القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 قسوة زوجي



قسوة زوجي

 

اختلطت صرخات العاملين في المنزل بأصوات الطرقات الثقيلة والخطوات السريعة وأجهزة اللاسلكي التي كانت تصدر أصواتًا متقطعة في كل زاوية.


تراجعت سارة إلى الخلف وكأن القبو امتلأ بأشباح خرجت من الماضي.


همست وهي تنظر حولها بذعر:


"هذا لا يمكن أن يحدث..."


انفتح باب القبو بقوة.


دخل رجال أمن مسلحون، ومسعفون، وامرأتان من الشرطة المختصة. ركضت إحدى المسعفات نحوي بسرعة، وضعت قناع الأوكسجين على وجهي، وبدأت تنادي بأرقام وملاحظات لم أعد أفهم منها شيئًا.


"الضغط منخفض جدًا... الحالة حرجة... يجب نقلها فورًا."


حاولت سارة الصعود على السلم، لكن إحدى الشرطيات أمسكتها من ذراعها بقوة.


"سارة الكرخي، أنتِ موقوفة بتهمة التسبب بأذى جسيم والاشتراك في مخطط جنائي."


صرخت سارة وهي تحاول الإفلات:


"اتركيني! أنتم لا تعرفون من أنا!"


عندها جاء صوت عميق من عند مدخل القبو:


"أنا أعرف بالضبط من تكونين."


التفت الجميع.


رجل مسن بدأ ينزل الدرج ببطء، مستندًا إلى عصا خشبية داكنة. كان يرتدي بدلة سوداء وقميصًا أبيض، وشعره فضي بالكامل. لم يكن يسير بسرعة، لكن كل شخص في القبو أفسح له الطريق وكأن الداخل ليس رجلًا عاديًا، بل قاضٍ كبير أو قائد أو رجل اعتاد الناس أن يهابوا اسمه قبل أن يروا وجهه.


حاولت أن أركز في ملامحه بصعوبة.


الحاج عبدالجبار


الراوي.

جدي.


الرجل الذي منعتني أمي من البحث عنه طوال سنوات طويلة.


اقترب مني ببطء، ثم انحنى بجانبي دون أن يهتم بأن تتسخ بدلته بآثار ما حدث لي.


قال بصوت انكسر في آخره:


"بنيتي..."


ثم أمسك يدي برفق.


"سامحيني... وصلت متأخرًا."


حاولت أن أتكلم، لكن صوتي لم يخرج.


مسح على جبيني بحنان لم أتوقع أن أشعر به من رجل ظننته طوال حياتي حجرًا بعيدًا لا قلب له.


قال:


"أمك اعتقدت أنني تخليت عنكم... قيس هو من غذّى تلك الكذبة. قطع الرسائل، اشترى بعض الموظفين، أغلق الطرق بيني وبينكم، ومنع أي اتصال يصل إليكِ. حاولت الاقتراب منكِ لسنوات."


شعرت كأن الهواء يهرب من صدري.


قيس.


دائمًا قيس.


كل طريق مظلم في حياتي كان ينتهي عنده.


حاولت المسعفة أن تبعده قليلًا.


"سيدي، يجب أن ننقلها الآن."


هز عبدالجبار رأسه، لكنه لم يترك يدي.


وعندما رفعوني على النقالة، سمعت خطوات غاضبة في الأعلى.


ظهر قيس على الدرج الرئيسي، قميصه مفتوح من الأعلى، وجهه متعرق، وفي عينيه تلك النظرة المتكبرة التي كنت أظنها يومًا ثقة وقوة.


صرخ بصوت هزّ البيت:


"من سمح لكم بالدخول إلى بيتي؟ أنا قيس الجبوري!"


رفع عبدالجبار الراوي نظره إليه بهدوء.


وقال:


"أنا سمحت."


تجمد قيس في مكانه.


لم يكن ذلك خوفًا عاديًا.


كان رعبًا حقيقيًا.


ذلك النوع من الرعب الذي


يظهر على وجه شخص رأى عدوًا ظن أنه دُفن في الماضي ولن يعود أبدًا.

تمتم قيس بصوت متقطع:


"الحاج عبدالجبار... الأمر سوء فهم. زهراء مرت بحالة انهيار... وسارة فقط حاولت الدفاع عن نفسها."


ضرب عبدالجبار الأرض بعصاه.


"سوء فهم؟ وهل كان سوء فهم أيضًا أن تفرغ حسابات حفيدتي عبر شركات وهمية في أربيل والبصرة وخارج العراق؟"


شحُب وجه قيس.


