لسه ما فوقتش كويس من بنج الولاده كامله
لسه مفوقتش كاملة
كنت لسه ما فوقتش كويس من بنج الولاده ، ولقيت حماتي سحبت الموبايل من جنبي وادته لبنتها بصمت صباعي ودخلت على طول على ابلكيشن البنك وحولت كل الفلوس بتاعتي لحسابها، ولما واجهتها قالت ده حق ما هنخدمك وكل ده قدام جوزي ، يومها استخدمت الكارت الوحيد اللي عمري ما اتمنيت استخدمه !!!!
كنت مرمية على سرير المستشفى، الخراطيم والمحاليل لسه في جسمي، وسألتها بتعب: “أنتِ خدتي فلوسي ليه يا طنط؟”
حماتي كانت قاعدة، حاطة رجل على رجل، وبتقزقز لب براحتها من غير حتى ما تبص لي.
”فلوسك ؟”
ليه أنتِ مفكرة مصاريف الأكل و الشرب وشهر النفاس اللي هتقعديه متهنيه ده هندفعه منين؟ اعتبري القرشين دول تمن مصاريفك وقعدتك.”
لفيت راسي ناحية الباب.
محمود جوزي كان واقف هناك.
من ساعة ما دخلنا وهو باصص في الموبايل ومش مطلع عينه منه.
”محمود! دي الفلوس اللي سبهالي ابويا الله يرحمه ، ده شقا ابويا وحقي أنا!”
لما ندهت عليه، اتكرم ونطق أخيراً. بس الكلام اللي قاله خلّى دمي يغلي في عروقي:
”يا حبيبتي ما هي أمي برضه هتتعب معانا في شيل الواد وتربيته.”
”اعتبريهم يا ستي تمن حلاوتها وتعبها معاكي.”
وبعدين وطّى صوتك :
”خلاص بقى بلاش نكد، أنتِ لسه والدة قيصري والزعل وحش عليكي وهيقطع اللبن.”
ساعتها حماتي رفعت راسها، وضحكت باستهزاء، وراحت رامية في وشي وصل من السوبر ماركت:
”شوفي يا ختي.”
”ده تمن الفراخ، والبلح والحلبه ولوازم العيل اللي جيبتهملك الأسبوع اللي فات.” حسابهم تلت تلاف جنيه.”
فضت إيديها من قشر اللب وقالت:
”الفلوس دي هتفضل معايا أنا وتحت إيدي.”
”ولما ابن ابني يعوز حاجة، ابقي تعالي اطلبي مني.” ولا ناسيه ان اهلك ميتين وان احنا اللي هنخدمك ونصرف عليكي
مسكت الموبايل اللي جنب السرير.
وقدام حماتي ومحمود، طلبت النجدة علطول.
”ألو.. النجدة؟ عايزة أبلغ عن سرقة.”
”في حد سرق فلوس حسابي البنكي بالعافية.”
حماتي اتخضت واللب وقع من إيدها غصب عنها على الأرض.
جت عليا زي المجنونة،
”أنتِ اتجننتي يا دينا؟! طلبالنا البوليس؟!””عايزة تفضحينا مااهتمتش بكلامها، وكنت بطلع الكلام من بين سناني بالعافية ومن وسط وجعي:”أنا اسمي دينا رأفت..”
”موجودة في مستشفى الجلاء للولادة، أوضة 302.”
”في ناس استغلوا تعبي وحولوا فلوسي من موبايلي من غير إذن وموافقة مني.”
وش حماتي بقى دم من كتر الغيظ، ولفت صرخت ناحية الباب:
”يا محمود! الحق مرتك طالبة البوليس يقبض على أمك!”
”وأنت واقف زي لوح التلج بتبص في الزفت ده؟!”
ساعتها محمود ساب الموبايل أخيراً، وجري عليا.
خد الأوضة في خطوتين، وراح شادد الموبايل من على ودني وقفل السكة.
”أنت بتعمل إيه؟!” بصيت له والدموع في عيني.
”دينا، اهدي وصلي على النبي كده.” صوته كان هادي زي اللي بيثبت عيل صغير. كده الناس هتتفرج علينا وشكلنا هيبقى وحش قوي.”
”مشاكلنا في بيتنا؟!”
ضحكت من غلبي….”بقى اللي يستغل إني لسه خارجة من بنج العمليات ويقلبني في فلوسي يبقى ده اسم بيتنا برضه؟!”
حماتي وقفت وحطت إيدها في وسطها:
”نقلبك في إيه يا عين أمك؟ أنا حماتك!”
”يعني فلوس مرات ابني، لما أمد إيدي عليها فيها إيه؟”
وصوتها عِلي أكتر:
”وبعدين فلوسك هتتصرف على ابنك في الاول وفي الاخر
خدت نفس عميق، وكنت بتمالك نفسي من الوجع اللي بيقطع في بطني، وسندت ضهري وقعدت.
”محمود.. هسألك لآخر مرة. أنت معايا أنا ولا مع أمك؟”
فرك إيديه في بعض وبص في الأرض عشان يهرب من عيني:
”دينا.. موضوع الفلوس ده نتكلم فيه لما نروح، صحتك دلوقتي بالدنيا.”
”أنا بسألك أنت مع مين فينا؟”
الأوضة ضلمت بسكوت تقيل دام تلات ثواني.
