رواية مشاكل عائليه كامله
رواية مشاكل عائليه كامله
اتخنقت انا ومراتي وعليت صوتى عليها لقيتها بتقولي ما انت تربية مره انت وأخواتك ومفيش راجل مربيكم فقدت اعصابي ولقيتني بقولها انتي قليلة الادب ومش متربيه واديتها قلم
خدت بعضها وغضبت عند ابوها وقفلت موبيلها
وبعت لامي وقالت ابنك تربية مره
وبيقولي انا مش متربيه وابنك ما يلزمنيش تربية المره
الدنيا ضلمت في وشي فجأة، الكلمة طلعت من بقها زي طلقة الرصاص اللي بتدخل القلب متمــ,,ـــــوتش بس بتشوه كل حاجة حلوة جوه.. “ما أنت تربية مرّة أنت وإخواتك ومفيش راجل مربيكم!”.
حسيت بدمي كله بيغلي في نفوخي، الصوت اللي كان عالي بيننا فجأة اتكتم في ودني ومبقتش سامع غير ضــ,,ـــــربات قلبي السريعة. أمي؟ الست اللي طفحت الدم عشان تكبرنا بعد ما أبويا مات وسابنا عيال لحم من غير سند؟ أمي اللي شقيت وتعبت عشان تطلعنا رجالة نملى مركزنا؟ يتقال عليها “مرّة” ومن مين؟ من مراتي! شريكة عمري اللي المفروض صاينة عرضي واسمي!
موعيتش لنفسي غير وإيدي بتتحرك لوحدها من كتر الغل والوجع.. قلم نزل على وشها، صوته سمع في حيطان الصالة. القلم ده مكنش لخصامنا، القلم ده كان صرخة وجع على كرامة أمي اللي اتهانت في بيتي.
### لحظة الصمت والهروب
هي حطت إيدها على وشها، عينيها كانت بتطق شرار وذهول، مكنتش مصدقة إني ممكن أمد إيدي عليها. مفيش دموع نزلت، بس نظرتها كان فيها كمية غل كفيلة تحــ,,ـــــرق البيت.
من غير ولا كلمة، دخلت الأوضة، لمت كام حتة من هدومها في شنطة سريعة، وخرجت رزعت الباب وراها.. البيت فجأة فضي عليا، والهدوء اللي حل كان أرعب من الزعيق.
حاولت أهدا، قعدت على الكنبة وأنا بفرك في وشي، قولت سيبها تروح لبيت أبوها تهدى والصبح ربك يحلها. بس الغل مكنش عندها وبس، الغل كان متأصل، وفي أقل من ساعة، الحرب الحقيقية بدأت.
حاولت أتصل بيها عشان أشوفها وصلت ولا لاء.. الموبايل مقفول.
مرة.. اتنين.. تلاتة.. الخط بره الخدمة.
### الكلمة اللي هزت البيت القديم
مفاتش نص ساعة ولقيت تليفون البيت بيرن، كانت أمي.. صوتها كان مخنوق، صوت الست اللي عاشت طول عمرها حانية راسها للدنيا عشان تربينا، وفجأة لقيتها بتبكي بحــ,,ـــــرقة:
> “بقى أنا تربية مرّة يا ابني؟ بقى بعد العمر ده كله يتشاور عليا بالصوبع ويتقال في حقي الكلام ده؟”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قلبي اتخلع من مكانه: “في إيه يا أمي؟ مين اللي قالك كدة؟”
أمي قالتلي وهي بتشهق من البكاء: “مراتك.. بعتتلي رسالة على الواتساب وبتقولي: *ابنك تربية مرّة، وبيقولي إني مش متربية وضــ,,ـــــربني بالقلم، وابنك ما يلزمنيش.. تربية المرّة ملاذناش!*”
الرسالة مكنتش مجرد شكوى، دي كانت قنبلة مقصودة عشان تكسر قلب أمي وتولع في العيلة كلها. في ثواني، لقيت إخواتي الرجالة مكلميني، صوتهم يرعد في التليفون: “إحنا يتقال علينا مفيش راجل مربينا؟ إحنا أمنا يتقال عليها كدة؟ يمين بالله لو مخدتش حق أمنا وحقنا، لا إنت أخونا ولا نعرفك، والست دي مش هتعتب حارتنا تاني!”.
### المواجهة في بيت الحما
مبقاش ينفع السكوت، النور كان لسه مطلعش، بس دمي كان قايد نــ,,ـــــار. نزلت جري، وركبت طياري على بيت حمايا. طول السكة والكلمات بتلف في دماغي، وصورة أمي وهي بتعيط مش مفارقاني.
وصلت البيت، فضلت ضاغط على الجرس من غير فواصل، لحد ما الباب فتح.. وظهر حمايا، ووشه ميتفسرش، وجنبه مراتي واقفة بصلف وعينيها فيها نظرة تحدي وشماتة، ووراهم “الحما” الست الكبيرة واقفة ومربعة إيدها وبتتبسم ببرود مستفز.
حمايا بصلّي بقرف وقال بصوت جهوري هز السلم: “أهلاً.. تربية الستات أهو جيه بنفسه لحد عندنا! عايز إيه يا ابن الست بعد ما مديت إيدك على بنتي؟”
لقيت نفسي واقف في وسط صالة بيتهم، لوحدي، قدام عيلة كاملة مقررة تنهي كرامتي، ومراتي بتبصلي بنظرة بتقول: “وريني بقى يا سيدي الناس هتعمل إيه”..
**تابع في الجزء الثاني: كيف سيكون الرد على إهانة الحما وحمايا؟ وما هي المفاجأة التي يجهزها إخوته بعد أن عرفوا بنص الرسالة؟ الأحداث تتصاعد والحرب بدأت بالفعل!**
الدنيا لفّت بيا، وصوت حمايا وهو بينطق الكلمة دي كان زي الدقماق اللي نازل على نفوخي. “تربية الستات!”.. الكلمة طلعت من بقه وبنتهم واقفة وراه ساندة ضهرها في الحيطة، وعينيها بتلمع بنشوة انتصار، وكأنها بتقول لنفسها: “أهو جاب العيلة كلها الأرض وخلاكوا صغار”.
جمعت كل ذرة ثبات انفعالي باقية في عروقي، وضغطت على إيدي لدرجة إن ضوافري علّمت في لحم كفي. مبقتش شايف غير صورة أمي اللي عجزت وشابت وهي بتشيلنا في المحاميل، قولت بصوت مكتوم بس طالع من وسط ضلوعي زي الفحيح:
ـ أنا مش هرد عليك يا عمي بقلة قيمة، عشان أنا فعلاً متربي، والست اللي مش عاجباك دي طلعت رجالة متعودتش تمد إيدها على حد أكبر منها في السن.. أنا جاي لمراتي، جاي للست اللي دخلت بيتي وصنت اسمها، مش للّي بتخرب البيوت وتوقع الأم في ابنها!
حماتي خطت خطوة لقدام، ووشها مقلوب، وقالت بنبرة كلها سم:
ـ وبنتنا عملت إيه عاد؟ هي كدبت؟ اللي يمد إيده على مراته ويهينها في نصاص الليالي يبقى إيه؟ وبعدين بنتي مغلطتش في حد، هي وصفت حالة.. ولا الكلمة حــ,,ـــــرقاكم قوي كدة عشان حقيقية؟
في اللحظة دي، مراتي طلعت من ورا أبوها، وقفت في وشي بكل بجاحة، مكنش في عينيها نقطة ندم ولا حتى أثر القلم اللي لسه معلم على وشها، وقالت بصوت عالي:
ـ آه حقيقية.. وأعلى ما في خيلك وخيل إخواتك اركبوه! فكرك لما تمد إيدك عليا هخاف وأكش؟ لاء يا ابن أمك، أنا أكسر بلد، والرسالة اللي بعتها لأمك دي أقل واجب عشان تعرف هي رميتنا على مين.. والطلاق لو مكنش برضاك، هيبقى بالمحاكم وبكره تشوف!