تابع عبدالجبار بصوت أشد:


"أم كان سوء فهم أن يتم التلاعب بتقارير صيانة الطائرة التي فقدت فيها ابني وزوجته وحفيدي؟"


سقط الصمت على مدخل البيت كله.


فتحت عيني بصعوبة.


عائلتي لم ترحل بحادث عادي.


قال قيس، لكن صوته كان يرتجف رغم محاولته الثبات:


"أنت رجل كبير في السن... ولا تعرف ما تقول. لا تملك دليلًا."


جاء صوت من خلف رجال الأمن:


"بل يملك."


ظهر حسين بين رجلين من القوات الأمنية.


كان وجهه متعبًا، وملابسه ممزقة، وعليه آثار واضحة من محاولة منعه، لكنه بقي واقفًا.


وفي يده ذاكرة صغيرة.


قال بصوت متعب لكنه ثابت:


"الأستاذ قيس أرسل رجاله خلفي حتى يمنعوني من الوصول. حاولوا أخذ الحقيبة مني، لكنهم لم يجدوا هذا."


خطا قيس خطوة نحوه.


وقال بنبرة تهديد:


"أنت لا تعرف ماذا تفعل يا حسين."


رفع حسين رأسه.


"أعرف جيدًا. لسنوات كنت تأمرني أن أحذف اتصالات، وأنقل ظروفًا مغلقة، وأوصل مبالغ نقدية،


وأسكت على أمور لم أكن أفهمها في البداية. لكنني احتفظت بنسخ."

حاول قيس الاندفاع نحوه، لكن ثلاثة من رجال الأمن أمسكوه وأسقطوه على الأرض الرخامية.


بدأت سارة تصرخ بأن كل شيء كان من تدبير قيس.


وبدأ قيس يصرخ أن كل شيء كان بسبب سارة.


أما أنا، ومن فوق النقالة، فهمت أخيرًا أن الاثنين لم يحباني يومًا.


ولا حتى للحظة واحدة.


بينما كانوا يخرجونني باتجاه سيارة الإسعاف، رفع قيس وجهه عن الأرض ونادى بصوت مكسور حاول أن يجعله نادمًا:


"زهراء... أرجوكِ... أنا أحبك! نستطيع أن نصلح كل شيء!"


نظرت إليه للمرة الأخيرة.


خرج صوتي ضعيفًا، لكنه كان واضحًا:


"لا تنطق اسمي مرة أخرى."


أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف.


وقبل أن يبتلعني الظلام، سمعت جدي يقول لأحد الضباط:


"افتحوا الخزنة الخاصة بقيس الجبوري... هناك ستجدون الحقيقة التي بقيت ناقصة."


ما وجدوه في الداخل كان كفيلًا بأن يغيّر كل شيء إلى الأبد.


استيقظت بعد ثلاثة أيام في مستشفى خاص ببغداد.


في البداية لم أعرف السقف الأبيض، ولا صوت الأجهزة الطبية، ولا رائحة المعقمات التي تملأ الغرفة. حاولت أن أتحرك، لكن الألم امتد في جسدي كله كأنه يذكرني بما حدث. كانت الضمادات تغطي أجزاء من جسدي، ويدي مثبتة بجبيرة، وعلى حاجبي غرز صغيرة، وأنابيب طبية موصولة بذراعي.


كان عبدالجبار الراوي


جالسًا قرب سريري.

لم يكن نائمًا.


كان يراقبني بصمت، كأنه يخاف أن يغمض عينيه فأختفي من جديد.


سألته بصوت بالكاد خرج:


"قيس؟"


أجاب فورًا:


"موقوف."


سألته:


"وسارة؟"


قال:


"أيضًا."


 


  


ابتلعت ريقي بصعوبة.


ثم سألته السؤال الذي كان يحرقني من الداخل:


"أبي وأمي؟"


خفض جدي رأسه.


لثوانٍ، لم يستطع الرجل الذي كانت تخشاه مصارف ورجال سياسة وتجار كبار أن يتكلم.


ثم قال بصوت ثقيل:


"أبوك اكتشف أن قيس يستخدم عقود مجموعة الراوي لتبييض أموال وتحويلات غير قانونية. كان ينوي كشفه بعد عودته من السفر. الطائرة لم يكن يجب أن تقلع بتلك الحالة. قيس دفع لمن يعبث بتقرير الصيانة."


شعرت أن شيئًا داخلي انكسر للمرة الثانية.


