امها المريضه كاملة
حكايات صافي هاني
أمي اللي عندها 81 سنة طردت الست الغلبانة اللي كانت بتمريضها، وجابت مكانها راجل سواق توكتوك ومقضيها أوشام! لما عرفت السبب في الآخر، رجليا مأشلتش تشيلني من الصدمة.
أمي رقدت في السرير بقالها 12 سنة. طول الفترة دي، كانت الست أم أحمد هي اللي واخدة بالها منها وأنا في الشغل؛ ست حِنينة ومصلاية وبتعامل أمي بكل صبر ودفا.
من شهرين فاتوا، لقيت أم أحمد بتكلمني وهي بتعيط وتقولي إن أمك طردتني وجابت واحد تاني مكانها خلاص، بس صدقيني مش هتبقي عايزة تعرفي هو مين ولا شكله إيه.
جريت على البيت وأنا دمي واقف من الخوف، وأول ما فتحت باب الأوضة اتسمّرت في مكاني. جنب السرير كان قاعد راجل ضخم، جث..ة وعضلات، لابس فيست جينز مقطوع، ودقنه واصلة لِصدره، ودراعاته ورقَبته كلها أوشام. الغريبة إنه كان قاعد بكل حرص بيأكل أمي شوربة لسان عصفور بالمعلقة، وأمي كانت بتضحك له من قلبها وكأنه طاقة قدر واتفتحت لها.
قلت براحة وبصوت مرعوب: ماما.. ممكن أتكلم معاكي؟ على انفراد؟
الراجل مبصليش حتى، قام بهدوء وقال بصوت جهوري بس مؤدب: أنا هستناكي برة في الصالة يا أبلة.. خدي راحتك مع الست الحجة تحية.
أول ما الباب اتقفل، كنت هصرخ، بس أمي قطعتني وقالت بنبرة ناشفة إن هو قاعد هنا ومفيش مخلوق هيمشيه، وأنا عايزة عاشور هو اللي يخدمني.
والموضوع خلص، وعاشور بقى هو اللي مسؤول عنها. وبالرغم من إني كنت كارهة الوضع ومستغرباه، إلا إن شهادة حق، الواد عاشور كان بيعامل أمي بحنية مش طبيعية. أمي اتغيرت 180 درجة؛ بقت بتضحك، وشهيتها اتفتحت للأكل، وردت فيها الروح من تاني.
كانوا بيقضوا ساعات وساعات يتكلموا ويوشوشوا بعض، بس الغريبة إن أول ما كنت بدخل الأوضة، كانوا بيسكتوا فجأة.
الدنيا اتقلبت لما أمي تعبت فجأة ونقلوها المستشفى. الدكاترة قالوا ده بسبب السن والمرض، بس أنا عقلي مكنش جايبني غير إنه بسببه، كنت بلوم عاشور في سري.
الواد مسابش المستشفى، كان قاعد جنب سريرها ليل نهار، وكان مستفزني قوي وهو بيتصرف براحته وكأنه صاحب مكان، وكأنه ابنها.
أول ما أمي غفلت ونامت، لفيت ليه وقلت له بحدة إني عايزاه يمشي ويسيب الشغلانة دي وهديك تلات أضعاف فلوسك.
عاشور مردش عليا في وقتها. بص في وشي نظرة طويلة غامضة، وبعدين لف وخرج في الممر بهدوء. مشيت وراه وأنا بنادي عليه لـحد ما بقينا برة في حوش المستشفى.
فجأة وقف، ولف ليا وقال بصوت كله شجن إن جه الوقت اللي تعرفي فيه الحقيقة يا أستاذة، أمك حَلّفتني مَجيبش سيرة، بس أنا خلاص مبقتش قادر أستحمل أكتر من كده.
قلبي سقط في رجليا وسألته: هي أمي كانت مخبية
إيه؟
عاشور أخد نفس طويل، وطلع علبة السجاير من جيبه، إيده كانت بترتعش وهو بيولع سيكارة، وبص للأرض وعينيه مدمعة وقال بصوت مخنوق:
”أنا مش مجرد سواق توكتوك غريب يا أبلة.. أنا أبقى ابن جوز أمك.. الحاج فؤاد الله يرحمه اللي عاش مع أمي التانية في السر زمان. يعني أنا أخوكي، بس من الأب.. الأخ اللي عمرك ما سمعتي عنه ولا شوفتيه في حياتك.”
الصدمة خلتني أرجع خطوة لورا، وبقيت أبص له بذهول وأنا مش قادرة أستوعب الكلام، لكنه كمل وهو بيمسح دمعة فرت من عينه:
“أبوكي اتمسك بأمي التانية لحد ما ماتت وأنا عيل صغير، وبعدها الدنيا لطشت بيا.. والأوشام اللي في جسمي دي كانت طيش شباب وأيام سودة قاضيتها في السجن بسبب قض..ية ظلم اتقفلت فيا.. ولما طلعت، ملقتش كلب يحن عليا ولا يسأل فيا، الكل اتبرى مني.. ما عدا ست الكل.. أمك!”
