القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سر حملي كامله 







سر حملي كامله 

أنا عروسة جديدة بقالي شهرين متجوزة. عملت تيست حمل في البيت وعرفت إني حامل، بس الصدمة كانت لما روحت لدكتور النسا عشان أتابع الحمل؛ أول ما عمل السونار قالي: “أنتِي حامل في خمس شهور!”….

قولتله: “أكيد حضرتك غلطان، أنا متجوزة من شهرين بس!”. قالي: “جهاز السونار لا يمكن يغلط في حجم وتكوين ونوع البيبي اللي واضح قدامي”. كنت لوحدي، وقفت مصدومة وكأني في حلم بس اللي حصل بعد كدا كان الصدمة الاكبر….

أنا نهى، عندي 26 سنة، اتجوزت جوزي عن حب بقالنا شهرين. يوم دخلتنا مر زي أي يوم بيمر على كل العرسان، وعيلتي وعيلته اطمنوا إن عريسي عمل اللي كل العرسان بيفتخروا بيه في ليلتهم. عدت الأيام، وبعد شهرين عملت تيست حمل وظهر إني حامل. فرحت إني هكون أم، ومرضتش أقول لجوزي وقلت هعملها له مفاجأة لما أروح للدكتور وأتأكد أكتر؛ لأني مليش خبرة في الموضوع ده، وكنت ماشية على التعليمات اللي قرأتها على علبة التيست، فقلت لازم أروح أكشف وأتأكد.

حجزت وروحت في ميعادي، دخلت العيادة والممرضة قالتلي إن لسه قدامي اتنين. قعدت وأنا مبسوطة وبتفرج على كل الحوامل وبقول في نفسي: “هو أنا شكلي هيكون كدا لما بطني تكبر؟”. كنت عمالة أتخيل نفسي، وفرحانة وبتمنى الأيام تعدي بسرعة لحد ما سمعت صوت الممرضة بينده على اسمي. قومت ودخلت أوضة الكشف، وبدل ما كنت داخلة عشان أطمن إن الحمل حقيقي، لقيت الدكتور بيقولي وهو بيعمل السونار إن البيبي صحته كويسة وإن لازم آخد بالي من نفسي لأني في الشهر الخامس، وإني عديت الشهور الأولى وداخلة على الشهور الصعبة اللي ممنوع أعمل فيها مجهود….

#انجي_الخطبب

أنا اتصدمت وقولت للدكتور: “حامل في الشهر الخامس إزاي؟ ده أنا لسه متجوزة من شهرين، وعملت التيست امبارح وظهر إيجابي!”. الدكتور بصلي وكأني مجنونة وقالي: “تيست إيه يا مدام؟ البيبي مكتمل ونوعه واضح، والمفروض يكون بيتحرك وأنتِ حاسة بالحركة بتاعته، حتى بصي على الشاشة”. بصيت فعلاً على الشاشة، لقيت صورة بيبي بيتحرك، ليه إيدين ورجلين وملامح باينة. بقيت هتجنن.. هو الطفل ده في بطني أنا؟ هو السونار ده بجد ولا أنا بحلم؟ إزاي لسه عاملة تيست حمل وأطلع حامل في الشهر الخامس؟ طيب بطني إزاي مش كبيرة؟ كنت عايشة حالة غريبة وبتمنى اللي أنا فيه ده يطلع حلم، بس للأسف ده حقيقي وأنا شايفة بعيني. وفي وسط الذهول اللي أنا فيه من اللي بسمعه وشايفاه، الدكتور وهو بيكمل السونار بص باستغراب وقالي إن السونار فيه حاجة غريبة، وفضل يدقق في الشاشة شمال ويمين، وفجأة قالي…

“بصي يا مدام نهى، في حاجة في الرحم مش مفهومة، كأن فيه جدار حاجز أو حاجة مغطية جزء كبير من الرؤية، وده اللي مخلي نمو الجنين طبيعي بس مأخر بروزه، بس دي مش المفاجأة الوحيدة، اللي أنا شايفه ده مش طفل واحد، أنتِ حامل في توأم، والتاني مستخبي ورا المشيمة وفي وضعية غريبة جداً، كأنه.. كأنه واخد مساحة ضيقة أوي وما بيتحركش خالص”

ضربات قلبي بقت أسرع من صوت جهاز السونار، الكلام مش داخل عقلي، حسيت إني في دوامة، صوتي طلع بالعافية وأنا بسأل: “يا دكتور، توأم؟ يعني إيه مستخبي؟ يعني إيه جدار حاجز؟ أنا كنت فاكرة إني حامل في شهرين، يعني جسمي بيخدعني؟ ولا فيه حاجة تانية أنا مش فاهماها؟”

الدكتور سكت لحظة، مسح الجل عن بطني ببرود، وبصلي بجدية مريبة وهو بيشيل الجوانتي: “بصي يا مدام، أنا مش بتاع مشاكل، بس الحالة اللي قدامي دي مش طبيعية، الجنين اللي بيتحرك ده نموه سليم 100%، لكن التاني حالته مقلقة، والأهم من ده كله، لو عايزة نصيحتي، روحي اتأكدي من جوزك ومن التاريخ الطبي بتاعك، لأن اللي حاصل في الرحم ده يوحي إن الحمل ده أقدم من الجواز بكتير، والتشريح ده محتاج أشعة رنين مغناطيسي فوراً عشان نتأكد إن مفيش تليفات أو عيوب خلقية كانت مخبية الحمل ده كل الفترة اللي فاتت”

خرجت من العيادة والشارع بيترقص قدامي، الناس بقت أصواتها بعيدة، مسكت تليفوني وإيدي بترعش، فتحت صور فرحي، بصيت على جسمي في الفستان، كنت زي العود، مفيش بطن، مفيش أي علامة، قعدت على رصيف قدام العيادة ومش قادرة أقوم، افتكرت ليلة الدخلة، افتكرت إزاي كمال كان.. كان.. دموعي نزلت وأنا بفتكر تفاصيل الليلة دي، كمال كان بيطمني وبيقولي مفيش داعي للخوف، وكان بيطفي النور دايماً، وكان بيقنعني إن ده عشان أكون واخدة راحتي أكتر، حتى كشوفات ما قبل الجواز، هو اللي اختار المعمل، وهو اللي جاب التقارير، يومها قال لي “أنا خلصت كل حاجة يا حبيبتي، ركزي بس في جهازنا”، طلعت صورة السونار من شنطتي، بصيت للبيبي الصغير اللي بيتحرك، حسيت كأنه بيصرخ في وشي ويقولي إن حياتي اللي بنيتها في شهرين دي مجرد كذبة، مسحت دموعي بعنف، وقررت إني مش هروح البيت، هروح للمعمل اللي كمال اختاره، بس مش عشان أسأل عن الحمل، هروح عشان أعرف كمال مين، وإيه اللي كان مستخبي مني طول الفترة اللي فاتت، وقبل ما أقوم، لقيت رسالة على موبايلي من كمال: “يا روحي، اتأخرتي ليه عند الدكتور؟ طمنيني، البيبي كويس؟”

…….