في الآخر، محمود تنهد وراح واقف جنب أمه، وبيتكلم بطريقته المعهودة اللي بيمسك فيها العصاية من النص:
”يا أمي.. خلاص رجعيلها الفلوس دلوقتي، وأنا هبقى أديكي اللي أنتِ عايزاه بعدين.”
حماتي راحت مزعقه:
”نعم يا خويا؟! أرجع إيه؟ الفلوس دخلت جيبي خلاص وعايزني أطلعها؟””جرى إيه يا محمود؟ أنت ابن بطني ولا ابنها هي؟”
”يا أمي وطي صوتك بس عشان المستشفى..”
”مش هوطي صوتي والي يحصل يحصل!”
صوت الجعير بتاعها سمع الممر كله، ”أنا اللي هقعد أخدمها في نفاسها، والقرشين دول حقي تمن تعبي.”
”وإن كانت مش عاجبها، الباب يفوت جمل وتوريني هتروح لمين .. بس تسيب العيل هنا، أنا اللي هربيه!”
في نفس اللحظة، شاشة موبايلي نورت.. النجدة كانت بترد على المكالمة لسه بمد إيدي، محمود كان أسرع مني، خده وحطه في جيبه علطول.
”دينا، ارتاحي أنتِ.”
”أنا هرد عليهم وأقولهم إن العيل كان بيلعب ومكالمة غلط.”
”محمود.””هات الموبايل.”
فضل واقف مكانه، ما اتهزش.
وحماتي قعدت على الكرسي وهي شمتانة على الآخر وكأنها بتتفرج على تمثيلية:
”شُفتي بقى؟ ابني برضه راجل وبيفهم في الأصول.”
”يا دينا يا حبيبتي، أنتِ أهلك دلعوكِ زيادة عن اللزوم وما عرفوش يربوكِ، وما تعرفيش إن الست لما تتجوز تسمع كلام حماتها وتنفذه ..وان قرشها هو قرش جوزها
ما نطقتش بولا كلمه فضلت باصة على جيب بنطلون محمود اللي فيه الموبايل، الدنيا بره كانت ليل وضلمة كحل.بنتي لسه واصلة الدنيا.. ولحد دلوقتي، ما لحقتش أضمها لحضني ولا مرة.
”آه صحيح.”
حماتي قامت وقفت فجأة كأنها افتكرت حاجة:
”يلا يا محمود تعالى وصلني انا واختك علشان خطيبها جاي على الغدا بكره ويادوب نجهز
محمود بصلي بتوتر وقال….مينفعش تروحوا لوحدكم …يعني دينا لسه تعبانه و..
بس امه قاطعته وقالت بقرف…مش هتتاخر على السنيوره متقلقش يادوب توصلنا
محمود اتنهد وقالي بهمس….. مش هتاخر
الباب اتقفل وراهم برزع قوي.
وفضلت في الأوضة لوحدي.
البنج راح تماماً.. ووجع القيصرية بقى عامل زي المنشار اللي شغال في بطني.
موبايلي محمود خده، وفلوسي حماتي لهفتها.
وحتى بنتي نايمة في أنهي حضّانة.. ما أعرفش.
الممرضة دخلت تبص عليا وتراجع المحاليل، لقتني باصة في السقف وبعيط، اتخضت:
”مدام دينا مالك؟”الوجع شديد عليكي؟ تحبي أكتبلك على حقنة مسكن تانية؟”
هزيت راسي بالنفي، وصوتي كان رايح وضايع:
”ممكن بس تديني موبايلك أعمل منه مكالمة واحدة ضروري؟”
الممرضه اترددت ثانية، وبعدين طلعت موبايلها وادتهوني.
عملت مكالمه عمري ما تخيلت اني اضطر اعملها ..كنت متاكده انها هتهد بيتي بس غضبي كان اقوى من اي حاجه …….
الممرضة كانت واقفة بتبص لي بقلق وهي شايفة إيدي بتترعش وأنا بكتب الرقم. الرقم ده كنت حافظاه صم بس عمري ما تمنيت أحتاجه.. رقم “طارق”، ابن عمي الكبير والوحيد اللي باقيلى من ريحة أهلي، والي محمود وحماتي كانوا دايماً بيحاولوا يبعدوني عنه عشان عارفين إنه راجل صعيدي ومبيقبلش الضيم، وكانوا مفكرين إن بموت أبويا أنا بقيت مقطوعة من شجرة.
حطيت الموبايل على ودني، وجالي صوته الرخيم القوي:
“ألو.. مين معايا؟”
أول ما سمعت صوته، دموعي نزلت مغرقة وشي، وضغطي على بطني زاد من القهر:
“طارق.. أنا دينا.”
الصوت اتغير في ثانية ولحجته اتملت خوف:
“دينا؟! مال صوتك يا بت عمي؟ أنتِ ولدتي؟ وموبايلك فين وعم تبكي ليه؟”
جمعت كل قوتي والوجع بيعصر فيا وقلتله:
“طارق، أنا في مستشفى الجلاء، أوضة 302.. حماتي سرقت فلوس شقا أبويا بالبصمة وأنا تحت البنج، ومحمود خاف من أمه وخد موبايلي وقفل في وش النجدة وسابني ومشي معاهم.. أنا لوحدي يا طارق، ومحبوسة في الأوضة وبنتي مش عارفة طريقها.”
