القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اخویا اتجوز سنه واحده وطلق مراته وهي حامل كامله

 اخویا اتجوز سنه واحده وطلق مراته وهي حامل



اخویا اتجوز سنه حكايات رومانى مكرم كامله 

اخویا اتجوز سنه واحده وطلق مراته وهي حامل، لما ولدت، بعدها جابتلي الولد،وقالت خدو ابنكم اهو ومشيت وراحت اتجوزت ومش بتسأل عليه نهائى


كلمت اخويا هو كمان قالي خليه عندك ربيه انا مش عاوزه حاليا اخويا اتجوز ومراته رافضة الواد نهائى ، ودلوقتى


 


جوزى بيقولي ابوه وامه أولى بيه كلمت اخويا تانى قالي مش هينفع،؛ اخده ومش عاوزه و متكلمنيش، في الموضوع ده تاني كلمت امه قالت انا متجوزه وجوزى رافض وانا رافضه مش عاوزه حاجه من ريحتكم


فضلت اتكلم مع جوزى ونعتبره يتيم ونكسب في ثواب


والولد هادى وشاطر لغايه لم وافق


ودلوقتى الولد كبر ودايما يقولى ياماما ولجوزى يابابا وبيحبنا جدا وطلع الاول فى الثانوى وقال هدخل الشرطه


 


البيوت أسرار، ياما فيها حكايات تشيّب، بس حكايتي أنا بالذات بدأت بـ قنبلة اترمَت في حضني ومكنتش عارفة حتفرقع فيا ولا حتحييني.


من سِنين، يدوب سنة واحدة بس، كان أخويا “سيد” لسه متجوز “فاتن”. جوازة سلق بيض، خناق وصوت عالي وطلب طلاق كل يومين، لحد ما حصلت الواقعة وطلقها وهي في الشهر التالت. وقتها قولنا العيل حيشملهم، بس اللي في الطبع عمره ما يتغير.


فاتن ولدت من هنا، والباب خبط عندي بعد أسبوع واحد من ولادتها. فتحت الباب لقيتها واقفة وشايلة لفة في إيدها، وشها ناشف ومفيش في عينيها نقطة حنية. حطت الولد في حضني وقالت ببرود حرق دمي: “خدوا ابنكم أهو.. أنا مش حشيل شيلة حد، وشوفوا مين حيربيه!”


ولفت ضهرها ومشيت. مفيش شهرين وعرفنا إنها اتجوزت ورمت الماضي كله ورا ضهرها، ولا فكرت تسأل الولد عايش ولا مات، بيرضع إيه ولا بيبكي ليه.


مسكت التليفون وإيدي بترعش، كلمت أخويا سيد: “الحقني يا سيد، طليقتك رمت الولد على عتبة بيتي ومشت!”


رد عليا ببرود ألعن من برودها: “خليه عندك يا أختي رّبيه، أنا مش عاوزه دلوقتي، مش فايق للكلام ده.”


وقفلت السكة وأنا ببص لحتة اللحمة الحمرا اللي في حضني وببكي.


دارت الأيام، وسيد أخويا راح اتجوز هو كمان. قولت بس! الغربال الجديد له شدة، زمانه حياخد ابنه يربيه. كلمته، لقيت صوته اتغير وبقى ناشف: “بقولك إيه يا أختي، مراتي الجديدة رافضة الواد ده نهائي، ومش عاوزة مشاكل في بيتها. والبيت ضيق، خليه عندك.”


ولما زنيت عليه وضغطت، صرخ في التليفون: “مش هينفع آخده قولتلك! أنا مش عاوزه ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني.. سلام!” وقفل السكة في وشي.


الدنيا اسودت في عيني. روحت لأم الولد، كلمتها وقولتلها: “يا فاتن اتقي الله في ابنك، ده حتة منك!”



ردت عليا من طرف مناخيرها: “أنا اتجوزت وجوزي رافض الولد يدخل بيته، وأنا كمان رافضاه ومش عاوزة حاجة من ريحتكم.. انسوا إن ليا عيل!”


في وسط المعمعة دي، لفيت ولقيت جوزي “محمود” واقف ورايا، وشه مقلوب وعينه بتطق شرار. قال لي بلهجة قاطعة: “لحد هنا وكفاية يا بنت الناس. إحنا مش ملزمين بشيلة مش شيلتنا. أبوه وأمه أولى بيه، هما يرموا وإحنا نشيل؟ أنا مش مستعد أصرف وأربي عيل بكره وأبوه ييجي ياخده على الجاهز، أو أمه تعملنا مصيبة. الواد ده يرجع لأبوه يتصرف فيه.”


الدنيا لفت بيا، الولد كان في حضني، عينه الصغيرة سارحة فيا، كأنه حاسس إن المصير كله بيترسم في اللحظة دي. قعدت على ركبي قدام محمود، ودموعي نازلة مغرقة وشي، وقولتله: “عشان خاطري يا محمود.. اعتبره يتيم، كأننا لقيناه في الشارع ونكسب فيه ثواب.. ربنا حيرزقنا بسببه، والواد ملوش ذنب في قساوة قلوب اللي جابوه. خليه في حضننا.”


محمود فضّل أيام قافل على نفسه، باصص للولد وباصص ليا، لحد ما قلب الحجر حن، وبصلي وقال: “عشان خاطرك أنتِ بس.. بس الواد ده لو عمل مشكلة واحدة، حطلعه بره بيتي.”


ومرت السنين.. “أحمد”.. سميناه أحمد. الولد كبر قدام عنينا، مكنش زي بقية العيال المتعبة، كان نسمة صيف. هادي، شاطر، عينه مليانة أدب وعزة نفس. من صغره وهو مبيقوليش غير “يا ماما”، ولمحمود “يا بابا”. محمود اللي كان رافضه، بقى هو اللي بياخده في حضنه ويجيبله اللبس ويفرح بنجاحه. أحمد مكنش يعرف إن أبوه عايش في نفس البلد، ولا يعرف إن أمه رمتّه وهي بتضحك.