الرسالة نورت على الشاشة، كلمة “البيبي كويس؟” نزلت على قلبي زي السك*ينة الحامية، وكأن كمال عارف أنا فين ومستني إيه. مسحت اسم “كمال” من على الشاشة بصباعي وكنت عايزة أصرخ، بس كل اللي طلع مني شهقة مكتومة. قمت وقفت، رجلي كانت بتخبط في بعض، مشيت في الشارع زي التايهة، مكنتش شايفة غير صورة السونار اللي في إيدي. وصلت قدام المعمل اللي كمال هو اللي أصر إني أعمل فيه تحاليل ما قبل الجواز، وقفت أبص لللافتة، حسيت إنها بتتمسخر عليا. دخلت، ريحة المعمل خانقة، ريحة تعقيم ومواد كيميائية، الموظفة بصتلي باستغراب: “أهلاً يا فندم، تحاليل إيه؟”، بلعت ريقي وبصوت مبحوح قلتلها: “أنا كنت عاملة تحاليل هنا من شهرين، اسمي نهى.. عايزة نسخة من ملفي الطبي، وكل التقارير اللي طلعت باسمي”.

الموظفة بدأت تدور على الكمبيوتر، دقيقة.. اتنين.. تلاتة، وكل ثانية بتمر كأنها سنة، وفجأة قالتلي: “يا فندم اسم حضرتك مش موجود في سجلاتنا، متأكدة إنك عملتيها هنا؟”، دموعي اتحجرت في عيني، مكنش فيه غير حل واحد، طلعت كارت المعمل اللي كمال عطاهولي، كان عليه رقم موبايل خاص، ومكتوب وراه “للحالات الخاصة”، ضغطت على الرقم وأنا كلي رعشة، التليفون رن مرتين، ورد صوت تقيل، مش صوت الموظفة اللي برا، كان صوت راجل غريب: “ألو.. مين معايا؟”، قلت بصوت بيرجف: “أنا نهى، مرات كمال.. كمال اللي بعتني هنا من شهرين عشان تحاليل الجواز”، سكت الراجل لحظة، وبعدها سمعت صوت تكة في الخط كأنه قفل التليفون على ودنه وبدأ يتكلم مع حد تاني، سمعته بيقول بوضوح: “البنت جت.. نهى عرفت كل حاجة.. اتصرفوا”.

قفل في وشي، الموبايل وقع من إيدي على أرضية المعمل الرخام، الصوت كان عالي لدرجة إن كل اللي في المعمل بصوا عليا، جريت برا المعمل زي المجنونة، الشوارع بقت فاضية فجأة، بدأت أجري وأنا مش عارفة أنا رايحة فين، بس كنت عارفة حاجة واحدة بس، إن البيت اللي كنت بفتكره عش الزوجية، مكنش غير سجن، وإني كنت مغيبة في دنيا تانية، وصلت قدام عمارة بيتي، وقفت قدام الباب، سمعت صوت ضحك كمال جاي من ورا الباب، كان بيكلم حد في التليفون وبيقول بصوت عالي: “أيوة يا باشا، كل حاجة ماشية زي ما خططنا، الحمل في الخامس، ومفيش حد هيشك في حاجة، فاضل بس نخلص باقي الورق والصفقة تتم.. هي مش فاهمة أي حاجة، فاكرة نفسها عروسة”.

اتسمرت في مكاني، ضهري لزق في الباب، إيدي كانت على مقبض الباب بس مش قادرة أدوره، كنت بسمع كل كلمة وهو بيبيعني، بيبيعني أنا وابني اللي في بطني، وفجأة، لقيت حد بيحط إيده على كتفي من ورا، اتجمدت من الرعب، لفت ببطء، لقيت راجل غريب، لابس أسود في أسود، وباصصلي بنظرة مفيهاش أي رحمة وهو بيقولي بهدوء قاتل: “داخلة ولا تحبي نخلص الحساب هنا؟”.

………

حسيت بدمي بيجمد في عروقي، الراجل كان واقف ورايا زي خيال الموت، عيونه مفيهاش أي تعبير، لا غضب ولا شفقة، مجرد برود يخلي الواحد يندم إنه اتولد. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز وأنا بحاول أتماسك: “أنت.. أنت مين؟ وعايز إيه من كمال؟”.

الراجل بابتسامة صفراء مريبة، سحب من جيبه سيجارة ولعها، ودخانها اتصاعد في الممر الضيق، قالي بصوت واطي ومبحوح: “كمال؟ كمال ده مجرد حتة شطرنج في لعبة كبيرة يا عروسة. وأنا مش جاي عشان كمال، أنا جاي عشانك أنتِ.. أو بالأصح، عشان اللي في بطنك”.

كلمته نزلت عليا زي الصاعقة. “اللي في بطني؟” سألته وأنا حاطة إيدي على بطني لا إرادياً، خايفة لحركة الجنين اللي لسه شايفاه في السونار تكون هي نهايتي. قرب مني خطوة، وقبل ما أقدر أصرخ أو أهرب، سمعت صوت تكة قفل الباب بيتفتح من جوه.

كمال طلع، كان لابس قميص أسود وشعره مصفف بتركيز، ملامحه كانت متغيرة تماماً، اختفت طيبة “العريس” اللي أعرفه، وظهر مكانها نظرة حادة ومستفزة. شافني واقفة مع الراجل، لا استغرب ولا اتخض، بالعكس، ابتسم وقالي ببرود: “وصلتي يا نهى؟ كان المفروض تستني لما أكلمك، بس مفيش مشكلة، أديكي جيتي في ميعادك”.

بصيت لـ كمال بصدمة، ودموعي أخيراً نزلت بحرقة: “كمال.. أنت بتقول إيه؟ يعني إيه الكلام اللي سمعته؟ وإيه اللي بيحصل ده؟ أنا حامل في 5 شهور إزاي وأنت جوزي من شهرين؟ والراجل ده مين؟ انطق، اتكلم!”.