الخط قطع فجأة من ناحيته. طارق مقالش كلمة زيادة، بس أنا كنت عارفة السكوت ده معناه إيه.. معناه إن الدنيا هتتقلب.
رجعت الموبايل للممرضة وأنا شفايفي بتترعش:
“شكراً يا بنتي.. أرجوكي، هاتيلي بنتي في حضني، مش عايزة أي حد من برا يدخل الأوضة دي لحد ما حد من طرفي يوصل.”
الممرضة هزت راسها وجريت، وبعد عشر دقايق كانت جايبالي بنتي، حتة لحمة حمراء.. أول ما ضميتها لحضني شميت فيها ريحة أمل جديدة، ووجع بطني كله اتمحى وبقى مكانه غل ونار قايدة.
ساعتين بالظبط مروا.. الباب اتفتح فجأة، بس مش برزعة حماتي، الباب اتفتح بهيبة. دخلو تلات رجالة، على رأسهم طارق، وعيونه كانت بتطلع شرار، وجنبه اتنين من كبار عيلتنا.
طارق قرب من السرير، وبص لبنتي وبعدين بص للمحاليل اللي في إيدي وقال بصوت غليظ بس حنين:
“حمد لله على سلامتك يا بنت الغالي.. طول ما رجالة علام عايشين على وش الأرض، مفيش كلب يقدر يستغلك ولا يمد إيده على مليم من شقا عمي.”
وفجأة الباب اتفتح تاني، ودخل محمود.. كان راجع وفي إيده كيس فاكهة، ملامحه كانت هادية ومفكر إن الموضوع هدي، بس أول ما شاف الرجالة واقفين في الأوضة، الكيس وقع من إيده والوان وشه خطفت.
محمود بتلعثم:
“طارق بيه؟! خطوة عزيزة.. بس دينا لسه والدة والزيارة ممنوعة…”
طارق محركش شعرة من مكانه، ووجه كلامه للمحامي اللي كان داخل وراه:
“اكتب يا متر.. محضر سرقة بالإكراه، واستغلال حالة مريضة غايبة عن الوعي تحت تأثير البنج، وخيانة أمانة ضد المدعوة فايزة (الحما)، والمدعو محمود.”
محمود جري على طارق وإيديه بترتعش:
“سرقة إيه يا طارق بيه؟ دي أمي.. ودول قرشين مصاريف للبيت والولادة، إحنا أهل ومفيش الكلام ده بينا!”
طارق لفله وبص له نظرة خلت محمود يرجع خطوتين لورا:
“الأهل مبيسرقوش المريض في العمليات يا سقط الرجالة.. تليفون دينا اللي في جيبك ده تطلعه حالاً، والفلوس اللي اتتحولت من حسابها ترجع في دقيقتها، وإلا والـله العظيم هخليك تبات أنت وأمك في التخشيبة الليلة، وبلاغ النجدة اللي قفلته هيتفتح تاني وبتهمة التستر.”
محمود طلع الموبايل من جيبه بسرعة ورماد على السرير وهو دمه هربان:
“أهو التليفون أهو.. بس الفلوس مع أمي في البيت، والله ما معايا منها مليم!”
طارق طلع موبايله واتصل برقم، ورد عليه شخص وزعق طارق في التليفون:
“يا غريب.. خد رجالتك واطلع على بيت فايزة أم محمود، الست دي معاها فلوس مسروقة من حساب بنت عمي.. تقفوا على باب البيت ومتحركوش خطوة لحد ما الفلوس ترجع على الحساب البنكي كاملة بالمليم، ولو حسيتوا بأي ملاوعة، اقلبوا الدنيا فوق دماغهم.”
محمود قعد على الركبة من الصدمة، وبصلي برجاء:
“دينا.. عشان خاطر بنتنا، بلاش فضايح، أمي ست كبيرة ومش هتستحمل البوليس ولا البهدلة.”
بصيت له بكل برود، وحضنت بنتي أكتر وقلتله:
“امك وهي بتسرقني وبتعايرني إني مقطوعة من شجرة مفاكرتش في بنتك.. وأنت وأنت بتقفل السكة في وش النجدة وتسيبني مرمية بوجعي عشان توصلها مفاكرتش في بنتك.. الفلوس ترجع دلوقتي حالا، وورقة طلاقي توصلني وأنا خارجة من المستشفى دي، وبنتي مش هتشوف وشكم تاني.”
طارق طبطب على كتفي وقال:
“ارتاحي يا بت عمي.. حقك هيجيلك لحد عندك، واللي مد إيده عليكي، هنقطعها له بالأصول والقانون.”
محمود حس إن الأرض بتلف بيه، طارق والرجالة اللي معاه كانوا واقفين زي السد، مفيش في عيونهم أي رحمة. طلع محمود موبايله وإيده بتترعش وعمل مكالمة لأمه.. الصوت كان عالي ومذعور:
“أمي! حولي الفلوس حالاً لـ دينا.. حوليها دلوقتي وإلا البيت عندك هيتخرب، طارق ابن عمها واقف فوق دماغي ورجالته محاصرين البيت عندك.. حولي الفلوس يا أمي أبوس إيدك!”
على الناحية التانية، صوت حماتي كان جاي مخنوق ومصدمومة:
“جرى إيه يا محمود؟ أنت بتبيع أمك عشان حتة بت مقطوعة من شجرة؟ مش هحول حاجة، الفلوس دي حقي!”