سألته:


"وأخي أيضًا رحل بسبب ذلك؟"


أغمض جدي عينيه.


"نعم."


بكيت بصمت.


لم أبكِ لأن جسدي كان يؤلمني، بل لأنني عشت سنوات إلى جانب الرجل الذي دمّر عائلتي. أعددت له القهوة. احتفلت معه بأيام ميلاده. نمت في البيت نفسه معه. وقّعت أوراقًا كان يضعها أمامي. منحت ثقتي لرجل كان يحفر لي قبرًا وأنا لا أرى.


أمسك جدي يدي السليمة.


وقال:


"أمك لم تكن تكرهني في البداية. أقنعوها. قيس زرع أدلة مزيفة وجعلها تصدق أنني أنا من تسببت بانهيار المجموعة، وأنني كنت أريد أخذ كل شيء منكم. وعندما رحلت، كنتِ صغيرة جدًا... وكان هو قد اقترب منكِ بالفعل."


همست:


"استخدمني."


قال بحزن:


"نعم... لكنه لم يستطع أن يمحوكِ."


خلال الأسابيع التالية، أصبحت حياتي مجموعة من العمليات الطبية، والتحقيقات، والليالي الطويلة التي لا أستطيع النوم فيها. عالج الأطباء إصاباتي واحدة تلو الأخرى. تعلمت أن أمشي مرة أخرى مستندة إلى عصا. وتعلمت شيئًا أصعب من المشي بكثير: ألا أعتذر عن خوفي.


كان حسين يزورني كل يوم جمعة.


كان يحمل معه وردًا بسيطًا


من السوق، ويقول إن الورد الغالي لا يحمل رائحة حقيقية. عيّنه جدي مسؤولًا عن أمن العائلة، لكنه بالنسبة لي كان أكثر من ذلك بكثير.

كان الرجل الذي رفض تنفيذ أمر ظالم.


بعد شهر واحد، انفجرت فضيحة قيس الجبوري في كل العراق.


عرضت القنوات صور القصر في المنصور محاطًا بسيارات الأمن. وتحدثت الصحف عن شركات وهمية، وحسابات مجمدة، ورشاوى لمسؤولين، وتهديدات لشهود، وتلاعب قديم تم تقديمه للناس سنوات طويلة على أنه حادث مؤسف.


لكن الأسوأ لم يكن ذلك.


الأسوأ كان ما ظهر داخل الخزنة الخاصة بقيس.


كانت هناك تسجيلات.


مقاطع كاميرات.


مكالمات محفوظة.


عقود مزورة.


وملف كامل باسمي.


كان قيس يخطط منذ سنوات لإعلاني غير قادرة على إدارة أموري، حتى يضع يده قانونيًا على ما تبقى من إرثي. كانت سارة ستصبح زوجته الجديدة. أما أنا، فكان من المفترض أن أنتهي في مصحة خاصة، محاطة بالأدوية، معزولة عن الناس، ومصوّرة أمام الجميع على أنني امرأة فقدت عقلها.


تلك الليلة في القبو لم تكن لحظة غضب.


كانت نهاية خطة طويلة.


قيس لم يكن يريد أن يعلمني درسًا.


كان يريد أن يختفي صوتي إلى الأبد.


في أول جلسة بالمحكمة، دخل قيس مكبل اليدين، ببدلة مجعدة ونظرة غائرة. لم يعد يشبه رجل الأعمال القوي الذي كان يصافح أصحاب النفوذ في الولائم والاجتماعات الخاصة. بدا رجلًا صغيرًا، محاصرًا بكذباته، يائسًا من كل شيء.


وعندما رآني أدخل، وقف.


كنت أرتدي بدلة سوداء، وشعري مرفوع، وفي يدي عصا فضية. كل خطوة كانت تؤلمني، لكنني لم أخفض رأسي.


قال بدموع لم أصدق منها شيئًا:


"زهراء... أنا أخطأت،


لكنني أحببتك."

نظرت إليه بلا غضب.


الغضب لم يعد يفيدني.


قلت:


"قيس، أنت لا تعرف الحب. أنت تعرف الامتلاك فقط."


وضعت المحامية أوراق الطلاق أمامي.


وقّعت بيد ترتجف، ليس بسبب التردد، بل بسبب ما بقي في جسدي من أثر تلك الليلة.


ثم رفعت عيني نحوه.


وقلت:


"واسم عائلتي لم يكن يومًا ملكًا لك."