كمال ماردش عليا، بص للراجل اللي ورايا وأومأ له برأسه، الراجل رجع خطوة لورا وسابلي مساحة، كمال قرب مني ومسك إيدي بقسوة، شدني لجوه الشقة وقفل الباب ورايا بمفتاحين. قعد على الكنبة، ولع سيجارة وهدي أعصابه، وبصلي كأني حشرة بيراقبها: “اسمعي يا نهى، اللعبة خلصت، والوقت اللي كان مسموحلك فيه تعيشي دور العروسة المخدوعة خلص. أنتِ مش بس حامل، أنتِ “حاوية” لمشروع بقاله سنين بيتطبخ. وبما إنك وصلتي للدكتور وشفتي اللي مكنش لازم تشوفيه، فمفيش داعي للتمثيل أكتر من كدا”.

قام وقف قدامي، وحط إيده على بطني، الضغطة كانت مؤلمة ومخيفة: “الطفل اللي في بطنك ده، مش ابننا، ده جزء من تجربة طبية غير قانونية، وأنا مش جوزك، أنا الحارس اللي مكلف بمراقبة نمو الجنين ده لحد ما يوصل لمرحلة الولادة، واليوم.. الدكتور كان المفروض ينهي المرحلة دي، بس بما إنك عرفتي، يبقى الخطة هتتغير.. ومش هتتغير لصالحك”.

حسيت الدنيا بتلف بيا، حاولت أزقه وأجري، بس لقيت الراجل اللي كان في الممر سادد الطريق، والباب مقفول بمفاتيح مش عادية. كمال قرب مني وبص في عيني بتركيز مرعب وهو بيقول: “لو عايزة تعيشي وتطلعي من هنا، لازم تختاري، إما تكملي معانا “التمثيلية” دي لحد ما البيبي يخرج للنور، أو.. إنك تنتهي هنا دلوقتي، وندور على “حاوية” تانية غيرك”.

حكايات انجى الخطيب




كلماته كانت زي المية المغلية اللي بتترش على جسمي، اتجمدت في مكاني والكلمات وقفت في زوري، بصيت في عينيه وقلت بصوت بيترعش بس فيه ذرة تحدي أخيرة: “يعني إيه حاوية؟ يعني إيه تجربة؟ أنا بني آدمة.. أنا مرتك! دا اللي أنا كنت فاكراه، أنت بتدمر حياتي وحياة طفل بريء لمجرد تجربة؟”

كمال ضحك ضحكة باردة، ضحكة خالية من أي إنسانية، وقرب وشوشني بصوت واطي: “بني آدمة؟ يا حبيبتي، إحنا هنا في عالم تاني خالص، عالم بيدفع ملايين عشان يشتري بشر زيكم. والطفل اللي في بطنك ده.. ده مش مجرد عيل، ده كود جيني متعدل، ومهمتك كـ ‘حاوية’ إنك تحافظي عليه لحد ما ‘الشركة’ تستلمه. اختاري يا نهى، يا إما نرجع نعيش في دور الزوجين السعداء لحد موعد الولادة، وهتكوني ملكة في القصر ده، أو إنك تكوني مجرد ذكرى في ملف قضية هيتم قفلها قبل الفجر.”

بصيت للراجل اللي ورايا، وبصيت للباب المقفول، قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني حاسة إنه هينفجر، فجأة لمحت على التربيزة اللي جنب كمال كوباية مية، كانت قريبة من إيدي، وبالتحديد جنبها “فازة” كريستال تقيلة. خيالي اشتغل بسرعة البرق، لو سكتّ هموت، ولو حاولت أقاوم هموت.. يبقى مفيش غير إني أخد مخاطرة.

بصيت لـ كمال بضعف مصطنع، وعيني بدأت تدمع وكأني استسلمت: “موافقة.. بس خليني أشرب مية، ريقي ناشف من الرعب.”

كمال بص لي بشك، وبعدين ابتسم بانتصار، ومد إيده جاب الكوباية، وفي اللحظة اللي مد فيها إيده ولف ضهره للراجل عشان يدهولي، خبطت الفازة بكل قوتي في التربيزة، صوت الكريستال وهو بيتكسر كان زي الانفجار في هدوء الشقة، كمال اتخض ولف بجسمه، في اللحظة دي، وبحركة مكنتش أتخيل إني أقدر أعملها، حدفت المية الساقعة في عينه وهو بيلف، وفي ثانية واحدة، جريت على إيد الباب، كمال صرخ من الألم والعمى المؤقت، والراجل اللي ورايا حاول يمسك شعري، بس دت عليه بـ “الكعب” بكل قوتي في رجله.

سمعت صوت صرخته، والباب اتفتح معايا، جريت في الطرقة زي المذبوحة، مش شايفة قدامي غير النور اللي طالع من سلم العمارة، سامعة صوت خطواتهم ورايا بتخبط على الأرض، “امسكهااااا!”، صوت كمال كان بيتردد في السلم، نزلت السلالم نط، مش حاسة بجسمي، خرجت للشارع وأنا بصرخ: “إلحقوني.. حد يلحقني!”

العربية اللي كانت راكنة قدام العمارة دارت فجأة، نورها العالي ضرب في وشي، اتجمدت في مكاني، والعربية بدأت تتحرك ناحيتي ببطء.. كانت نفس العربية اللي شفتها واقفة تحت العيادة، الباب اتفتح، ومن جواها حد بصلي، ولما النور انعكس على وشه، رجعت لورا خطوتين من الصدمة، الراجل ده.. كان هو هو نفس الدكتور اللي لسه كنت عنده في العيادة!

……..

الدكتور كان قاعد ورا في العربية، ببدلته الطبية اللي لسه لابسها، ونظاراته اللي بتلمع تحت نور الشارع، بصلي ببرود مقزز وهو بيشاور للراجل اللي ورايا: “سيبوها.. مش هتروح بعيد.”

الراجل اللي كان بيطاردني وقف مكانه، كمال طلع ورايا ع الباب، بيمسح عينيه اللي كانت لسه محمرة من المية، بيبصلي بنظرة تشفي: “كنت فاكرة إنك هتهربي يا نهى؟ إحنا اللي حددنا طريق خروجك، وإحنا اللي بنتحكم في كل مخرج في المنطقة دي.”