هنا طارق سحب الموبايل من إيد محمود ونطق بصوت يرعب الحجر:
“اسمعي يا فايزة.. معاكي بالظبط خمس دقايق، لو الإشعار بالتحويل مجاش على موبايل دينا، رجالتي برة هيدخلوا ياخدوا الفلوس بطريقتهم، والمحامي واقف هيتحرك على القسم ببلاغ سرقة واستغلال بنج، وهلبسك قض..ية جنائية تخليكي تقضي بقية عمرك في السجن.. خمس دقايق والعداد شغال.”
طارق قفل السكة في وشها ورام الموبايل لمحمود. الدقائق كانت بتمر في الأوضة تقيلة وزي الموت، ومحمود واقف في الركن وشه أصفر وعرقان، بيبصلي بنظرات رجاء وتوسل، وأنا عيني مكنتش بتنزل من على شاشة موبايلي اللي في إيدي.
قبل ما الخمس دقائق تخلص، الموبايل نوّر.. “تم تحويل مبلغ…”، الفلوس رجعت كاملة للحساب بالمليم.
تنهدت براحة، وبصيت لطارق وهزيت راسي: “الفلوس رجعت يا ابن عمي.”
طارق بص لمحمود باحتقار وقال: “الفلوس ورجعت.. حسابنا التاني بقى.. ورقة طلاق بنت عمي، بكل حقوقها ومؤخرها ونفقتها ونفقة البنت، توت على كبوت، وتوصل لحد بيتي في الصعيد، وإلا القضايا اللي مجهزها مش هتقف.”
محمود بدأ يعيط زي العيال الصغيرة: “يا طارق بيه، دي مراتي وأم بنتي، أنا انضغط عليا من أمي.. والله أنا بحبها ومقدرش أستغنى عنها، دينا.. عشان خاطر البنت بلاش تخربي بيتك.”
بصيت له بكل قرف وقلت له بصوت قوي رغم التعب: “بيتي اتخرب يوم ما سبت أمك تبصم إيدي وأنا غايبة عن الوعي.. بيتي اتخرب يوم ما قفلت السكة في وش النجدة ونزلت تشتري خاطر أمك على حساب شرفي وكرامتي وفلوس أبويا الله يرحمه.. أنا ماليش بيت معاك يا محمود، والست اللي تعايرني إن أهلي ميتين، رب العباد وقفلي رجالة يهدوا الدنيا عشان خاطري.. برة يا محمود، ومش عايزة أشوف وشك تاني.”
طارق شاور للرجالة، وفي ثواني كانوا ساحبين محمود برة الأوضة زي الكلب، وصوته وهو بيتحايل وبيتوسل كان مالي الممر كله لحد ما اختفى.
الأوضة رجعت هادية تاني.. طارق قرب مني وقعد على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه حماتي وبتقزقز لب، بس المرة دي الكرسي كان عليه هيبة وأمان. بص للبنت الصغيرة وابتسم وقال: “هتسميها إيه يا دينا؟”
دموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرح وانتصار، وبصيت لملامح بنتي وقلت: “هسميها (عزّة).. عشان تفضل فاكرة إن ليها ضهر وعزوة، وعمر ما في مخلوق هيقدر يكسرها.”
طارق ابتسم وقال: “عاش الأسامي يا أم عزّة.. ارتاحي دلوقتي، وأول ما الدكتور يكتبلك خروج، عربياتنا جاهزة برة.. هتاخدي بنتك وتيجي تنوري بيت أبوكي في الصعيد، وسط أهلك وناسك اللي مفيش مخلوق على الأرض يقدر يمس طرفهم.”
حضنت بنتي ونمت لأول مرة من ساعات وأنا حاسة بأمان عمري ما حسيته، وعارفة إن شمس جديدة هتطلع عليا أنا وبنتي.. شمس مفيهاش لا محمود ولا أمه.
مرّت الليلة الأولى في المستشفى وكأنها دهر كامل، لكنها كانت أول ليلة أنام فيها وعيني مغمضة وقلبي مستريح بعد شهور من الذل والتحكم. عزّة كانت في حضني، كل ما تبكي أضمها لصدري وأحس إن الوجع اللي في بطني بيهون أمام القوة اللي بقيت فيها. طارق مسبنيش لحظة، كان قاعد برة الأوضة هو ورجالته، محولين الدور كله لثكنة عسكرية، مفيش ممرضة ولا دكتور يدخل إلا بإذنهم، والأمان اللي كنت محرومة منه مع محمود، لقيته في هيبة ابن عمي.
على الجانب الآخر، البلد كانت قايدة نار. محمود وأمه مكنش وراهم سيرة غير اللي حصل. حماتي فايزة كانت قاعدة في بيتها والغل بياكل في قلبها بعد ما الفلوس اتسحبت من حسابها تاني وقبل ما تتهنى بيهم بلحظة. كانت بتصوت وتلطم في وسط صالة بيتها وتزعق لمحمود:
“بقى حتة بت مقطوعة من شجرة تعمل فينا كده؟ تلم علينا رجالة الصعيد وتجرسنا في المنطقة؟! والـله ما هعديها لها، الفلوس دي لازم ترجع، والبنت دي لازم تتربى!”