سكت شوية وبص لشبابيك المستشفى وكمل:
“أمي تحية عرفت طريقي بالصدفة من كام شهر، وبدل ما تخاف مني أو تطردني، فتحت لي بيتها ودراعاتها، وبكت في حضني وقالت لي أنت ريحة الغالي.. ولما لقتني ضايع ومش لاقي لقمة أكل، صممت أجي وأقعد تحت رجليها أخدمها، وقالت لي مفيش حد أولى بيا من ابن جوزي اللي ملوش ذنب في الدنيا.. وعشان تعوضني عن سنين الحرمان والغُلب اللي شوفتهم.”
أنا كنت واقفة مكاني، الهوا كان بارد بس حاسة بنار بتغلي جوايا، سألته بصوت مرتعش والدموع خلاص مغرقة وشي:
“طب وليه؟ ليه خبت عليا كل ده؟ ليه عيشتني في الكدبة دي وسابتني أظلمك؟”
عاشور بص في عيني مباشرة وقال بنبرة تكسر القلب:
“عشانك أنتي يا أبلة.. أمك حلفِتني على المصحف مَجيبش سيرة، قالت لي بنتي بتموت في تراب أبوها وشايفاه مفيش منه اتنين.. لو عرفت إنه كان متجوز على أمها في السر ومخبي عنها، قلبها هيتكسر وسيرته هتصغر في عينها وتكره الأيام اللي عاشتها معاه.. أمك ضحت براحتها وشالت السر التقيل ده لوحدها كل السنين دي، واستحملت كلامك ونظرات شكك فيا، كل ده بس عشان تحمي صورة أبوكي الله يرحمه قدامك وتفضلي فاكراه البطل اللي مبيغلطش.”
أول ما نطق الكلمتين دول، حسيت الأرض بتلف بيا، وركبي خانتني ومأشلتش تشيلني.. وقعت على الرصيف في حوش المستشفى وأنا بنهج ومش قادرة أخد نفسي.
أبويا؟ الراجل المثالي اللي كنت بحلف بحياته؟ طلع عنده حياة تانية وابن ميعرفش عنه حاجة؟
وأمي؟ الست المريضة الغلبانة اللي بقالها 12 سنة في السرير، تطلع بالشهامة والنظافة دي؟ تشيل سر يهد جبال، وتجيب ابن ضرتها لحد عندها وتأمنه على نفسها وتديه الحنية اللي انحرم منها، وتتحمل قسوتي عليها لمجرد إنها تحميني من الحقيقة؟
بصيت لعاشور وأنا شايفاه لأول مرة على حقيقته.. الأوشام اللي كانت مخوفاني ومخلية شكلي مقزز منها، بقيت شايفاها وجع وسنين ظلم عاشها الأخ اللي انحرمت منه.. الراجل الج..ثة اللي كنت فاكراه جاي يسرقنا، طلع هو السند الحقيقي اللي شال أمي في مرضها بحق الله وبدون مقابل.
عاشور قرب مني وبص في الأرض، ومد إيديه الموشومة وهو بيرتعش وناولني منديل وقال بصوت واطي:
“أنا مش زعلان منك يا أبلة.. وعارف إنك كنتِ خايفة على أمك.. أنا هلم هدومي وأمشي ومجرد ما تفوق هقول لها إني سبت الشغل من نفسي عشان متقلقش.. بس أرجوكي، بلاش تبيني لها إنك عرفتِ حاجة.. سيبيلها الحتة اللي باقية لها في الدنيا وهي مرتاحة إنها حمتك.”
لف ضهره عشان يمشي ويسيبني في ضلمة الحوش، وفي اللحظة دي.. حسيت إن لو سبته يمشي هكون بضيع نفسي وبظلم أمي وبخسر الأخ الوحيد اللي ليا في الدنيا.
قمت بسرعة وأنا بنفض التراب من على هدومي، وصرخت بصوت مبحوح والدموع مغرقاني:
“عاشور! استنى عندك.. متمشيش!”
امها المريضه 2 حكايات صافي هاني
عاشور وقف مكانه، ضهره كان مفرود بس راسه كانت في الأرض، كأنه مستني ضربة جديدة أو مستني جملة قاسية تخليه يسرع خطوته ويمشي. لف ليا ببطء، والسجارة في إيده كانت خلاص قربت تلمس صوابعه، وبصلي بعيون حمرا من كتمة العياط وقال: “أوامرك يا أبلة.. هلم حاجتي في ثانية ومش هتشوفي وشي تاني.”
جريت عليه والدموع بتعمي عينيا، مسكت في كم الجاكيت الجينز بتاعه بكل قوتي وكأني خايفة يتبخر من قدامي، وقلت بصوت بيترعش ومخنوق: “متمشيش يا عاشور.. أنا.. أنا أسفة.”
عاشور اتسمر مكانه، وبص لإيدي اللي ماسكة في هدومه بذهول، وكأن الكلمة كانت تقيلة على ودان مش متعودة تسمع غير الإهانة والشك. عدا ثواني من الصمت الرهيب وسط هوى الليل، لحد ما سألني بنبرة مكسورة: “تتأسفي على إيه يا بنت الغالي؟ أنتي كنتِ بتخافي على أمك.. وده حقك.”