وقفت في نص الشارع، قلبي بيدق كأنه طبل بلدي، حواليا كانت المنطقة هادية بطريقة مريبة، مفيش عربيات، مفيش حتى قطة بتعدي، حسيت إن العالم كله اتفق ضدي. الدكتور نزل من العربية بهدوء، مشي ناحيتي بخطوات واثقة، وهو بيطلع منديل بيمسح بيه إيديه: “يا مدام نهى، أنتِ ليه مصممة تصعبي الأمور على نفسك؟ الجنين اللي في بطنك ده أغلى من حياتك وحياتي وحياة كمال اللي واقف ده بمراحل. التكنولوجيا اللي جواه.. الكود اللي مكتوب في DNA بتاعه.. ده مستقبل طب الهندسة الوراثية اللي بنشتغل عليه سنين.”

صرخت فيه بكل ما أوتيت من قوة: “أنتوا مجانين! ده طفل! إنسان! مش سلعة في كتالوج! ربنا مش هيسيبكم!”

الدكتور ضحك ضحكة هادية، وقرب مني لدرجة إني شميت ريحة تعقيم العيادة في نفسه: “ربنا؟ يا مدام، اللي بيتحكم في جينات البشر دلوقتي هو اللي بقى الإله في العصر ده. أنتِ كنتِ الخيار الوحيد اللي رحمنا من سنين بحث وفشل. بطنك هي المعمل الآمن الوحيد حالياً.”

بصيت حواليا تاني، لمحت لمبة “سوبر ماركت” بعيد منورة، كان صاحبه “عم إبراهيم”، راجل عجوز غلبان بيقعد طول الليل، شفت ضله وهو بيقفل باب المحل، صرخت بأعلى صوتي: “يا عم إبراهيم! الحقني! دول عايزين يخطفوني!”

كمال جرى ناحيتي عشان يكمم فمي، الدكتور مسكه بإيده وقاله: “استنى.. خليهم يشوفوا، مش هتفرق.”

عم إبراهيم بص الناحية دي، بس الغريب إنه مأخدش رد فعل، بالعكس، طلع تليفونه، كلم حد، ولقيت عربية تانية ظهرت من آخر الشارع، عربية شرطة.. فرحت للحظة، “الحمد لله!” قلت في سري، بس الصدمة كانت لما عربية الشرطة وقفت، ونزل منها ظابط، كمال وكمال التاني والدكتور وقفوا في صف واحد، والظابط قرب منهم، سلم على الدكتور بإيد واحدة، وبصلي بلامبالاة: “خلصتوا؟ الموكب جاهز، والمدام لازم تتحرك للمركز فوراً، مفيش وقت للدراما دي.”

وقعت على الأرض، ركبي مبقتش شايلاي، الظابط، الدكتور، كمال.. كلهم واحد، كلهم في نفس اللعبة. الدكتور نزل لمستواي، مسك وشي بإيديه ونظراته بقت حادة زي المشرط: “كنت فاكرة إنك هتهربي من القدر اللي إحنا كتبناهولك؟ مفيش مفر يا نهى، لا من الشارع، ولا من بيتك، ولا حتى من نفسك. اركبي العربية.. قدامك اختيارين، يا تركبي بمزاجك، يا نخدك بالطريقة اللي تخلينا نضحي بالتوأم التاني عشان ننقذ الأساسي.”

بصيت لبطني، حسيت بحركة غريبة، حركة أقوى من كل المرات اللي فاتت، حسيت إن اللي جوايا بيتحرك بوعي، مش حركة طفل عادي، وكأن البيبي حاسس بالخطر اللي أنا فيه. دموعي نشفت، وبصيت للدكتور بعيون مليانة كره، وقفت بصعوبة، ورفعت راسي: “أنا هركب.. بس وربنا ما هخليكم تاخدوه، لو اضطريت أموت أنا وهو، مش هتلمسوه.”

الدكتور ابتسم بانتصار: “ده اللي كنت مستنيه.. الإرادة.”

………

ركبت العربية وأنا حاسة إني بدخل قفص حديد مش عربية، الدكتور قعد جنبي، والظابط ساق، وكمال قعد قدام جنب الظابط. طول الطريق كان صمت قاتل، مفيش غير صوت الموتور وصوت نبضات قلبي اللي طالعة من صدري زي الطبول. فجأة، لقيت الدكتور بيمد إيده بشنطة صغيرة فيها جهاز صغير زي الموبايل، وعلق في إيدي إسورة جلد فيها شريحة إلكترونية.

بصيتله بذهول، قالي بصوت هادي: “دي مش مجرد زينة يا نهى، دي شريحة تتبع ومراقبة حيوية، أي حركة غير طبيعية في ضغط دمك أو انفعال زائد، الجهاز ده هيبعت إشارة للمركز، وهما مش هيترددوا ثانية في استخدام مهدئات قوية جداً ممكن تأثر على استيعابك، فأنصحك تهدي خالص وتتعاملي كأننا في شهر عسل.”

ضحكت بسخرية مفرطة، ضحكة خلتهم كلهم يبصولي في المراية، وقلت: “شهر عسل؟ ده أنت كلك إيمان يا دكتور! أنت فاكر إنك لما تحبسني وتراقبني هتعرف تسيطر؟ أنت مش شايف إن الجنين بيتحرك بطريقة غريبة؟ ده مش مجرد كود جيني، ده كائن بيحاول يتواصل معايا!”

الدكتور اتوتر لأول مرة، بص للشاشة اللي في إيده اللي بتعرض بيانات السونار لحظة بلحظة، وبدأ يتمتم بصوت واطي: “مستحيل.. نشاط الموجات الدماغية للجنين بيزيد؟ ده سابق وقته بكتير!”

بصيت لبطني، وفجأة، حسيت بنغزة قوية جداً، وكأن حاجة جوه بتنقر على جدار الرحم من جوه، بس النغزة دي مكنتش عادية، كانت متزامنة مع وميض خفيف بيطلع من الإسورة اللي في إيدي. كمال التفت ورا وقال بخوف: “يا دكتور، الشاشة عندك بتنور أحمر ليه؟ فيه حاجة غلط؟”

الدكتور كان عرقان، وقال بصوت مهزوز: “مش عارف.. كأن فيه تداخل إشارات! يا ظابط سرع العربية، لازم نوصل للمعمل قبل ما يحصل تفريغ طاقة!”

في اللحظة دي، ولأول مرة، سمعت صوت في دماغي، صوت مش صوتي، صوت طفل ناعم بس فيه قوة غريبة، صوت بيقولي: “ماتخافيش يا ماما.. هما فاكرين إني مجرد ‘حاوية’ أو ‘تجربة’، بس أنا عارف طريقي.. هما اللي بيخافوا مني، مش أنا اللي بخاف منهم.”

