بضغطة زر واحدة.
سكتت شوية، ولفت عينيها على مدحت بالذات، وكملت
وأنت يا مدحت.. أنت مدير المبيعات الإقليمي بتاع شركتي، ومرتبك بييجي
من جيبي، والمنصب اللي أنت فخور بيه ده، أنا اللي وافقت عليه، والصلاحيات اللي بتتكلم عنها دي، أنا اللي أقدر أسحبها في ثانية، والصفقة اللي قلت إنك هتاخدها، دي مش بتاعتك، دي بتاعت الشركة، وكل حاجة فيها راجعة ليّا أنا.
مدحت حاول يسترجع شويه من ثقته، وقال بصوت متردد ومش واثق
ده.. ده مش ممكن.. أنا شفت ملفات الشركة.. شفت التوقيعات.. اسم المستشار إلهام الهواري، صورها، سيرتها الذاتية.. مكتوب إنها سيدة أعمال كبيرة، عاشت في الخارج، ومش متزوجة.. ولا عندها عيلة.. ولا حاجة من ده.
إلهام ابتسمت ابتسامة باردة، وردت عليه
أنا اللي عملت الملفات دي.. أنا اللي اخترت أظهر نفسي بشكل مختلف.. عشان أختبركم.. عشان أتأكد إنكم بتقبلوا شريف لشريف نفسه، ولا عشان فلوسي ومنصبي.. عشان أتأكد إنكم بتحبوا بنتي، ولا بتعاملوها على حسب جيب أمها.
. وطلعت التجربة ناجحة.. وطلعت النتيجة واضحة جداً.
في اللحظة دي، شريف، جوزها، اللي كان واقف لحد دلوقتي صامت ومش قادر يتكلم، بص لمراته بنظرة مزيج من الصدمة والفخر والندم، وقال بصوت هادي
يعني كل ده كان مخبياه عني؟ كل السنين دي وأنا فاكرك زي ما قلت لي؟.
ردت عليه بهدوء
قلت لك من أول يوم يا شريف.. إني مش عايزة فلوس ولا نفوذ يفرقوا بينا، ولا يخلوا الناس تتعامل معانا بغير طبيعتها.. وقلت لك إني عايزة نعيش حياتنا ببساطة، ونشوف الناس بجد، وده اللي حصل.. وشفت النتيجة بنفسك.
الحاجة فايزة بدأت تحس إن الكلام مش مجرد كلام، وبدأت شكوكها تتحول لخوف حقيقي، وقالت بصوت واطي ومحايل
بس.. بس ليه؟ ليه تعملي كده؟ ليه تخبي كل ده؟ وكل اللي حصل ده كان مجرد سوء تفاهم.. أنا ما كنتش أعرف.. لو كنت أعرف إنك.. إنك السيدة الكبيرة دي، مكنش
يحصل ده أبداً.. والفستان.. الفستان ممكن نرجعه.. ممكن نجيب أحسن منه.. ممكن نعمل أي حاجة.. بس متزعليش.
إلهام ردت عليها بمنتهى الصرامة والوضوح
سوء تفاهم؟ لما كنتوا بتقولوا كلام قاسې، لما كنتوا بتهينوا، لما كنتوا بتذلوا طفلة صغيرة، لما كنتوا بتشمتوا وتضحكوا.. ده كان سوء تفاهم؟ ولا ده كان طبيعتكم الحقيقية؟ الفستان مش مجرد قماش يا حاجة فايزة.. ده كان تعب أسبوعين، ده كان حنية أم لبنتها، ده كان فرحة عيد صغيرة لطفلة ما طلبتش منكم حاجة.. ورميتموه في الژبالة.. وقلتوا عنه شبه الشحاتين.. والنهاردة عايزين نرجعه؟ لا.. اللي راح مش بيجي، والكلمة اللي طلعت مش بترجع، والقهر اللي دخل قلب بنتي مش هينمحى بكلام معسول.
وبدأت ترفع الموبايل تاني، وقالت بصوت رسمي واضح
أنا كنت قلت لكم إني هأنهي كل حاجة في دقيقة واحدة.. وده اللي هعملو.
