القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عمل نفسه الرصاصة طيرت ذاكرته




عمل نفسه الرصاصة طيرت ذاكرته وعاشوا في الكذبة دي، بس لما السكرتيرة الهادية بتاعته قربت من سرير المستشفى ووشوشت في ودنه بتلات كلمات بس، الوحش ورئيس العصابة انهار تماماً والحقيقة ظهرت!

أكتر راجل بتهابه منطقة وسط البلد والقاهرة كلها فتح عينه على سقف المستشفى الأبيض، وقرر قبل ما أي حد في الأوضة ينطق بكلمة، إنه هيكذب على كل طوب الأرض وحتى الناس اللي بيحبهم. منصور الزيات عاش طول عمره وسط الرصاص، والغل، ومداهمات الحكومة، وحروب العائلات الكبيرة، والرجالة اللي بتضحك في وشه على العشا وهما بيخططوا لجنازته قبل التحلية. بس مفيش حاجة في حياته كلها رعبته قد ما صحي عاجز وقليل في أوضة مستشفى خاصة، والشاش ملفوف حوالين راسه مع يقين مرعب وقاتل إن حد من حتته ومن دمه هو اللي حاول يخلص عليه. جهاز ضربات القلب جنبه كان بيصفر بانتظام، والمطر بره عمال يخبط في الشباك، ودماغ منصور كانت بتنقح عليه كأن في مسمار مصدي بيتدق في نفوخه. الدكتورة هناء قربت منه وسألت بالراحة: يا أستاذ منصور؟ سامعني؟ منصور غمش عينه من الإضاءة البيضا الفاقعة، بقه كان ناشف وجسمه مهدود ومش قادر يحركه، بس عقله، ونعمة ربنا، كان صاحي وزي الموس. هو فاكر المطعم كويس، فاكر الأوضة المقفولة اللي في المهندسين، فاكر الاجتماع مع رجالة عيلة الهواري، وفاكر عادل السيوفي وهو واقف جنب الباب وبيتكلم في التليفون بصوت واطي. وبعدها النور انقطع فجأة، صوت ضرب نار، صريخ، زجاج بيتفجر في كل حتة، ولسعة النار اللي جرت على دماغه، وريحة الدم المخلطة بريحة الأكل الغالي. في حد كان عارف بالظبط هو هيكون فين والساعة كام، وخمسة بس اللي كانوا عارفين بالميعاد ده، وواحد منهم واقف حالا ورا باب الأوضة. منصور قال بصوت مخنوق وناشف: سامعك. الدكتورة هناء قربت أكتر وكشفت بالكشاف الصغير في عينه وقالت: تمام، حمد الله على السلامة، أنت أخدت خبطة جامدة وكسر بسيط في الجمجمة، الرصاصة خشت في الجلد وجرت، لو كانت جوة ملي واحد يا أستاذ منصور مكنش زماننا واقفين الوجفة دي. منصور كان هيبتسم؛ الناس دايماً بتسمي النجاة حظ، وهما مش فاهمين إن النجاة دي شقا وتعب وترتيب. الباب اتفتح وفجأة دخل عادل السيوفي، عادل ده كان دراع منصور اليمين بقاله تمن سنين كاملين، مبني زي رجالة المصارعة، كتاف عريضة، رقبة غليظة، وعين باردة زي التلج ببدلة كحلي شيك، ده الراجل اللي دفن رجالة أيام أبو منصور، ووقف جنبه في العزا، والأفراح، والقعادات العرفية الكبيرة اللي الكلمة الغلط فيها بتنهي نسل عائلات. عادل قال بنبرة مشدودة وخايفة: يا معلم.. ألف حمد الله على سلامتك، ربنا نجاك. منصور قعد يقرأ وشه حتة حتة؛ عين حمرا، وش منامش، وإيدين بترتعش. يمكن ده حزن، يمكن خوف، ويمكن يكون ذنب طالع على الوش. الدكتورة هناء بصت لعادل وقالت: بعد إذنك يا فندم دقيقة واحدة أخلص الكشف بتاعي. عادل تردد ثانية، وبعدها رجع لورا وخرج للممر. الدكتورة لفت لمنصور وسألته: أنت فاكر إيه اللي حصل بالظبط قبل ما يغمى عليك؟ منصور بص للدكتورة، وبعدين بص على الفاصل القزاز اللي جنب الباب، وشاف خيال عادل وهو واقف مستني بره في الممر. وفي اللحظة دي بالذات، الفكرة جرت في دماغه بوضوح كأنها غريزة ربانية؛ لو منصور الزيات فاكر كل حاجة، الخاين هيستخبى ويداري روحه، إنما لو منصور الزيات مش فاكر أي حاجة، الخاين هيرتاح ويهدا، والرجالة لما بترتاح بتغلط وتتكشف. منصور ساب ملامح الوش التايه تظهر على وشه وقال ببطء وتمثيل: مش عارف.. مش متأكد، كان في أوضة، وناس بتتكلم، وصوت عالي قوي. حط إيده على الشاش اللي في راسه واتوجع: وبعدها م شفتش حاجة وافتكرت الدنيا ضلمت. ملامح الدكتورة هناء اتشدت وقالت: طبيعي، فقدان الذاكرة المؤقت بعد الصدمات الكبيرة بيحصل كتير. منصور وطى صوته أكتر وعمل نفسه غلبان: دكتورة.. هو أنا إيه اللي حصل لي بالظبط؟ على ما عادل دخل الأوضة تاني، كانت الحكاية والكدبة بدأت تلف وتكبر؛ فقدان ذاكرة مؤقت، ومشاكل في التواريخ، وراجل قوي وله هيبة فجأة بقى مكشوف وملهوش ضهر. عادل سحب كرسي وقعد جنب السرير وقال: رعبتنا عليك يا معلم. منصور بص له كأنه بيحاول يفتكر الوش من ورا غيامة وضباب: عادل؟ في حاجة لمعت في عين عادل؛ راحة. أهي ظهرت، سريعة قوي لدرجة إنها متثبتش حاجة، بس حقيقية لدرجة إنها متتنسيش. عادل قال بحنية كدابة: أيوة يا معلم، أنا عادل، أنت في أمان متخافش. منصور قال له: أنا في أمان فعلاً؟ عادل حرك فكه وقعد يظبط نفسه: رجالتنا مالية الممر ومأمنة مداخل الدور كله. منصور سأله: رجالتك أنت؟ عادل سكت ثانية وقال: رجالتنا إحنا يا معلم. منصور هز راسه كأنه ارتاح، بس هو من جوه قايد نار. منصور سأل بضعف: طب وأنا هعمل إيه دلوقتي؟ عادل بحلق فيه: إيه؟ شغلي ودكاني، الدكتورة قالت هنسى حاجات، أنا عارف إن عندي تجارة ومحلات بس مش فاكر.. وسكت وساب الكلمة معلقة. عادل قرب منه وعينه بتلف في وش منصور بتدور على ملعوب أو فخ، بس منصور مدهوش غير الوجع والتوهان وقصر الحيلة. عادل قال له في الآخر: أنت راجل تاجر وبتاع سوق، مطاعم ومحلات استيراد، والكل بيعمل لك ألف حساب وبيحترمك. بيحترمك.. دي كانت الكلمة البديلة لـ "بيخاف منك ويتعش ع من اسمك". منصور سأله: طب وضرب النار اللي حصل لي ده؟