الكلام كان بيطلع منها زي السكاكين، وحمايا واقف مربع إيده، عاجبه العجب، ومفيش راجل فيهم قال عيب ولا لمّ عيلته. حسيت إن الحيطان بتضيق عليا، وإن لو فضلت دقيقة واحدة زيادة في البيت ده، هرتكب جناية تضيعني وتضيع حق أمي اللي اتهان.
بصيت لمراتي نظرة أخيرة، نظرة طولت قوي لحد ما عينيها زاغت من عينيا، وقولت بحسم هز أركان الصالة:
ـ المحاكم بيننا يا بنت الأصول، والبيت اللي مكنش فيه راجل يلمك ويعرفك يعني إيه حرمة بيوت، القوانين هتعرفه.. وإنتي من اللحظة دي، لا إنتي مراتي ولا أعرفك، والشنطة اللي لمتيها دي مش هتعتب بيتي تاني طول ما أنا عايش على وش الدنيا.
لفيت ضهري وخرجت، ورزعت الباب ورايا بكل عزم فيا، لدرجة إن زجاج الباب سمعت صوته وهو بيتهز ورايا. نزلت السلم وأنا مش شايف طريقي، الأفكار في دماغي بتغلي زي المرجل.. إخواتي الرجالة مش هيسكتوا، وأمي دموعها غالية، والقضية مبقتش قضية خلاف بين راجل ومراته، دي بقت قضية شرف وعيلة كاملة اتهانت في أعز ما تملك.
أول ما رجعت الحارة، لقيت إخواتي واقفين على أول الشارع، ملامحهم وضلمة الفجر مخلياهم زي الأسود الجريحة. أخويا الكبير قرب عليا، مسكني من هدومي وقال وعينه حمرا من الغل:
ـ عملت إيه؟ دخلت بيت الناس دي وعملت إيه؟ رد علينا كرامة أمك رجعت ولا لسه؟
وقفت في وسطهم، ونفست عن النــ,,ـــــار اللي في صدـ,,ـــري، وقولتلهم بصوت قاطع:
ـ كرامة أمي هترجع بالقانون وبالأصول اللي ميعرفوهاش.. الناس دي بايعة، واللي يبيعنا ملوش مكان وسطنا، بس الحكاية مش هتقف لحد هنا.. اجهزوا، عشان الحرب دي هتدور على الواسع، والست دي وأهلها لازم يدفعوا تمن كل دمعة نزلت من عين أمي الليلة دي.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تلفوني مروقش ثانية واحدة من وقت ما رجعت. إخواتي الرجالة متلقحين في الصالة، وعيونهم ماليها الغل، كل واحد فيهم حاسس إن السكــ,,ـــــينة اتغرزت في ضهره. أمي كانت قاعدة في ركن الأوضة، لافّة شالها الأسود حوالين كتافها، عينيها دبلت من كتر البكا، ومرعوبة من شكلنا ومن اللي جاي.
قربت منها، وطيت على إيدها بوستها، وقولت بصوت هادي بحاول أطمنها بيه:
ـ حقك عليا يا أمي.. حقك فوق راسي، والنعمة الشريفة ما هسيب حقك ولا كرامتك تنضام طول ما فيا نفس.
أمي بصتلي بكسرة تقطع القلب وقالت وهي بتمسح دموعها بطرف الشال:
ـ يا ابني أنا مش عايزة مشاكل.. أنا شقيت العمر ده كله عشان أشوفكم رجالة ماليين مركزكم، مش عشان أشوفكم في أقسام ومحاكم.. سيبوها للي خلقها، وحقي عند ربنا مش بيضيع.
أخويا الكبير وقف فجأة، وصوته رن في البيت القديم:
ـ لاء يا أمي! لحد هنا ولأ.. الست دي وأهلها داسوا على طرفنا، والكلمة لو عديناها، بكره الصغير قبل الكبير في الحارة هينظر علينا. إحنا رجالة، واللي يغلط في أمنا ملوش دية عندنا.
سيبتهم بيتكلموا ودخلت أوضتي، قفلت الباب على نفسي، والنــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــري. فتحت الموبايل اللي كان مقفول، ولقيت الرسايل نازلة زي المطر. رسايل من مراتي كلها تهديد ووعيد، وبتقولي فيها: *”المحامي بتاعي جهز قضية النفقة والتمكين من الشقة، وبكره هتشوف تربية الستات هتعمل فيك إيه يا ابن أمك”*.
الكلمات كانت بتستفز كل عرق فيا. الشقة؟ الشقة اللي طفحت الدم عشان أجهزها حتة حتة، الشقة اللي في بيت عيلتي وسط إخواتي وأمي، عايزة تيجي تقعد فيها بالتمكين وتكسر عيني وعين عيلتي في وسط منطقتنا؟
مفاتش كام ساعة، والنور بدأ يشقشق، ولقينا الباب بيخبط خبط رزين. فتحت الباب، ولقيت كبير المنطقة وعميد العائلات عندنا، الحاج عبد الستار، ومعاه اتنين من كبار البلد. دخلوا والوجوم على وشوشهم.
الحاج عبد الستار قعد وطلب شاي، وبصلي وبص لإخواتي وقال برزانة:
ـ يا رجالة.. إحنا سمعنا باللي حصل، وحماك كلمني وعايز قعدة حق.. بس الكلام اللي وصلني على لسان بنته وأمها كلام ما يرضيش ربنا، ولا يخرج من ناس أولاد أصول.
أخويا الكبير رد بسرعة:
ـ قعدة حق في إيه يا حاج؟ الناس دي غلطت في أمنا وغلطت فينا كلنا، وجايين لحد بيتنا وبيتهم يتبجحوا!
الحاج عبد الستار رفع إيده يهديه وقال:
ـ أنا خابر كل حاجة، وخابر إن الست والدتكم بـ مية راجل، والمنطقة كلها تشهد بطهرها وتربيتها ليكم. بس الأصول بتقول إننا نسمع، وقعدة الحق هتبقى هنا في الحارة، وفي بيتي أنا.. والشرط اللي هتحطوه عشان كرامة الوالدة هيمشي على رقبتهم، ولو مجوش صاغرين وطالبين السماح، يبقى ساعتها لينا كلام تاني، والبلد كلها هتقف معاكم.
بصيت لإخواتي، وبصيت لأمي اللي كانت بتبصلي بنظرة رجاء إن الموضوع يخلص من غير دم ومشاكل. حسيت بمسؤولية تقيلة قوي فوق كتافي.. الخناقة م بقتش خلاف زوجي، دي بقت معركة كرامة وتكسير عظام.
وقفت وقولت للحاج عبد الستار بصوت قاطع:
ـ إحنا بنحترمك وبنحترم كلمتك يا حاج.. القعدة هتمشي، بس قسماً بالله، لو مراتي وأهلها مجوش هنا ووطوا على رأس أمي وباسوا إيدها قدام كبار الحارة كلهم، ما هيدخل بيننا غير المحاكم والقانون، واللي أوله شرط.. آخره رضا.
الحاج عبد الستار هز رأسه وقال:
ـ كلام رجالة.. اجهزوا، القعدة بعد صلاة العشا في دواري، وهنشوف حماك وراسه الناشفة هتوصله لفين.
مشيوا الكبار، والبيت رجع يغلي تاني.. الساعات اللي باقية لحد العشا كانت أطول ساعات مرت عليا في حياتي. كنت عارف إن حمايا راجل صلب ومش هيجيب ورا بسهولة، وإن مراتي مالت ودنه وشحناه بـ غلها.. كنت حاسس إن القعدة دي مش هتنتهي على خير، وإن في مفاجأة تانية مستنيانا بالليل هتولع النــ,,ـــــار أكتر ما هي قايدة..