”أنا ظلمتك.. وشكيت فيك وفي نيتك، وأنت طلعت أجدع مني ومن الدنيا كلها!”
في اللحظة دي، حسيت إن جبل الشك اللي كان خانقني انهار، ولقيت نفسي من غير تفكير بقرب منه وبترمي في حضنه. حضنته وأنا بعيط بحرقة، بعيط على أبويا اللي مات وساب وراه السر ده، وبعيط على أمي اللي شالت الحمل لوحدها، وبعيط على السنين اللي عشناها أغراب وإحنا من دم واحد. عاشور جسمه اتنفض، وحسيت بدراعاته الضخمة الموشومة بترتعش وهي بترفع ببطء وتترد عليا، وطبطب على ضهري بحنية أظنها حنية السنين اللي انحرم فيها من كلمة “عيلة”.
بعد ثواني، ركزت واستوعبت الموقف، فمسحت دموعي بسرعة وقلت له: “إحنا لازم نطلع لأمي فوراً.. لازم تعرف إننا مع بعض.”
طلعنا السلم وجرينا في طرقة المستشفى لحد ما وصلنا باب الأوضة. فتحت الباب براحة، ولقينا أمي تحية فتحت عينيها أخيرًا، والمحاليل متعلقة في إيدها الضعيفة. أول ما شافت عاشور واقف جنبي، ملامحها اتخطفت، وعينيها راحت بسرعة لوشي وهي بتدور على أي علامة تقول لها إن السر اتمسح أو إن في كارثة حصلت.
قربت من السرير وقعدت على ركبي، مسكت إيدها المجهدة وبستها، وقلت لها بصوت هادي حاولت أخليه متماسك: “حمد الله على سلامتك يا ست الكل.. عاشور مسبكيش ولا ثانية، والحمد لله الدكاترة طمنونا.”
أمي بصت لعاشور بنظرة عتاب وخوف، وسألت بصوت واهن وطالع بالعافية: “أنت.. أنت قلت لها حاجة يا عاشور؟”
عاشور كان واقف بعيد عند الباب، باصص للأرض وساكت، فتدخلت أنا بسرعة وعملت نفسي مش فاهمة حاجة وقلت: “يقول لي إيه يا ماما؟ هو قال لي إن الدكتور طمنه عليكي برة بس.. في حاجة تانية المفروض أعرفها؟”
أمي أخدت نفس طويل كأن روحها ردت فيها، وبصت لعاشور بنظرة شكر وامتنان، وقالت لي وهي بتطبطب على إيدي: “لا يا بنتي.. مفيش.. ربنا يخليكم ليا.”
فات تلات أيام في المستشفى، والوضع اتغير تماماً. بقيت أنا وعاشور بنتناوب على خدمتها، وبقيت أراقبه وهو بيعدل لها المخدة، وهو بيناولها المية، وبقيت أشوف في كل حركة بيعملها ملامح أبويا الله يرحمه.. نفس الطيبة ونفس الشهامة اللي كانت متدارية ورا الأوشام والدقن الطويلة. الشك مات، وحل مكانه راحة غريبة، لحد ما جيه يوم الخروج من المستشفى.
رجعنا البيت، ودخلنا أمي أوضتها وارتاحت في سريرها. عاشور ساعدها تدخل، وبعدين وقف في الصالة ولم شنطته الصغيرة اللي كان جاي بيها أول مرة، وبصلي وقال بصوت واطي: “أنا كدة أطمنت عليها يا أبلة.. والحمد لله رجعت بيتها بالسلامة. أنا همشي بقى عشان مش عايز أعملك مشاكل وسط جيرانك، ولا عايز حد يتكلم عليكي كلمة نص كم بسبب قعدتي هنا.”
قلت له بحدة ورفض قاطع: “تمشي تروح فين يا عاشور؟ أنت مكانك هنا.. وسط عيلتك.”
عاشور ابتسم بمرارة وهز راسه: “م ينفعش يا بنت الحلال.. البيت ده ليه حرمته، وأنا راجل غريب قدام الناس.. وقعدتي هنا هتجيب كلام لأمي وليكي.. سيبيني أمشي وأنا هبقى أعد أطمن عليها من وقت للتاني من على الباب.”
كلامه كان صح ومنطقي، الجيران في الحارة مش هيرحمونا لو راجل غريب قعد في البيت، وأمي مش هتقدر تعلن الحقيقة عشان صورت أبويا. وقفت محتارة والعجز هيموتني، مش قادرة أسيبه يمشي ويرجع للشارع والغُلب تاني، ومش قادرة أخليه يقعد.
وفجأة، وإحنا واقفين بنتكلم بصوت واطي في الصالة، سمعنا صوت كركبة وحاجة بتقع جوة أوضة أمي!