محمود كان قاعد وحاطط راسه بين إيديه، وشه بقى أزرق من كتر الخوف والهم، رد عليها بصوت مكسور:
“تربي مين يا أمي؟! أنتِ مشفتيش ابن عمها طارق كان واقف عامل ازاي؟ ده راجل واصل وكلمته مابتنزلش الأرض، ورجالته كانوا محاصرين البيت هنا.. إحنا لو لعبنا معاهم تاني هينفذوا تهديدهم وهنروح في داهية.. أنا خسرت مراتي وفلوسها، والناس في المستشفى شافوني وأنا بتهان!”
حماتي وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بشر:
“تخسر إيه يا خايب الرجا؟! الست ملهاش إلا بيت جوزها، هي بس بتتمطوح عشان معاها قرشين والرجالة دول جم يعملوا لقطة ويمشوا.. بكره النفاس يخلص وتلاقي نفسها لوحدها بالطفلة وهتيجي تبوس رجلك عشان ترجعها، وساعتها بقى الحساب هيبدأ من أول وجديد!”
في اليوم التالي بالمستشفى، الدكتور دخل كشف عليا وطمن طارق إن حالتي مستقرة وينفع أخرج. طارق جهز كل حاجة، ودخل الأوضة ومعاه شنطة هدومي وهدوم البنت:
“يلا يا دينا، كل حاجة جاهزة برة، والعربيات مستنية.. جهزي نفسك عشان نمشي.”
سندت نفسي ووقفت بمساعدة الممرضة، ولبست ودموعي في عيني وأنا شايفة طارق بيشيل عزّة بحنية شديدة ويهزها بين إيديه الخشنة. خرجنا من باب المستشفى، وأول ما رجلي خطت برة، لقيت محمود واقف عند البوابة، شكله كان يبهدل، هدومه متبهدلة ووشه منامش من امبارح.
أول ما شافني، جرى عليا وحاول يقرب، بس اتنين من رجالة طارق وقفوا في وشه زي السد المنيع. محمود صرخ بعلو صوته والدموع في عينه:
“دينا! ارجعي معايا يا دينا.. بيتك مفتوحلك، والله أمي مش هتعتب بابنا تاني، أنا هأجرلك شقة بعيد عنها.. متمشيش مع الموت ده وتسيبي جوزك.. فكري في بنتنا!”
وقفت وبصيت له لآخر مرة، النظرة اللي مفيهاش عتاب ولا زعل، النظرة اللي بيبقى فيها الشخص اللي قدامك بقى عبارة عن هوا.. قشة ملهاش أي قيمة. قلت له ببرود هز كيانه:
“بنتنا اسمها عزّة يا محمود.. ومبقاش لها أب اسمه محمود.. أنت اخترت أمك واللب والفلوس المسروقة وأنا في البنج، وأنا اخترت كرامتي وناسي.. ورقتك هتوصلك، والقانون بينا.”
ركبت العربية الكبيرة السودا، وطارق قعد جمبي وحط عزّة في حضني، والعربيات اتحركت في طابور مهيب وسبنا محمود واقف على الرصيف بيصوت ويضرب كف بكف والناس بتتفرج عليه.
طول الطريق للصعيد، وأنا باصة من الشباك، كنت بحس إن كل خطوة بتبعدني عن القاهرة هي خطوة بترجعني لروحي اللي ضاعت. وصلنا بعد كام ساعة لبيت عيلتي الكبير.. البيت اللي اتربى فيه أبويا الله يرحمه. بيت واسع ببيبان خشبية ضخمة وجنينة كبيرة.
أول ما العربيات وقفت، لقيت زوجة طارق وبنات عمي التانيين واقفين مستنييني بالزغاريد والترحاب، كأني عروسة راجعة لبيتها مش ست مطلقة ومعاها طفلة. دخلوني الأوضة الكبيرة اللي كانت مجهزة بكل حاجة تخصني وتخص البيبي.. سرير جديد لعزّة، لبس، وكل لوازم السبوع والنفاس.
قعدت على السرير وزوجة طارق خدت مني البنت وبدأت تحضنها وتدعي لها، وطارق وقف على الباب وقال بنبرة مليانة فخر:
“البيت بيتك يا دينا، ومطرحك هنا فوق راسنا.. شقا عمي وفلوسك هيدخلوا في مشاريع الأرض هنا باسمك وباسم بنتك عشان تكبر وتلاقي ورث أبوها وجدها بيزيد مش بينقص، ومفيش مخلوق هيقدر يطالبك بقرش تمن لقمة بتاكليها في بيت ناسك.”
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت هنا، وإن محمود وأمه هيستسلموا.. بس اللي زي حماتي فايزة، الغل والفلوس اللي راحت منها مبيخلوهاش تنام.
بعد أسبوعين بالظبط، وأنا قاعدة برضع عزّة في الأوضة، سمعت صوت حركة غريبة برة في الصالة وصوت طارق وهو بيزعق بغضب شديد.. قمت بسرعة وحطيت شال على راسي وخرجت أبص من ورا الباب.
لقيت حماتي فايزة واقفة في وسط الصالة، ومعاها اتنين محاميين، وماسكة في إيدها ورق وبتقول لطارق بكل بجاحة وعين قوية:
“إحنا جايين بالـقانون والأصول.. دي ورقة قض..ية طاعة، ودي قض..ية ضم حضانة البنت.. البت دي بنت ابننا، ومش هتعيش في الصعيد وسط ناس غريبة، وأنا الجدة من حقها أربي بنت ابني، يا إما دينا ترجع بيت جوزها طوعاً ورجليها فوق رقبتها، يا إما البنت دي هناخدها منكم بقوة القانون حالاً!”