لحد ما جت الصدمة الكبيرة.. أحمد خلص الثانوية العامة، وطلع الأول على المحافظة كلها. الفرحة مكنتش سايعانا، البيت كان مليان زغاريط، وجوزي محمود كان طاير بيه كأنه حتة من قلبه. وفي وسط الفرحة، وقف أحمد وبصلي بعيون كلها طموح وقوة وقال: “أنا خلاص قررت يا ماما.. أنا هدخل كلية الشرطة، عاوز أبقى ظابط وأحمي البلد.. وأحميكي أنتِ وبابا.”


في اللحظة دي، وأنا بضمه لصدري وببكي من الفرحة، الباب خبط خبطات قوية ورا بعض.. خبطات غريبة مش مريحة.


فتحت الباب.. ولقيت واقف قدامي أخويا سيد، وبجنبه مراته، ووراهم واقفة فاتن، أم أحمد اللي مشفناهاش من سنين!

الكاتب_رومانى_مكرم


سيد بصلي ومراته زقته، ودخل خطوتين جوه الشقة وعينه بتدور على أحمد، وقال بنبرة كلها طمع وجبروت: “سمعنا إن الباشا ابننا طلع الأول وحيدخل الشرطة.. جه الوقت بقى عشان ابني يرجع لحضني ويدخل الكلية باسم أبوه، وجوز أمه جاي ورايا عشان يخلص الأوراق ويقف معاه!”



أحمد وقف ورايا، وشه اتغير، وعينه بصتلي وبصت لهم بذهول، وأنا حسيت إن الدم جمد في عروقي..


يا ترى هيحصل إيه؟ ونار الطمع اللي قادت في قلوبهم فجأة دي هتعمل فينا إيه، وأحمد هيختار مين بعد السنين دي كلها؟


 


## الجزء الثاني: زلزال الحقيقة


تسمرت في مكاني، والكلمات خرجت من فم “سيد” مثل السكاكين التي طعنت السنين التي قضيتها وأنا أحيك جراح هذا البيت. التفتت “فاتن” من خلفه، وكان وجهها يحمل ابتسامة باردة تخفي وراءها أطماعًا لم تكن بحاجة لذكاء لكي تُفهم؛ ولد سيمتلك سلطة ونفوذًا، ولد أصبح فجأة “ابنًا” بعد أن كان لسنوات “حملًا ثقيلًا” رمت به على عتبة بابي.


خطوت خطوة للأمام لأحجب أحمد بجسدي، وكأنني أحميه من رصاص الغدر الذي يطلقونه بنظراتهم. صرخت بصوت مرتجف ولكن قوي:


“ابنك؟ دلوقتي افتكرت إن ليك ابن يا سيد؟ بعد تمنتاشر سنة جاي تقول ابني؟ وفاتن هانم اللي رمت اللفة في حضني وقالت مش شيلتي، جاية دلوقتي تتفشخر بيه؟”


تقدمت زوجة سيد الجديدة خطوة، وقالت بلوية فم قاسية:


“جرى إيه يا ستي؟ ده أبوه من لحمه ودمه، والكلية دي محتاجة ظهر وسند، ومحتاجة اسم الأب يكون موجود، وجوز فاتن راجل واصل وهيساعده في كشف الهيئة والاختبارات.. وسعيلنا كده عشان نكلم الواد.”


في تلك اللحظة، تحرك محمود جوزي من ورايا. كان صوته هادئًا هدوء ما قبل العاصفة، وضع يده على كتف أحمد وقال وعينه في عين سيد:


“البيت ده ليه راجل يا سيد. والولد اللي بتتكلموا عليه ده، اسمه مكتوب في شهادة ميلاده باسمك آه، بس في قلبه وعقله ميعرفش أب غيري. اخرجوا بره بيتي، وباب الكلية اللي بيتفتح بالواسطة والأطماع مش عايزينه، أحمد هيدخل بمجهوده وتفوقه.”


صوت الزغاريط التي كانت تملأ الشقة تبخر تمامًا، وحل محله صمت ثقيل قطعته خطوات أحمد وهو يتقدم من خلفي. كان وجهه شاحبًا، ينظر إلى سيد ثم إلى فاتن، وعيناه تدوران بينهما بذهول وصدمة زلزلت كيانه.


نظر إليّ وعيناه ممتلئتان بالدموع وقال بصوت خافت مكسور:


“ماما.. مين الناس دول؟ وليه بيقولوا الكلام ده؟”


ارتمت فاتن فجأة نحو الولد وحاولت أن تمسك بيده وهي تبكي دموعًا مزيفة:


“أنا أمك يا أحمد.. أنا اللي ولدتك وتعبت فيك، بس الظروف هي اللي رمتنا بعيد عن بعض. أنا جاية أخدك في حضني وجوزي هيعملك كل اللي نفسك فيه.”


تراجع أحمد خطوتين للوراء وكأنه لمس جمرة نار، ونظر إلى يدها باشمئزاز ثم نظر إليّ وقال:


“دي أمي؟ دي الست اللي كنت بسألك عليها وزمان وكنتِ بتقوليلي إنها مسافرة؟”



قبل أن أنطق، دفع سيد محمود بغشم وقال بصوت عالٍ:


“أنا مش هسيب ابني هنا، الولد ده هيمشي معايا دلوقتي، أوراقه معايا وأنا أبوه الشرعي والقانون معايا، ولو مجاش بالذوق هييجي بالقانون والمحاكم، ومش هسيبكم تضيعوا مستقبله عشان أنانيتكم!”