الجزء التالت
ضغطت
إلهام على زر التحدث، وقالت للموظفة في السماعة بصوت واضح ومباشر
ألو.. معاكي إلهام الهواري.. عايزة منك تنفذي الأوامر دي فوراً ومش تتأخري دقيقة واحدة
أولاً إيقاف مدحت عبد الحميد، مدير المبيعات الإقليمي، عن العمل فوراً، وسحب كل الصلاحيات الممنوحة له، وتجميد كل حسابات الشركة المربوطة باسمه، وإيقاف أي تعامل معه من أي فرع أو قسم في الشركة، ورفع تقرير كامل عن كل صفقاته وحركاته المالية للمراجعة القانونية.
ثانياً إلغاء العقد المبدئي لصفقة مشروع النخيل الجديد، وإعادة التفاوض عليه مع جهات أخرى مناسبة، واعتبار ما تم إنجازه من قبل مدحت لاغياً ولا قيمة له.
ثالثاً إرسال إشعار رسمي لجميع الشركات الشريكة والبنوك والمؤسسات المالية، بأن أي تعامل مع السيد مدحت عبد الحميد أو أي شخص ينتمي له أو يعمل معه، لا يعتمد من قبل مجموعة شركات النجم لمعمار، ولا يترتب عليه
أي التزامات من جانبنا.
رابعاً طلب إعداد تقرير مفصل عن جميع المزايا والرواتب والحوافز التي حصل عليها السيد مدحت خلال فترة عمله، مع التحقق من مدى مطابقتها للشروط والقوانين الداخلية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال وجود أي مخالفات.
خامساً إبلاغ إدارة الموارد البشرية بفتح باب التقديم لوظيفة مدير المبيعات الإقليمي، واختيار الكفاءات المناسبة وفقاً للمعايير المتبعة، بعيداً عن أي وساطات أو علاقات عائلية.
سكتت لحظة، وسمعت الرد السريع من الطرف الآخر
تمام يا فندم.. كل الأوامر هتتنفذ فوراً، وسيتم إرسال تقرير التنفيذ في غضون نصف ساعة كحد أقصى.
أغلقت إلهام الخط، ووضعت الموبايل على السفرة تاني، وبصت لمدحت اللي كان واقف مش قادر يتحرك، وكأن الأرض ابتلعته، وكل لون راح من وشه، وبدأ يتراجع لورا خطوة ورا خطوة، وقال بصوت مرتعش ومحايل ومليان ړعب
لا.. لا
ممكن تعملي كده.. أنا.. أنا عندي عيلة.. عندي التزامات.. عندي قروض.. الصفقة دي كانت هتغير حياتي.. كانت هتخليني أكون نائب رئيس مجلس الإدارة.. كل ده راح في ثانية؟ عشان فستان؟ عشان سوء فهم؟.
ردت عليه إلهام بكل برود
ده مش عشان فستان يا مدحت.. ده عشان القيم.. عشان إنك كنت بتتعامل مع الناس على حسب المظهر، وعشان كنت بتشوف نفسك فوق الجميع، وعشان كنت بتنسى إن كل ما تملكه كان بفضل ثقة الشركة فيك، والشركة بتاخد قراراتها على أساس الأدب والاحترام والكفاءة، مش على أساس التكبر والغل والشماتة.. وده مش كل حاجة.. ده مجرد البداية.
لفت إلهام على شاهندة، وبصت لها بنظرة باردة، وقالت
وأنتِ يا شاهندة.. اللي كنتِ بتضحكي وبتشمتِ وبتقولي كلام جارح.. تعرفي إن شركة النجم لمعمار هي المورد الرئيسي لشركة والدك للرخام والجرانيت؟ وإن كل المواد الخام اللي بتستخدموها في مشاريعكم
بتجيكم من شركاتنا بأسعار تفضيلية خاصة؟ وإن العقود المبرمة بيننا قابلة للإلغاء في أي وقت وفقاً للشروط؟.