طارق بص للورق اللي في إيدها، وضحكة ساخرة طلعت منه هزت أركان المكان، وقرب منها لحد ما النفس اتقطع من خوفها.. وقال لها:
“أنتِ جيتي لقضائك يا فايزة.. ودخلتي برجليكي لبيت الأسد..”
حماتي فايزة خطت خطوة لورا لما شافت ضحكة طارق، وبجاحتها اللي كانت داخلة بيها بدأت تتهز، بس المحاميين اللي معاها زقوها بكلامهم، فتنحنحت ورفعت راسها تاني وقالت:
“الضحك ده مش هيغير في القانون حاجة يا طارق بيه.. القانون بيدي الأب الحق في رؤية بنته، وبيدي الجدة للأب الأولوية لو الأم رفضت ترجع لطاعة جوزها، والورق ده رسمي ومعانا محضر تمكين!”
طارق لف ضهره ومشى كام خطوة في الصالة بكل هدوء، وسحب كرسي خشب كبير وقعد عليه، وحط رجل على رجل وبص للمحاميين اللي معاها وقال بنبرة هادية بس تخوف:
“قانون إيه يا حضرة المحامي أنت وهو اللي جايين تطبقوه في بيت طارق علام؟ أنتِ فاكرة يا فايزة إنك لما تاخدي قرشين من ورا ابنك وتجري على محاميين تحت السلم يزوروا ليكي ورق، إنك كده هتلوي دراعنا؟”
المحامي الكبير اللي معاها اتكلم بتوتر:
“يا فايزة هانم.. الورق سليم بس إحنا…”
طارق قاطعه بإشارة من إيده، وطلع موبايله من جيبه وضغط على زرار، وفاتح الاسبيكر.. ثواني وجاء صوته مستشار كبير في المحكمة، وطارق قاله:
“يا سيادة المستشار.. المحضر رقم (….) اللي اتعمل في قسم الجلاء بخصوص سرقة حساب بنت عمي وهي تحت البنج.. تكييف القض..ية الجنائية بتاعه وصل لفين؟”
صوت المستشار طلع من التليفون واضح ومالي الصالة:
“أهلاً يا طارق بيه.. المحضر اتحول للنيابة العامة بتهمة السرقة بالإكراه واستغلال ظرف مرضي يمنع الإدراك، والنيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار للمشكو في حقها المدعوة (فايزة عبد الرحمن)، والتحريات أثبتت واقعة تحويل الفلوس بالبصمة وإعادتها بعد التهديد، وده اعتراف ضمني بالسرقة.. القوة التنفيذية نازلة تقبض عليها من بيتها خلال ساعات.”
في اللحظة دي، المحاميين اللي مع حماتي بصوا لبعض، وواحد منهم سحب شنطته وخطى لورا وهو بيقول:
“أنا ماليش دعوة بالكلام ده.. يا فايزة هانم أنتِ مقت..لتيش لينا إن في قض,,ية جنائية وفيها أمر ضبط وإحضار! إحنا كده بنعرض نفسنا للمساءلة القانونية.. السلام عليكم!”
المحاميين جريوا على الباب وسابوا حماتي واقفة بطولها، وشها قلب ألوان، وبقت تبص لطارق وهي مش قادرة تاخد نفسها، والورق اللي في إيدها وقع على الأرض.
طارق قفل الموبايل وقام وقف، وقرب منها وقال وهو بيجز على سنانه:
“كنتِ فاكرة إننا هنستنى لما تيجي تلاعبينا بالقانون في بيتنا؟ المحضر اللي اتعمل في المستشفى ملوش علاقة بالفلوس اللي رجعت.. السرقة تمت والشرطة سجلتها، والنهاردة أنتِ مطلوبة في تخشيبة الحبس.. وورقة طاعة إيه اللي جاية تقدميها لست والدة قيصري مكملتش أسبوعين؟ دي لوحدها قض,,ية تعسف واستغلال!”
حماتي بدأت تترعش، وصوت الجبروت اللي كان فيها اختفى تماماً، وبدأت تتلفت حواليها كأنها بتدور على مخرج:
“يا.. يا طارق بيه.. إحنا أهل برضه، ومحمود ابني غلبان وميعرفش حاجة، وأنا كنت بس بربي دينا وبنعلمها الأصول…”
خرجت أنا من ورا الباب، وشايلة “عزّة” في حضني، وبصيت لها بكل قوة وقلت:
“الأصول اللي بتعلميهالي هي إنك تسرقيني وأنا بموت بين الحياة والموت؟ الأصول إنك تسبيني من غير مليم وتعايريني إن أهلي ماتوا؟ أهلي مماتوش يا طنط.. أهو أهلي واقفين ورجالتهم ماليين المكان، والقرش اللي كنتِ طمعانة فيه، هتدفعي قاده مية مرة للمحاميين عشان ينجدوكي من السجن!”
حماتي بصتلي بعيون مليانة غل وخوف، وقالت بنبرة مكسورة:
“عايزة تخربي بيت جوزك وتوديني السجن يا دينا؟ هتقولي لبنتك إيه لما تكبر؟ إنك حبستي جدتها؟”
ضحكت بسخرية وقلت لها:
“هقول لها إن جدتها كانت حرامية، وإن أبوها كان خاين وملوش كلمة.. وهقول لها إن أمها وقفت وأخدت حقها ومألتش رقبتها لحد.. اطلعي برة بيتي، واستني البوكس اللي زمانه واقف تحت بيتك في القاهرة!”
