هبه
هبه
انت مش خايف مراتك تمشى وتسيبك بعد كل اللى بتعمله فيها ده
ـ لا مراتى ماتقدرش تعيش يوم واحد من غيرى
مراتى دى عابده عندى وعند عيالى من مراتى الاولى انا اتجوزتها عشان اغيظ منال واخليها ترجعلى تانى
ـ وانت طلقت ريهام ليه
ـ عشان تعبت من مسئوليه البيت والولاد وانا خلاص ريحتها من مسئوليتهم وجبتلها خدامه بدون أجر تغسلهم وتذاكرلهم وتعمل كل حاجه ومنال تيجى تزورهم وقت ما مزاجها يجلها
ـ طيب انت علاقتك بمنال ايه حصرى فقط لصفحه قصص وروايات أمانى سيد
ـ ردتها تانى لعصمتى عند مأذون بس فاضل اعملها فرح هى شارطه كده عايزه تعيش حياتها كأنها عروسه وتعمل شهر عسل من اول وجديد
ـ طيب ومراتك هتعمل معاها ايه
ـ ولا حاجه هتفضل تربى الاولاد وانا كل شهر هبعتلها المصاريف بتاعتها وكده كده انا اصلا مسافر وهاخد منال معايا ونعيش حياتنا بجد وانا أصلا مش عايز عيال تانى انا معايا ولد وبنت من منال وخلاص إنما هبه خلاص كفايه عليها انى اتجوزتها ومبقاش اسمها عانس زى ماكانت بتتعاير وهى هتخاف تتطلق أصلا عشان ماحدش يعايرها تانى بكلمه مطلقه بعد عانس
عشان كده بقولك انا مش خايف من حاجه
دى لما يتيجى تكملنى فى خلفه بقولها سنك كبر حمل وخلفه ايه مش هتستحملى سيبى الحمل والولاده لبنات سنهم اصغر وغير كده عايزه تخلفى وتهملى فى عيالى لأ انسى انتى دورك دلوقتي كله مع عيالى ربيهم واعتبريهم ولادك وهما كمان هيحبوكى
كل مره ارميلها الكلمتين دول تسكت وماتفتحش بوقها
انا اللى بعتبرها مراتى بجد هى منال وهى فعلاً اللى تستاهل الدلع كله
ـ وهتقول لهبه انك رجعتها لعصمتك
ـ طبعاً هفجأها بعد الفرح وانا داخل عليها شايل منال امال انا متجوزها ليه مش عشان تخدمهم وتخدم منال
ـ ومنال هتوافق تعيش معاها
ـ دى رغبه منال أصلا عشان تتأكد ان علاقتى بهبه زى ما انا بحكلها مجرد مربيه
ـ وافرض هبه اتكلمت واعترضت
ـ هقولها انتى عايزة تحرمى العيال من امهم وماتنسيش انك زوجه تانيه وكنتى عارفه انى مطلق ورضيتى بالوضع والمطلق ممكن فى أى لحظة يرجع لطليقته
حصرى فقط لصفحه قصص وروايات أمانى سيد
هز صاحبه راسه وهو باصص له بعدم تصديق وقال:ـ انت بجد شايف إن كل ده عادي؟ضحك وهو بيعدل قعدته وقال بثقة:
ـ عادي ليه؟ ده حقى. أنا اللى بصرف وأنا اللى بقرر.وفجأة رن تليفونه.
بص للشاشة وابتسم ابتسامة واسعة.
ـ أهو منال.
رد بسرعة:
ـ يا حبيبتى… وحشتينى.
وفضل يتكلم معاها بصوت كله دلع واهتمام، عكس طريقته تمامًا مع هبه.
وبعد ما قفل، قال:
ـ شوفت؟ دى الست اللى بحبها بجد.
لكن اللى ماكنش يعرفه إن هبه كانت واقفة برا الأوضة.
كانت جاية تدور عليه عشان تسأله فى حاجة تخص الأولاد.
لكن رجليها اتجمدت لما سمعت كل كلمة.
سمعت إنه عمره ما اعتبرها زوجة.
وسمعت إنه ناوى يرجع منال ويعيش معاها.
وسمعت إنه شايفها مجرد مربية لأولاده.
وقفت مكانها للحظات طويلة.
لا عياط.
لا صريخ.
ولا حتى دمعة.