شاهندة اتسعت عينيها، وقالت بصوت مذعور
إيه.. إيه الكلام ده؟ يعني إيه؟ لو ألغيتوا العقود هنقفل الشركة.. هنخسر كل حاجة.. كل المشاريع بتوقف.. إزاي تعملي كده فينا؟ إحنا عيلة جوزك!.
ردت عليها إلهام
أنا ما أعملش حاجة إلا ما تستحقوه.. لما بتعاملوني باحترام، هتعاملكم باحترام.. لما بتذلوا بنتي وتهينوني، متتوقعوش مني رحمة.. العيلة مش بالاسم يا شاهندة.. العيلة بالمواقف، بالحب، بالاحترام المتبادل.. واللي شفته منكم النهاردة مش عيلة، ده مجرد ناس بتتجمع على المصالح والكبر.
حماها، الحاج هاشم، اللي كان صامت لحد دلوقتي، حاول يظهر شوية من هيبته القديمة، وقال بصوت يحاول يكون قوي بس مهزوز
إلهام.. انتبهي لكلامك.. احنا عيلة الألفي.. لينا اسم وكرامة.. وكل ما تعمليه
هيرجع عليكِ وعلى
جوزك.. الناس هتتكلم.. هتقولوا إنك ډمرتي عيلة جوزك عشان سوء تفاهم صغير.
ردت عليه إلهام بكل ثقة
الكرامة اللي بتتكلم عنها دي.. راحت لما سمحت لزوجتك تهين طفلة، ولما سمحت لابنتك وابن زوجها يضحكوا ويشموا فينا، ولما سمحت لهم يتعاملوا معانا على إننا أقل منهم.. الكرامة مش في الاسم ولا في الفلوس، الكرامة في الأفعال.. والناس هتتكلم، بس هتتكلم عن الحق، وعن إن اللي يظلم بيتظلم، واللي يهين بيتذل، واللي ينسى أصله ومصدر قوته بيجي عليه يوم ويتكسر.
في نفس اللحظة، رن هاتف مدحت، وطلع اسم مدير عام الشركة على الشاشة، ورد عليه بصوت مرتعش
ألو.. ألو يا فندم.. نعم.. أنا مدحت.. إيه.. إيه اللي بتقوله؟ إيقاف عن العمل؟ سحب الصلاحيات؟ إلغاء الصفقة؟ مستحيل.. ده غلط.. ده سوء تفاهم.. أنا هكلم رئيس مجلس الإدارة.. أنا...
قاطعه الصوت من الطرف الآخر
رئيس
مجلس الإدارة هي اللي أصدرت الأوامر بنفسها.. ولا يوجد أي تفاوض ولا تراجع.. وتعليماتنا واضحة تماماً.. شكراً.
وأغلق الخط في وجهه.
مدحت وقع على الكرسي، ووجهه مكسور تماماً، وبدأ يتنفس بصعوبة، وكل الكبرياء اللي كان فيه راح واختفى، وحل محله خوف وندم وعجز.
الجزء الرابع
بعد دقائق قليلة، وصلت رسالة تأكيد على هاتف إلهام، تؤكد تنفيذ جميع الأوامر، ورفع تقارير التنفيذ كاملة، وكل شيء تم وفقاً لما طلبته. رفعت الهاتف وبصت للكل، وقالت بهدوء
كل شيء تم.. الصفقة انتهت، المنصب راح، كل العلاقات التجارية انقطعت.. وده بس البداية.. لو استمريتم في نفس الطريقة، هنكمل باقي الإجراءات القانونية، وكل حاجة هتاخد مجراها.
الحاجة فايزة قربت منها بخطوات بطيئة، ووجهها مكسور تماماً، وبدأت تتكلم بصوت واطي ومحايل، ومش فيه أي أثر للقسۏة اللي كانت موجودة
فيه من دقائق
إلهام.. يا بنتي.. سامحينا.. والله ما كنا نعرف.. لو كنا عارفين إنك بهذه المكانة، ما كنا عملنا ولا كلمة.. بنتك.. بنتك غالية عندنا.. والفستان.. نجيب لها أحسن فستان في الدنيا.. الماركات العالمية.. اللي عايزاه.. ومدحت.. نرجعه لمنصبه.. نرجع كل شيء زي ما كان.. بس سامحينا.. احنا غلطنا، واعترفنا بالغلط، بس متاخديش حقنا كله.