جسمي قشعر، بصيت للدكتور اللي كان بيحاول يطفي الجهاز ويرجعه للعمل، وقلت بكل ثقة: “أنت مش بتراقبني يا دكتور.. أنت بتمهد الطريق لنفسك عشان تقع في الفخ اللي أنت بنيته.”

قبل ما الدكتور يرد، العربية دخلت في منطقة صحراوية مقطوعة، وبدأت أضواء العربية تترعش وتطفي وتولع، الراديو بدأ يطلع أصوات تشويش حادة، والظابط صرخ: “الفرامل! الفرامل مش راضية تستجيب! العربية بتزيد سرعة لوحدها!”

كمال صرخ: “نطوا! العربية هتتقلب!”

العربية بدأت تتمرجح بجنون على الطريق المظلم، وأنا كنت قاعدة مكاني، مش خايفة، لأول مرة في حياتي حاسة بقوة غريبة بتملاني، قوة جاية من اللي في بطني، وفي اللحظة اللي العربية كانت هتدخل في كومة صخور كبيرة وتنفجر، حسيت ببرودة تامة حواليا، وكأن الزمن وقف.. حرفياً كل حاجة ثبتت، العربية، الدكتور اللي فاتح بقه بيصرخ، كمال اللي باصصلي برعب.. كلهم بقوا تماثيل، وأنا الوحيدة اللي قادرة أتحرك.

بصيت لبطني، وبدأت إيدي تلمس جسمي، وبصوت واطي قلت: “إنت مين؟ وإيه اللي بتعمله ده؟”

صوت الطفل رد في عقلي تاني: “أنا البداية.. ونهايتهم، والوقت جه عشان نغير المسار يا نهى.”

ومع آخر كلمة، ضوء أبيض مبهِر طلع من بطني، غطى العربية كلها، وسمعت صوت انفجار بس مش انفجار عربية.. كان انفجار حاجز، وفجأة، لقيت نفسي واقفة لوحدي في نص الطريق، والعربية اختفت تماماً، مفيش غير أثر كاوتش على الأرض، وهدوء الليل رجع تاني.. بس المرة دي، كنت أنا اللي ماسكة زمام الأمور.

……..

وقفت في نص الطريق، الهوا كان بيخبط في وشي بقوة، وبصيت حواليا.. مفيش أثر للعربية، مفيش أثر للظابط أو كمال أو الدكتور. الأرض فاضية تماماً، كأنهم اتبخروا في العدم. التوتر اللي كان مسيطر على أعصابي بدأ ينسحب تدريجياً، وحل محله إحساس غريب بالسكينة، إحساس بأني بقيت “أنا” بس بنسخة تانية، نسخة أقوى، نسخة مش خايفة.

حطيت إيدي على بطني، الضوء الأبيض اللي كان طالع من جوايا خفت وبقى نبض خفيف تحت إيدي، زي نبض قلب تاني، أسرع وأقوى من قلبي. بصيت للسما، كانت مليانة نجوم كأنها بتراقبني، وبدأت أمشي في اتجاه الطريق الرئيسي. الخطوات كانت تقيلة، بس واثقة.

أنا مش عارفة أنا فين بالضبط، بس عارفة إني لازم أبعد عن أي مكان ممكن يلاقوني فيه. كل خطوة كانت بتفكرني بـ “كمال” والتمثيلية اللي عشتها، بكل كذبة، بكل ضحكة باردة. الغضب بدأ يغلي في دمي، بس مش غضب ضعف، غضب انتقام.

فجأة، تليفوني اللي كان في جيبي رن. قلبي دق بقوة، طلعته بتردد، مكنش مكتوب اسم، كان رقم خاص. رديت بصمت، سمعت نفس صوت الدكتور، بس المرة دي كان فيه نبرة رعب واضحة: “نهى.. أنتِ فين؟ إحنا مش لاقيين أثر للسيارة، وأجهزة التتبع معطلة تماماً.. أنتِ.. أنتِ عملتي إيه؟”

ضحكت بسخرية، ضحكة خلت الدكتور يسكت تماماً. قلت بصوت هادي، هدوء ما بعد العاصفة: “لعبتكم خلصت يا دكتور. أنا مش “حاوية” تاني، وأنا مش هسمح لكم تقربوا مني ولا من اللي في بطني. لو فاكرين إنكم بتلعبوا في الجينات، فأنتم كنتوا بتلعبوا بالنار.. والنار دي دلوقتي بقت في إيدي.”

قفلت التليفون في وشه قبل ما ينطق بكلمة تانية، ورميت الشريحة على الأرض ودست عليها بـ “الكعب” لحد ما اتفتت. كملت مشي، وفي اللحظة دي، سمعت صوت عربية جاية من بعيد، نورها العالي كان بيقرب بسرعة. قلبي دق، بس مش من الخوف، كان استعداد.

العربية قربت وبدأت تهدي، طلعت عربية ميكروباص قديمة، سواقها راجل عجوز بيبصلي باستغراب: “يا بنتي.. أنتِ بتعملي إيه في طريق مقطوع زي ده في وقت متأخر؟ اركبي هوصلك لأقرب نقطة.”

بصيت للراجل، ملامحه طيبة، مفيهاش مكر. بصيت لبطني، حسيت بـ “اللي جوايا” بيهدأ، وكأنه بيطمني إن الراجل ده أمان. ركبت جنب الشباك، والراجل بيبصلي من المراية وهو بيسأل: “رايحة فين يا بنتي؟ شكلك تعبانة.”

غمضت عيني، وأنا حاسة ببرودة العربية بتهدي أعصابي، رديت بصوت واطي: “رايحة لمكان ميعرفوش يوصلوا ليه يا عمو.. رايحة لبيتي الحقيقي.”

سرحت في الطريق، والقصة اللي بدأت بـ “تيست حمل” وكذبة زواج، اتحولت لمطاردة بقاء. مكنتش عارفة إيه اللي مستنيني، ولا إزاي هعيش الأيام الجاية، بس كنت عارفة حاجة واحدة أكيدة: النهاردة، نهى اللي كانت خايفة من ضلها، ماتت.. واللي باقية هي أم، والبيبي اللي في بطنها.. هو مش بس ابنها، هو القوة اللي هتدمر إمبراطوريتهم كلها.

فتحت عيني، وشفت انعكاس وشي في إزاز الميكروباص، كانت ملامحي متغيرة، نظرتي بقت أعمق، وأقوى. بدأنا ندخل حدود القاهرة، الأنوار بدأت تظهر، والمدينة بدأت تصحى من جديد، بس أنا كنت عارفة، إن حياتي اللي عرفتها قبل كدا، انتهت للابد، وبدأت رحلة جديدة.. رحلة مواجهة.