الكلام اللي عادل هيقوله لمنصور والتمثيلية اللي هتدور في الأوضة هتكشف خيوط لعبة تانية خالص، بس الصدمة الكبيرة لما السكرتيرة تدخل وتقول الكلمتين اللي هيقلبوا الطاولة على الكل ويفجروا الحقيقة اللي مكنتش على بال حد!

لو عاوزين تعرفوا إيه التلات كلمات اللي هتقلب كيان المعلم منصور وتكشف الخاين الحقيقي وسط رجالته، 

 

عادل بص لمنصور ثواني طويلة قبل ما يرد على سؤاله.


"الشرطة قالت محاولة اغتيال يا معلم... ولسه بيدوروا على اللي عملها."


منصور هز راسه ببطء، وعمل نفسه بيستوعب المعلومة لأول مرة.


لكن جواه كان بيحسب كل كلمة.


كل نفس.


كل نظرة.


وكل غلطة.


بعد دقائق، خرج عادل يرد على مكالمة، وسادت الأوضة حالة من الهدوء.


لحد ما الباب اتفتح بهدوء.


ودخلت نرمين.


السكرتيرة بتاعته.


بقالها سبع سنين شغالة معاه.


هادية.


منظمة.


عمرها ما رفعت صوتها.


وعمرها ما دخلت نفسها في أي مشكلة.


قربت من السرير وهي متوترة.


بصت ناحية الباب تتأكد إن مفيش حد سامع.


وبعدين قربت من ودنه.


وهمست بثلاث كلمات فقط:


"مش عادل... ابنك."


في اللحظة دي.


منصور حس كأن الرصاصة ضربته من جديد.


مش في راسه.


في قلبه.


اتسعت عينه فجأة.


وبقى مش قادر يتنفس.


نرمين اتراجعت بخوف.


لأنها لأول مرة تشوف منصور الزيات بالشكل ده.


راجل طول عمره حديد.


فجأة بقى مكسور.


همس


بصوت متقطع:

"إيه؟"


قالت نرمين والدموع في عينيها:


"أنا شوفت التسجيلات."