جرينا إحنا الاتنين زي المجانين وفتحنا الباب.. الصدمة شلتنا مكاننا. أمي كانت واقعة على الأرض جنب السرير، ووشها كان شاحب زي الأموات، وجنب إيدها كان في صندوق خشب قديم ومقفول بقفل صدّي.. الصندوق ده أنا عمري ما شوفتُه في بيتنا قبل كدة، وكان باين إنه كان متداري تحت السرير بقاله سنين طويلة، ومع الوقعة القفل اِتكسر، واتنطرت منه أوراق قديمة، وصورة غريبة اِترمت تحت رجلي بالظبط!
نزلت على ركبي وأنا برتعش، ومديت إيدي وأخدت الصورة.. وبمجرد ما شوفت اللي فيها، صرخت صرخة مكتومة، وحسيت إن كل اللي عرفته عن عيلتي كفة.. واللي في الصورة دي كفة تانية خالص!
امها المريضه 3حكايات صافي هاني
عاشور جري على أمي ورفعها بسرعة وخفة كأنها حتة ريشة، وعدّلها على السرير وهو بينادي عليها بخوف وقلق: “يا ست الكل.. يا حجة تحية ردّي عليا! أطلب الإسعاف يا أبلة بسرعة!”
أنا مكنتش سامعاه، وداني كانت بتصفر والصوت واصل لي مكتوم. عيني كانت متبتة في الصورة اللي في إيدي ومش قادرة أشيلها. الصورة كانت قديمة ومهترية، وبألوان باهتة من بتاعة زمان.. كان فيها أمي تحية وهي شابة صغيرة، واقفة بتضحك من قلبها ولابسة فستان فرح أبيض، والراجل اللي واقف جنبها وحاضنها ولافف إيده حواليها.. مكنش أبويا!
مكنش الحاج فؤاد خالص! كان راجل تاني، وسيم وملامحه فيها شبه رهيب وقريب جداً من.. من عاشور!
نفس رسمة العين الحزينة، ونفس الدقن، وحتى نفس طول الجث..ة والعضلات. قلبت الصورة وأنا إيدي بتتلوى من الرعشة، لقيت مكتوب بظهرها بخط إيد أمي الواضح: “أول يوم في عمرنا سوا.. حبيبي وزوجي الغالي مصطفى – 1975″.
1975؟! يعني قبل ما أمي تتجوز أبويا بـ 10 سنين كاملين!
”في إيه يا أبلة؟ هاتي التليفون أمك قاطعة النفس خالص!” صوت عاشور وهو بيزعق فوق دماغي فوقني من الصدمة. رميت الصورة في جيبي بسرعة وكأني سرقت سرق، وبصيت لأمي لقيت عينيها مقلوبة وبتنهج بنهجان غريب وسريع، وصدرها بيعلو ويهبط بشكل يرعب.
جريت على التليفون وطلبت الإسعاف، وطول النصف ساعة لحد ما الإسعاف وصلت، كنت قاعدة جنبها بمسد على راسها وعقلي شغال زي المكنة. مين مصطفى ده؟ وليه عاشور شبهه كده؟ وإزاي عاشور يبقى ابن أبويا فؤاد وفي نفس الوقت فيه الشبه ده من الراجل اللي في الصورة؟ الحكاية فيها حلقة مفقودة.. حلقة كبيرة وتخوف.
وصلت الإسعاف ونقلنا أمي على الرعاية المركزة في مستشفى عين شمس التخصصي، والدكاترة قالوا إنها دخلت في غيبوبة سكر كاملة بسبب صدمة أو زعل مفاجئ.
قعدنا أنا وعاشور في ممر المستشفى، الجو كان هادي ومفيش غير صوت الأجهزة من ورا الأبواب. عاشور كان قاعد حاطط راسه بين إيديه وبيستغفر، وأنا كنت ببص له ونار الأسئلة بتاكل في صدري. طلعت الصورة من جيبي بالراحة، وقربت منه وقعدت جنبه، وقلت بصوت واطي ومحمل بالشك: “عاشور.. أنت قلت لي إنك ابن الحاج فؤاد من مراته الثانية.. صح؟”
عاشور رفع راسه وبصلي باستغراب: “آه يا أبلة.. ده اللي أمي تحية قالتهولي وعرفتني بيه.. في إيه؟”
مديت إيدي بالصورة وحطيتها قدام عينه وقلت له: “أومال مين الراجل اللي واقف مع أمي في صورة فرحهم دي؟ ومكتوب عليه جوزي حبيبي مصطفى؟ وليه أنت شبهه كأنك حتة منه.. أكتر من شبهك لأبويا فؤاد؟”
عاشور مسك الصورة، وأول ما عينيه جت على وش الراجل، لونه اِتخطف والدم هرب من وشه تماماً. صوابعه بدأت ترتعش على طرف الصورة، وبصلي بعيون واسعة من الذهول والصدمة وقال بصوت يدوب طالع: “ده.. ده مش ممكن! الراجل ده.. الراجل ده يبقى..”
وفجأة، الباب بتاع الرعاية المركزة اتفتح بقوة، وخرج الدكتور وهو بيجري وينادي على الممرضين: “بسرعة.. صدمات القلب اِتحركوا معايا.. الحالة بتضيع!”