الساعات اللي سبقت القعدة كانت بتمر عليا وعلى إخواتي زي الجمر.. الشارع بره كان هادي بس هدوء ما قبل العاصفة، الكل في الحارة عرف باللي حصل، والعيون كانت علينا وإحنا خارجين من البيت ورايحين على دوار الحاج عبد الستار.
أمي وقفت على الباب، وشها باهت، وقالت بصوت مكسور:
ـ يا ولاد.. هالله هالله في العقل، متخلوش الشيطان يركبكم ويسوقكم للخراب.. أنا مسامحة في حقي بس بيوتكم متتخربش.
بست راسها وقولتيلها:
ـ ادعيلنا يا أمي.. الحق مبيتسابش.
دخلنا الدوار، لقيت الحاج عبد الستار قاعد في صدـ,,ـــر المكان، وجنبه كبار المنطقة من أصحاب الكلمة المسموعة. مفاتش عشر دقايق ولقينا حمايا داخل، بس مكنش لوحده.. كان جايب معاه اتنين من قرايبه معروف عنهم المشاكل وطولة اللسان، ودخلوا وروسهم مرفوعة مفيهاش نقطة كسوف أو تراجع.
حمايا قعد ونظرته ليا كانت كلها غل وتحدي. الحاج عبد الستار تنحنح وفتح الكلام:
ـ يا جماعة، إحنا مجتمعين الليلة دي عشان نلم الشمل ونرد الحقوق لأصحابها.. الست أم الرجالة دي ليها حق كبير قوي، والكلمة اللي اتقالت في حقها لا دين ولا أصول يقبلوها، وإحنا هنا في الحارة مبنقبلش الضيم على ولايا نا.
قريب حمايا، راجل ضخم وصوته جهوري، رد بقلة ذوق وقال:
ـ يا حاج عبد الستار، الكلام أخد وعطا.. والبت برضه ممدود إيدها عليها ومضروبة في نصاص الليالي، والضــ,,ـــــرب في الأصول عيب ولا إنتوا عندكم الرجولية بمد الإيد؟
أخويا الصغير قام وقف وعينه بتطق شرار، بس أنا مسكته من دراعه وضغطت عليه جامد عشان يقعد، ووقفت أنا واتكلمت بثبات وهدوء هز القعدة:
ـ الضــ,,ـــــرب مكنش من فراغ.. الضــ,,ـــــرب كان رد فعل على كلمة تنهي بيوت وتضيع رقاب.. لما مراتي تتبجح وتقول لأمي يا “تربية مرّة” وتبعتلها رسالة تكسر قلبها وهي ست عاجزة، يبقى مفيش أصول.. أنا جاي هنا ومش هسمع كلام كتير، الشرط بتاعي واضح وثابت ومش هغيره.. مراتي تيجي لحد هنا، وتدخل بيت أمي، وتوطي تبوس إيدها وراسها قدام الحارة كلها، والست حماتي اللي شجعتها واستهزأت بيا في بيتها تعتذر لأمي.. غير كدة، الكلام ملوش عازة والبيوت اللي متصونش كرامة أهلها، تتردم أحسن.
حمايا ضحك ضحكة صفرا هزت كتافه، وقام وقف وبص للحاج عبد الستار وقال بصوت عالي:
ـ تبوس إيد مين يا ابن الست؟ بنتي متبوسش إيد حد، وبنتي مش راجعة البيت ده تاني.. وإذا كان على الشقة، فإحنا مش محتاجين رضاك، التمكين هيطلع في ظرف أسبوع، وبنتي هتقعد في شقتها غصب عن عين أي حد فيكم، وروني بقى تربية الستات هتعمل إيه قدام المحاكم!
الدوار فجأة اتقلب، وإخواتي الرجالة وقفوا وصوت الزعيق بقى مالي المكان، وكبار الحارة حاولوا يهدوا الموضوع بس النــ,,ـــــار كانت خلاص مسكت في الحطب. حمايا وقرايبه لفوا ضهرهم وخرجوا وهم بيتوعدوا وبيردوا بـ بجاحة في وسط الشارع.
الحاج عبد الستار بصلي بحزن وقال
ـ الناس دي مش جاية للحق يا ابني.. الناس دي ناوية على الشر والخراب، واعمل حسابك إنهم هيجرجروكم للمحاكم ويدخلوا الحارة من باب العند.
رجعت البيت وأنا حاسس إن الحمل زاد والضلمة اتلفت حواليا أكتر.. كلام حمايا عن التمكين من الشقة اللي في وسط بيت عيلتي كان زي السم. دخلت الأوضة، ولقيت رسالة جديدة مبعوتة على الواتساب من رقم مراتي، بس المرة دي مكنتش منها.. دي كانت رسالة صوتية من “الحما”.. صوتها المستفز وهو بتقول ببرود:
ـ “شقتك اللي شقيت فيها هتبقى من حق بنتي يا ابن أمك.. وجهز نفسك بقى للمحاضر والنفقة، والمرة دي اللعب هيبقى على المكشوف”.
وقفت في وسط الصالة، وبصيت لإخواتي وقولتيلهم بصوت حاسم وعيون مفيهاش نوم:
ـ اقفلوا الأبواب.. من بكرة الصبح، اللعب هيبقى بطريقتنا إحنا.. والناس دي مش هتعرف هيلفهم إيه من تحت الأرض.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الليل عدا علينا وإحنا صاحيين، مفيش عين فينا ذاقت النوم. الكلام كان بيغلي في صدورنا، والرسالة الصوتية بتاعة حماتي كانت بتلف في ودني زي الفحيح. “اللعب هيبقى على المكشوف”.. تمام، طالما اختاروا طريق العند والافترا، يبقى يستحملوا اللي جاي.
مع أول ضوء للنهار، لبست هدومي ونزلت أنا وأخويا الكبير، مروحناش الشغل، طلعنا عل طول على مكتب الأستاذ فوزي، محامي العيلة وراجل ثعلب في أمور القانون والأحوال الشخصية. قعدنا معاه وحكيتله كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم، وسمّعته الرسالة الصوتية اللي بعتتها حماتي لأمي، ورسالة التهديد بتاعة مراتي.
الأستاذ فوزي عدل نظارته، وسند ضهره لورا وسكت لثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة باهتة وقالي:
ـ بص يا رومانى.. هما فاكرين إن القانون أعمى، وفاكرين إن قضايا التمكين والنفقة مضمونة في جيبهم.. بس هما غلطانين وغشُّوا في اللعب من أول جولة.
أخويا الكبير مال عليه وقال بلهفة:
ـ إزاي يا أستاذ؟ حمايا بيقول أسبوع والتمكين هيطلع والبت هتيجي تقعد في قلب بيت عيلتنا ورجليها فوق رقبتنا!
الأستاذ فوزي خبط بصباعه على المكتب وقال:
ـ الشقة دي في بيت عيلة، والمدخل مشترك، وليها وضع قانوني خاص طالما مفيش أولاد.. هما لسه مخلفوش يا رومانى، صح؟
رديت عليه:
ـ لاء يا أستاذ، مفيش خلفة.
ـ حلو قوي.. من غير أولاد، التمكين مبيبقاش بالسهولة اللي هما متخيلينها، وخصوصاً إن الشقة مش إيجار دي ملك لبيت العيلة.. ده غير بقا القنبلة التانية اللي في إيدينا.. الرسالة اللي بعتتها لست الوالدة!