أحمد وقف بثبات فجأة، والدموع التي كانت في عينيه جفت، وحلت محلها نظرة حادة قوية، تنم عن ضابط مستقبلي يعرف كيف يواجه الخصوم. نظر إلى أبيه “سيد” وقال بلهجة حاسمة هزت أركان الصالة:


“أنا…”


## الجزء الثالث: صفعة القوانين والقلوب


تردد صدى صوت أحمد في أركان الصالة، وبدا “سيد” و”فاتن” وكأنهما ينتظران كنزاً سيهبط عليهما من السماء. التفت أحمد بكامل جسده نحو سيد، وبنبرة جافة خالية من أي مشاعر قال:


“أنت بتقول إنك أبويا بالقانون؟ القانون اللي أنت فاكره لعبة ده، أول حاجة بيعلمها للي هيدخلوا كلية الشرطة هي الحق والعدل. أنت رميتني وكنت مستني أموت من الجوع أو أترمي في ملجأ، وجاي دلوقتي تدور على الاسم والوجاهة الاجتماعية؟”


احمرّ وجه سيد من الغضب وتلعثم، لكن زوجته الجديدة حثته بنظرة قاسية، فصرخ بسيد:


“جرى إيه يا ولد؟ أنت هتقف وتتمنظر عليا؟ أنا أبوك غصب عنك، والورق ورقنا، ومفيش دخول كلية من غير موافقتي وإمضتي على الإقرارات، وجوز أمك واقف تحت في العربية ومعاه ناس تقال يقدروا يخلصوا كل حاجة، بلاش تقلب نعمتك وتضيع مستقبلك بـإيدك!”


هنا تدخلت “فاتن” وهي تصطنع الرقة وتحاول الاقتراب منه مجدداً وقالت:


“يا أحمد يا ابني، اسمع كلامنا، إحنا مصلحتك تهمنا، بكره لما تبقى ظابط بشنباتك هتعرف قيمة الاسم والعز اللي هنعيشك فيه، سيبك من خالتك وجوزها، دول ناس على قد حالهم ومش هيقدروا يماشوا طلبات الكلية ومصاريفها ولا كشوفاتها.”


في هذه اللحظة، تقدم زوجي “محمود” بخطوات ثابتة، ووقف حائلاً بينها وبين أحمد، ونظر إلى سيد وفاتن بنظرة احتقار هزت ثقتهم وقال:


“المصاريف والطلبات اللي بتتكلموا عليها دي أنا شايلها من يوم ما كان الولد ده حتة لحمة حمرا في لفته. دكتور أحمد، ولبس أحمد، وتعليم أحمد، كله من شقايا وعرقي ومستخسرتش فيه قرش. ومستعد أبيع بيتي ده عشان يدخل الكلية اللي بيحلم بيها، فـ اخرجوا بره من غير شوشرة، والباب يفوت جمل.”


زعق سيد بأعلى صوته وهو بيطلع تليفونه:


“مش هخرج! والواد ده هاخده معايا ورجله فوق رقبته، وإلا هطلب شرطة النجدة وأعملكم محضر خطف حياز عيل، وأقلبها طربيزة على الكل وأضيعله الكلية خالص!”



التفت أحمد بكل هدوء نحو محمود ونحوي، وطمأننا بنظرة عينيه التي انمحت منها الصدمة وحل محلها ثبات غريب. ثم التفت إلى سيد وقال له ببرود قاتل:


“اطلب النجدة يا سيد بيه. اطلبها عشان لما ييجوا، هطلب شهادة الجيران كلهم اللي شافوا أمي وهي بترميني على العتبة من تمنتاشر سنة، وهطلب شهادة المحضر القديم اللي خالتك عملتهولك في القسم لما رفضت تدفع قرش واحد في مصاريفي، والتحريات ساعتها هتثبت مين اللي ربى ومين اللي خان الأمانة. اطلب النجدة عشان أقدم فيك بلاغ إهمال وتعريض حياة طفل للخطر من سنين، ونشوف القانون هيقف مع مين!”


تراجعت فاتن خطوة للخلف، وبدأ التوتر يظهر على وجه سيد، فالكلام الذي قاله أحمد لم يكن كلام طفل، بل كلام رجل قانون يفهم أبعاد كل كلمة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وفي وسط هذا الشد والجذب، انفتح باب الشقة فجأة، ودخل منه رجل يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو على وجهه الصرامة، ونظر إلى سيد وفاتن وقال بصوت جهوري:


“جرى إيه يا سيد؟ تأخرت ليه كل ده؟ والورق فين؟”


عرفت فوراً من نظرات فاتن المرتبكة أن هذا هو زوجها الجديد الذي تحدثوا عنه، الرجل صاحب النفوذ الذي جاء ليأخذ أحمد ويستغل اسمه مستقبلاً. نظر الرجل إلى أحمد، ثم نظر إليّ وإلى محمود، وابتسم ابتسامة خبيثة تنم عن شر جديد قادم في الطريق…


 

وقف الرجل صاحب البدلة الأنيقة في وسط الصالة، يوزع نظراته المتكبرة على جدران شقتنا المتواضعة، وكأن وجوده في هذا المكان يقلل من شأنه. تقدمت “فاتن” نحوه بسرعة وهي تحاول لملمة ارتباكها، وقالت بصوت خافت مسموع:


“أهو أحمد أهو يا مدحت بيه.. ده ابني اللي كلمتك عنه، طالع الأول على المحافظة، بس خالتك وجوزها واكلين عقله ومش عايزين يخلونا نأمن مستقبله ويرجع لحضن أبوه.”


أدار “مدحت” وجهه نحو أحمد، ورمقه بنظرة فاحصة من أسفل إلى أعلى، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة باردة. خطى خطوات بطيئة واثقة ونظر إلى زوجي محمود وقال بنبرة مليئة بالاستعلاء:


“أنا مدحت الشناوي.. وأظن الاسمي غني عن التعريف في الديرة هنا. أنا مقدر يا حاج محمود إنك ربيت وصرفت، والناس هنا ولاد أصول ومبينكروش الجميل، لكن إحنا بنتكلم في مستقبل ولد داخل كلية شرطة، يعني كشف هيئة، وتحريات عائلية، ووضع اجتماعي. الكلية دي مبتقبلش أي حد، والملف بتاع الولد لازم يكون نظيف والظهر بتاعه قوي.. وأنا ظهره.”