سكتت لحظة.


ثم أكملت:


"ابنك كريم هو اللي سرب مكان الاجتماع."


منصور قفل عينه.


وكأن الدنيا كلها وقفت.


كريم.


ابنه الوحيد.


الولد اللي رباه بعد وفاة أمه.


الولد اللي كان فاكر إنه بيجهزه يستلم كل حاجة.


الولد اللي كان بيحاول يحميه من أخطائه طول عمره.


نرمين فتحت التابلت وحطته قدامه.


كان فيه تسجيل من كاميرا المطعم.


واضح فيه كريم وهو بيتكلم مع واحد من رجال العائلة المنافسة قبل ساعات من الحادث.


وفي تسجيل تاني.


وفي تحويلات مالية.


وفي رسائل.


الأدلة كلها كانت موجودة.


لكن المصيبة الأكبر لسه جاية.


قالت نرمين:


"كريم ماكنش عاوز يقتلك."


رفع منصور عينه ليها.


فكملت:


"كان عاوز يصيبك بس."


سكتت لحظة.


"كان فاكر إنك لما تضعف أو تبعد، يقدر ياخد مكانك."


أول دمعة نزلت من عين منصور.


مش بسبب الخيانة.


لكن بسبب الحقيقة الأوجع.


إن ابنه ماكنش يعرفه


أصلًا.

ولا يعرف إن كل السنين دي كانت تعبه عشان يسيب له حياة أحسن.


مرت أيام.


ومنصور استمر يمثل فقدان الذاكرة.


لكن المرة دي لهدف مختلف.


كان عاوز يعرف الحقيقة كاملة.


وخلال أسبوعين.


ظهرت كل الخيوط.


كريم دخل في شراكات مشبوهة.


استدان مبالغ ضخمة.


ووقع تحت ضغط ناس استغلوا طمعه وخوفه.


ولما لقى نفسه غرقان.


اختار الطريق الغلط.


سرب المعلومات.


وكان مقتنع إن الأمور هتخرج عن السيطرة بشكل بسيط.


لكن الرصاص ما بيعرفش الحسابات.


ولما عرف إن أبوه كان ممكن يموت فعلاً.


كان الوقت فات.


في اليوم اللي خرج فيه منصور من المستشفى.


طلب يشوف ابنه.


دخل كريم المكتب.


وشه شاحب.


وعينه هربانة.


عارف إن كل حاجة اتكشفت.


قعد قدام أبوه.


والصمت كان أثقل من أي كلام.


أخيرًا قال كريم:


"أنا آسف."


منصور بص له طويلاً.


وقال بهدوء غريب:


"أنا كنت مستني منك حاجات كتير يا كريم."


نزلت عين كريم للأرض.


"بس عمري ما تخيلت إني أحتاج أحمي


نفسي منك."

انهار كريم في البكاء.


واعترف بكل شيء.


بالتفاصيل.


من غير إنكار.


من غير أعذار.


ولأول مرة في حياته.


تحمل مسؤولية أفعاله.


بعدها، تم تسليم كل الأدلة للجهات المختصة.


وتمت محاسبة كل المتورطين في القضية.


أما عادل.


فطلع بريئًا تمامًا.


كل التوتر والخوف اللي كان ظاهر عليه كان بسبب شعوره بالذنب لأنه ماقدرش يمنع اللي حصل.


ولما عرف منصور الحقيقة.


اعتذر له قدام الجميع.


وقال:


"أنا ظلمتك في قلبي."


عادل ابتسم لأول مرة من أسابيع.


ورد:


"المهم إنك عرفت الحقيقة يا معلم."


مرت شهور.


واتغيرت حاجات كتير.


منصور بدأ يبعد عن الصراعات القديمة.


وقفل أبواب كتير كانت سبب في العداوات والمشاكل.


أما كريم.


فبدأ رحلة طويلة لإصلاح اللي أفسده.


مش بسهولة.


ومش بسرعة.


لكن لأول مرة كان ماشي في طريق مستقيم.


وفي ليلة هادئة.


وقف منصور في شرفة بيته.


يبص على أنوار القاهرة.


وافتكر اللحظة اللي فتح فيها عينه في المستشفى.


وافتكر الكذبة اللي اخترعها.


وافتكر الثلاث كلمات اللي غيرت كل شيء:


"مش عادل... ابنك."


وقتها فهم حاجة عمره ما انتبه لها.


إن أخطر عدو مش دايمًا بيكون اللي واقف قدامك.


أحيانًا بيكون الشخص اللي عمرك ما شكيت فيه.


لكن الحقيقة مهما اتدفنت...


لازم في يوم تطلع للنور.


تمت.


تعليقات

التنقل السريع
    close