امها المريضه 4
حكايات صافي هاني
الدكتور والممرضين جريوا لداخل الأوضة والباب اتقفل في وشنا، وصوت جهاز نبضات القلب كان بيصفر صفرة مستمرة وطويلة.. الصفرة اللي كلنا بنخاف منها.
عاشور رمى الصورة من إيده ووقف على رجليه وهو مرعوب، لزق وشه في زجاج الأوضة وبدأ يضرب عليه ببطء وهو بيقول بصوت منهار: “لا يا حجة تحية.. بلاش تمشي وتسبيني واخدة السر معاكي.. بلاش تسبيني ضايع تاني يا أمي!”
أنا مكنتش قادرة أتحرك من مكاني، كلمة “أمي” اللي طلعت من بوق عاشور هزتني.. هو قال “يا أمي” مش “يا ست الحجة”. وفي وسط الخوف على أمي اللي بتموت جوة، كان عقلي لسه متسمر عند ملامحه وهو بيبص للصورة. مديت إيدي على الأرض وأخدتها تاني، ووقفت جنبه وأنا عيني عليه هو مش على الدكاترة، وسألته بنبرة حادة وسط دموعي: “انطق يا عاشور.. الراجل ده يبقى مين؟ أنت تعرفه؟”
عاشور لف ليا، ووشه كان غرقان دموع وعرق، وقال بصوت بيترعش كأنه طفل صغير تاه من أهله: “الراجل ده.. الراجل ده يبقى أبويا أنا! مصطفى الصياد.. الراجل اللي وعيت على الدنيا وأنا نايم في حضنه وهو بيقول لي أنت ابني الوحيد.. الراجل اللي مات وأنا عندي سبع سنين وأمي التانية قالت لي إن الحاج فؤاد هو اللي اتكفل بيا بعده! أنا مش فاهم حاجة يا أبلة.. أنا دماغي هتنفجر!”
قبل ما أستوعب كلامه، صرخة الممرضة جوة الأوضة قطعت حبل أفكارنا: “النبض رجع يا دكتور! النبض رجع والحمد لله!”
أخدت نفس طويل كان محبوس في صدري، وعاشور سند ضهره على الحيطة ونزل قعد على الأرض وهو بيتنفس بصعوبة ويحمد ربنا.
فاتت ساعتين كاملين لحد ما الدكتور خرج وهو بيمسح جبينه، وبص لنا وقال: “الحمد لله.. الأزمة عدت ودخلت في مرحلة الاستقرار، هي فاقت وبتشاور باسمكم.. بس أرجوكم، مفيش أي انفعال ولا كلام يزعلها، الدقيقة بحساب.”
دخلنا الأوضة بخطوات خايفة، كانت أمي نايمة على السرير، عينيها ذبلانة والتعب حافر وشه عليها. أول ما شافتنا، عينيها نزلت على إيدي.. ولمحت طرف الصورة القديمة اللي كنت لسه متبتة فيها.
أمي غمضت عينيها بأسى، ونزلت دمعة هادية من طرف عينها، وقالت بصوت مبحوح ومقطع: “كنت.. كنت عايزة السر ده يموت معايا.. عشان تعيشوا إخوات بجد ومفيش كره يدخل بينكم.. بس مادام الصندوق اتفتح.. يبقى ده أمر ربنا.”
بصت لعاشور وقالت له: “قرب يا ابني.. قرب يا عاشور يا حبة عيني.”
عاشور قرب وركع جنب السرير ومسك إيدها وباسها وهو بيعيط: “أنا مين يا أمي؟ مصطفى الصياد يبقى مين؟ والحاج فؤاد يبقى إيه في حياتي؟”
أمي أخدت نفس طويل، وبصت لسقف الأوضة كأنها بتسترجع شريط عمرها كله، وقالت: “مصطفى الصياد كان جوزي الأولاني وحب عمري.. اتجوزته في السر زمان لأن أهلي رفضوه عشان كان على قد حاله.. وخلف منك يا عاشور. ولما مات في حادثة وأنت عيل صغير، أهلي غصبوا عليا أتجوز الحاج فؤاد عشان غني ويسترني.. فؤاد وافق يستر عليا بس اشترط شرط قاسي عشان يداري الفضيحة قدام عيلته.. اشترط إنك تبعد عني تماماً ومشوفكش طول حياتي!”
دموع أمي زادت وهي بتكمل: “فؤاد أخدك ورماك لمراته الثانية في السر، وفهمها إنك ابنه هو من واحدة تانية عشان تربيك وتنسى طريقي.. وأنا عشت مع فؤاد وجبت أختك، وقلبي كان بيتقطع عليك كل يوم وأنا شيفاك بتكبر بعيد عني وبتضيع في الشوارع وسيرتك بتجيلي إنك بتدخل السجون وأنا مش قادرة أمد لك إيدي عشان خايفة على بيتي وبنتي.. لحد ما فؤاد مات، وقررت إني لازم أرجعك لحضني وأعوضك عن كل سنين الظلم.. وجبتك تخدمني عشان تكون تحت عيني وأشبع منك قبل ما أموت.”