الميكروباص وقف في موقف عشوائي على أطراف القاهرة، نزلت منه وأنا مش عارفة أروح فين. الشوارع بدأت تدب فيها الحركة، وصوت أذان الفجر كان بيتردد في السما وكأنه بيغسل خوفي. مشيت في الشوارع الجانبية، كنت عايزة مكان أستخبى فيه، مكان يكون بعيد عن دوائر معارف “كمال” والشركة اللي بتدور عليا.

فجأة، حسيت بوجع خفيف في بطني، مش وجع ولادة، بس وجع وكأن حاجة بتتحرك بعنف. وقفت قدام دكان مقفول، لمحت انعكاسي في الفاترينة، شكلي كان مبهدل، شعري منكوش وعيني وارمة من العياط. في اللحظة دي، سمعت صوت في دماغي تاني، بس المرة دي كان أوضح وأقوى: “مش هنا يا ماما.. لازم نروح مكان فيه أثر للي عملوه، لازم نلاقي “المعمل الأم”.. هناك كل الإجابات.”

اتسمرت في مكاني. معمل أم؟ أنا مكنتش أعرف غير العيادة اللي كشفت فيها، بس الصوت كان بيوجهني، وكأنه خريطة محفورة في ذاكرتي. مشيت ورا إحساسي، دخلت منطقة صناعية قديمة، مخازن مهجورة ومصانع وقفت من سنين. كل خطوة كنت بخطوها، كنت بحس إني ببعد عن “نهى” القديمة، وبقرب من حقيقة مرعبة.

وصلت قدام مخزن كبير، بوابته حديدية مصدية، مكتوب عليها رقم “1001”. قلبي دق.. “1001”؟ افتكرت السلسلة اللي كمال كان مهووس بيها، “ألف ليلة وليلة” اللي كان دايماً يتكلم عنها في بدايتنا، اللي اكتشفت إنها كانت كود لملفاتهم. اتسحبت وفتحت باب صغير جانبي، كان مفتوح كأنه بيستقبلني.

جوه، الريحة كانت ريحة كيميا نفاذة، إضاءة خافتة، وأصوات أجهزة بتصفر بانتظام. مشيت في طرقة طويلة، وعلى الحيطان كانت فيه شاشات عارضة صور لـ… صور ليا! صور وأنا نايمة، وأنا بضحك، وأنا باكل.. وكأنهم كانوا مراقبين كل ثانية في حياتي، مش بس من شهرين، من سنين!

وقفت قدام شاشة كبيرة، كان عليها ملف باسم “المشروع: نهى – المرحلة التانية”. قلبي وقف. قريت الكلام اللي مكتوب: “الخاضعة رقم 26، تم زرع الجنينين في حالة سبات اصطناعي.. نجاح التعديل الجيني بنسبة 98%.. التوافق البيولوجي مع الحاوية يظهر علامات استيقاظ واعي.”

يعني أنا مش بس “حاوية”، أنا كنت “مشروع” من زمان؟ وقبل ما أقدر أستوعب الصدمة، سمعت صوت رجلين تقيلة ورايا. لفت ببطء، لقيت كمال واقف، هدومه متبهدلة، ووشه فيه جروح من الحادثة، وباصصلي بنظرة فيها خليط من الحقد والدهشة: “وصلتي للمكان اللي محدش يقدر يوصله يا نهى.. بس كان لازم تعرفي إن وجودك هنا هو اللي هيخلينا ننهي المسرحية دي نهائياً.”

طلع مس*دسه ووجهه نحوي، بس قبل ما يضغط على الزناد، الشاشات كلها حوالينا بدأت تضطرب، والكهرباء في المكان كله بدأت تترعش وتطلع شرار. الصوت في دماغي بقى صراخ: “دلوقتي يا ماما! اصرخي بكل غضبك!”

فتحت بوقي وصرخت بكل القهر اللي جويا، صرخة طلعت من أعماق روحي، وفي نفس اللحظة، كل أجهزة المعمل انفجرت في وقت واحد! مش نار، لأ.. كان نبض طاقة أزرق خرج من جسمي وضرب في كل حتة. كمال طار لورا واتخبط في الحيطة، والأجهزة دابت في مكانها.

بصيت لـ كمال وهو بيحاول يقوم، كان مذهول، خايف، وبيبصلي كأني شيطان. مشيت ناحيته بخطوات تقيلة، الأرض كانت بتتهز تحت رجلي، وقفت فوقه وقلت بصوت مش صوتي، صوت فيه قوة جبارة: “المسرحية خلصت يا كمال.. دلوقتي دوري أنا اللي أكتب النهاية.”

……….

كمال كان بيحاول يزحف لورا، عيونه مبرقة من الرعب وهو شايف المكان بيتحول لخرابة حوليا، صوته كان بيطلع متقطع: “أنتِ.. أنتِ إيه؟ ده مش ممكن.. ده مش بشري.. التعديل الجيني مكنش المفروض يوصل للمرحلة دي.. أنتي دمرتي السيرفرات.. دمرتي كل أبحاثنا!”

ضحكت بسخرية ووقفت قدامه، حسيت ببطني بتنبض بنور خفيف، وكأن اللي جوايا بيضحك على خيبة أمل كمال. مسكت ياقة قميصه وشديته لفوق، لقيت إيده بترتعش لدرجة إنه مكنش عارف يمسك المس*دس اللي وقع منه.

”أبحاثكم؟ يا كمال، أنتوا كنتوا فاكرين إنكم بتلعبوا في كود جيني، بس الحقيقة إنكم فتحتوا بوابة لمكنتوش قد الأمانة بتاعتها. أنا مش نهى اللي كانت بتصدق وعودك، وأنا مش “الحاوية” اللي مستنية الأوامر. أنا دلوقتي صوت كل واحدة ضحكتوا عليها، أنا نهاية اللي كنتوا بتخططوا له في الظلام.”

كمال حاول يمد إيده لجيبه، يمكن كان بيدور على “ريموت” أو جهاز تحكم تاني، بس قبل ما يلمس أي حاجة، حسيت بنبضة قوية في قلبي، النبضة دي طلعت من جسمي زي “موجة صدمة” خفيفة، طيرت الم*سدس من جنبه وخلته يصرخ من الألم وهو بيشوف إيده بتتحرق بشيء غير مرئي.