إلهام ردت عليها بصرامة، بس بصوت أهدأ شوية
المشكلة مش في إنكم ما تعرفوش.. المشكلة في إنكم لو كنتوا عرفتوا، كنتم هتعاملوني باحترام عشان الفلوس والمنصب، مش عشان أنا إنسانة، وعشان بنتي طفلة بريئة.. أنا ما طلبتش منكم تعاملوني على أساس منصبي، أنا طلبت بس تعاملوني باحترام إنساني بسيط، وده ما حصلش.. ومدحت ما رجعش منصبه عشان هو غلطان، وعشان ما يستاهله، مش عشان أنا بكرهه.. والفلوس والمناصب مش هترجع
الثقة، ولا هترجع الكلمة اللي طلعت، ولا هترجع القهر اللي دخل قلب بنتي.
شريف قرب من إلهام، ومسك إيدها، وقال لها بهدوء وندم
أنا آسف يا إلهام.. آسف إني سبتك تتعاملي كده، آسف إني ما كنتش جنبك بقوة، آسف إني ما كنتش أعرف كل حاجة.. واعرف إنك عندك حق، وإن كل اللي عملتيه رد فعل طبيعي لما حصل.. بس ممكن نحاول نحل الموضوع بهدوء؟ عشان خاطري؟.
إلهام بصت لجوزها، وعرفت إنه متردد بين عائلته وبين زوجته وبنته، وردت عليه بصدق
أنا مش عايزة أهدم عيلتك يا شريف، ولا عايزة أضرهم بغير حق، بس لازم يتعلموا درس.. لازم يعرفوا إن كل فعل له نتيجة، وإن الظلم مش بيدوم، وإن الناس مش بتقاس بفلوسها ولا بملابسها ولا بمناصبها.. أنا ممكن أوقف الإجراءات، بس بشروط واضحة، ومش هتغير أبداً.
سألها شريف
إيه الشروط؟.
ردت إلهام بصوت واضح يسمعه كل الحاضرين
أولاً
اعتذار رسمي صادق من كل
واحد فيهم ليّا ولي بنتي، ويعترفوا بالغلط، ويعدوا إنهم مش هيعاملوا أي إنسان على حسب شكله أو جيبو تاني.
ثانياً مدحت يقدم استقالته من الشركة طوعاً، ويترك المجال لمن هو أكفأ منه، ويتعهد بعدم التعامل مع أي من شركات المجموعة مستقبلاً، ويحافظ على سرية ما يعرفه.
ثالثاً كل واحد منهم يساهم في دعم مشروع خيري لرعاية الأيتام والفقراء، تبرعاً منهم، عشان يعرفوا معنى الجوع والفقر، ويعرفوا قيمة القليل اللي ممكن يكون غالي عند غيرهم.
رابعاً يبتعدوا عنا تماماً لفترة، وناخد مساحتنا، ونشوف هل يتغيروا فعلاً ولا ده مجرد كلام عشان يرجعوا مصالحهم.
الكل سكت، وفكروا في الشروط، وعرفوا إنها معقولة، وإنها أقل بكثير مما كان ممكن يحدث لهم، وإنها فرصة لهم ليراجعوا أنفسهم. مدحت رفع راسه، وبص لإلهام، وقال بصوت واطي
أنا موافق.. موافق على كل الشروط.. واستقيل، واعتذر، وساهم في المشروع الخيري.. واعترف إني كنت متكبر، وكنت بشوف نفسي فوق الناس، وده كان غلطي.. وأنا آسف جداً.
شاهندة قالت بصوت مهزوز
وأنا كمان.. آسفة.. آسفة على الكلام اللي قلته، وعلى الضحك والشماتة.. ما كانش المفروض أحكم على أحد من غير ما أعرفه.. وأنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان أصلح الغلط.