طارق شاور لرجالته، ودخلوا اتنين مسكوها من دراعها وخرجوها برة البوابة الكبيرة وهي بتصرخ وتعيط، مفيهاش حتة سليمة من الرعب والفضية وسط أهل البلد اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليها وعلى خيبتها.
لما الباب اتقفل، طارق بصلي وابتسم:
“عفارم عليكي يا بنت عمي.. كده الحساب بدأ يصفى.. بس لسه محمود مظهرش في الصورة، وتليفونه مقفول من الصبح، وأنا عارف إن الجبان ده مستخبي ورا أمه.. بس ورب العرش ما هسيبه.”
في نفس الليلة، تليفون طارق رن.. وكان المتصل هو محمود! بس صوته مكنش صوته، كان صوت واحد ملهوف وبيصرخ من الهلع.. والحكاية كانت لسه بتاخد منحنًى جديد مكنش حد فينا يتوقعه…
صوت محمود في التليفون كان طالع متقطع ومبحوح، زي المحبوس في بئر غريق. طارق فتح الاسبيكر وشاورلي أقرب، فسمعته وهو بيشهق من البكاء ويقول:
“طارق بيه.. الحقني يا طارق بيه! أمي اتقبض عليها من على بوابة المحافظة وهي راجعة.. البوليس أخدها في بوكس قدام الناس كلها، وأنا مش عارف أعمل إيه.. دينا فين؟ خلوا دينا تتنازل، أمي بتموت في الحجز، ضغطها عِلي وهتروح مننا!”
طارق رد عليه بكل برود وثبات، وصوته كان زي وقع المطارق:
“وأنا مالي ومال أمك يا محمود؟ اللي يسرق يستحمل تمن سرقته، واللّي يتبجح ويجي لحد بيوتنا بورق مزور عشان يلوي دراعنا، يستاهل الكسرة اللي هو فيها دلوقتي. بنت عمي ملهاش دعوة، ده حق المجتمع والنيابة هي اللي بتحاسبها.”
محمود صرخ بعلو صوته من القهر:
“يا دينا.. أنا عارف إنك سامعاني! عشان خاطر البنت.. بلاش الفضايح دي، أنا مستعد أطلقك حالاً وأمضي على كل الشروط، بس أمي تخرج.. والله العظيم أمي ما تستحمل تبات ليلة واحدة في السجن، ارحمي شيبتها!”
أخدت الموبايل من إيد طارق، وضغطت على كل وجعي وقلت له بنبرة جامدة مفيهاش أي رقة:
“ارحم شيبتها؟ وهي مَرحمتش وجعي ليه وأنا لسه خارجة من بنج العمليات؟ مرَجمتش ضعفي وقلة حيلتي ليه لما سحبت فلوس أبويا المتوفي؟ محمود.. أنت جاي تساومني على طلاقي مقابل حرية أمك؟ طلاقي ده أنا هاخده بقوة القانون وغصب عنك، وأمك هتسيبوها في السجن لحد ما القانون ياخد مجراه.. أنا مش هتنازل يا محمود، ولو ركعت تحت رجلي، حق أبويا وحق كسر نفسي في المستشفى مش هسيبه.”
قفلت السكة في وشه، وحسيت بنشوة انتصار غريبة.. لأول مرة بحس إن الضعيفة اللي كانت بتستأذن في لقمة العيش بقيت هي اللي بتمشي الأمور.
مرت تلات أيام، وحماتي فايزة بايتة في الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق. المحاميين بتوعها حاولوا بكل الطرق يقدموا طلبات إخلاء سبيل بكفالة، بس المحضر كان متقفل صح بالشهود من المستشفى وإشعار التحويل البنكي اللي بيثبت التوقيت والواقعة ونوع البصمة. محمود كان زي المجنون، بيلف في الشوارع، خسر وظيفته بسبب غيابه وجريه ورا الأقسام، وبقى شكله زي الشحاتين بعد ما كان بيتنطط عليا ببدلته وشياكته.
في اليوم الرابع، طارق جالي الأوضة وكان معاه المحامي بتاع عيلتنا، وفي إيده شنطة جلد سودا. قعد وقال وعيونه بتلمع بذكاء:
“دينا.. محمود برة على البوابة.. جاي ودموعه على خده، ومعاه المأذون والورق كله جاهز.. امبارح بالليل كلمني وطلب الستر، وأنا قولتله مفيش كلام إلا لما تيجي لحد عندنا وتنفذ شروطنا بالمليم.”
بصيت لطارق ولقيت المحامي بيطلع الورق ويفرده على الترابيزة:
“يا مدام دينا.. ده صك تنازل من محمود عن الشقة بكل محتوياتها باسمك وباسم بنتك (عزّة) كتأمين لمستقبلها، وده إقرار موثق في الشهر العقاري بدفع مؤخر الصداق كامل فوراً ونفقة شهرية للبنت تضمن لها عيشة كريمة، وقبل ده كله.. دي قسيمة الطلاق جاهزة على الإمضاء.”