بصيتله باهتمام، فكمل المحامي وعينه بتلمع:
ـ الرسالة دي فيها سب وقذف، وإهانة وطعن في الأعراض والتربية، وكمان مبعوتة على الواتساب.. يعني جريمة تكنولوجيا معلومات وقذف علني وعقوبتها الحبس والغرامة اللي تقطم الظهر! إحنا مش هنستنى لما هما يرفعوا قضايا.. إحنا هنبدأ بالهجوم. بكرة الصبح هنطلع على مباحث الإنترنت ونعمل محضر رسمي بالرسالة دي وبالرقم اللي اتبعثت منه، والمحضر ده لوحده هيلوي دراعهم ويهد تهديداتهم دي كلها في الأرض.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسس إن في طاقة غضب وإصرار جوايا مكنتش موجودة من ساعات. حسيت إن النفس بدأ يرجعلي تاني، وإن تربية الست الشقيانة اللي مش عاجباهم هتعرفهم إزاي القانون بيجيب حق المظلوم من غير قلة أدب ولا همجية.
رجعنا الحارة، وأول ما دخلنا الشارع، لقيت الجيران متجمعين قدام دكانة عم أحمد، والكل بيبص علينا بنظرات غريبة.. نظرات فيها قلق وفيها ترقب. قربت منهم، فطلع عم أحمد من الدكانة ووشه ميتفسرش، مسكني من إيدي وقال بصوت واطي:
ـ الحق يا ابني.. حماك مكدبش خبر، من ساعة زمن جيه هنا ومعاه محضر ودو م تين من القسم، وعملوا معاينة على الشقة وسألوا البواب والجيران إذا كانت بنته خرجت بهدومها ولا لاء.. الناس دي ناوية تخرب بيتك رسمي وتعملك قضية تبديد منقولات وجايبين ناس تشهد زور إنك طردتها بهدوم البيت!
الدم دار في عروقي من جديد، وبصيت لإخواتي اللي كانوا واقفين ورايا وسامعين الكلام.. العند عمى عينيهم لدرجة إنهم جايين يتبلوا عليا في وسط حارتي وناسي! مسكت تليفوني واتصلت بالأستاذ فوزي المحامي، وقولتله بصوت برعش من كتر الغيظ:
ـ الأستاذ فوزي.. الناس دي بدأت تتبلى عليا وجايبين محضر معاينة للمنقولات..
المحامي رد عليا ببرود وثقة:
ـ خليهم يجروا ويلعبوا يا رومانى.. إحنا الصبح في مباحث الإنترنت، والمفاجأة اللي هنحضرها ليهم في المحكمة هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم.. اهدى خالص، الحكاية يلا بدأت، والضحكة الأخيرة هتبقى لينا.
قفلت السكة وأنا ببص لشبابيك شقتي المقفولة.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام حلم، بقت دلوقتي ساحة حرب.. كنت عارف إن الأيام اللي جاية هتشهد خناق ومحاكم وضــ,,ـــــرب تحت الحزام، بس مكنتش متخيل إن مراتي هتوصل بيها البجاحة للدرجة دي.. وبقيت مستني الصبح ييجي بفارغ الصبر عشان أرد القلم اللي نزل على كرامتنا..
مع أول شعاع نور للنهار الجديد، كنت واقف أنا وأخويا الكبير قدام مباحث الإنترنت. المكان كان زحمة، بس النــ,,ـــــار اللي في صدـ,,ـــري كانت مخلية كل شيء حواليا بيتحرك ببطء. دخلنا للأستاذ فوزي المحامي اللي كان مستنينا هناك ومعاه حافظة مستندات مترتبة وورق مطبوع فيه سكرين شوت من الرسالة اللي اتبعتت لأمي، وصورة من تقرير فني هو جهزه بنفسه.
أخدنا الدور، ودخلنا للمكتب.. الظابط بصلنا وبص للورق اللي قدمه الأستاذ فوزي، وبدأ يقرا الرسالة بصوت واطي: “ابنك تربية مرّة.. ومفيش راجل مربيكم.. تربية المرّة ملاذناش!”. الظابط رفع عينه وبصلي بنظرة فهمت منها إنه حس بالوجع والكسرة اللي في قلبي، وهز راسه وقال:
ـ الكلام ده طالع من تليفون مين يا متر؟
الأستاذ فوزي رد بثقة وثعلبة:
ـ طالع من الرقم الفعلي لزوجة الموكل يا فندم، ومبعوت على تليفون والدته الست المسنة، وده يعتبر سب وقذف علني وتعمّد إزعاج وإساءة استخدام وسائل الاتصال، وطعن في العرض والتربية.. وإحنا بنطلب تفريغ الرسالة وعمل محضر رسمي وتوجيهه للنيابة العامة جنح اقتصادية.
الظابط كتب المحضر، وأنا بوقع بصباعي على الورق كنت حاسس إن كل حرف بيمضي عليه قلمي هو خطوة بترجع لست الحبايب حقها. خرجنا من هناك والأستاذ فوزي طبطب على كتفي وقال:
ـ كدة الشق الجنائي في جيبنا.. المحضر ده في ظرف أيام هيتحول لنيابة الشؤون الاقتصادية، وهناك مفيش لعب.. القضية دي فيها حبس وغرامة مش هتقل عن عشرين ألف جنيه.. خليهم بقى يجروا ورا التمكين والنفقة براحتهم.
رجعنا الحارة والظهر كان بيمشي، وأول ما وصلت لقيت أخويا الصغير مستنينا على نــ,,ـــــار، وشه كان مقلوب وعينه حمرا من الغيظ، قالي بصوت مخنوق:
ـ إنتوا بتتفسحوا في المحاكم والناس دي بتلعب في ضهرنا؟ المحضر اللي جابه حماك امبارح بالليل مكنش معاينة بس.. ده النهاردة الصبح المحامي بتاعهم رفع قضية تبديد منقولات “قائمة جهاز”، وعاملين جنحة مباشرة ضدك، وكاتبين في العريضة إنك كسرت دهب البت وطردتها بقميص النوم في الشارع ورفضت تسلمها حاجتها!
أخويا الكبير صوت نفسه عِلي وضغط على سنانه وقال:
ـ البت خرجت بشنطتها وعينها بتطق شرار وقدام البواب والشارع كله.. هما هيفتروا عياناً بياناً كدة؟
لقيت نفسي بضحك.. ضحكة وجع وذهول من كمية الغل اللي مالي قلوبهم. الست اللي عشت معاها وسكنت في حــ,,ـــــضنها، بايعة شرفي واسمي وبتتبلى عليا بالزور عشان ترميني في السجــ,,ـــــن! قعدت على الكنبة وطلبت الأستاذ فوزي تاني وسمّعته اللي حصل، فسمعت ضحكته العالية في التليفون وهو بيقول:
ـ يا رومانى يا ابني، أنا قايلك إنهم غشاشين في اللعب وبيلعبوا بغشامة.. هما فاكرين إن “القايمة” دي السكــ,,ـــــينة اللي هيدبحوك بيها؟ خليهم يرفعوا الجنحة.. إحنا هنعمل إيه بقى؟ الشقة مقفولة بحاجتها زي ما هي، وإحنا هنعمل “عرض منقولات قانوني” عن طريق المحكمة.. هنطلب من القاضي تحديد يوم ومكان (في نقطة الشرطة) ونجيب لوري ونحمل كل حتة خشب وكل معلقة دخلت بيتي ونرميها في وشهم قدام خلق الله.. والدهب؟ الدهب هي كانت لابساه وهي خارجة والكل شافها.. بس الأهم من ده كله، إحنا مش هنقف متفرجين.
المحامي سكت شوية وبعدين كمل بنبرة كلها مكر:
ـ بكره الصبح أنا هرفع قضية “نشوز” وضّم طاعة ضدها.. وبما إن الشقة في بيت عيلة ومفيهاش أولاد، وقضية السب والقذف شغالة، فموقفها هيبقى زي الزفت قدام القاضي، وهيترفض طلب التمكين بتاعها لأنها هي اللي سابت بيت الزوجية بإرادتها وراحت تتبلى على جوزها.