الكلام نزل عليا وعلى عاشور زي الصاعقة.. يعني عاشور مش أخويا من أبويا.. عاشور يبقى أخويا من أمي! ابن ضحكة أمي الأولى وحزنها القديم.. وأبويا المثالي اللي كنت بحلف بحياته، طلع هو الراجل القاسي اللي حرم أم من ابنها وحرم طفل من أمه عشان “المنظر الاجتماعي”!
عاشور قام وقف على حيله، وجسمه كله كان بيرتعش من هول الحقيقة.. بص لأمي بنظرة فيها مية سؤال وسؤال، وبص ليا وأنا واقفة مصدومة.. وفجأة، اِلتفت وخرج يجري من الأوضة ومن المستشفى كلها!
جريت وراه وأنا بصرخ في ممرات المستشفى: “عاشور! اسمعني يا عاشور متمشيش!”.. بس هو كان اِختفى تماماً وسط زحمة الشارع.
رجعت الأوضة لأمي وأنا بنهج، ولقيتها ماسكة قلبها وبتصرخ صرخة مكتومة، وجهاز ضربات القلب بدأ يصفر تاني بعنف!
الدكاترة والممرضين دخلوا الأوضة جري وزقوني لبرة، والباب اتقفل في وشي للمرة التانية. قعدت على الرصيف في الممر وأنا حاطة راسي بين رجليا، ومش قادرة أستوعب كمية الكوابيس اللي عمالة تنزل فوق دماغي ورا بعض.
أمي بتموت جوة.. وأخويا الوحيد اللي لسه عارفااه حالا طفش وجري في الشوارع بعد ما عرف إن أمه اتخلت عنه وعاشت حياتها مع راجل تاني وسابته للضياع والسجون!
فاتت ساعة.. وساعة تانية.. لحد ما الممر خرج والهدوء رجع للمكان. الدكتور قرب مني وهو وشّه ميتفسرش، حط إيده على كتفي وقال بنبرة كلها أسى: “شدي حيلك يا أستاذة.. الست الحجة تعيشي أنتِ.. الصدمة كانت أقوى من قلبها، والجلطة اتمكنت منها.. البقاء لله.”
الكلمة نزلت عليا خلتني مش قادرة حتى أصرخ. دموعي نشفت، وحسيت إن الدنيا فضيت عليا في ثانية. أمي ماتت وسابتني لوحدي.. وشالت معاها سرها ووجعها وراحت لربنا.
خلصت إجراءات الدفن والمستشفى وأنا زي الآلة اللي بتتحرك من غير روح، ومفيش في دماغي غير سؤال واحد: عاشور فين؟ هيدفن أمه اللي انحرم منها طول عمره ولا هيقسى عليها حتى وهي ميتة؟
يوم الجنازة، الحارة كلها كانت واقفة، والكل كان بيعزي ويدعي للست تحية بالرحمة. عيني كانت وسط الزحمة بتدور على جثته الطويلة، على الفيست الجينز بتاعه، على أي ملمح ليه.. بس مظهرش. دخلنا الترب، ودفنا أمي، وأول ما الناس بدأت تمشي والحوش يفضى، لقيت خيال ضخم داخل من باب المدافن بيمشي بخطوات مكسورة وتقيلة.
كان عاشور.
دقنه كانت مبهدلة، وعينيه دبلانة وورمانة من كتر العياط. قرب من القبر ونزل على ركبه، حط إيديه الموشومة على التراب وبكى بحرقة وصوت مبحوح يقطع القلب: “سامحيني يا أمي.. سامحيني إني مشيت وسِبتك في آخر لحظة.. بس الوجع كان كبير قوي على عقلي.. أنا مش زعلان منك.. أنا مسامحك يا حبة عيني.. مع السلامة يا أمي.”
المنظر خلاني مقدرتش أتمالك نفسي. قربت منه ونزلت على ركبي جنبه في التراب، حطيت إيدي على كتفه وقلت والدموع بتنزل من عيني تاني: “عاشور.. أمك ماتت وهي بتحبك، وعاشت عمرها كله ندمانة وبتموت في اليوم مية مرة عشان بعيدة عنك.. أنت مش لوحدك يا عاشور.. أنا أختك.”
عاشور رفع راسه وبصلي، النظرة اللي في عينيه مكنتش نظرة سواق توكتوك غريب ولا مجرم رد سجون.. كانت نظرة أخويا الحقيقي، حتة من أمي ومن ريحتها. مسح دموعه وقام وقف، ومد إيده وسندني عشان أقوم من على الأرض وقال بصوت هادي: “الدوام لله يا أختي.. يلا بينا نرجع بيتنا.. بيت أمنا.”
عدى أسبوع على العزا، والحياة بدأت ترجع لهدوئها الكئيب. قعدت أنا وعاشور في الصالة، وفتحت الصندوق الخشب القديم اللي كان سبب في كل ده عشان نشوف أوراق أمي. وفي وسط الأوراق، لقيت ظرف مقفول ومكتوب عليه من برة بخط إيدها: “لابني عاشور وبنتي”
فتحت الظرف وأنا كلي دير وحيرة، وطلعت منه ورقة رسمية مختومة بختم النسر وعليها إمضاء أمي.. وبمجرد ما قريت السطور الأولى، عيني وسعت من الذهول، وبصيت لعاشور اللي كان قاعد مستني، وحسيت إن أمي قبل ما تموت، كانت مرتبة لكل حاجة وعاملة حساب اللحظة دي بالظبط!