حاولت سارة أن تدلي باعترافات ضد قيس لتخفيف الحكم عنها، لكن الأدلة أغرقتها معه. ثبت أنها شاركت في الاحتيال، وساعدت في التلاعب بالكاميرات، وأنها ألقت بنفسها على الدرج في تلك الليلة لتصنع سببًا لمعاقبتي.


صدر الحكم على قيس بتهم ثقيلة، منها التسبب بأذى جسيم، والاشتراك في جرائم منظمة، وغسل أموال، والتورط في الملف الذي دمّر عائلتي. تم وضع شركاته تحت الرقابة، وتجميد حساباته، وملاحقة شركائه، أما أصدقاؤه الذين كانوا يملؤون مجالسه، فقد اختفوا فجأة.


لم يرغب أحد في الجلوس قربه بعدما فقد قوته.


بعد ستة أشهر، خرجت من مبنى المحكمة تحت شمس بغداد.


كان عبدالجبار ينتظرني في الخارج. وبجانبه حسين، ومحامون قدامى من عائلة الراوي، وموظفون كانوا قد أُجبروا يومًا على الصمت. وعندما اقتربت منهم، خفضوا رؤوسهم باحترام.


أخذت نفسًا عميقًا.


لأول مرة منذ سنوات، لم يكن الهواء بطعم الخوف.


سألني حسين:


"ماذا تريدين أن تفعلي الآن، ست زهراء الراوي؟"


نظرت إلى مبنى المحكمة، ثم إلى المدينة.


وقلت:


"أستعيد ما سُرق منا... وأستخدمه لإخراج نساء أخريات من بيوت لا يسمع أحد صوتهن فيها."


بعد عام واحد، لم يعد قصر المنصور رمزًا للرعب.


أمرت بهدم القبو.


لم يطأ أحد بعد


ذلك أرضيته الإسمنتية التي كدت أفقد حياتي فوقها.

وفي مكانه بنينا حديقة مفتوحة، مليئة بالورد والياسمين والنخيل الصغير ونوافير حجرية هادئة. وفي وسطها وُضعت لوحة بسيطة كتب عليها:


"لكل من ظن أن لا مخرج... هناك دائمًا باب."


في ذلك اليوم افتتحنا مؤسسة نور اليشم.


لم تكن مؤسسة للصور والاحتفالات والمظاهر. كانت مؤسسة حقيقية، فيها بيوت آمنة، ومحاميات، وطبيبات، وأخصائيات نفسيات، وخطوط طوارئ، ومراكز حماية في أكثر من محافظة عراقية. قدّم جدي ملايين الدنانير والدعم الكامل. أما أنا، فقد قدمت قصتي.


أمام مئات النساء، صعدت إلى المنصة من دون عصا.


رأيت أمهات يحملن أطفالًا صغارًا.


وشابات يخفين آثار الخوف خلف نظارات داكنة.


ونساء كبيرات في العمر عشن سنوات طويلة من الصمت.


كنّ ينظرن إليّ وكأنهن يحتجن أن يصدقن أن الحياة يمكن أن تنكسر ثم تنهض من جديد.


أمسكت الميكروفون.


وقلت:


"قبل عام واحد... كنت ممددة في قبو، مقتنعة أن قصتي ستنتهي هناك."


ساد الصمت في الحديقة.


أكملت:


"جعلوني أصدق أنني بلا عائلة، وبلا قوة، وبلا أحد يمكن أن يأتي من أجلي. لكن مكالمة واحدة، وتصرف شجاع واحد، وشخص واحد قرر ألا يطيع أمرًا ظالمًا... غيّر مصيري."


بحثت بعيني عن حسين بين الحضور.


كان واقفًا بعيدًا، يبتسم ودموعه تلمع في عينيه.


قلت:


"اليوم أريد أن أقول لكل امرأة هنا: لا يوجد بيت أغلى من حياتك. لا يوجد اسم عائلة، ولا زواج، ولا خوف، ولا كلام ناس، يستحق أن يسرق منك حقك في أن تعيشي حرة."


انفجر التصفيق كالمطر.


رفعت رأسي إلى سماء بغداد.


لسنوات كنت أعتقد أن


الانتقام الحقيقي هو أن أرى قيس محطمًا.

لكنني كنت مخطئة.


العدالة الحقيقية لم تكن سقوطه.


كانت أن أرى نفسي حية.


حرة.


واقفة.


ومحاطة بنساء أدركن، بعد سماع قصتي، أن قصصهن ما زالت قابلة للنجاة.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close