كان محمود يقف كالوتد، لم تهزه الكلمات الرنانة ولا النبرة المتعالية. ضغط على يد أحمد التي كانت على كتفه، ورد بصوت جهوري هز أرجاء الشقة:


“أهلاً يا مدحت بيه.. والأسماء الكبيرة بنحترمها لما تحترم بيوت الناس. الولد ده ظهره ربنا اللي حماه وهو حتة لحمة حمراء لما أبوه وأمه رموه. والملف النظيف اللي بتتكلم عنه، أحمد نظفه بأدبه وأخلاقه وبتفوقه اللي خلاه الأول على المحافظة كلها من غير ما حد فيكم يديله قلم أو يشتريله كتاب. اتفضل خدهم واخرج بره، مفيش ورق هيتمضي هنا، ومستقبل أحمد مش للبيع ولا للإيجار في سوق نفوذكم.”


تغيرت ملامح مدحت فجأة، واختفت الابتسامة الباردة لتحل محلها نظرة شرسة. التفت إلى “سيد” وقال له بحسم:


“جرى إيه يا سيد؟ أنت مش قايل لي إنك الأب الشرعي ومعاك شهادة الميلاد وكل الأوراق؟ اخلص وامضي الإقرارات وخد ابنك، أنا معنديش وقت أضيعه في البيوت دي، الناس مستنيانا في القاهرة عشان نخلص إجراءات التقديم والملف يتدبس فيه التوصية.”


تحمس سيد بكلام مدحت، وشعر أن وراءه ظهراً قوياً يحميه، فاندفع نحو أحمد وجذبه من ذراعه بقوة وقسوة وهو يزعق:


“امشي معايا يا واد! مفيش قعاد هنا تاني، أنت اسمك أحمد سيد.. يعني ابني أنا، والورق ده هيمشي غصب عن عين أي حد!”


لم يتحمل محمود هذا التطاول، فدفع يد سيد بقوة وعنف حتى تراجع سيد للخلف واصطدم بمراته الجديدة، وصرخ محمود:



“إيدك لتتكسر قبل ما تلمسه! الولد ده لو قربت منه تاني مش ه تخرج من هنا على رجليك!”


بدأت الأصوات تتعالى، وزوجة سيد الجديدة بدأت تصوت وتلم الجيران، وفاتن تصرخ وتقول: “خاطفين ابني.. عايزين يحرموني من ضنايا بعد السنين دي كلها!”


وفي وسط هذه الفوضى العارمة، تحرك أحمد. لم يكن خائفاً، بل كان يتأمل الوجوه بعينين ثاقبتين، وكأنه يدرس القضية بدقة. وقف بين محمود وسيد، ونظر إلى “مدحت بيه” مباشرة، وبصوت هادئ ومسموع قال:


“مدحت بيه.. حضرتك راجل واصل وبتفهم في القانون والتحريات، صح؟”


صمت الجميع فجأة لينصتوا إلى الولد. نظر إليه مدحت بفضول وقال: “طبعاً يا ابني، وعشان كده أنا جاي أخلصك من الوضع ده وأعمل منك ظابط بجد.”


ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة مليئة بالتحدي وقال:


“تمام.. يبقى أكيد حضرتك عارف إن من شروط القبول في كلية الشرطة هي (التحريات العائلية) لحد الدرجة الرابعة. وأكيد عارف إن التحريات دي مبتسألش بس عن الاسم اللي في البطاقة، دي بتنزل المنطقة وتسأل الجيران، والبحث الجنائي بيفحص السلوك والسيرة.”


التفت أحمد إلى أبوه “سيد” وقال:


“يا ترى يا سيد بيه، لما التحريات تنزل وتسأل عن الأب، ويلاقوا إن عليك قضايا تبديد نفقة قديماً، وإنك متهرب من رعاية ابنك من تمنتاشر سنة، والملف بتاعك فيه شكاوي ومحاضر إهمال.. تفتكر الكلية هتقبلني؟”


ثم التفت إلى أمه “فاتن” وقال وعيناه تلمعان بقسوة طال انتظارها:

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

“ولما يسألوا عن الأم، ويلاقوا إنها اتجوزت بعد طلاقها بشهرين ورمت ابنها، ومسألتش عنه، تفتكروا ده في صالح الملف؟”


اصفرّ وجه مدحت الشناوي، وبدأ ينظر إلى سيد وفاتن بنظرات شك وغضب. كمل أحمد كلامه وهو يوجه حديثه لمدحت:


“حضرتك جاي تستغل تفوقي وتعمل لنفسك وجاهة بيا، بس أحب أقولك إن دخولي للكلية بالاسم ده وبالسيرة دي هيكون أكبر نقطة سوداء في ملفي. أنا هدخل الكلية، بس بمجهودي، وباسم الراجل اللي رباني، الحاج محمود. ولو الاسم القانوني هيعطلني، أنا مستعد أدخل كلية حقوق وأبقى مستشار، وأول قضية هرفعها في حياتي هتبقى قضية (إنكار رعاية) وحجر عليكم عشان السنين اللي فاتت.”


تراجع مدحت خطوتين للخلف، ونظر إلى سيد بغل وقال: “أنت ضحكت عليا يا سيد؟ أنت قايل لي الولد معاك والملف نظيف ومفيش مشاكل! أنا مش هورط اسمي في قضايا ومحاضر وسيرة عائلية تبوظ مكاني!”


التفت مدحت ليخرج من الشقة، فجرت وراءه فاتن وهي تبكي: “يا مدحت بيه استنى بس، الولد ميعرفش حاجة وسيد هيتصرف!” لكن مدحت دفعها وخرج وقفل الباب وراه بقوة.