”اسمعني كويس يا كمال،” قلت بصوت واطي بس مرعب، “أنا مش هقت/لك.. الموت عليك رحمة. أنا هسيبك تعيش عشان تحكي للي بعتوك إن “المشروع” خرج عن السيطرة، وإن اللي بتدوروا عليه دلوقتي مش “حاوية”، ده كيان أنتوا خلقتوه بإيديكم بس مكنتوش مؤهلين للتحكم فيه.”

سيبته ووقعت على الأرض، كان بيحاول يهرب وهو بيزحف على إيديه ورجليه، جري ناحية الباب الموارب وهو بيبص ورايا بخوف هستيري، مشيت ناحية الشاشات المحروقة، لقيت ملف واحد لسه شغال، ملف “المسار التاني”. ضغطت على زرار المسح، وكل البيانات بدأت تتمسح، كل الأبحاث، كل الأسماء، كل التورط في حياتي.. كانت بتنتهي.

وقفت في نص المعمل المهجور، وبدأت أسمع أصوات عربيات شرطة وإسعاف بعيد، جايين هنا بسبب الانفجار اللي حصل. مسحت على بطني، وبصوت هادي جداً، قلت: “دلوقتي.. نقدر نبدأ حياتنا بجد، بعيد عنهم، بعيد عن أي تحكم. إحنا أحرار يا صغيري.”

خرجت من الباب الخلفي للمعمل، دخلت في وسط الغابات الصناعية والظلام اللي بيحيط بالمكان. مكنتش عارفة رايحة فين، بس كنت عارفة إني ماشية في طريق ملوش رجوع. ورايا، المخزن ولع، دخان أسود غطى السما، وكأن التاريخ بيمسح اللي حصل جوه.

مشيت، ومع كل خطوة، كنت بحس إن القوة اللي جوايا بتبدأ تهدى، وكأنها بتقولي “المهمة خلصت”. وصلت لطريق سريع، شفت نور عربية نقل كبيرة واقفة بتغير كاوتش، وقفت بعيد، وبصيت لنفسي في المراية الجانبية للعربية، شفت نهى.. بس عيون نهى المرة دي كان فيها لمعة غامضة، لمعة بتقول إن العالم اللي جاي.. هيكون مختلف تماماً.

طلعت الطريق، ورفعت إيدي أشاور للعربية، السواق وقف ونزل بيبصلي بقلق: “يا آنسة، أنتِ كويسة؟ شكلك تعبانة جداً.”

ابتسمت ابتسامة هادية، ابتسامة لأول مرة تكون حقيقية ومن قلبي، وقلت: “أنا كويسة جداً يا عمو.. أحسن من أي وقت فات. ممكن توصلني لأي محطة قطر؟ عايزة أسافر.. بعيد أوي.”

ركبت العربية، والراحة بدأت تسري في جسمي، كمال والشركة والدكتور.. كلهم بقوا جزء من الماضي. الغموض اللي لسه بيحيط بـ “اللي جاي” مكنش مخوفني، بالعكس، كنت حاسة إني بكتب رواية جديدة، رواية بطلتها أنا.. نهى، الأم اللي مش هتسمح لأي قوة في العالم إنها تاخد منها اللي في بطنها.

……….

القطر كان بيتحرك ببطء، صوته “تكتكة” منتظمة على القضبان بقت هي الموسيقى اللي بتطمن أعصابي. قعدت في الكرسي اللي جنب الشباك، الدنيا بره كانت بتجري، البيوت والأراضي الزراعية بقت مجرد خطوط باهتة في ضلمة الليل. أيدي كانت لسه على بطني، بحس بحركة الجنين.. بس المرة دي، كانت حركة طبيعية، حركة “بيبي” مستني يجي للدنيا، مش حركة كيان بيحارب.

طلعت من شنطتي اللي كنت لسه ماسكاها، فصت صورة السونار اللي الدكتور رماها لما الميكروباص وقف. بصيت فيها، ومسحت بصباعي على ملامح الجنين اللي باينة في الصورة. فجأة، سمعت صوت جنبي، صوت راجل مسن قاعد على الكرسي اللي قصادي، كان ماسك كتاب قديم وبيقرأ فيه بهدوء. بصلي بابتسامة خفيفة وقال: “الخوف من المستقبل يا بنتي مش بيغيره، المهم تكوني عارفة أنتِ عايزة إيه لما توصلي.”

اتصدمت من كلماته، رفعت راسي وبصتله، عينيه كان فيها حكمة تخلي الواحد يحس إنه مكشوف. قلتله بصوت هادي: “وأنا لو مش عارفة رايحة فين، بس عارفة إني هاربة من ماضي عايز يدفني.. أعمل إيه؟”

الراجل قفل كتابه، وابتسم وقال: “الهروب مش دايماً ضعف. أحياناً بيكون هو الخطوة الأولى في طريق الشجاعة. طول ما اللي في بطنك ده لسه بيتنفس، فإنتِ عندك سبب عشان تعيشي، وعشان تحاربي.”

سكت الكلام في زوري. الراجل ده.. وكأنه فاهم كل حاجة. قمت أتمشى في طرقة القطر، كنت عايزة أبعد عن أي حد، بس فجأة، التليفزيون المعلق في سقف القطر بدأ يعرض “نشرة أخبار” عاجلة. اتسمرت في مكاني لما شفت صورة “المعمل 1001” وهي بتتحرق، والمذيع بيقول: “انفجار غامض في منطقة صناعية مهجورة، والسلطات تعلن عن تدمير مركز أبحاث غير قانوني كان يُدار من قِبل جهات مجهولة.. والبحث جاري عن “شهود عيان” كانوا متواجدين في موقع الحادث.”

حسيت ببرودة في جسمي، كمال والشركة.. أكيد دلوقتي قالبين الدنيا عليا. بس الغريب، إن المذيع لما جاب صورة “كمال” – اللي طلع إنه مطلوب في قضايا تانية – حسيت إن الموضوع بقى رسمي، إنهم خسروا غطاءهم، وإني بقيت في “المنطقة الرمادية”.. لا أنا تبعهم، ولا أنا في أمان.

رجعت لكرسيي، والراجل المسن كان مشي وساب كتابه مفتوح على صفحة فيها قصة “شهرزاد”. ابتسمت بمرارة.. شهرزاد كانت بتحكي عشان تعيش، وأنا.. أنا هعيش عشان أحكي الحقيقة، حقيقة اللي حصل، وحقيقة الطفل اللي معايا.