بس حاجة جواها كانت بتتكسر للمرة الأخيرة.
رجعت أوضتها بهدوء وقفلت الباب وراها.
فتحت الدولاب.
وبدأت تنزل هدومها واحدة واحدة.
وبعدين طلعت ملف كانت مخبياه من سنين.
شهاداتها.
أوراق شغل قديمة.
وصور ليها قبل الجواز.
بصتلهم وابتسمت لأول مرة من شهور.
وقالت لنفسها بصوت واطى:
ـ يمكن كنت فاكرة إنى مقدرش أعيش من غيرك… بس الظاهر إنى كنت عايشة من غير نفسى أصلاً.
وفى نفس الليلة…
بينما هو قاعد يحلم بفرحه الجديد مع منال…
كانت هبه بتكتب أول سطر فى بداية حياة مختلفة تمامًا…
عدى أسبوعين…
وهبه ما اتكلمتش.
ولا واجهته.
ولا حتى سألته عن أى حاجة سمعتها.
كانت بتتعامل عادى جدًا لدرجة إنه افتكر إنها فعلاً مكسورة ومش شايفة غيره.
لكن الحقيقة إنها كانت مستنية.
مستنية اللحظة اللى منال تدخل فيها البيت.
مستنية تشوف بعينها الست اللى باعت عمرها كله عشانها.
وفى يوم…
رجع البيت وهو مبتسم بشكل غريب.
أول ما دخل قال:
ـ جهزى نفسك… عندنا ضيوف النهاردة.
بصتله بهدوء وقالت:
ـ مين؟
ابتسم بثقة وقال:
ـ هتعرفى بنفسك.
وبعد ساعتين…
وقف قدام البيت عربية فخمة.
ونزلت منها منال.
لابسة لبس غالى ومهتمة بنفسها بشكل ملفت.
أول ما دخلت البيت جريت البنت الصغيرة عليها:
ـ مامااااا.
حضنتها منال بسرعة.
أما الولد فكان واقف بعيد.
واضح إنه مش متعود عليها زى أخته.
وهبه كانت واقفة تراقب فى صمت.
وفجأة سمعت منال وهى بتقول:
ـ البيت ريحته أكل… مين طبخ؟
رد عليها وهو بيشاور على هبه:
ـ هبه.
منال رفعت حاجبها وقالت:
ـ كويس… على الأقل فى حد بيعمل حاجة عدلة هنا.
واتجهت ناحية السفرة.
قعدت تاكل بدون حتى ما تشكرها.
أما هو…
فكان بيضحك وبيهزر وكأنه بيحاول يثبت لمنال إنها الملكة المتوجة للمكان.
وهبه كانت بتراقب.
وفى كل دقيقة…
كانت كراهيتها ليه بتزيد.مش بسبب منال.
لكن بسببه هو.
لأنها لأول مرة تشوفه من الخارج.
تشوف قد إيه بيتذلل لواحدة سايباه سنين.
وقد إيه بيتجبر على واحدة واقفة جنبه كل يوم.
وفى الليل…
سمعته وهو بيقول لمنال:
ـ عاجبك الوضع؟
ضحكت منال وقالت:
ـ بصراحة أكتر مما توقعت.
ـ مش قولتلك؟ هبه عمرها ما هتعترض.
ـ يمكن عشان مش عارفة قيمتها.
ـ ولا تقدر تعيش من غيرى.
من أول يوم…
منال بدأت تتعامل وكأن البيت بيتها.
وكأن هبه مجرد واحدة شغالة عندها.
كانت تصحى متأخر.
تلاقى الفطار جاهز.
والبيت متروق.
والأولاد لابسين ونازلين مدارسهم.
فتقعد على الكرسى وتقول وهى بترشف قهوتها:
ـ هو مفيش حد علمك تحطى السكر أقل من كده؟
فترد هبه بهدوء:
ـ حاضر.
وفى يوم تانى…
دخلت أوضة النوم الرئيسية بدون استئذان.
وبدأت تفتح الدولاب.
طلعت فستان جديد كانت هبه لسه شاريته.
وقالت وهى بتبص لنفسها فى المراية:
ـ حلو ده… شكلى هاخده.
ردت هبه بهدوء:
ـ ده بتاعى.
ضحكت منال.
ـ ما إحنا أهل برضه.
وأخدته كأن الموضوع منتهى.