قلت له وعيني على عزّة اللي نايمة في سريرها:
“والمحضر بتاع أمّه؟”
طارق ابتسم وقال:
“المحضر مش هتنازل عنه إلا لما محمود يمضي ويوثق كل ورقة، والطلاق يتم طلاق بائن لا رجعة فيه.. وبعدها، هخلّي المحامي يقدم طلب تنازل عن الشق المدني عشان أمّه تخرج بكفالة وتعيش بقية عمرها مكسورة العين، وكل ما تبص في وش ابنها تفتكر إن بجاحتها وطمعها هما اللي خربوا بيته وضيعوا شقته وفلوسه.”
قمت وقفت، وسندت ضهري، وخرجت مع طارق للصالة الكبيرة. محمود كان قاعد على الكرسي، راسه في الأرض، وجسمه بيترعش من قلة النوم والذل.. أول ما شافني، رفع عينه اللي كانت مليانة دموع وانكسار، ومقدرش حتى ينطق بكلمة واحدة..
المأذون فتح دفتره، والمحامي حط القلم قدام محمود.. وطارق وقف ورايا زي الجبل وقال:
“امضي يا محمود.. امضي عشان تشتري حرية أمك وتدفع تمن عيلتك اللي ضيعتها بإيدك.”
محمود مسك القلم وإيده كانت بترتعش لدرجة إن حبر القلم علم على الورق كذا مرة قبل ما يوقع. بص للمأذون وصوته طلع مكسور ومخنوق:
“أنا موافق على كل الشروط يا شيخنا.. امضي واخلص.”
وقع محمود على قسيمة الطلاق، وعلى التنازل عن الشقة، وعلى كل الأوراق الموثقة اللي تضمن حقي وحق بنتي “عزّة” لحد ما تكبر. المأذون لف الدفتر ناحيتي، مسكت القلم بثبات وعين قوية، ووقعت.. وفي اللحظة دي، حسيت إن قيد ثقيل كان كاتم على نفسي اتفك وطار في الهوا.
المأذون بص لنا وقال كلمته الشهيرة اللي أنهت كل حاجة: “باركَ الله لكما وعليكما.. وجعل الطلاق طلاقاً بائناً لا رجعة فيه.”
محمود رفع راسه وبصلي بدموع وعيون مليانة ندم وقال بصوت واطي:
“أنا ضيعت كل حاجة يا دينا.. ضيعتك وضيعت بنتي، والشقة اللي شقيت فيها راحت، وأمي اتهانت في الحبس.. أنا خسرت نفسي قبل ما أخسركم.”
طارق ابن عمي قرب منه، وسحب الورق من قدام المأذون وحطه في الشنطة، وبص لمحمود وقال له بنبرة حاسمة:
“أنت مخسرتش بسببنا يا محمود.. أنت خسرت لأنك وافقت تكون “لوح تلج” وأمك بتسرق عرضك وشرفك ومرأتك وهي بين الحياة والموت.. الست بتتجوز الراجل عشان يكون سندها وحمايتها، وأنت سلمت سلا..حك لأمك ووقفت تتفرج.. المحامي هيتحرك دلوقتي يتنازل عن الشق المدني وأمك هتخرج الصبح، خدهم واطلعوا برة دنيتنا، وملمحش طيفك في طريق بنتك تاني.”
محمود قام وقف، مشى خطوتين وهو باصص في الأرض، وخرج من البوابة الكبيرة مكسور الضهر، من غير ما يحصل حتى على نظرة وداع من بنته.
بعد ما محمود مشى والمأذون خرج، الصالة رجعت لهادية ودافية. طارق قرب مني وطبطب على كتفي وقال: “مبروك حريتك يا بنت الغالي.. حقك رجع بالمليم، وكرامتك فوق سحاب الصعيد كله.”
دخلت الأوضة، شلت “عزّة” في حضني، وبست راسها الصغير، ولأول مرة شميت ريحة النفاس والبهجة الحقيقية.. ريحة الانتصار والأمان وسط ناسي وعزوتي.
### الحكمة من القصة:
> **”إن القرش الحرام يذهب هو وأهله، وإن الكرامة إذا كُسرت لا يجبرها مال الأرض.”**
>
* **الرجل ضهر وسند:** الزواج ليس مجرد عقد وشهادة، بل هو أمان ومسؤولية. الرجل الذي يقف صامتاً أمام ظلم أهله لزوجته، يفقد رجولته وقوامته في عين زوجته أولاً، وفي عين القانون والحق ثانياً. طاعة الوالدين واجبة، لكنها لا تعني أبداً التواطؤ على الظلم والسرقة.
* **عاقبة الطمع والجبروت:** حماتي ظنت أن غياب أهلي يجعلي فريسة سهلة، ونسيت أن الله هو الحق، وأنه يرسل للضعيف من يأخذ بحقه من فوق سابع سماء. طمعها أوردها المهالك، وخسرت مالها، وشقة ابنها، وسمعتها وسط الناس.
* **قوة الست بكرامتها وعزوتها:** المال يروح ويجي، لكن الكرامة إذا ضاعت لا تُسترد. “دينا” لم تستسلم لضعف الجسد بعد العملية، بل استخدمت ذكاءها وقانونها، لتبني لابنتها مستقبلًا خاليًا من الذل، ولتتعلم الطفلة “عزّة” منذ اليوم الأول أن لها أماً قوية وعائلة لا تقبل الضيم.


تعليقات
إرسال تعليق