انقلب السحر على الساحر، ووجد سيد نفسه في موقف لا يحسد عليه. نظر إليّ وإلى محمود والحقد يملأ عينيه، وقال وهو يرفع إصبعه بالتهديد:


“ماشي.. افتكروا إنكم اللي بوظتوا البيعة، والورق بتاعه معايا، ومش هتشوفوا إمضتي على ورقة واحدة للكلية، وهحرق قلوبكم عليه وعلى مستقبله اللي ضاع!”


وقبل أن ينطق بأي كلمة أخرى، انفتح باب الشقة مرة ثانية، ولكن هذه المرة دخل منه شخص لم نكن نتوقعه أبداً، ومعه أوراق رسمية مختومة…


## الجزء الخامس: خيوط اللعبة المنفرطة


تسمرت الأبصار كلها نحو الباب. دخل رجل في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي جلباباً صعيدياً فاخراً ينم عن هيبة وأصل، وتظهر على ملامحه الصرامة الشديدة التي ميزت عائلتنا القديمة. لم يكن هذا الشخص غريباً؛ إنه عمي “الحاج عبد الحميد”، كبير العائلة الذي قاطع “سيد” منذ سنوات طويلة بسبب سوء سلوكه وطمعه.


كان يحمل في يده حقيبة جلدية قديمة، ونظر إلى “سيد” بنظرة جعلت الأخير يتراجع خطوتين للخلف وكأنه رأى شبحاً. قال الحاج عبد الحميد بصوت رخيم زلزل أركان الصالة:


“أنت لسه بتعرف تهدد وتفجر في الخصومة يا سيد؟ السنين مغيرتكش، ولسه بتجري ورا القرش والوجاهة حتى لو على حساب لحمك ودمك؟”


التفتت “فاتن” وهي تحاول أن تجد مخرجاً بعدما انفض من حولها زوجها “مدحت الشناوي”، وقالت بتلعثم:


“يا حاج عبد الحميد.. إحنا ملناش طمع، إحنا بس عايزين مصلحة الواد، وأبوه أولى بيه في الأيام المفترجة دي عشان يقدم له في الكلية.”


ضرب الحاج عبد الحميد بعصاه الخشبية على الأرض بقوة وقال:


“اخرسي يا حرمة! مصلحة الواد عرفتوها دلوقتي؟ فين كانت المصلحة دي لما رميتيه هنا ورحتي اتجوزتي في أقل من شهرين؟ وفين كانت المصلحة لما أبوه قفل تليفونه وقاله مش عاوزه ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني؟”


التفت عمي نحو أحمد، وارتخت ملامحه الصارمة لتتحول إلى نظرة فخر واعتزاز. تقدم نحو أحمد وضمه إلى صدره بقوة وقال:


“مبروك يا ولد الغالي.. رفعت راسي وراس العيلة كلها بتفوقك. طالع الأول على المحافظة والبلد كلها بتتكلم عنك، وأنا قاعد في الصعيد وراسي في السماء بسببك وبسبب التربية النظيفة اللي ربتهالك عمتك وجوزها الحاج محمود.”


نظر سيد إلى عمي وقال بحقد مكتوم:


“يا حاج عبد الحميد، الأصول أصول، وأنا الأب الشرعي، والورق والملف مش هيمشي من غير إمضتي والقرار إقراري، ومفيش قوة على الأرض هتمشي الإجراءات من غيري، يعني مستقبله في إيدي أنا!”


ابتسم الحاج عبد الحميد ابتسامة ساخرة، وفتح الحقيبة الجلدية التي في يده وأخرج منها رزمة من الأوراق الرسمية المختومة بنسر الجمهورية، وقال وهو يلوح بها في وجه سيد:



“أنت فاكرنا كنا نايمين على ودانا يا سيد؟ من تمنتاشر سنة، لما عمت الواد كلمتني وقالت لي على اللي حصل، وأنا عارف إنك راجل مش مسئول وممكن تبيع ابنك في أي لحظة. فاكر المحضر القديم اللي اتعمل؟ فاكر شهادة الشهود؟”


تقدم عمي خطوة ونظر في عيني سيد مباشرة وكمل كلامه:


“دي أوراق رسمية وقرار من المحكمة من سنين طويلة بولاية تعليمية ووصاية كاملة للحاج محمود وعمت الواد، بسبب إهمال الأب الشرعي وامتناعه عن الإنفاق وتعريض حياة طفل للخطر. يعني قانوناً وشرعاً، أنت مالكش أي صفة ولا كلمة على الولد ده من يوم ما اتولد. الحاج محمود هو الولي الشرعي عليه بأمر القانون، وإمضتك مالهاش تلاتين لزمة في ملف الكلية!”


سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس سيد وفاتن. تراجعت زوجة سيد الجديدة وهي تنظر إليه بغيظ شديد، بعدما أدركت أن الخطة التي رسمتها لركوب موجة نفوذ أحمد وضعت تماماً.


أحمد نظر إلى الأوراق، ثم نظر إلى عمي وقال بنبرة ممتنة:


“يعني يا عمي.. أنا هقدر أقدم باسم بابا محمود وعمتي من غير ما حد فيهم يلوي ذراعي؟”


رد عمي بحسم:


“طبعاً يا ابني. ملفك جاهز، وتحرياتك العائلية نظيفة زي الفل، لأن العيلة كلها هتقف في ظهرك، وسيد وفاتن متشالين من حساباتنا ومن ورقنا من زمان، والكلية هتعرف إنك ابن راجل محترم ربى وصان، مش راجل رمى وباع.”


هنا صرخت فاتن بنبرة حاقدة وهي تتوجه نحو الباب:


“ماشي يا أحمد.. بكره الأيام تدور وتعرف مين أمك ومين اللي تهمها مصلحتك، والكلية دي مش هتدخلها وافتكر كلامي!” وخرجت تجر أذيال الخيبة وراءها.