أما هو…
فكان واقف يتفرج.
ولا قال كلمة.
بالعكس.
ضحك وقال:
ـ ما تكبريش الموضوع يا هبه.
ومن يومها…
منال اتأكدت إن مفيش حد هيوقفها.
وبدأ الغرور يركبها أكتر.
بقت تطلب أكل معين فى نص الليل.
وتبعت هبه تجيبه.
وتطلب منها تكوى هدومها.
وتجهزلها شنط الخروج.
وأحيانًا قدام الناس تقول:
ـ هبه! هاتى العصير.
أو:
ـ هبه! شوفيلى الولد بيعيط ليه.
كأنها فعلاً خدامة فى البيت.
وكل مرة…
كان جوا هبه حاجة بتبرد.
مش بتتحرق.
بتبرد.
لأنها بطلت تزعل.
وبطلت تستنى منه موقف.
وبطلت حتى تستغرب.
وفى ليلة…
كانوا قاعدين كلهم على السفرة.
ومنال بتتكلم عن السفر والشوبنج والفنادق.
وفجأة قالت وهى بتبص لهبه:
ـ بجد أنا مطمنة على العيال طول ما انتى موجودة.
وبعدين ضحكت وأضافت:
ـ أصل كل واحد ربنا خلقه لدور.
فى واحدة للحب والدلع.
وفى واحدة للشقى والتربية.
وأنا بصراحة ما بحبش وجع الدماغ.
سكتت السفرة كلها.
والكل بص لهبه.
مستنين رد فعلها.
لكن هبه ابتسمت لأول مرة.
ابتسامة هادية غريبة.
وقالت:
ـ عندك حق.
استغربت منال.
وقالت:
ـ أخيرًا فهمتى.
ردت هبه وهى بتكمل أكلها:
ـ فعلًا كل واحد ربنا خلقه لدور.
فى ناس تبنى.
وناس تستهلك اللى غيرها بناه.
وفى ناس تضحى.
وناس تعيش على تضحيات غيرها.
وفى الآخر الأيام هى اللى بتعرف كل واحد قيمته الحقيقية.
اختفت ابتسامة منال للحظة.
أما هو…
فحس لأول مرة إن فى حاجة اتغيرت.
حاجة مش قادر يفهمها.
لأن هبه اللى كانت زمان بتعيط وتترجاه وتخاف من زعله…
بدأت تبقى هادئة بشكل مخيف.
والهدوء ده…
كان أول حاجة تخوف فعلًا.
مرت شهور وهبه على نفس الحال. لا خناقات، ولا اعتراضات، ولا حتى نظرة عتاب. كانت بتصحى قبل الكل، تجهز الفطار، تتابع الأولاد، ترتب البيت، وتعمل كل حاجة كأنها مقتنعة بالدور اللى حطوهولها. لدرجة إن منال بدأت تعتبر وجودها أمر مسلم بيه، وبقت تتعامل على أساس إنها صاحبة البيت الفعلية، بينما هبه مجرد شخص موجود عشان يريحها.
لكن اللى محدش كان يعرفه إن هبه كانت بتحسب كل خطوة بهدوء. كانت عارفة إن اللحظة اللى هتمشى فيها لازم تكون محسوبة كويس. لا بعصبية ولا بانفعال، لكن بطريقة تخليهم لأول مرة يحسوا بحجم الفراغ اللى كانت ماليّاه.
وفى يوم، خرجت من البيت كعادتها الصبح. محدش استغرب. منال كانت نايمة، وهو كان مشغول فى شغله، والأولاد فى مدارسهم. لكن المرة دى هبه ما كانتش رايحة تشترى حاجات للبيت ولا تخلص مشوار. كانت رايحة تبدأ أول خطوة فى طريق جديد.
قدمت دعوى طلاق للضرر بعد ما جمعت كل اللى تقدر عليه من إثباتات وشهود على المعاملة اللى عاشتها. وبعد ما خلصت، رجعت البيت بشكل طبيعى جدًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
أيام قليلة، ووصلته أول ورقة رسمية.
كان قاعد مع منال وقتها، وما إن فتح الظرف حتى اختفت ابتسامته فجأة.
ـ إيه ده؟
سألته منال باستغراب.
فضل يقرأ الورقة مرة واتنين وتلاتة كأنه مش مستوعب.