قفلت مع المحامي وحسيت إن دماغي بدأت تترتب، بس الغل جوايا مكنش هادي.. الشارع بره بدأ يتكلم، وكل شوية حد من الجيران ييجي لوالدتي ويقولها: “معلش يا أم رومانى.. بكرة ربنا يظهر الحق”.. وأمي قاعدة تدعي وتقول: “يا رب يا ابني اكفينا شر المحاكم واظهر حقنا من غير فضايح”.
على الساعة تمانية بالليل، لقيت تليفوني بيرن.. برقم غريب.. فتحت الخط وجالي صوت مراتي! صوتها كان فيه نبرة غريبة، مكنتش البجاحة بتاعة امبارح، كان فيها نوع من التردد بس لسه ماليها العند، قالتلي بنبرة حادة:
ـ أهو المحاضر بدأت يا ابن أمك.. والمحامي بتاعنا قالي إنك مش هتشوف يوم حلو، والقايمة دي هتوديك ورا الشمس لو منزلتش على شروطنا.. طلقني بالمعروف واديني حقوقي كاش، وإلا السجــ,,ـــــن مستنيك.
أخدت نفس طويل، وقولتلها بصوت هادي قوي، هدوء أرعبها هي شخصياً:
ـ السجــ,,ـــــن ده للـ قليل الأدب والمفتري يا بنت الأصول.. وأنا لا سرقت ولا افتريت.. الشغل اللي بتعملوه إنتي وأمك وأبوك ده كله بلّه واشربي ميّته.. المحضر اللي اتعمل النهاردة الصبح في مباحث الإنترنت بالرسالة اللي بعتيها لأمي، هيخليكي تقعدي في المحكمة الاقتصادية وتعرفي يعني إيه “تربية المرة” اللي مش عاجباكي.. القايمة بتاعتك خديها، الخشب كله هيترمي في الشارع قدام النقطة، والدهب اللي في إيدك الجيران شهدوا إنه معاكي.. جهزي نفسك بقا للقضايا اللي بجد، عشان أنا لسه مبدأتش اللعب.. والطلاق مش هتشوفيه غير لما تدفعي تمن كل دمعة نزلت من عين أمي الغالية.
سمعت صوت شهقة مكتومة منها، وقبل ما تنطق بكلمة، قفلت السكة في وشها وعملت للرقم “بلوك”.. بصيت لإخواتي اللي كانوا قاعدين يراقبوني وعيونهم فيها لمعة فخر، وقولتلهم:
ـ الليلة دي هننام.. وننام مرتاحين كمان.. عشان من بكرة، المحاكم هتشتغل، والبلد كلها هتعرف مين فينا اللي متربي ومين اللي طالع من بيت ميعرفش الأصول.
بس وأنا بحط راسي على المخدة، جالي إحساس إن حمايا مش هيسكت على حكاية محضر الإنترنت دي، وإن رد فعلهم في الحارة بكرة مش هيبقى قضائي وبس.. الناس دي ممكن تقلب التربيزة وتلجأ للبلطجة وقلة القيمة في وسط منطقتنا.. ونمت وأنا إيدي تحت المخدة مستني الصبح ييجي بالعاصفة الجديدة..
مشاكل عائليه
النوم مفارقش عيني غير ساعتين اتنين، كنت بقوم فيهم مخضوض على صوت أمي وهي بتتحمحم في الصالة وتقرأ قرآن بصوت واطي واصل لحد سر,,ـــــيري. قمت مع شقشقة النهار، غسلت وشي وبصيت في المراية.. الملامح اتغيرت، والضحكة اللي كانت مبتفارقش وشي اختفت وحل مكانها خطوط من الغل والتفكير.
خرجت الصالة لقيت إخواتي الرجالة صاحيين قبلي، ومفيش راجل فيهم غير وإيده على تليفونه مستني إشارة أو خبر. قعدت جنب أمي وبست راسها، لقيتها بتبصلي وعينيها مليانة رجاء وخوف وقالتلي:
ـ يا ابني، حلمت بالليل إننا واقفين في أرض واسعة وفي ناس بتحدفــ,,ـــــنا بالطوب بس الطوب بيقع قبل ما يوصلنا.. يا رب اجعلها رؤية خير واكفينا شر أذاهم.
قولتلها ونا بطمنها:
ـ خير يا أمي.. طول ما إنتي راضية علينا، مفيش طوبة في الدنيا تقدر تلمس طرفنا.
على الساعة عشرة الصبح، تليفوني رن، كان الأستاذ فوزي المحامي.. صوته كان فيه النبرة اللي بتخليني أرتاح، نبرة الثعلب اللي عارف هو بيحط رجله فين، قالّي:
ـ صباح الخير يا رومانى.. محضر مباحث الإنترنت سمع في النيابة، وأنا بعلاقاتي وتابعت والورق نزل برقم صادر ورايح علطول النيابة الاقتصادية.. هما تلاقيهم دلوقتي جالهم إخطار أو المحامي بتاعهم حس بالحركة، فاعمل حسابك إن رد فعلهم هيكون غبي وسريع عشان يلحقوا يضغطوا عليك تتنازل.
مفاتش ساعتين على مكالمة المحامي، ولقيت الحارة تحت بيتنا اتقلبت.. صوت كلاكيس عربيات وزعيق عالي هز الشارع. طلعت جري أنا وإخواتي من البلكونة نشوف في إيه.. لقيت لوري كبير محمل رجالة غريبة، شكلهم ميتطمنش، ومعاهم حمايا وقرايبه الاتنين اللي كانوا في الدوار، وواقفين في وسط الشارع وبيزعقوا بأعلى صوت عندهم:
ـ انزل يا ابن أمك.. انزل يا تربية الستات ورجّع للبت دهبها وحاجتها اللي سرقتها.. قفلين البيوت وقاعدين زي الحريم جوه وهما سارقين شقا بنتنا!
الشارع كله اتلم، والجيران طلعت في البلكونات والشبابيك، والمنظر كان قمة في قلة القيمة والبلطجة. أخويا الصغير دمه فار، وجري على المطبخ يسحب حاجة، مسكته بكل عزم فيا وزقيته جوه الأوضة وقفلّت عليه الباب، وقولت لأخويا الكبير بحسم:
ـ قسماً بالله اللي هيمد إيده أو ينزل الشارع بأسلوبهم ده ميبقاش أخويا.. الناس دي جاية تجرجرنا لـ جنحة ضــ,,ـــــرب ومشاكل عشان تضيع قضية السب والقذف وتعمل غسيل لسمعتها بره.. إحنا مش هننزل ولا هنرد بكلمة.
وقفت في البلكونة بكل ثبات وبرود، وبصيت لحمايا وللبلطجية اللي جايبهم معايا، وقولت بصوت عالي سكت الشارع كله:
ـ يا عمي.. إنت جاي الحارة هنا ومفكر إنك هترهبنا بالكلين اللي جايبهم معاك؟ الحارة دي فيها رجالة تاكل الزلط، ولو شاورنا بصباع واحد مش هتعرفوا تخرجوا من الشارع.. بس إحنا ولاد أصول وبنحترم القانون.. حاجتكم وشقتكم المقفولة دي المحكمة اللي هتفصل فيها، والراجل فيكم يقرب خطوة واحدة من باب البيت.. البوليس على وصول وبلاغ التهجم شغال دلوقتي من تليفوني.
حمايا بصلّي بغيظ ولقى إن الحارة كلها بدأت تتلم حوالين اللوري، والشباب بتوع منطقتنا بدأوا يقفوا على أول الشارع ومربعين إيديهم ومستنيين إشارة مننا.. حس إنه اتهان وإن حركته الغبية دي منجحتش في كسر عيني. قريب حمايا الضخم زعق وقاله:
ـ يلا بينا يا بو البت.. الناس دي مفيهاش فايدة والمحاكم هتجيبهم راكعين.
ركبوا اللوري ومشوا وهم بيشتموا ويتوعدوا، والشارع رجع يهدى بس نظرات الجيران كانت كلها ترقب.. الكل مستني يشوف نهايتها إيه.