لحق بها سيد وزوجته الجديدة وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة، والغل يأكله من الداخل لأن كل أطماعه في النفوذ والمال والوجاهة تكسرت على صخرة الحق والترتيبات القديمة التي لم يكن يحسب لها حساباً.


أُغلق الباب، وتنفسنا الصعداء جميعاً. ارتمى أحمد في حضني وهو يبكي بحرقة، وضمتنا دموع الفرحة بعد كابوس كاد أن يدمر كل ما بنيناه في سنوات. نظر محمود إلى عمي وشكره من كل قلبه.


لكن، وقبل أن تكتمل الفرحة، وبينما كنا نجهز الأوراق للذهاب في اليوم التالي لتقديم الملف في مكتب التنسيق، رن تليفون محمود.. كان المتصل رقماً غريباً، وصوت الطرف الآخر كان يحمل نبرة تهديد من نوع آخر، جعلت وجه محمود يتغير تماماً، ويمسك بجريدة الصباح بيد ترتعش…


 



تحول وجه محمود إلى شاحب كالموت، وارتجفت يده التي يمسك بها الهاتف، بينما كانت عيناه مثبتتين على أحمد وعمي الحاج عبد الحميد. ساد الصمت في الصالة مجدداً، ولم نكن نسمع سوى الأنفاس المتلاحقة.


أغلق محمود الهاتف ببطء، ونظر إليّ بنظرة مكسورة، ثم قال بصوت متحشرج:


“سيد وفاتن مش ناويين يجيبوها لبر.. بعتوا ناس يهددوا بفضايح، وبيقولوا إنهم بعتوا شكاوى رسمية لـمكتب تنسيق كليات الشرطة والجهة المختصة بالتحريات.”


وقف عمي الحاج عبد الحميد وضغط بعصاه على الأرض وقال بغضب:


“شكاوى بإيه يا محمود؟ ورقنا سليم والولا طالع الأول، والقانون معانا!”


رد محمود والهم يملأ وجهه:


“بالمشاحنات العائلية يا حاج.. كاتبين في الشكاوى الكيدية إن الولد عايش في بيئة غير مستقرة، وإن فيه نزاع قضائي وأسري على نسبه ورعايته، وإن أبوه وأمه بيطالبوا بيه وهو رافضهم. أنت عارف كشوف الهيئة والتحريات في الكلية دي بالذات.. مبيرضوش يدخلوا نفسهم في متاهات، وأي شبهة أو شوشرة عائلية، حتى لو كدب، ممكن تخلي الملف يتأرشف والولد يستبعد من البداية عشان يتجنبوا وجع الدماغ!”


سقطت الكلمات علينا كالمطر الثلجي. أحمد، الذي كان يملأه الحماس، انطفأت عيناه فجأة وجلس على أقرب مقعد، يضع رأسه بين يديه. كل طموحه، وتعبه طوال السنين الماضية، وسهره ليكون الأول على المحافظة، كان مهدداً بالضياع بسبب حقد شخصين لم يقدما له في حياته سوى الخذلان.


قعدت جنب أحمد، أخذته في حضني وبكيت:


“حرام عليهم.. عايزين يموتوه وهو حي؟ تمنتاشر سنة رامينا ومسألوش، ودلوقتي لما جه يفرح ويشيل راسنا، عايزين يكسروا ضهره؟”


هنا وقف أحمد فجأة. اختفت دموعه وحلت محلها نظرة غريبة، نظرة رجل وضعته الظروف في فوهة المدفع فقرر ألا يموت مستسلماً. نظر إلى محمود وإلى عمي وقال بقوة:


“محدش هيكسرني.. ولا هما ولا شكاويهم. الكلية دي أنا هدخلها، مش بس عشان حلمي، عشان أثبت ليهم وللدنيا كلها إن ابن الأصول اللي اتربى صح بيكسب في الآخر. يا عمي.. الورق والوصاية القانونية اللي معاك تطلع فوراً، وإحنا مش هنستنى التحريات تجيلنا، إحنا اللي هنروح ليهم.”


التفت عمي إليه بفضول: “قصدك إيه يا ولد؟”


أحمد رد بثقة:


“إحنا هناخد ملف التفوق بتاعي، مع ورق الوصاية وأحكام المحكمة القديمة اللي بتثبت إهمالهم وتخلي الحاج محمود هو ولي أمري، وهنطلب مقابلة سيادة اللواء مدير مكتب القبول والتنسيق شخصياً أو نقدم التماس مسبق. هنحط الحقيقة كاملة على الترابيزة قبل ما هما يلوثوا اسمي بشكاويهم الكدابة. الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع.”


لم نضيع دقيقة واحدة. في الصباح الباكر، ارتدى أحمد بدلة أنيقة، وأخذ عمي حقيبته الجلدية، وتحركوا جميعاً برفقة محمود نحو مقر التقديم بالقاهرة، وكأنهم داخلون إلى معركة حياة أو موت.


بقيت في البيت أدعو الله بقلب ينفطر، أصلي وأبكي وأتوسل أن ينصر الله هذا اليتيم الذي قست عليه الدنيا.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

مرت الساعات كأنها سنين، حتى حان وقت العصر. انفتح باب الشقة ودخل أحمد ومحمود وعمي.. لكن وجوههم لم تكن تبشر بخير كاملاً. كان هناك وجوم غريب.


ركضت نحو محمود: “طمنوني؟ إيه اللي حصل؟”


تنهد محمود وجلس بتعب، وقال:


“قدمنا الالتماس يا بنت الناس، وقابلنا المستشار القانوني هناك وعرضنا عليه أوراق الوصاية وإهمال الأب الشرعي، والراجل تفهم جداً وانبهر بمجموع أحمد وتفوقه.. بس..”


سكت محمود، فصرخت بخوف: “بس إيه يا محمود؟ وقعت قلبي!”


أكمل عمي الحاج عبد الحميد بلهجة حذرة:


“المستشار قالنا إن الشكاوى الكيدية وصلت فعلاً، وإن مدحت الشناوي، جوز فاتن، مستغل معارفه وبيحاول يضغط عشان الملف يقف في كشف الهيئة تصفية حسابات.. وقالنا إن القرار النهائي هيكون بناءً على (تحريات سرية خاصة) هتنزل المنطقة عندنا في السر خلال 48 ساعة عشان تتأكد من سلوك أحمد وسلوك العيلة، ومن كلام الجيران. لو التحريات كتبت تقرير سلبي واحد بسبب كلام سيد وفاتن وشوشرتهم.. الحلم هيتهي تماماً.”


وفي تلك اللحظة بالذات، وأنا أستوعب كلام عمي، سمعنا صوت صراخ عالي وخناقة حامية جداً جاية من الشارع تحت البيت.. بصينا من البلكونة، ولقينا سيد ومراته وفاتن واقفين في وسط الشارع، بيلموا الناس ويصرخوا بأعلى صوتهم بكلام يشيب له الولدان عن أحمد وعننا…


حكايات رومانى مكرم 

## الجزء الثامن: زلزال الحقيقة والمواجهة الأخيرة


انقبض قلبي وأنا أنظر من شرفة المنزل؛ كان الشارع قد امتلأ بالجيران الذين خرجوا على صوت الصراخ. تقف “فاتن” في المنتصف تولول وتدعي أننا سرقنا ابنها وحرمناها من رؤيته، وبجوارها “سيد” يصرخ بأعلى صوته مستعرضاً قوته ويهدد بفضحنا أمام المنطقة بأكملها، ظناً منهما أن هذا الضغط والتشهير سيكسر كبرياءنا ويجبرنا على التنازل عن أحمد ليعود إليهما كـ “كارت نفوذ” يتقربون به لمدحت الشناوي.


الخطة كانت واضحة؛ يريدون تشويه سمعة البيت قبل وصول “التحريات السرية” التي أبلغنا عنها المستشار القانوني، حتى إذا سأل أي ضابط تحريات في المنطقة، يجد سيرة مليئة بالمشاكل والفضائح فيستبعد أحمد فوراً.



التفتُّ إلى أحمد، رأيت عينيه تشتعلان ببريق غريب، لم يكن خوفاً، بل كان غضب رجل طفح به الكيل. نظر إليّ وقال بصوت حاسم:


“لحد هنا وكفاية يا ماما.. السكوت على الأشكال دي بيخليهم يفتكروا إننا ضعاف. هما عايزين الشارع والناس؟ خلّي الناس كلها تسمع.”


نزلتُ ونزل خلفي زوجي محمود وعمي الحاج عبد الحميد، وبينهما أحمد الذي كان يسير بخطوات تشبه خطوات القائد في أرض المعركة. بمجرد خروجنا، تعالت أصوات سيد وفاتن، وبدأت فاتن تصرخ: “أهو.. أهو الواد اللي حرموني منه، تمنتاشر سنة عيشتوني في عذاب واليوم اللي ابني يكبر فيه عايزين تخبوه عني!”


في هذه اللحظة، لم يتكلم محمود، ولم يتكلم عمي.. بل تقدم أحمد ووقف في مواجهتها مباشرة. ساد الصمت فجأة بين الجيران الذين كانوا يترقبون الموقف.


نظر أحمد إلى فاتن ببرود وقال بصوت جهوري مسموع لكل أطراف الشارع:


“أنتِ بتتكلمي عن تمنتاشر سنة عذاب؟ طب تصدقي بالله.. أنا أول مرة في حياتي أعرف إنك عايشة أصلاً من كام يوم! تمنتاشر سنة وأنا مكنتش أعرف غير الست الطاهرة دي اللي واقفة ورايا إنها أمي. أنتِ مش جيتي رميتيني هنا وأنا حتة لحمة حمراء عشان تتجوزي؟”


ثم التفت إلى أبيه “سيد” وقال بأعلى صوته:


“وأنت يا سيد بيه.. مش لما عمتي كلمتك زمان وقالتلك ابنك على عتبة بيتي، قلتلها رّبيه أنا مش عاوزه ومش فايق؟ ولما اتجوزت ومرأتك الجديدة رفضتني، صرخت في التليفون وقلت مش هينفع آخده ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني؟”


بدأ التلعثم يظهر على وجه سيد وفاتن، وتراجعوا خطوة للخلف وسط همسات الاستنكار التي بدأت تتعالى من الجيران. كمل أحمد وهو يرفع أوراق الوصاية والحكم القضائي القديم التي أعطاها له عمي:


“المنطقة هنا كلها عارفة مين محمود ومين عمتي. وعارفين إنك مدفعتش قرش واحد في تربيتي. الأوراق دي أحكام محكمة من سنين طويلة بتثبت إهمالكم ورفع الولاية عنكم. أنتوا جايين دلوقتي تعملوا شو في الشارع عشان تطلعوا تقرير تحريات وحش يضيع مستقبلي؟”


هنا، خرج رجل مسن من وسط الجيران، وهو أحد كبار المنطقة الذين عاصروا القصة من بدايتها، وقال بصوت عالٍ موجه كلامه لسيد وفاتن:


“امشوا من هنا يا ناس يا معندهاش ريحة الدم! إحنا كلنا شهود في المنطقة دي إن الواد ده متربي من عرق وشقى الحاج محمود، وعمته صانته كأنه حتة من قلبها.. أنتوا ملكمش مكان وسطنا، والكلية دي هيدخلها غصب عن عينيكم لأن ربنا مبيضيعش حق حد.”


تعالت صيحات التأييد من الجيران، وتحول الموقف الساحر على الساحر؛ فبدلاً من أن يشوهوا سمعتنا، انقلب الشارع بأكمله ضدهم بالشتائم والاستنكار. ولم يجد سيد وفاتن وزوجته الجديدة مفراً سوى الجري وراء سيارتهم والهروب من المنطقة يجرون أذيال الخزي والعار، بعد أن فُضح أمرهم أمام الجميع وتوثقت شهادة أهل المنطقة الأوفياء.