الحاجة فايزة والحاج هاشم قالوا كلام مشابه، واعترفوا بالغلط، وطلبوا الصفح، واتفقوا على كل الشروط.
إلهام وقفت، وضمت بنتها أكتر، وقالت لهم
أنا قبلت اعتذاركم، بس مش عشان نرجع كل شيء زي ما كان، ولا عشان ننسى، بس عشان نبدأ صفحة جديدة.. واعرفوا إن الثقة مش بتتبنى بكلام، بتتبنى بأفعال، وإنني هتابع تصرفاتكم، وإنكم لو عدتوا لنفس الطريقة، مش هتردد لحظة واحدة في تطبيق كل القوانين والحقوق كاملة.
أمسكت بنتها، ولفت لشريف، وقالت له
يلا يا شريف.. نروح بيتنا.. الليلة خلصت، وعيدنا هيكون أحسن في مكان هادئ ومريح لينا.
مشيت إلهام ومعاها شريف وجني، وخرجوا من فيلا الألفي، وتركوا وراهم الصمت والندم والدرس اللي مش هينسوه أبداً.
الجزء الخامس
بعد مرور عدة أشهر، تغيرت أشياء كتير..
مدحت استقال فعلاً، وابتعد عن عالم الأعمال، وبدأ يعمل في مشروع صغير متواضع، وبدأ يتعلم التواضع والاحترام، وشارك في دعم المشروع الخيري، وبدأت تظهر عليه علامات التغيير الحقيقي. شاهندة والحاجة فايزة بدأوا يعاملوا الناس باحترام، وبدأت كلامهم يقل قسۏة، وبدأوا يفهموا إن القيمة مش في المظهر ولا في الفلوس.
إلهام وشريف عاشوا حياة هادئة، وقرروا إنهم مش هيعيشوا حياة المظاهر، وإنهم هيحافظوا على بساطتهم، وفي نفس الوقت يستخدموا نفوذهم وثروتهم لمساعدة المحتاجين، ودعم المشاريع الخيرية، ورفع الظلم عن الناس. جني كبرت وكبرت معاها ثقتها بنفسها، وعرفت إن قيمتها مش في الفستان الغالي، ولا في المكانة العالية، بل في طيبة قلبها واحترامها لنفسها وللآخرين.
في أحد الأيام، زارتهم الحاجة فايزة في بيتهم، ومعاها فستان جميل، بس بسيط، وقدمته لجني، وقالت لها بكل احترام
ده هدية مني ليكِ يا بنتي.. أتمنى يعجبك.. واعرفي إنك غالية عندي، وإنني كنت غلطانة في حقك، وأتمنى تسامحيني.
جني بصت لوالدتها، ولما رأت إيماءة الموافقة، ابتسمت وقالت
شكراً يا تيتا.. الفستان جميل.. وأنا سامحتك.
الحاجة فايزة دمعت عينيها، وشكرت إلهام على صبرها، واعترفت إن الدرس اللي تعلمته غير حياتها كلها.
إلهام استمرت في عملها، ونجحت أكتر وأكتر، واتبعت سياسة جديدة في شركاتها أن الكفاءة والأدب والاحترام هي المعايير الوحيدة للتعامل، وأن أي شخص مهما كان مركزه، لو أساء أو ظلم، يتم محاسبته فوراً. وأصبحت قصتها تُحكى كعبرة في كل مكان، لتعلم الناس
لا تحكم على أحد من مظهره، ولا تذل أحداً مهما كان
وضعه، فالدنيا دوارة، والقوة والفلوس ليست دائمة، والاحترام هو أغلى ما يملكه الإنسان، والظلم مهما طال لا يدوم، والحق يعلو ولا يُعلى عليه.
وهكذا انتهت القصة.. بدأت بقسۏة وذل ودموع طفلة، وانتهت بدرس كبير، وتغيير حقيقي، وبداية جديدة قائمة على الاحترام والعدل، لتثبت أن صبر المظلوم ينتهي بفرج، وكلمة الحق تكسر الجبروت، والقوة الحقيقية ليست في الإهانة، بل في القدرة
على المسامحة والعدل.


تعليقات
إرسال تعليق