نزلت علطول لعم أحمد صاحب الدكانة، ولقيته بيقولي وعينه فيها لوم:
ـ يا رومانى يا ابني.. الناس دي بايعة ومش سائلة في أصول، والفضايح في الحارة كترت.. م تخلص الموضوع وتديهم حاجتهم وتنفد بجلدك؟
بصيت لعم أحمد وقولتله بمرارة:
ـ أدفّع أمي تمن كلمة “تربية مرة” يا عم أحمد؟ أسيب حقي وحق إخواتي عشان خايف من شوشرة؟ لاء والنعمة الشريفة، لو هقضي عمري كله في المحاكم، لأخلي البت دي وأهلها يلفوا حوالين نفسهم ويرجعوا يبوسوا الإيد اللي اتمدت عليهم بالحق.
رجعت شقتي وكلمت الأستاذ فوزي وبلغته باللي حصل وبـ واقعة التهجم، فقالي:
ـ ممتاز.. أنا كنت مسجل محضر إثبات حالة باللي حصل امبارح، ودلوقتي هنضيف عليه واقعة التهجم دي بشهادة الجيران والبواب.. إحنا كدة بنحاصرهم من كل ناحية.. قضاياهم هتاخد شهور، لكن قضية مباحث الإنترنت والسب والقذف الجنائي جلستها سريعة، وهناك اللعب الحقيقي.
على المغرب، ونا قاعد وسط إخواتي، جالي إشعار على الموبايل من رقم غريب.. فتحته ولقيتها رسالة مكتوبة، بس مكنتش من مراتي ولا من حماتي.. دي كانت رسالة من “حمايا” نفسه.. كاتب فيها كلام صدم كل اللي في البيت، كلام مكنتش متخيل إن راجل في سنه ممكن يكتبه أو يوصل بيه الفجر للدرجة دي..
الرسالة كانت بتقول: *”المحضر اللي عملته في الإنترنت ده إحنا هنرد عليه بمحضر تاني أشد.. بنتي راحت المستشفى النهاردة وعملت تقرير طبي بكسور وكدمات من أثر القلم بتاعك، والتقرير ده هيروح النيابة بكرة، والمرة دي القضية هتبقى جناية ضــ,,ـــــرب أفضى لعاهة أو عجز.. وهنشوف بقى مين اللي هيحبس مين يا ابن أمك”*.
البيت كله سكت، وأخويا الكبير بصلي والورق في إيده وقال بصوت مرعش:
ـ تقرير طبي بالزور؟ عاهة وعجز؟ الناس دي ناوية تلفقلك قضية توديك في داهية رسمي!
حسيت إن الدنيا ضلمت تاني في وشي.. التقرير الطبي المضروب في قضايا الضــ,,ـــــرب بيبقى زي السكــ,,ـــــينة على الرقبة، وخصوصاً لو في شهود زور من قرايبهم هيشهدوا إنهم شافوني ونا بضــ,,ـــــربها وبعورها.. بقيت واقف في نص الصالة، مش عارف الصبح لما ييجي، هروح المحكمة أدافع عن كرامة أمي، ولا هروح وأنا مكلبش بتهمة جناية ماليش ذنب فيها..
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الصدمة لجمت الكل في الصالة، وأمي حطت إيدها على صدـ,,ـــرها وبدأت تدعي بصوت مرعش وهي بتبكي: “يا رب أنت عالم بالحال، يا رب اكفينا شر عينيهم والافترا اللي هما فيه”. أخويا الكبير خد التليفون من إيدي، قرا الرسالة وعروق جبهته برزت وبقى يلف في الأوضة زي الأسد المحبوس:
ـ عاهة وعجز؟ وكمان بالزور والمستشفيات؟ الناس دي مفيش في قلوبهم ريحة الدين ولا يعرفوا ربنا! إحنا لازم نروحلهم لحد بيوتهم وننهي الليلة دي بدم.. إحنا يتقال علينا كدة ونتلفق لينا قضايا في وسط منطقتنا؟
وقفت في وسطهم وصوت نفسي عالي، مسكت أخويا من كتافه وضغطت عليه بكل عزم فيا وقولتله بحسم:
ـ اهدى يا فوزي.. اهدى يا أخويا ومضيعناش بغشوميتك.. هما عايزين إيه؟ عايزين يجرجرونا للغلط عشان يغطوا على فضيحتهم في المحكمة الاقتصادية.. التقرير الطبي المضروب ده ليه مية حل في القانون، والأستاذ فوزي قالي إن المحاكم مبتمشيش ورا أي ورق وخلاص طالما مفيش دليل حقيقي وثابت.
سحبت تليفوني وكلمت الأستاذ فوزي المحامي في ثواني، وكنت بسمّعه الرسالة وصوتي في حتة غيظ تانية.. المحامي سكت خالص، وفضل ثواني مبيتكلمش لحد ما حسيت إن الخط قطع، وفجأة لقيته بيتكلم بنبرة باردة وواثقة لدرجة إنها رعبتني:
ـ رومانى يا ابني.. الناس دي بتلعب آخر كارت معاهم، وده معناه إيه؟ معناه إنهم مرعوبين من محضر مباحث الإنترنت اللي اتعمل، وعرفوا إن البت هتدخل قفص المحكمة الاقتصادية وهتتحبس.. التقرير الطبي اللي بيقولوا عليه ده اتعمل بعد كام يوم من الواقعة؟
رديت عليه:
ـ البت غضبانة بقالها يومين يا أستاذ، والواقعة كانت في نص الليل، والنهاردة تالت يوم.
ـ حلو قوي.. ده اسمه في القانون “تراخي في الإبلاغ”، والتقرير الطبي طالما اتعمل بعد الواقعة بـ 48 ساعة بيعتبر مطعون فيه بالتزوير وإحداث الإصابة بالنفس.. يعني هي اللي عورت نفسها أو حد عورها عشان يلفقولك القضية.. ده غير إننا هنطلب تحويلها للطب الشرعي عشان يحدد تاريخ وساعة الإصابة بالظبط وهل تتطابق مع وقت الخناقة ولا لاء.. والطب الشرعي مبيجاملش يا ابن الأصول.
كلام المحامي نزل على قلبي زي الميّة الباردة، كمل وقالّي:
ـ اسمعني كويس.. بكرة الصبح إنت وإخواتك مش هتعملوا أي حاجة غير إنكم تقعدوا في البيت، وأنا هطلع على النيابة وأقدم طلب رسمي لإرفاق الرسالة دي بـ محضر الإنترنت، وهثبت إنهم بيبتزوك عشان تتنازل عن قضية السب والقذف.. الرسالة دي هي حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتهم، لأنها إثبات رسمي بالتهديد والابتزاز والافترا.
قفلت مع المحامي وبصيت لعيلتي وقولتلهم:
ـ المحامي طمنّي.. اللعب بالقانون أنظف بـ مية مرة من اللعب بالدراع.. هما فاكرين إنهم شاطرين، بس هما بيقعوا في شر أعمالهم حتة حتة.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عدت الليلة تقيلة قوي، والصبح طلع وإحنا مستنيين مكالمة من الأستاذ فوزي.. على الساعة واحدة الضهر، التليفون رن، فتحت الخط بلهفة:
ـ إيه الأخبار يا متر؟
الأستاذ فوزي قالي بنبرة كلها انتصار:
ـ رومانى.. المحامي بتاعهم جيه النيابة النهاردة الصبح عشان يقدم التقرير المضروب، ولما لقى إننا مقدمين طلب رسمي بالرسالة الصوتية ورسالة التهديد بتاعة حماك ومثبتين فيها الابتزاز، وكيل النيابة بصله وقاله “الكلام ده لو صح، هتحولوا كلكم للمحاكمة بتهمة التزوير والافترا”.. المحامي بتاعهم وشه جاب ألوان وطلب مهلة، وعرف إن اللعبة كبرت فوق دماغهم.