بعد يومين، نزلت التحريات السرية بالفعل إلى المنطقة، ولم يسألوا أحداً من الجيران إلا وقال كلمة حق في حق أحمد وعائلتنا، وأشادوا بأخلاقه وتفوقه، موضحين للجهات الرسمية أن الشكاوى المقدمة ما هي إلا كيد حاقدين.


### الحكمة من القصة:


> **”إن البذر الطيّب لا ينبت إلا ثمرًا طيّبًا، مهما حاولت الأيدي العابثة إفساد التربة. الأبوة والأمومة ليستا مجرد حبر على ورق شهادة الميلاد، ولا صلة دم تُستدعى وقت المصلحة والوجاهة، بل هما تضحية، ورعاية، وسهر، وأمان يُبنى في القلوب. من يزرع بالحب والشقاء والأصول، يحصد في النهاية سنداً وفخراً يرفع رأسه أمام الدنيا، ومن يرمي نعمته زاهداً فيها، لن يجني سوى الخيبة والندم عندما يرى غيره يقطف ثمار ما استهتر به. الحق قد ينام، لكنه لا يموت، والعدل الإلهي دائماً ينتصر لأولاد الأصول.”**


>


## الجزء التاسع والأخير: حصاد الأصول والبدلة الميري


مرت الأيام الثقيلة بعد المواجهة الكبرى في الشارع وكأنها دهور، كنا نعيش في ترقب، نضع أيدينا على قلوبنا مع كل دقة جرس أو رنة هاتف. لكن شهادة الحق التي نطق بها أهل المنطقة أمام رجال التحريات كانت هي القول الفصل.


بعد أسبوعين من القلق، رن هاتف أحمد. كان واقفاً في الصالة، وبمجرد أن رد، رأيت جسده يتصلب، وعيناه تتسع بالدموع. أغلق الهاتف، ونظر إليّ والى محمود الذي كان يحبس أنفاسه، ثم صرخ بأعلى صوته:


“قبلوني يا ماما!.. النتيجة ظهرت والملف اتقبل، أنا داخل الكلية!”


في تلك اللحظة، انطلقت الزغاريد من قلبي قبل حنجرتي، ارتمى أحمد في حضن محمود الذي بكى لأول مرة دموعاً غزيرة، دموع الرجل الذي كلل الله تعبه وشقاء عمره بأجمل مكافأة. دخل عمي الحاج عبد الحميد ووزع الشربات على المنطقة كلها، واحتفل الشارع بأكمله بابن الأصول الذي رفع رأسهم جميعاً.


دارت الأيام، ودخل أحمد عرين الأبطال. مرت سنوات الدراسة الصعبة، ولم نره فيها إلا في الإجازات، وفي كل مرة كان يأتي إلينا، كان يزداد هيبة ورجولة، وعيناه تفيضان بالامتنان. أما “سيد” و”فاتن”، فقد انقطعت أخبارهم تماماً، واختفوا من حياتنا كأنهم لم يكونوا، بعد أن علموا أن نفوذ “مدحت الشناوي” تراجع ولم يعد قادراً على مواجهة الحق والورق الرسمي، وخسروا ابنهم وخسروا أنفسهم للابد.


والآن.. جاء اليوم المنتظر.


يوم حفل التخرج في أكاديمية الشرطة.


كنا نجلس في المدرجات؛ أنا ومحمود وعمي الحاج عبد الحميد. الموسيقى العسكرية تملأ الأجواء، وهتافات الخريجين تهز الأرض. وفجأة، بدأ طابور العرض العسكري، وظهر أحمد.. ببدلته الميري النظيفة، وخطواته الثابتة الواثقة، وقبعته التي تلامس السماء بفخر.



بمجرد أن انتهت مراسم التخرج، جرى أحمد وسط الحشود يبحث عنا، وعيناه تدوران بلهفة. لم يتجه لأي مكان سوى إلينا. وقف أمامي وأمام محمود، ورفع يده بالتحية العسكرية الرسمية، وعيناه تلمعان بالدموع، ثم قال بصوت هز قلوبنا:


“تمام يا فندم.. الملازم أول أحمد محمود.. جاهز لخدمة الوطن، وجاهز أرد جزء من جميلكم يا أغلى ما في حياتي.”


انحنى أحمد، ولم يقبل يدنا فقط، بل انحنى وقبل حذاء محمود وحذائي أمام جميع الحاضرين، غير آبه برتبته ولا ببدلته، ليثبت للدين كلها من هما أبوه وأمه الحقيقيين. وضمه محمود إلى صدره وبكى، وضممته أنا وكأنني أضم الدنيا بأكملها. في تلك اللحظة، نظرت إلى السماء وشكرت ربنا.. القنبلة التي رميت في حضني منذ تمنتاشر سنة ولم أكن أعلم هل ستق*تلني أم تحييني، كانت هي الجنة التي كافأني الله بها في الدنيا.


### الحكمة من القصة:


> **”الدم يصنع القرابة.. لكن الموقف والتربية هما من يصنعان الأهل. الأبوة ليست مجرد نطفة، والأمومة ليست مجرد حمل وولادة؛ إنما الأب هو من شقى وصان وحمى، والأم هي من ضمت وسهرت وربت على الأصول. من يزرع في الخفاء بالحب والتضحية، يحصد في العلن بالبر والفخر والرفعة، ومن يظن أن الأبناء قسائم شراء يُطالب بها وقت الحاجة والمصلحة، سيستيقظ يوماً ليجد نفسه وحيداً بلا سند ولا سيرة. اتقوا الله في أماناتكم، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأولاد الأصول يظلون دائماً لأصولهم أوفياء.”**


تعليقات

التنقل السريع
    close