ـ مستحيل… هبه رافعة قضية طلاق؟
ضحكت منال فى الأول على أساس إنه بيهزر.
لكن لما شافت وشه شاحب بالشكل ده، خطفت الورقة من إيده وقرتها.
ولأول مرة، الاتنين سكتوا.
رجع البيت يجرى وهو متوقع يلاقى هبه قاعدة فى مكانها زى كل يوم.
لكن لما دخل، اكتشف إن أوضتها فاضية.
الدولاب نصه خالى.
وحاجات كتير اختفت.
وقف فى نص الأوضة وهو مش مستوعب.
أما الصدمة الحقيقية فجت بعدها بساعات.
لما رجع الأولاد من المدرسة.
البنت دخلت تسأل:
ـ فين طنط هبه؟
والولد قال:
ـ هى مش قالت إنها هتراجع لى الامتحان النهاردة؟
بص لبعضهم فى حيرة.
لأن أول مرة يكتشفوا إنهم حتى مش عارفين يعملوا أبسط تفاصيل يومهم من غيرها.
وفى اليوم التانى، اتأخروا عن المدرسة.
واليوم اللى بعده، نسوا واجباتهم.
وبعد أسبوع واحد بس، البيت اللى كانوا فاكرين إنه ماشى لوحده بدأ يتقلب رأسًا على عقب.
وساعتها فقط…
بدأوا يفهموا إن الشخص اللى كانوا بيعتبرونه أقل واحد فى البيت، كان فى الحقيقة العمود اللى شايل البيت كله.
فى البداية حاول قدام منال يتظاهر إن الموضوع بسيط. كان بيقول بثقة إن هبه هترجع لوحدها بعد يومين تلاتة، وإنها بتضغط عليه مش أكتر. لكن الأيام كانت بتمشى وهبه لا اتصلت ولا سألت ولا حتى بعتت رسالة.
ومع كل يوم كان التوتر بيزيد فى البيت.
منال اللى كانت متخيلة إنها داخلة تعيش ملكة، اكتشفت فجأة إن مفيش حد بيصحى يحضر الفطار، ومفيش حد بيرتب البيت، ومفيش حد بيجرى ورا الأولاد.
فى أول أسبوع حاولوا يعتمدوا على نفسهم.
فى تانى أسبوع بدأت الخناقات.
كل يوم الصبح صوتهم يعلى بسبب حاجة جديدة.
مرة الولد نسى كتابه.
ومرة البنت اتأخرت على المدرسة.
ومرة المدرسين اشتكوا من تراجع مستوى الأولاد.
ومرة البيت كله اتقلب فوق دماغهم لأن مفيش حد منظم أى حاجة.
وفى يوم من الأيام رجع من بره متوتر بشكل واضح.
أول ما دخل قالتله منال:
ـ مالك؟
رمى المفاتيح على الترابيزة بعصبية وقال:
ـ الشغل جابوا غيرى.
ـ يعنى إيه؟
ـ يعنى زى ما بقولك. أنا لما قدمت استقالتى عشان السفر وافقوا عليها وجابوا واحد مكانى. النهاردة كلمتهم عشان أرجع قالولى الوظيفة اتملت خلاص.
سكتت منال ثوانى وهى بتحاول تستوعب.
ـ طب والسفر؟
ضحك ضحكة كلها قهر.
ـ سفر إيه؟ انتى شايفة إحنا فى وضع يسمح بالسفر؟
ـ يعنى إيه؟
ـ يعنى معنديش شغل دلوقتى. وعندى قضية طلاق. وعندى مصاريف محامين. وعندى بيت وأولاد.
اتغير وش منال فجأة.
ـ يعنى الأسبوع الجاى مش هنسافر؟
ـ لأ.
ـ إزاى لأ؟ ده أنا محضرة كل حاجة!
ـ أعمل إيه يعنى؟ أبيع نفسى؟
ـ وأنا ذنبى إيه؟
بصلها للحظة وقال بسخرية:
ـ أول مرة أسألك نفس السؤال.
ـ قصدك إيه؟
ـ ولا حاجة.
لكن الحقيقة إنه كان يقصد حاجات كتير.
يقصد إنه ضحى بشغله عشان يجرى ورا حلم قديم.
ويقصد إنه كان فاكر إن الدنيا هتفضل ماشية زى ما هو عايز.
ويقصد إنه لأول مرة يحس إن كل حاجة بتقع من إيده واحدة واحدة.
أما منال…
فبدأت هى كمان تشوف جانب منه عمرها ما كانت شايفاه.
بقى عصبى طول الوقت.
متوتر.
بيزعق لأتفه الأسباب.
وأحيانًا يقعد بالساعات ساكت ومكشر.
وفى ليلة من الليالى بعد خناقة كبيرة بينهم، صرخت فيه منال وقالت:
ـ أنا رجعتلك عشان أعيش مرتاحة مش عشان أشيل همك وهم عيالك ومشاكلك!
ساعتها رفع راسه وبصلها بصدمة.
لأنها كانت أول مرة تقولها بصراحة.
وأول مرة يحس إن الكلام اللى كان بيقوله عن هبه سنين… بيتقال عليه هو دلوقتى.
وساعتها فقط بدأ يفهم إن الإنسان ساعات بيكتشف قيمة اللى كان معاه… بعد ما يخسره.
الشهور اللى بعدها كانت الأسوأ فى حياته.
كل باب كان بيخبط عليه كان بيتقفل فى وشه.
شغل جديد مش لاقى.
الفلوس اللى كانت معاه بدأت تخلص واحدة واحدة.
القضية ماشية.
والأولاد بقوا عبء أكبر من أى وقت فات لأنهم متعودين على حد شايل عنهم كل حاجة.
وفى الآخر قرر يعمل حاجة كان شايفها مستحيلة.
راح لهبه.
وقف قدام باب الشقة وهو حاسس لأول مرة إنه مش عارف هيقول إيه.
لما فتحت الباب اتفاجأ.
وشها بقى أهدى.
ولبسها مرتب.
وشكلها مختلف.
كأنها رجعت إنسانة تانية.
فضل واقف ثوانى وبعدين قال:
ـ ممكن أتكلم معاكى؟
بصتله بهدوء وقالت:
ـ خير؟
ـ أنا غلطت.
لأول مرة الكلمة دى تطلع من بقه.
ـ أنا ظلمتك يا هبه.
سكتت.
ـ ومحتاج فرصة تانية.
ـ فرصة لإيه؟
ـ نرجع زى زمان.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ زى زمان؟
ـ أيوه.
ـ تقصد لما كنت بتعاملنى كخدامة؟
ولا لما كنت بتقولى إنى مجرد مربية؟
ولا لما كنت مستنى واحدة تانية تدخل البيت فوق دماغى؟
وشه احمر من الإحراج.
ـ أنا كنت غلطان.
ـ متأخر.
ـ عشان خاطرى اسمعينى.
ـ وأنا سمعتك سنين.
دلوقتى دورك تمشى.
وقف مذهول.
ـ يعنى إيه أمشى؟
ـ يعنى أمشى.
وقفلت الباب فى وشه.
لأول مرة فى حياته حد يقفل الباب فى وشه بالشكل ده.
رجع البيت مولع من الغضب.
مش من هبه.
من نفسه.
ومن إحساسه بالعجز.
دخل البيت لقى الأولاد متخانقين.
والبيت مكركب.
ومنال قاعدة على الكنبة ماسكة التليفون كأن مفيش حاجة.
صرخ:
ـ هو مفيش حد فى البيت ده هيعمل حاجة؟
ردت بعصبية:
ـ وأنا مالى؟
ـ مالك إيه؟ البيت واقع.
ـ مش شغلتى.
ـ أمال شغلة مين؟
ـ اللى كنت جايبها مخصوص للشغل ده.
سكت لحظة.
وبعدين بدأت خناقة كبيرة.
كل واحد فيهم طلع اللى جواه.
منال عيرته إنه بقى من غير شغل.
وهو عيرها إنها عمرها ما شالت مسئولية.
والكلام قلب بإهانات متبادلة.
لحد ما فقد أعصابه.
ورفع إيده عليها.
أول ما عملها سكتت منال.
بصتله ثوانى بصدمة.
وبعدين دخلت الأوضة.
بعد ساعة كانت شنطتها جاهزة.
وأخدت الأولاد.
ووقفت عند الباب.
قال بعصبية:
ـ رايحة فين؟
ردت ببرود:
ـ المكان اللى كان لازم أرجعله من زمان.
وقف مذهول وهو شايفها ماشية.
نفس الست اللى كان فاكر إنها هتفضل متمسكة بيه للأبد.
اختفت من حياته زى ما اختفت هبه قبلها.
وفى أقل من سنة…
خسر الاتنين.
وخسر شغله.
وخسر فلوسه.
وخسر البيت الهادئ اللى كان فاكر إنه موجود لوحده.
وبعد أسابيع طويلة من التخبط…
وقف مرة تانية قدام باب هبه.
لكن المرة دى كان شكله مختلف تمامًا.
هدومه أبسط.
وشه مرهق.
والهم باين فى عينيه.
وكان ماسك إيد بنته بإيد.
وابنه بالإيد التانية.
طفلين تايهين ومتعبين.
وهو نفسه كان تايه أكتر منهم.
وقف قدام الباب مستنى.
لأنه لأول مرة فى حياته…
بقى محتاج هبه بجد.
وقفت هبه قدام الباب تبصله للحظات طويلة.
هو واقف منكسر لأول مرة.
والطفلين ماسكين فى هدومه وتعبانين.
لكنها كانت فاكرة كل حاجة.
فاكرة الليالى اللى نامت فيها وهى بتعيط.
وفاكرة الإهانات.
وفاكرة يوم ما وقف يتفرج عليها وهى بتتهان وما دافعش عنها.
وفاكرة يوم ما خطط يدخل عليها بمراته الأولى ويخليها تعيش خدامة عندهم.
بص لها برجاء وقال:
ـ عشان خاطرى يا هبه… لو مش عشاني عشان العيال.
ردت بهدوء:
ـ العيال ملهمش ذنب.
ـ يبقى افتحيلنا الباب.
هزت رأسها بالنفى.
ـ لا.
اتصدم.
ـ لا؟
ـ لا يا إمام. أنا مش مسئولة عن اختياراتك.
لما كنت بتكسرنى كنت فاكر إنى هفضل واقفة مستنياك للأبد. ولما ضيعت شغلك وبيتك وجوازك افتكرت إنك هترجع تلاقينى زى ما أنا.
سكت ومش لاقى كلام.
فكملت:
ـ أنا سامحتك بينى وبين ربنا عشان أعيش مرتاحة. لكن أرجع لنفس الحياة تانى؟ مستحيل.
ـ أعمل إيه دلوقتى؟
ـ دور على حل. زى ما أنا دورت على حل لما سبتنى لوحدى.
نزل راسه للأرض.
ولأول مرة فعلاً حس إنه لوحده.
مدت إيدها للبنت الصغيرة وربتت على شعرها بحنان وقالت:
ـ ربنا يوفقكم.
وبعدين قفلت الباب.
المرة دى للأبد.
وقف ثوانى قدام الباب.
يمكن مستنى تناديه.
يمكن مستنى يحصل أى حاجة.
لكن مفيش حاجة حصلت.
لف ومشى.
ماشي فى الشارع من غير هدف.
والطفلين جنبه.
لا شغل.
ولا بيت مستقر.
ولا زوجة.
ولا أحلام السفر اللى كان بيبنى عليها حياته.
كل حاجة ضاعت.
أما هبه…
فبعد ما قفلت الباب رجعت لشقتها.
وقفت قدام الشباك تبص للشارع.
شافت إمام وهو بيبعد خطوة وراء خطوة لحد ما اختفى.
نزلت دمعة واحدة من عينها.
مش دمعة حب.
ولا اشتياق.
كانت دمعة على السنين اللى ضاعت من عمرها.
مسحتها بسرعة.
وبعدين ابتسمت.
لأنها لأول مرة من سنين طويلة حست إنها حرة.
حرة من الخوف.
ومن الإهانة.
ومن انتظار التقدير من شخص عمره ما عرف قيمتها.
قفلت الشباك ولفت ناحية بيتها.
البيت الهادئ اللى بنته بنفسها.
وحياتها الجديدة اللى بدأت من الصفر.
وفى اللحظة دى أدركت حقيقة واحدة…
إن الإنسان مش بيخسر لما يسيب اللى بيكسره.
الإنسان بيكسب نفسه.
وكانت دى نهاية الحكاية.
نهاية رجل ضيع كل اللى فى إيده وهو فاكر إنهم عمرهم ما هيمشوا.
ونهاية امرأة اكتشفت قيمتها متأخر… لكنها لحقت تنقذ اللى باقى من عمرها.


تعليقات
إرسال تعليق