فتحت شنطتي، وطلعت “فلاشة” صغيرة كنت أخدتها من المعمل قبل ما يتدمر.. كانت الفلاشة الوحيدة اللي نسيت أمحي بياناتها في العجلة. حطيتها في الموبايل، وبدأت أفتح الملفات. كانت قوائم بأسماء، تحويلات بنكية، وتفاصيل عن تجارب تانية لسه شغالين عليها في أماكن تانية.

مش بس أنا.. كان فيه غيري كتير.

حسيت بدموع بتنزل على خدي، بس مش دموع ضعف. قررت إني مش بس ههرب، أنا هكون “صوت” كل اللي كانوا “حاويات” زيهم زيي. بدأت أكتب أول سطر في ملف جديد على الموبايل: “اسمي نهى.. ودي قصتي، مش كعروسة مخدوعة، بس كأول واحدة قدرت تكسر الدائرة.”

القطر وقف في محطة أسوان، أقصى نقطة ممكن أروح فيها. نزلت، الهوا كان دافي، والنجوم في السما كانت بتلمع أكتر من أي وقت فات. بصيت لبطني، وبصوت واطي قلت: “إحنا وصلنا يا بطل.. ومحدش هيقدر يلمسنا تاني.”

مشيت في شوارع أسوان الهادية، بعيد عن زحمة القاهرة، وبدأت حياة جديدة.. حياة مش مبنية على الكذب، حياة مبنية على الحقيقة اللي أنا بس اللي عارفاها. ومع كل فجر جديد، كنت ببدأ صفحة تانية، صفحة مليانة أمل، وتحدي، وشجاعة أم، قررت إن ابنها هييجي لعالم أفضل.. عالم هي اللي هتبنيه بإيديها.

………

قعدت في شقة صغيرة بتطل على النيل في أسوان، شقة بسيطة فيها ريحة الأمل والهدوء اللي كنت مفتقداه. كل يوم الصبح، كنت بقوم أفتح الشباك، أتنفس الهوا النضيف، وأحط إيدي على بطني اللي بدأت تظهر ملامح الحمل فيها بوضوح. كمال والشركة بقوا زي كابوس بعيد، كابوس ممسوح من حياتي اليومية، بس الفلاشة اللي معايا كانت بتفكرني كل دقيقة إن المعركة لسه مخلصتش.

بدأت أتواصل مع ناس عرفتهم من خلال الملفات اللي على الفلاشة، بنات من محافظات مختلفة كانوا بيحكوا قصص مشابهة لقصتي، بيحكوا عن “أطباء” وعيادات ومشاريع طبية سرية. كنت ببعت لهم المعلومات اللي على الفلاشة في رسايل مشفرة، كنت بكون لهم “شبكة” سرية عشان يحموا نفسهم. بقيت “نهى” التانية، نهى اللي مش بتخاف، نهى اللي بقت كابوس للناس اللي كانوا فاكرين إنهم يملكون حياتنا.

في يوم، وأنا بتمشى في سوق أسوان، حسيت بحد ماشي ورايا. مش خوف، ولا رعب، بس إحساس بـ “الخطر”. دخلت في زقاق ضيق، وقفت ورا عمود قديم، وطلعت الموبايل عشان أتصل بحد من الشبكة اللي كونتها. فجأة، سمعت صوت مألوف، صوت بيخلي الوجع يرجع لقلبي: “يا نهى.. كنت عارف إني هلاقي طريقك.”

لفت، لقيت كمال واقف، وشه مشوه بجرح غائر، ولبسه مش زي الأول، كان باين عليه التعب والإرهاق. كان لوحده، مفيش حراس، مفيش دكتور، مفيش سلطة. بصيتله بنظرة فيها إشفاق مش خوف: “أنت لسه بتدور عليا يا كمال؟ ما كفاية اللي حصل؟”

قرب خطوة، صوته كان مبحوح: “الشركة انتهت، وأنا بقيت مطارد زيك. هما رموني زي ما رموا غيري، وكل اللي عايزة دلوقتي.. هو الحقيقة. أنا كنت فاكر إني حارس، بس طلعت كنت “حاوية” زيك في اللعبة دي، كانوا بيراقبوا انفعالاتي عشان يدرسوا تطورك الجيني.”

سكت، الصدمة خلتني أتجمد. كمال.. كان مجرد ضحية تانية؟ بصيت في عينيه، دورت على الكذب اللي كنت بشوفه دايماً، بس المرة دي، شفت فيه “انكسار” حقيقي. قلت بصوت هادي: “أنت عايز إيه يا كمال؟”

طلع من جيبه ورقة مطوية، مدها لي بإيد بترتعش: “دي أسماء اللي ورا كل ده، مش بس في مصر، في العالم كله. دي خطة “المرحلة التالتة”. هما مش بس عايزين “حاويات”، هما عايزين يسيطروا على الجيل اللي جاي كله. خديها.. دي طريقك للنجاة، وطريقي للتكفير عن اللي عملته.”

أخدت الورقة، كان فيها أسماء ناس كنت بقرأها في الأخبار، أسماء لها نفوذ وسلطة. كمال بص لبطني بلمحة حزن، وبعدين بصلي: “ابنك.. هو أملنا الوحيد، مش عشان قوته، بس عشان براءته. حافظي عليه يا نهى.”

مشي كمال، واختفى في زحمة السوق، وأنا وقفت مكاني، الورقة في إيدي بتمثل خطر ومسؤولية كبيرة. بس المرة دي، كنت عارفة إني مش لوحدي. بصيت للسما، حسيت بـ “اللي جوايا” بينبض بطريقة هادية ومطمنة.

رجعت الشقة، فتحت الموبايل، وبدأت أنشر الحقيقة. مش بس ملفات، بدأت أكتب “يومياتي”، قصتي اللي بتبدأ بـ “تيست حمل” وبتنتهي بـ “ثورة”. نشرت الورقة اللي كمال ادهالي، ونشرت الأدلة، وفتحت المجال لكل اللي كانوا بيعانوا عشان يتكلموا.

في الليلة دي، وأنا قاعدة بكتب آخر سطر، سمعت صوت طفل صغير جاي من بعيد، صوت ضحكة بريئة، وكأن اللي في بطني بيشاركني الحلم. ابتسمت، وحطيت اللاب توب على جنب، وبصيت للنيل اللي بيجري بهدوء. بكره، العالم هيعرف الحقيقة، وبكره، هيكون بداية لجيل جديد.. جيل مش بيخاف، جيل بيعرف قيمة الحرية، وجيل بطلته كانت.. نهى.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close