قبل ما أفرح بكلام المحامي، لقيت الباب بره بيخبط خبط مجنون، خبط متواصل كأن في مصيبة حصلت.. جريت أنا وإخواتي وفتحنا الباب، ولقينا البواب واقف ووشه أصفر وبينهج، وقال بصوت يقطع النفس:
ـ الحق يا أستاذ رومانى.. في ناس غريبة وقفت تحت البيت بعربيتين نص نقل، ومعاهم محضر من المحكمة وبدأوا يكسروا في قفل المخزن اللي تحت بيت العيلة عشان يفتشوا وياخدوا أي حاجة تخص البت، ومعاهم ناس ماسكة شوم وبتتخانق مع شباب الحارة اللي حاولوا يمنعوهم!
النــ,,ـــــار قادت في صدـ,,ـــري تاني، وبصيت لإخواتي ولقيتنا كلنا بنجري على السلم في نفس اللحظة.. الحكاية م بقتش قضايا وورق، الناس دي جاية تكسر عين عيلتنا في قلب منطقتنا وتستعرض قوتها تحت بيتنا، والمرة دي السكوت مش هيبقى أصول.. دي هتبقى قلة قيمة وضياع هيبة!
نزلنا السلم كأننا بننزل على نــ,,ـــــار قايدة. الشارع قدام باب المخزن كان ساحة حرب مصغرة؛ شباب الحارة واقفين زي السد المنيع قدام “البلطجية” اللي جابهم حمايا، وناس لابسة لبس عمال وبدؤوا يكسروا في القفل بمزاج، وكأنهم في ملك أبوهم.
حمايا كان واقف على جنب، لابس جلابية ومربع إيده وبيبص بشماتة، ومراتي.. آه مراتي، كانت واقفة جنبه، لابسة عباية سوداء، وعنيها بتدور في وجوه الجيران بانتصار مستفز. أول ما شافتني خارج من باب البيت، رفعت إيدها وشاورت عليا وقالت بصوت عالي:
ـ أهو! أهو اللي أخد حاجتي وحابسها في المخزن! هاتوا حاجتي وكسروا الباب، القانون معايا!
البلطجي اللي كان بيكسر في القفل بصلّي بقلة أدب وقال: “وسع كدة يا جدع إنت، معانا أمر بالتفتيش والتحريز”.
دمي غلي لدرجة إني مكنتش شايف قدامي. أخويا الكبير مسكني من دراعي وقال بصوت واطي: “استنى يا رومانى، لو قربت منهم دلوقتي هنضيع حقنا”.. بس أنا كنت خلاص فقدت القدرة على السكوت. قربت من الراجل اللي بيكسر، وبكل قوة في إيدي زقيته لورا، وقع على الأرض ووقع معاه “الأجنة” اللي بيفتح بيها القفل.
صوت الخناقة عليّ، وبدأت الإيدين تتشابك. شباب الحارة دخلوا يحمونا، والشارع بقى مسموع فيه غير أصوات الشتائم والزعيق. في اللحظة دي، سمعت صوت سيرينة بوظيس من بعيد.. الكل اتجمد في مكانه.
حمايا وشه اصفر، والبلطجية بداوا يلموا حاجتهم عشان يهربوا، بس كان الأوان فات. عربيتين شرطة دخلوا الشارع، ونزل منهم ضابط ومعاه عساكر. الضابط بصلنا وبص للمنظر وقال بصوت جهوري: “في إيه هنا؟ مين اللي عامل المشكلة دي؟”
حمايا جرى على الضابط وهو بيصيح: “يا باشا أنا معايا أمر من المحكمة بتفتيش المخزن ده، والراجل ده منعني واعتدى على العمال!”.
الضابط بصله ببرود وطلب منه يشوف الورق. حمايا طلع ورقة من جيبه واداها للضابط. الضابط قراها كويس، وبعدين بصلي وبص للورق اللي كان في إيدي (صورة المحضر اللي عمله الأستاذ فوزي)، وقال لحمايا:
ـ الورقة دي اللي معاك “إذن تفتيش” لمكان تاني خالص، والعنوان اللي هنا بتاع مخزن مش مرخص بالتفتيش عليه في القضية دي! إنت بتضلل العدالة وبتعمل تهجم على ملكية خاصة!
حمايا اتجمد في مكانه، ومراتي ملامحها اتغيرت من الشماتة للرعب. الضابط كمل: “الناس دي كلها تطلع على القسم، أخد أقوالكم هناك، وأي حد عمل تكسير أو اعتــ,,ـــــدا هيتحبس”.
في القسم، قعدنا ساعات. المحامي بتاعي جه، وبدأ يثبت إن حمايا زور في بيانات العنوان عشان يقتحم بيتنا، وإنه جايب بلطجية. المحامي بتاعهم كان بيحاول يدافع، بس الظابط كان حازم جداً، خصوصاً لما شاف المحضر اللي في مباحث الإنترنت.
قبل ما نخرج، الضابط طلب من حمايا ومراتي يقعدوا في المكتب التاني.. سمعت صوت زعاق الضابط فيهم وهما بيتحيلوا عليه ينسى الموضوع. خرجوا من المكتب ووجوههم غرقانة في المذلة، وشفتهم وهما ماشيين من القسم، من غير اللوري، ومن غير البلطجية، ومن غير الهيبة اللي كانوا متخيلين إنهم داخلين بيها.
رجعت البيت مع إخواتي، وأمي كانت مستنيانا على باب الشقة، أول ما شافتني، حــ,,ـــــضنتني بدموعها وقالت: “الحمد لله.. الحمد لله اللي نصرك يا ابني”.
لكن الهدوء ده كان هدوء كاذب. بالليل، وأنا قاعد براجع أوراق القضية مع المحامي، جالي خبر من ابن عمي اللي شغال في النيابة، قالي خبر خلاني أحس إن المعركة لسه بتبدأ: “حماك مش بس بيحاول يلفقلك قضايا، حماك بيحاول يفتح ملفات قديمة تخص شغل أخوك الكبير، وبيحاول يضغط على ناس كانت شغالة معاكم عشان يشهدوا زور ضدكم”..
بصيت لإخواتي وقلت: “الناس دي مش هتسكت.. هما دلوقتي بيدوروا على أي ثغرة يدمرونا بيها.. لازم نكون أسرع منهم”.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
بينما كنت أحاول ألملم خيوط المؤامرة الجديدة اللي بيحيكها حمايا ضد أخويا، كان البيت عندنا بيمر بحالة من الترقب القاتل. الأستاذ فوزي المحامي كان بيتحرك زي النحلة، بيجمع شهادات من الناس اللي حمايا حاول يضغط عليهم، وبيحضر مفاجأة تقيلة جداً للنيابة.
في اليوم ده، وأنا قاعد في مكتبي الصغير اللي بخلص فيه شغلي، لقيت الباب بيخبط بخفة.. كانت أخت مراتي، “هبة”. هبة كانت دايماً بعيدة عن خناقات أهلها، وكانت أقرب واحدة ليا وليها قبل ما النــ,,ـــــار تولع. دخلت وشها شاحب، وعيونها مليانة خوف.
قعدت من غير ما تطلب، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي:
ـ رومانى.. أنا عارفة إني ماليش وش أقابلك بعد اللي أهلي عملوه، بس أنا مش قادرة أسكت أكتر من كدة. بابا وأمي ومراتي بيخططوا لحاجة أكبر بكتير من التلفيق والقضايا.. هما ناويين يبعتوا ناس يوم جلسة المحكمة الاقتصادية يتهجموا على المحامي بتاعك، ويحاولوا يسرقوا الملفات اللي فيها الرسائل الصوتية وتقرير المباحث. هما فاكرين إنهم لو ضيعوا “الأدلة”، القضية هتتلف وتتقفل لصالحهم.