امها المريضه 5حكايات صافي هاني
عاشور حس بخضتي، وساب كباية الشاي من إيده وقرب مني وهو مخضوض: “في إيه يا أبلة؟ الورقة دي فيها إيه يخوفك كدة؟”
مديت إيدي بالورقة وأنا مش قادرة أنطق، وقلت له بصوت مخنوق من كتر التأثر: “أمي مكانتش بتشغلّك عندها يا عاشور.. أمي كانت بتسلمك حقك اللي اتحرمت منه طول عمرك.. الورقة دي عقد بيع وشراء مسجل في الشهر العقاري، أمي باعت لك فيه البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده كله.. باعت لك نصيبها بالكامل باسمك!”
عاشور اتسمر مكانه، وبص للورقة وبصلي ووشه جاب ميت لون، وقال وهو بيهز راسه بالرفض: “لا.. لا يا أختي، أنا مآخدش حاجة مش حقتي، البيت ده بتاعك أنتي وأبوكي فؤاد هو اللي بانيه.. أنا جيت هنا عشان أخدم أمي وأشبع من حضنها بس، مش جاي أورث!”
”البيت ده أمي ورثته عن أهلها يا عاشور، وأبويا فؤاد ملوش فيه شبر واحد” مديت إيدي ومسكت إيده الموشومة اللي كانت بترتعش، وكملت والدموع في عيني: “أمي عملت كدة عشان تأمنك، عشان عارفة إن الدنيا لطشت بيك كتير، وعشان تضمن إنك مش هتمشي وتسبني لوحدي.. أمي جمعتنا في البيت ده عشان نفضل فيه سوا.. أنت أخويا الكبير وسندي في الدنيا دي.”
عاشور قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبكى بكاء مرير، بس المرة دي مكنش بكاء وجع، كان بكاء راجل حس لأول مرة في حياته إن ليه ضهر، وليه عيلة، وليه أم حمتْه حتى وهي تحت التراب.
فاتت شهور، والحارة كلها عرفت إن عاشور يبقى أخويا، من غير ما ندخل في تفاصيل الماضي وأسراره. الناس في المنطقة بقوا يعملوا له ألف حساب لما شافوا رجولته وشهامته مع طوب الأرض، وبقى هو الراجل اللي بيقضي مصالح البيت وبيحميني، وأنا بقيت واخدة بالي منه ومن لقمته وهدومه، وبنعوض سوا سنين الحرمان والغربة.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر في الصالة، والشمس داخلة من البلكونة منورة البيت. بصيت لمكان سرير أمي الفاضي، وبعدين بصيت لعاشور اللي كان قاعد بيضحك وهو بياكل، وحسيت براحة وفخر عمري ما عشتهم زمان.
طلعت الصورة القديمة بتاعة أمي ومصتافى الصياد من جيبي، وقمت علقتها في برواز كبير في صدر الصالة، وبصيت لعاشور وقلت له: “من هنا ورايح.. الحكاية هتبدأ من جديد يا أخويا.. والسر اللي كان هيموتنا، بقى هو الحبل اللي هيعيشنا طول العمر سند
لبعض.”
عاشور بص للبرواز اللي تعلّق في صدر الصالة، عينيه لمعت بدموع فرحة مخلوطة بفخر، وقام وقف قدام الصورة، وباس إيده وحطها على وش أبوه اللي عمره ما نسي ملامحه. التفت ليا وقال بنبرة صوت حنينة ومكتفية: “ربنا يخليكي ليا يا بنت أمي وأبويا.. أنا طول عمري كنت حاسس إني مقطوع من شجرة، بس النهاردة بس طبت وارتحت.”
الحياة مشيت بينا هادية وجميلة، وبقى عاشور هو الضهر والأخ اللي بجد. باع التوكتوك وفتحنا بمشروع صغير في أول الحارة، والكل بقى يحلف بأدبه وجدعنته.
وفي يوم، وبعد سنة كاملة من وفاة أمي، كنت بنظّف الأوضة القديمة بتاعتها، ولقيت في قاع الدولاب علبة قطيفة صغيرة مكنتش أخدت بالي منها وسط الأوراق والكركبة. فتحتها بفضول، ولقيت جواها مفتاح نحاسي قديم جداً، ومعه ورقة صغيرة مطوية بعناية مكتوب فيها بخط أمي: “السر الأخير يا بنتي.. المفتاح ده بيفتح باب الشقة القديمة اللي في المنيرة.. الشقة اللي اتقفل عليها من 35 سنة من يوم ما مصطفى مات، وفيها الحاجة الوحيدة اللي فؤاد مِعرفش يوصل لها ولا يدمّرها.. خدي أخوكي وروحي هناك.”
جسمي اتقشعر، ونديت على عاشور بسرعة. أول ما شاف المفتاح وقرأ السطور، ملامحه اتغيرت وقررنا نروح في نفس الساعة.
وصلنا البيت القديم في المنيرة، العمارة كانت مهدودة جدرانها من الهجر، والسلالم ترابها يغطّي الركب. وقفنا قدام الباب اللي الخشب بتاعه اتأكل من الرطوبة، حطيت المفتاح في القفل، ولف ببطء وصوت تزييق عالي كأنه بيفتح بوابة للزمن.
دخلنا والشقة كانت عبارة عن غبار وستاير دايبة، بس في نص الصالة، كان في مكتبة خشبية صغيرة، وفوقيها صندوق معدني مقفول. عاشور قرب وكسر الصندوق، وجواها لقينا كنز مكنش يخطر على بال بشر!
لقينا مذكرات كتبها مصطفى الصياد، أبو عاشور، بخط إيده.. بس المفاجأة الكبرى كانت في الأوراق اللي تحت المذكرات.. ورق رسمي، وعقود، وشيكات باسم الحاج فؤاد!
فتحت ورقة منهم وقريتها بصوت عالي وعاشور بيسمع ووشه بيتحول لكتلة من الغضب.. أبويا فؤاد مكانش مجرد راجل غني اتجوز أمي عشان يستر عليها وربّى عاشور في السر.. الصدمة إن أبويا فؤاد هو اللي كان شريك مصطفى الصياد في تجارة قديمة، وهو اللي غدر بيه ونصب عليه وأخد شقا عمره كله، ومصطفى مات بحسرته وقهرته! وفؤاد اتجوز أمي عشان يداري على جريمته، وعشان يضمن إن الوريث الوحيد—اللي هو عاشور—يفضل طول عمره جاهل وضايع في السجون وميطالبش بحق أبوه!
وقعت على الكرسي القديم وأنا مش قادرة أتنفس، وبصيت لأخويا وأنا حاسة بذنب أبويا كله فوق كتافي.. شقا عمر أبو عاشور، والفلوس اللي عشنا فيها ولعبنا بيها أنا وأبويا، كانت فلوس أبوه المحروق قلبه!
عاشور مسك الأوراق، وعينيه بقت تطلع نار، وبص للصور والمذكرات.. وبصلي أنا وأنا بترعش ومستنية حكمه عليا وعلى سيرة أبويا اللي انتهت تماماً في نظري!
عاشور كان واقف والأوراق في إيده بتتلوى من كتر العصبية، ونفسه كان بيعلو ويهبط وهو بيبص لشقى عمر أبوه اللي راح في بطن الراجل اللي ظلمهم. أنا كنت قاعدة على الكرسي، منزلة راسي الأرض والدموع بتنزل من عيني من الخزي والكسوف.. كنت حاسة إن كل لقمة أكلتها وكل قرش اتصرف عليا كان من حق الأخ الغلبان اللي واقف قدامي ده.
قربت منه وأنا بترعش، وقلت بصوت مبحوح: “عاشور.. أنا مش عارفة أقول لك إيه.. الفلوس والبيت اللي أنا عايشة فيه، كل ده حقك وحق أبوك.. أنا مستعدة أتنازل لك عن كل حاجة وأمشي.. أنا مش هقدر أبص في وشك تاني بعد اللي عرفته عن أبويا.”
عاشور بصلي نظرة طويلة، وفجأة لقيته بيشد الأوراق والعقود كلها بيديه الاتنين، وبيقطعها مية حتة ويرميها في الهوا زي الفرافير!
بصيت له بذهول وصدمة: “أنت بتعمل إيه يا عاشور؟! دي ملايين وحقك!”
قرب مني وحط إيده على كتفي وطبطب عليا بحنية وقال بصوت جهوري وثابت: “أبوكي ظلم وظلمني وظلم أبويا.. والحي أبقى من الميت يا بنت أمي.. أبوكي مات وحسابه عند ربنا، والفلوس دي لو دخلت بيني وبينك هتموت الأخوة اللي عشنا عمرنا ندور عليها.. أنا مش عايز فلوس ملوثة بالوجع، أنا كسبت أخت.. وده عندي بالدنيا كلها.”
الكلام نزل على قلبي برد وسلام، ولقيت نفسي برتمي في حضنه وأنا بعيط من كتر الفخر بيه وبأصله ونظافته من جوة.
لمينا المذكرات وصور مصطفى الصياد وأمي، وقفلنا الشقة القديمة وسبنا وراها كل الوجع والماضي. رجعنا بيتنا في الحارة، وشلنا سيرة الحاج فؤاد تماماً من حياتنا وسيبناه لعدالة ربنا.
ومن يومها، عاشور بقى هو الأمان والظهر الحقيقي ليا.. كبرنا المشروع الصغير وبقى رزقنا حلال ومبارك فيه، وبقت الحارة كلها بتحلف بجياشة وعِفة نفس “عاشور الصياد”.. الأخ اللي جيه عشان يخدم أمه، فربنا كافأه بأخت تشيله في عينيها طول العمر. وتوتة توتة، خلصت الحتوتة.


تعليقات
إرسال تعليق