قلبي دق بسرعة.. “البلطجة” وصلت لحد المحكمة؟ بصيت لهبة وقولتلها:
ـ شكراً يا هبة.. أنا كنت حاسس إنهم هيعملوا حركة زي دي، بس إني أعرفها منك ده معناه إنهم مفيش حدود لغبائهم.
بعد ما هبة مشيت، كلمت الأستاذ فوزي علطول وبلغته باللي سمعته. المحامي سكت لحظة وبعدين قال بحدة:
ـ كدة اللعبة بقت في ملعبنا.. إحنا مش بس هنروح الجلسة، إحنا هنطلب حماية أمنية مشددة، وهنقدم للنيابة “نسخ احتياطية” من كل دليل، ونسخة أصلية هتكون في مكان سري بعيد عن إيدي تماماً. بس الأهم من ده، إحنا لازم نكشف “لعبهم” ده قدام القاضي في الجلسة.. لما يتهجموا أو يحاولوا يسرقوا، هيكونوا بيقدموا نفسهم للمحكمة مجرمين مش مجرد أطراف في قضية سب وقذف.
يوم الجلسة كان يوم مشهود.. الحارة كلها كانت واقفة معانا بقلبها، والشارع قدام المحكمة كان مليان بالناس. دخلنا قاعة المحكمة، ولقيت حمايا ومراتي قاعدين، وأول ما شافوني عينيهم كانت بتلمع بشماتة، وكأنهم ضامنين إن الملف اللي في إيد المحامي هيختفي في لحظة.
القاضي بدأ الجلسة، والجو كان مكهرب. المحامي بتاعي قدم كل الأدلة، وبدأ يتكلم بقوة عن الابتزاز والتهديد والافتراء. فجأة، وفي نص مرافعته، شفت حمايا بيومئ بإيديه لراجل غريب واقف في آخر القاعة.. الراجل ده بدأ يتحرك ناحية ترابيزة المحامي.
أنا وأخويا الكبير كنا مستعدين.. قبل ما الراجل يوصل للمحامي، قمت وقفت وصرخت في القاعة:
ـ يا سيادة القاضي! الراجل ده بيحاول يتهجم على المحامي بتاعي ويسرق ملفات القضية، ودول البلطجية اللي بعتهم حمايا عشان يضيعوا الأدلة!
القاعة اتقلبت.. الأمن جيه في لحظة، ومسك الراجل ده، وبدأ القاضي يبص لحمايا بحدة. في اللحظة دي، شفت مراتي بتبصلي، ولأول مرة، شفت في عيونها “خوف”.. خوف حقيقي، مش كبرياء ولا عناد.
القاضي أمر بالتحفظ على الراجل، وأمر ببدء تحقيق فوري في واقعة محاولة السرقة جوه القاعة. حمايا حاول يبرر، بس صوته كان بيترعش، ومراتي قعدت على الكرسي كأنها فقدت القدرة على الكلام.
خرجنا من المحكمة وإحنا حاسين إننا كسبنا جولة مش بس قانونية، دي جولة في كرامتنا. لكن، وأنا خارج، لقيت مراتي واقفة قدام الباب، بتبصلي نظرة أخيرة.. نظرة كانت مزيج من الندم، والانكسار، وحاجة تانية مقدرتش أحددها.. كان واضح إنها بدأت تدرك إن اللعبة اللي لعبتها بأمر من أهلها، خربت بيتها وخلت كرامتها في الأرض.
كنت عارف إن الجلسة الجاية هي اللي هتحسم كل حاجة، وإن دي كانت “قبل الأخيرة” في مسلسل الافترا، وإن النهاية خلاص قربت.. يا إما بالحق والعدل، يا إما بانهيار كل اللي بنيناه طول حياتنا.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
جاء يوم النطق بالحكم، والجميع داخل قاعة المحكمة حبسوا أنفاسهم. وقف الحاج عبد الستار وكبار الحارة في الخلف يساندوننا، بينما جلس حمايا ومراتي في الجهة المقابلة، وقد بدت عليهما علامات الانكسار بعدما أحبط الأمن محاولتهم الأخيرة لسرقة الملفات وتزوير الحقائق.
اعتلى القاضي منصته، ونظر إلى الأوراق بنظرة ملؤها الهيبة، ثم نطق بالحق الذي انتظرناه طويلًا. حكمت المحكمة بإدانة زوجتي بتهمة السب والقذف العلني والطعن في الأعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعاقبتها بالحبس ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ مؤقتًا كفرصة أخيرة، وغرامة مالية تقطّم الظهر، مع إحالة حمايا وقريبه إلى النيابة العامة بتهمة التحريض والتهجم ومحاولة تضليل العدالة.
في تلك اللحظة، ساد الصمت أركان القاعة، والتفتت مراتي إليّ وعيناها غارقتان في الدموع، والندم يمزق ملامحها بعد أن أدركت أن العند الأعمى وخلفية أهلها دمروا كل شيء. اقترب حمايا مني بصوت منخفض، وعزة نفسه المزيفة قد تلاشت تمامًا، وقال: “خلاص يا ابني.. الحق حقك، والبيوت أسرار، وإحنا طمعانين في كرمك وأصولك إننا نلم الموضوع وديًا ومنفضحش البنت أكتر من كدة”.
نظرت إليه بثبات وهدوء، ولم تكن في قلبي شهوة للانتقام، بل رغبة في إرساء الحكمة التي تربيت عليها. قلت له بصوت رزين سمعه من حولنا:
ـ يا عمي، أنا مكنتش بدور على فضايح ولا خراب بيوت. أنا كنت بدافع عن الست اللي شقيت وتعبت عشان تطلعنا رجالة نعرف الأصول.. الست اللي بنتك وصفتها بـ “تربية مرّة” كإهانة، والنهاردة المحكمة أثبتت إن تربية الست دي بالحق والقانون كسبت غشومية وعِند عيلة كاملة.
التفتُّ إلى مراتي وقلت لها:
ـ الكلمة زي طلقة الرصاص يا بنت الناس، لما بتطلع بتهد كل حيطة أمان بين الراجل ومراته. القلم اللي أخذتيه مني كان غلطة وضيق نفس على كرامة أمي، بس الغل والافتراء والقضايا الزور اللي عملتوها بعد كدة هدت كل جسور الرجوع.. إنتي طالق، مش انتقامًا منك، بس عشان المركب اللي يدــ,,ـــــخلا الغش والعند بتغرق.. وحق أمي المالي في الغرامة أنا متنازل عنه، عشان الست اللي ربتني علمتني إن الرجولة في العفو عند المقدرة، مش في كسر النفوس.
خرجت من قاعة المحكمة مرفوع الرأس، وإخواتي الرجالة يحيطون بي كالسور المنيع. عدنا إلى الحارة، وأول ما دخلت الشقة، ارتميت في أحضان أمي وبكيت كالطفل الصغير، وقولت لها: “حقك رجع يا أمي، والكل شهد إنك ربيتي رجالة بيصونوا العرض وبيجيبوا الحق بالأصول والقانون”.
مسحت أمي دموعي بيديها الطاهرتين وابتسمت بحكمة وقالت: “يا ابني، الدنيا مفيهاش خير في بيت يتبني على العند وقلة الأصل، والحمد لله إن ربنا أظهر طهرنا ونصرنا من غير ما نلوث إيدينا بظلــ,,ـــــم حد.. اللي فات مات، والنهاردة يوم جديد تبدأ فيه حياتك وأنت عارف إن راسك وراس عيلتك في السما”.
وانتهت تلك الحرب الشرــ,,ـــــسة، لا بالدم ولا بالخراب، بل بانتصار الحق وظهور الحكمة، لتبقى قصتنا درسًا لكل من يظن أن طيبة أولاد الأصول ضعف، أو أن لسان الإساءة يمكنه أن يكسر كرامة من تربى على يد ست بـ مية راجل.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق