القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


جوزى مطلقنى بالتلاته كاملة حكايات رومانى مكرم




انا جوزى مطلقنى بالتلاته وليا سنه ونص منفصله وهو


حابب يرجع بحجه الولاد ودلوقتى مقدمناش حل الا اننا نلاقى محلل علشان نرجع وكذا حد اعرفه


من ايام الجامعه وكان نفسى اتجوزه بفكر اشوف حد منهم يحل المشكله دى


جوزى كان قبل اى حاجه يطلقنى


لغايه ما وصل الموضوع محتاج محلل


وانا مش عاوزه محلل وخلاص لا عاوزه محلل من ال كنت بحلم بيهم زمان


وبالفعل كلمت ياسر


 


كان “ياسر” هو الحلم القديم، الشاب اللي كانت البصمة منه في أيام الجامعة بتخلي قلبي يدق من غير مبرر. مرت السنين، واتجوزت “عصام”، الراجل اللي كانت كلمة “أنتِ طالق” على لسانه أسهل من كلمة “صباح الخير”. كان فاكر إن الجواز لعبة، وكل ما يزعل أو يثور يرمي اليمين، لحد ما اليمين الثالث وقع، ولقيت نفسي بقالي سنة ونص قاعدة في بيت أهلي، منفصلة ومعايا كوم لحم، ولاد مالهمش ذنب في أب مستهتر.


طوال السنة والنص، عصام حاول بكل الطرق يرجع، يتحايل، يتوسط بالناس، ويقول “عشان خاطر العيال”. بس القانون والشرع واقفين سد منيع: “مالكيش رجوع ليه إلا بمحلل”. الكلمة تقيلة، وبتجرح أي ست، وفكرة “المحلل الصوري” أو حد غريب يدخل حياتي لمجرد الورق كانت خانقاني ورافضاها تمامًا.


وفجأة، وسط الحيرة دي، لمعت في دماغي فكرة مجنونة.. فكرة فيها انتقام من قهر السنين، وفيها حتة من أحلام قديمة كنت دافناها بإيديا. قلت لنفسي: “لو كان ولا بد من المحلل، يبقى مش أي حد وخلاص.. يبقى حد من اللي كنت بتمنى إشارة منهم زمان”.


فتحت حسابي القديم، دورت وسط الأسامي لحد ما وصلت لإيميله ورقم تليفونه اللي لقطته من جروب الدفعة. “ياسر”.. المهندس اللي سافر واشتغل وبقى ملء السمع والبصر.


ترددت كتير، صوابعي كانت بتترعش وأنا بكتب الرسالة على الواتساب، بس في الآخر دوست “إرسال”:


“أهلاً يا باشمهندس ياسر.. أنا رانيا، زميلتك من أيام الجامعة، مش عارفة فاكرني ولا السنين نسيتك الدفعة وأيامها؟ كنت محتاجة أستشيرك في موضوع مهم، لو وقتك يسمح”.


الرد مجاش في ساعتها، ودا خلاني ألف حوالين نفسي في الصالة. دقات قلبي كانت مسموعة، وخوفي من إنه يكسفني أو يطنشني كان بيزيد مع كل دقيقة تمر. مرت ساعتين كاملين، وفجأة الموبايل نور ونغمة الرسائل رنت.


فتحت الرسالة بسرعة، ولقيته كاتب:


“يااااه.. رانيا؟ طبعًا فاكرك، هو في حد ينسى أيام الجامعة وأجدع بنت في الدفعة! عاش من سمع صوتك يا ستي. خير، تحت أمرك، قوليلي إيه الموضوع المهم؟ أنا موجود في مصر حاليًا في إجازة قصيرة”.



جسمي قشعر لما قريت إنه في مصر. الحكاية مبقتش مجرد مكالمة أو استشارة على النت، الموضوع بقى حقيقة وقريب جدًا. بلعت ريقي وكتبتله: “الموضوع يطول شرحه ومش بتاع رسائل.. لو ينفع نقابل في مكان هادي، لأني بمر بظروف صعبة ومحتاجة رأيك”.


اتفقنا نقابل تاني يوم في كافيه هادي على النيل في الزمالك. طول الليل منمتش، قمت وقفت قدام الدولاب، بقالي سنة ونص مالبستش فستان عليه القيمة ولا اهتميت بنفسي. نزلت فستان كحلي بسيط، وظبطت طرحتي، وأنا حاسة إني برجع بنت عندها عشرين سنة رايحة تقابل حب عمرها، مش ست مطلقة بتدور على مخرج لأزمتها.


وصلت الكافيه قبل المعاد بعشر دقائق. قعدت على تربيزة بتطل على النيل مباشرة، وأنا بفرك في إيديا من التوتر. وفجأة، سمعت صوت رجالي رزين من ورايا:


* “السلام عليكم.. رانيا؟”


لفيت بسرعة، وكان هو.. ياسر. السنين غيرته للأجمل، بقى أوقر، دقنه الخفيفة فيها كام شعرة بيضا زادته هيبة، لابس قميص كلاسيك وشياكته تخطف العين.


وقفت وأنا مكسوفة: “وعليكم السلام.. أهلاً يا ياسر، اتفضل”.


قعد قدامي، وعينه كانت بتفحص ملامحي باهتمام ملحوظ، وقال بابتسامة صافية: “مشاء الله يا رانيا، السنين مغيرتكيش كتير، لسه زي ما أنتِ.. بس عيونك فيها حزن مخبياه. قوليلي بقا، إيه الحكاية اللي مخلياكي مش على بعضك؟”


هنا، حسيت بغصة في حلقي. سكتت لحظات، وبدأت أحكيله عن عصام، وعن طيشه، وعن الطلقات الثلاثة اللي رماهم في لحظات غضب، لحد ما وصلنا لطريق مسدود، وبقيت عايشة في بيت أهلي بقالي سنة ونص، وعصام قالب الدنيا عشان يرجع بس مفيش حل غير “المحلل”.


ياسر كان بيسمع وهو عاقد حواجبه، تملكه الضيق من سيرة عصام وطريقته، وقال بنبرة حامية: “دا بني آدم مش مسؤول! الجواز مش لعبة في إيد عيل يطلق ويحن وقت ما هو عاوز.. وأنتِ إيه رأيك في كلامه؟ عاوزة ترجعي؟”


نزلت راسي في الأرض وقلت بصوت واطي: “عشان خاطر الولاد.. ملهمش ذنب يعيشوا مشتتين، بس أنا رافضة فكرة المحلل الصوري أو إني أدخل حد غريب بيتي وحياتي لمجرد ورقة يرميها ويمشي.. أنا تعبانة يا ياسر، ومقدميش حلول”.


ياسر سكت شوية، وبص للنيل وهو بيفكر بعمق. الصمت اللي بيننا كان بيق*تلني، كنت خايفة يفهم غرضي الحقيقي، أو يحس إني بلمحله بحاجة. وفجأة، التفت ليا وبص في عيوني مباشرة بنظرة غريبة، نظرة فيها مزيج من الجدية والاهتمام القديم اللي كنت بلمحه زمان في طرقت الجامعة، وقال بصوت حازم وهادي:



* “طب لو قلتلك إن الحل عندي.. وإن الغريب مش هيبقى غريب؟”


وقفت أنفاسي، وحسيت إن الدنيا لفت بيا.. هل ياسر فهم اللي في بالي؟ ولا الحكاية هتاخد طريق تاني خالص أنا مش حاسبة حسابه؟


يا ترى هيحصل إيه؟ وهل ياسر هيوافق يلعب الدور ده لمجرد إنقاذ زميلة قديمة، ولا الحكاية وراها مشاعر تانية خالص هتقلب كل الموازين؟


 


كلمات “ياسر” الأخيرة نزلت عليا زي المية الساقعة في عز الصيف، خلت قلبي اللي كان بيدق من التوتر يقف مكانه لثواني. بصيت في عيونه وأنا مش قادرة أستوعب الكلمة.. “الغريب مش هيبقى غريب؟”. هل هو حاسس باللي في قلبي من أيام الجامعة؟ ولا الموضوع مجرد شهامة وصعبت عليه؟


بلعت ريقي وحاولت أجمع ثباتي الانفعالي، وظبطت نبرة صوتي اللي كانت بتترعش وقلت:


* “قصدك إيه يا ياسر؟ مش فاهمة.. حل إيه اللي عندك؟”


ياسر عدل قعدته، وسند إيديه على التربيزة وقرب خطوة وقال بنبرة هادية بس واثقة جداً:


* “رانيا.. أنا مش هلف وأدور عليكي. أنتِ عارفة ومجربة إن الجواز اللي بيتبني على “محلل صوري” عشان الست ترجع لجوزها الأولاني دا باطل شرعاً وقانوناً، واسمه زنا مقنّع، وأنا متأكد إن أصلك وطبعك يرفضوا حاجة زي كده.. الست الغالية ميركبش فوق اسمها كلمة “محلل”.”


الكلام رجعني للواقع وحسيت بكسوف رهيب، وشي أحمر ونزلت عيني في الأرض وخفت يكون قرأ تفكيري المجنون، بس هو كمل من غير ما يديني فرصة أغرق في أفكاري:


* “أنا بكلمك بجد.. أنا بقالي سنين مسافر، وربنا كرمني واشتغلت وعملت اسم، بس لسه متجوزتش لحد دلوقتي. السفر والمطحنة خدتني، وكل ما كان بيتعرض عليا جواز كنت بحس إن فيه حلقة مفقودة.. كنت دايماً فاكر البنت الجدعة اللي كانت بتوقف الدفعة كلها على رجل بكلمة، البنت اللي كنت بشوفها في الممر تبتسم فاليوم كله ينوّر.. أنتِ يا رانيا.”


رفعت عيني بسرعة وبصيتله بذهول.. مش قادرة أصدق! ياسر.. الحلم القديم، الشاب اللي كنت ببص لخطواته من بعيد لبعيد، كان بيفكر فيا؟


ابتسم ابتسامة خفيفة تداري جديته وقال:


* “أنا مش هبقى محلل يا رانيا.. أنا لو دخلت حياتك، هدخل زوج بجد، راجل يشيلك ويشيل ولادك. أنا هتقدملك رسمي، ونتجوز على سنة الله ورسوله، جواز حقيقي مش صوري ولا على الورق. نعيش مع بعض، وندير حياتنا سوا، ولو الأيام أثبتت إننا ننفع لبعض كملنا، ولو لقدر الله محصلش نصيب، يبقى كل شيء بـأمر الله.. بس مفيش في قاموسي حاجة اسمها “محلل”.”


الدنيا لفت بيا.. الكلام كان أكبر من طاقتي على التفكير. أنا جاية وعندي فكرة مجنونة في دماغي إني أستغل حلم قديم عشان أخلص من ورطة وأنتقم من استهتار عصام، ألاقي نفسي قدام عرض جواز حقيقي من الشخص اللي تمنيته طول عمري! بس فيه عيال.. وفيه عصام اللي قالب الدنيا.. وفيه أهلي.



سكتت فترة طويلة، وبصيت للنيل اللي كان بيجري قدامنا هادي ومبيقفش، زي السنين اللي جرت مننا. ياسر سابني براحتي خالص مقاطعش سكاتي، لحد ما التفت ليه وقلت بصوت يدوب مسموع:


* “ياسر.. الموضوع مش بالبساطة دي. أنا معايا طفلين، وعصام رغم كل عيوبه هو أبوهم، وهو مش باقٍ على حاجة ودلوقتي بيدور على أي قشة يرجعني بيها.. لو عرف إنك دخلت في الصورة، مش هيسكت، وممكن يقلب الدنيا ويعمل مشاكل تضر بيك وبشغلك اللي تعبت فيه.”


ياسر ضحك ضحكة خفيفة فيها ثقة وقوة، وبانت في عيونه نظرة الراجل اللي مبيهابش المواجهات:


* “عصام دا سيبيه عليا أنا.. الراجل اللي يفرط في بيته وتكون كلمة الطلاق أسهل على لسانه من السلام، ميبقاش راجل يتعمل حساب لزعله. هو اللي دمر بيته بإيديه، والشرع حكم. أنا مش هسرق مراته، أنا هتقدم لست مطلقة بقالها سنة ونص ومنفصلة عنه قانوناً وشرعاً. وولادك؟ ولادك هيبقوا في عينيا يا رانيا، أنا مش قاسي، وعارف يعني إيه مسؤولية بيت.”


قام ياسر وقف، وبص في ساعته وقال برقة:


* “أنا مش عاوزك تديني رد دلوقتي.. فكري كويس، واستخيري ربنا. أنا إجازتي فاضل فيها أسبوعين، وكنت ناوي أسافر، بس لو وافقتي، هأجل السفر لحد ما أخلص كل الترتيبات مع أهلك. دا رقمي الجديد معاكي، ومستني مكالمتك.”


مشى ياسر، وسابني قاعدة في الكافيه لوحدي، الهوا بيخبط في وشي وأنا حاسة إني صاحية جوه حلم. قمت رجعت البيت، ودموعي نازلة مش عارفة من الفرحة ولا من الخوف.


أول ما دخلت من باب الشقة، لقيت أمي قاعدة ومستنياني، وأول ما شافتني قالت بنبرة قلقانة:


* “كنتِ فين يا رانيا؟ عصام كان هنا.. بقاله ساعة قالب الدنيا، وجايب معاه ناس كبار من قرايبه، وعمال يعيط ويقول عشان خاطر العيال وأنا مستعد أعمل أي حاجة، وبيتكلموا في موضوع المحلل دا بجد.. أبوكي طردهم وقالهم بنتي متمشيش في السكك دي، بس عصام حلف إنه مش هيسيبك تضيعي منه.”


دخلت أوضتي وقفتلت الباب عليا، ورميت نفسي على السرير. الموبايل في إيدي.. شاشة الواتساب مفتوحة على رقم ياسر.. ومن الناحية التانية رسايل عصام اللي مش بتبطل توسل ووعود بالصلاح.


أنا دلوقتي بين نارين.. نار الماضي المستهتر اللي عاوزة أرجعله بس عشان العيال ميعيشوش من غير أب، ونار المستقبل اللي بيفتحلي إيديه بأجمل حلم كنت بحلم بيه في حياتي، بس تمنه مواجهة شرسة مش عارفة هتنتهي على إيه.


صوابعي اتثبتت فوق كيبورد الموبايل، وكنت لازم أخد قرار.. يا إما أكلم ياسر وأقوله أنا موافقة ونبدأ المواجهة، يا إما أقفل الباب دا خالص وأرضى بالأمر الواقع.



جوزى مطلقنى بالتلاته حكايات رومانى مكرم 2


قعدت على السرير والموبايل في إيدي زي القنبلة الموقوتة، رسايل عصام بتنزِل ورا بعضها، كلها استعطاف وكلام عن العيال، وفي نفس الوقت كلام أمي عن إنه جاب ناس كبار وجاي يضغط بيهم كان بيحسسني بالخناق بيضيق حوالين رقبتي. عصام مش ناوي يستسلم، وفكرة إنه مستعد يوافق على “محلل” بس عشان يرجعني، خلتني أحس بالرخص والإهانة.. الراجل اللي يرضى لكرامته وكرامة مراته وأم ولاده حل زي ده عشان يصلح غلطة طيشه، ميبقاش راجل يتأمن عليه تاني.


بصيت لاسم “ياسر” على الشاشة. كلامه كان لسه بيرن في ودني، رجولته، شهامته، وطريقته اللي حسستني إني غالية وليا قيمة بعد سنين القهر والمهانة مع عصام. خدت نفس طويل، ولقيت صوابعي بتتحرك لوحدها وكتبتله:


* “ياسر.. أنا استخرت ربنا، وأنا موافقة. بس أرجوك، الخطوة دي محتاجة نكون جاهزين ليها، لأن عصام مش هيعدي الموضوع بالساهل.”


الرد مجاش في ساعتها، بس بعد عشر دقائق لقيت تليفوني بيرن.. كان هو. رديت وصوتي بيترعش:


* “أهلاً يا ياسر.”


جاني صوته الرزين الهادي اللي بيطمن:


* “مبروك عليا يا رانيا.. ومتقلقيش من أي حاجة خالص. أنا كلمتك وأنا راجل وقد كلامي وعارف خطوتي رايحة فين. بكره بعد صلاة العصر، أنا هكون عندك في البيت أنا وعمي، هنيجي نقابل والدك رسمي. جهزي نفسك، وقولي لوالدك إن فيه عريس متقدملك، وسيب الباقي عليا.”


قفلت السكة وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الفرحة والخوف مع بعض. خرجت الصالة، لقيت أبويا قاعد بيشرب الشاي وعلامات الهم والضيق على وشه من زيارة عصام وقرايبه. قربت منه وقعدت جنبه، بلعت ريقي وقلت بصوت هادي:


* “يا بابا.. أنا عاوزة أقولك على حاجة.”


بصلي وقال بنبرة حنينة:


* “قولي يا بنتي، عصام مضايقك بحاجة تاني؟”


* “لا يا بابا.. الموضوع مش عصام. الموضوع إن فيه بشمهندس زميلي من أيام الجامعة، لسه شايفاه وشغال بره مصر، وعرف بظروفي وإني منفصلة بقالي سنة ونص.. وهو طالب إيدي منك، وجاي بكره هو وعمه بعد العصر يقابلوك.”


أبويا سكت، وبصلي بنظرة فاحصة وطويلة، كأنه بيقرأ اللي جوايا، وقال:


* “زميلك من الجامعة يا رانيا؟ والموضوع جه فجأة كده؟ ولا دا مخرج عشان تخلصي من ضغط عصام وموضوع المحلل اللي قرفونا بيه؟”


دموعي نزلت وقلت:


* “والله يا بابا جواز حقيقي وعلى سنة الله ورسوله، وهو رافض فكرة المحلل دي تماماً وقال إنها إهانة ليا ولقيمتي. هو عاوزني كزوجة، وبيقول إنه شاريني وشاري ولادي.”


أبويا ملامحه ارتاحت شوية، وطبطب على إيدي وقال:



* “الراجل اللي يدخل من الباب ويصون عرضك يا بنتي على راسي من فوق. بكره يقابلني ونشوف معدنه، ولو فيه الخير ربنا يقدمه.”


تاني يوم، الشقة كانت ريحتها بخور هادي، وأنا واقفة ورا شيش البلكونة مستنية. على الميعاد بالظبط، عربية شيك وقفت ونزل منها ياسر ومعاه راجل كبير في السن، باين عليه الهيبة والوقار. استقبلهم أبويا ترحيب كبير، وقعدوا في الصالون. كنت واقفة ورا الباب بسمع دقات قلبي مع كل كلمة بتتقال.


ياسر اتكلم بكل أدب، حكى لأبويا عن شغله في الخليج، وعن ظروفه، ودخل في الموضوع دغري:


* “يا عمي، أنا شاري رانيا من أيام الجامعة، بس النصيب ساقنا لبعيد. ودلوقتي لما عرفت إنها منفصلة، جيتلك من الباب، وأنا متكفل بيها وبولادها، وولادها هيبقوا في مقام أولادي بالظبط، والشرع محلل والوضع قانوني تماماً.”


أبويا كان معجب جداً بأسلوبه ووضوحه، والكلام مخدش وقت طويل، واتفقوا إن ياسر هيجيب أهله الأسبوع اللي جاي عشان يكتبوا الكتاب قبل ما إجازته تخلص، ويسافروا سوا.


لكن الفرحة مكنتش كاملة.. الخبر مشي في المنطقة زي النار في الهشيم، ووصل لعصام!


في نفس اليوم بالليل، لقيت الموبايل بيرن برقم عصام، كنسلت عليه، رجع رن تاني وتالت، لحد ما أبويا خد مني التليفون وفتح السبيكر وسأله بحسم:


* “عاوز إيه يا عصام؟ مش قلتلك مفيش رجوع، وبنتي مش هتتمشى في سكة المحلل دي؟”


جانا صوت عصام من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش صوت عياط وتوسل.. كان صوت كله غل وتهديد، وصوته عالي ومجنون:


* “محلااااال؟! محلل إيه يا عمي! بنتك صايعة وبتلعب بيا وبيك! بنتك رايحة تتجوز واحد زميلها من الجامعة وتعملها جوازة بجد عشان تكسر عيني! أنا عرفت كل حاجة.. وعليَّ الطلاق بالتلاتة التالتة، لو الجوازة دي تمت، لا هتشوف عيالها تاني، وهقلب الدنيا عليها وعلى اللي متقدملها، ومش هسيب حتة فيكوا سليمة! رانيا دي بتاعتي أنا، ومحدش هيلمسها غيري!”


أبويا زعق فيه وقفل السكة في وشه، بس أنا جسمي كله كان بيرتعش من الرعب.. عصام مجنون وممكن يعمل أي حاجة عشان ينتقم، والعيال في إيده لأنهم كانوا بايتين عند أمه الويك إيند ده!


بصيت لأبويا وأنا بصرخ: “العيال يا بابا.. عصام هيحرم دمي منهم ويأذيهم!”


وفي نفس اللحظة، الموبايل نور برسالة من ياسر كاتب فيها: “أنا عرفت إن عصام بدأ يهدد.. متخافيش يا رانيا، أنا مستني بره البيت وعصام جاي في الطريق ومعاه أصحابه.. والمواجهة هتبدأ دلوقتي.”



كلام ياسر في الرسالة خلّى الدم يتجمد في عروقي. عصام جاي ومعاه أصحابه وياسر واقفله تحت؟ نزلت جري على السلم وأبويا ورايا بيزعق وبيحاول يمسكني: “ارجعي يا رانيا متنزليش!”، بس أنا مكنتش سامعة، فكرة إن ولادي بعيد عني وعصام ممكن يعمل جناية تضيع المستقبل اللي حلمت بيه كانت مخلياني زي المجنونة.


أول ما فتحت باب العمارة، لقيت الشارع هادي هدوء غريب يسبق العاصفة. ياسر كان واقف ساند على عربيتو بكل ثبات، وعينه على أول الشارع. وفجأة، ظهرت عربية عصام، وفرملت بصوت عالي كسر السكون، ونزل منها عصام ومعاه تلاتة من أصحابه، باين في عينيهم الشر والبلطجة.


عصام أول ما شاف ياسر، عينه احمرت والغل ملى وشه، قرب عليه وهو بيشاور بإيده وبيزعق بأعلى صوته عشان يلم الشارع علينا:


* “هو ده بقى الباشمهندس؟ هو ده اللي جاي ياخد مراتي وعيالي؟ جاي تعمل فيها بطل وتصلح غلطات غيرك يا قمع؟”


ياسر متحركش من مكانه، فضل واقف بكل برود وهيبة، حط إيده في جيبه وقال بنبرة هادية بس ترعب من قوتها:


* “صوتك ميعلاش هنا يا عصام.. رانيا مبقتش مراتك، أنت رميت عليها اليمين تلت مرات، والشرع والقانون بيقولوا إنها أجنبية عنك. وأنا داخل البيوت من أبوابها، مش زيك برمي ولادي وبيتي في لحظة طيش.”


كلمة ياسر نزلت على عصام زي السكينة، حس بالإهانة قدام أصحابه والناس اللي بدأت تفتح الشبابيك وتتفرج. عصام رفع صوته أكتر وقرب من ياسر وهو بيمد إيده:


* “أنا هوريك الطيش على أصوله بقا.. الجوازة دي مش هتم، ولو ملمتش نفسك ومشيت من هنا، مش ه تخرج من الشارع ده على رجلك!”


واحد من أصحاب عصام قرب عشان يزق ياسر، في اللحظة دي أبويا نزل ووقف في النص وزعق: “جرى إيه يا عصام؟ أنت جاي تتبلطج في منطقتنا وعلينا؟ الباشمهندس ضيفنا وجاي في حمايتنا، والملام ملوش مكان هنا!”


عصام بص لأبويا وقال بغل: “بنتك ضحكت عليك يا عمي، دي بتنتقم مني، ومش هسيبها.. والعيال أهم معايا في العربية، ومش هتشوف ضفر واحد فيهم لو الجوازة دي تمت!”


قلبي اتخلع من مكانه لما سمعت إن العيال في العربية. جريت على عربية عصام وبصيت من الإزاز، لقيت ولادي قاعدين ورا، مكسورين وخايفين ودموعهم على خدهم ومش فاهمين حاجة من الخناق بره. عيطت وصرخت: “هات العيال يا عصام! حرام عليك متدخلهمش في مشاكلنا!”


عصام ساب ياسر وجري عليا، مسكني من دراعي جامد وهو بيبرقلي: “ارجعي بيتك يا رانيا.. المحلل اللي أنتِ عاوزاه أنا هجيبه ومستعد أعمل أي حاجة، بس غريب مش هيدخل بيتي!”



وقبل ما عصام يكمل جملته، لقيت إيد قوية زي الحديد مسكت إيد عصام ولفتها وراه في ثانية.. كان ياسر. ياسر زق عصام لورا وبقى واقف بيني وبينه كأنه سد منيع، وقال بصوت حاسم خلى الشارع كله يسكت:


* “إيدك متتمدش عليها تاني.. أنت خلاص بره حياتها. وبالنسبة للعيال، أهم عندك في العربية، وأنا مش هعمل زيك وأتخانق قدامهم وأكسر هيبتك قدام ولادك.. بس اسمعني كويس يا عصام، بكره الصبح، المحامي بتاعي هيكون في النيابة بيقدم بلاغ بضم الحضانة لرانيا، والشرع والقانون معانا، والمشاكل اللي أنت ناوي تعملها دي هتثبت عليك إنك أب غير أمين على عياله.. فكر كويس قبل ما تخسر كل حاجة.”


عصام كان بينهج من الغيظ، بص لياسر ولبابا، ولقى إن أهل المنطقة بدأوا يتجمعوا حوالين بابا وياسر، وأصحابه بدأوا ينسحبوا لورا لما لقوا إن الموضوع هيقلب خناقة كبيرة مع الشارع كله. عصام رجع لورا وبصلي بنظرة كلها توعد وقال:


* “ماشي يا رانيا.. ماشي يا باشمهندس.. افتكروا إنكم اللي بدأتم، والعيال مش هتشوفوهم تاني.”


ركب عصام عربيته وطلع بأقصى سرعة، والعيال بيبصوا عليا من الإزاز وبيعيطوا. انهرت في الأرض وبكيت بحرقة، وياسر قرب مني ووطى لمستوايا وقال بنبرة حنينة كلها أمان:


* “قومي يا رانيا.. متعيطيش دموعك دي غالية. أنا وعدتك إن ولادك هيبقوا في حضنك، وأنا قد وعدي. عصام بيحارب بآخر كارت في إيده لأنه عارف إنه خسر خلاص.”


طلعنا الشقة، وياسر قعد مع أبويا وبدأوا يرتبوا للخطوات اللي جاية. ياسر طلب من محاميه يبدأ إجراءات مستعجلة، وفي نفس الوقت صمم إن كتب الكتاب يكون بعد يومين بالظبط عشان يقطع أي طريق على عصام يخليه يضغط علينا أو يبتزنا بالعيال.


مر اليومين دول وأنا عايشة في رعب، عيني منمتش، وتليفوني مقفول عشان رسايل التهديد من عصام وأهله متبطلش.


وجيه يوم كتب الكتاب.. لبست فستان أبيض بسيط، والبيت كان فيه أهلي وأهل ياسر اللي ليتهم ناس طيبين جداً ومرحبين بيا وبظروفي. المأذون قعد، وياسر كان قاعد جنبي، وعينه عليا بتطمني طول الوقت. أبويا حط إيده في إيد ياسر، والمأذون بدأ يقول كلمته الشهيرة..


وقبل ما المأذون يقول “بارك الله لكما وبارك عليكما”، الباب خبط خبط قوي ومجنون، خلى القلم يقع من إيد المأذون، والكل يتلفت ورا بذهول وخوف.. يا ترى مين اللي على الباب؟ وهل عصام نفذ تهديده وقرر ينهي الحكاية بدم؟


جوزى مطلقنى بالتلاته3


جوزى مطلقنى بالتلاته3 حكايات رومانى مكرم 


الخبطات على الباب كانت بتزيد جنون، وكأن اللي بره مش جاي يزور، جاي يهد البيت كله فوق رؤوسنا. المعازيم كلهم وقفوا، وأمي حطت إيدها على صدرها وهي بتشهق من الخوف، والمأذون بص لأبويا بنظرة قلق وقال: “خير يا جماعة؟ في إيه؟”


ياسر ملامحه اتغيرت في ثانية، الهدوء اللي كان على وشه اتقلب لجدية حاسمة. قام وقف وطبطب على كتفي وقال بصوت واطي: “اخليكي هنا يا رانيا متتحركيش”. أبويا جري على الباب وياسر وراه، وأنا رجلي مكنتش شايلاني، مشيت خطوات ووقفت ورا الحيطة وعيني على الباب وقلبي بيوجعني من كتر الدق.


أبويا فتح الباب بحذر، والصدمة لجمت الكل.. مكنش عصام!


كانت حماتي القديمة، أم عصام، واقفة والدموع مالية وشها، وهدومها متبهدلة، وفي إيدها اليمين ابني الكبير “أدهم”، وفي إيدها الشمال بنتي الصغيرة “فريدة”، والاتنين مكلبشين في جلبيتها وبيعيطوا ومنهارين.


أمي أول ما شافت العيال جريت عليهم وخدتهم في حضنها، وأنا طلعت من ورا الحيطة برعشة وبقيت ببص لحماتي وأنا مش فاهمة حاجة. أبويا سألها بذهول: “أم عصام؟ في إيه؟ وإيه اللي جابك بالشكل ده؟ وفين ابنك؟”


أم عصام دخلت الصالة وركبتها مش شايلاها، قعدت على أول كرسي وقالت وهي بتنهج وتبكي بحرقة:


* “الحقوني يا حج مكرم.. الحق يا باشمهندس.. عصام اتجنن! عصام من ساعة ما رجع أول امبارح وهو مش وعي للدنيا، الغل عماه، وقفل على نفسه الأوضة وكل شوية يكسر في البيت ويقول مش هسيبها تتهنى، والنهارده لقيت معاه سلاح.. سـ كينة كبيرة وعمال يسن فيها ويقول هروح أخلص عليهم كلهم في كتب الكتاب عشان أرتاح وأريح الناس من الفجر ده!”


أول ما سمعت كلمة “سلاح” جسمي كله ساب، بس حماتي كملت وصوتها بيرتعش:


* “أنا لما شفته كده خفت على العيال وخفت عليه يضيع نفسه ويضيعنا.. استغفلته وهو في الحمام، وخدت العيال في إيدي وجريت بيهم في التاكسي جيتلكوا هنا.. عصام زمانه نازل ورايا أو بيدور عليا، أرجوكم احموا العيال، عصام مش في وعيه وممكن يرتكب جناية!”


في اللحظة دي، الشارع تحت بدأ صوته يعلى.. صوت كلكسات عربيات وزعيق ناس. ياسر بصلنا وقال لحماتي القديمة: “كتر خيرك إنك لحقتي العيال يا أمي، أنتِ عملتِ الصح”. وبص لأبويا وقال بنبرة حديد: “يا عمي، اقفل الباب ده بالمفتاح والترباس، ومحدش يفتح مهما حصل، وأنا نازل لـ عصام”.


مسكت في قميص ياسر وأنا بصرخ والدموع مغرقاني: “لا يا ياسر! أرجوك متنزلوش، عصام معاه سلاح وهيضيعك! أنا مش عاوزه أخسرك بعد ما لقيتك!”



ياسر بص في عيوني ونظرة الأمان والرجولة اللي فيهم خلتني أهدأ غصب عني، مسك إيدي وقال برقة: “أنا وعدتك يا رانيا إن مفيش مخلوق هيلمس شعره منك ولا من ولادك، وأنا راجل وبوفي بوعدي.. عصام آخره قرب، والبلطجة دي مش هتمشي معايا”.


ياسر سابني ونزل، وأبويا قفل الباب ورا السلاسل والترابيس. جريت على الشباك وفتحت الشيش حتة صغيرة وبصيت..


عصام كان واقف في نص الشارع، لابس هدوم مش مظبوطة، وشعره منكوش، وفي إيدو فعلاً سـ كينة كبيرة بيشاور بيها للناس ويصرخ: “أنزل يا ياسر! أنزل يا قمع يا اللي جاي تاخد مراتي! لو راجل أنزلي!”.. الناس في الشارع كانوا واقفين بعيد وخايفين يقربوا منه لمنظره المجنون.


وفجأة، باب العمارة اتفتح.. وخرج منه ياسر.


ياسر مكنش بيجري ولا كان مخضوض، كان ماشي بخطوات بطيئة ورزينة، حاطط إيد في جيبه والإيد التانية فاضية، وعيونه مثبتة على عصام بقوة غريبة.


عصام أول ما شاف ياسر، جري عليه ورفع السلاح وهو بيصرخ: “هقتـ لك يا ياسر! هقتـ لك وأغسل عاري!”


الشارع كله كتم أنفاسه، وأنا حطيت إيدي على بوقي عشان مأصرخش.. وعصام بيقرب من ياسر وبيمد السـ كينة بكل غل عشان يضربوا في صدره.. يا ترى ياسر هيتصرف ازاي؟ وهل اللحظة دي هتكون نهاية الحلم، ولا ياسر مخبي مفاجأة تقلب الترابيزة على عصام وتنهي جنونه للأبد؟


#الكاتب_رومانى_مكرم


في جزء من الثانية، والسكينة على بُعد سنتيمترات من صدر ياسر، الشارع كله صرخ، وأنا غمضت عيني ووقعت في الأرض وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. لكن اللي حصل خلّى الكل يفتح بقه بذهول.


ياسر متفاداش الضربة وبس، دا كان مرتب خطوته بدقة مهندس؛ في نفس اللحظة اللي عصام مد فيها إيده بالسكينة، ياسر ميل جسمه بحركة سريعة، ومسك معصم إيد عصام بقوة تكسر العضم، وبلفتة ذكية وثقيلة من رجليه، كعبل عصام ونزل بيه على الأرض بطريقة خلّت السكينة تترمي بعيد على الرصيف.


عصام اتفرد على ظهره والنفس مقطوع منه، وياسر ثبت ركبته فوق صدره وضغط على إيده وهو بيقول بصوت جهوري هز الشارع:


* “أنا مبتهددش يا عصام.. والبلطجة اللي كنت بتعملها على ست غلبانة، متعملهاش على رجالة!”


وفي نفس اللحظة، ظهرت عربية بوكس شرطة من أول الشارع، ونزل منها ظابط ومعاه أمناء شرطة جريوا على عصام وكلبشوه وهو على الأرض. ياسر وقف، ونفض الهدوم بتاعته بكل هدوء، وبص للظابط وقال:


* “يا فندم، المحضر اللي قدمناه الصبح في النيابة مثبت فيه كل التهديدات، والنيابة كانت مطلعة أمر ضبط وإحضار، والراجل ده جه بنفسه وأهو ممسوك متلبس بمحاولة ق*تل وس*لاح أبيض في إيده والشارع كله شهود.”


عصام وهو بيتسحب على عربية البوكس، كان بيبص لياسر بنظرة انكسار وغل، ويبص لفوق للشباك بتاعي وهو بيصرخ بصوت مبحوح: “مش هسيبك يا رانيا.. مش هسيبك!”، بس صوته كان بيضيع مع صوت سرينة البوكس اللي حركت وخدته للمكان اللي يستحقه.


الناس في الشارع صقفت لياسر، وأبويا نزل جري وراه وأخذه في حضنه وهو بيقوله: “رفع راسي يا ابني، الله يصونك ويحميك لشبابك”.


طلعوا الشقة، وأنا كنت واقفة ورا الباب، دموعي مش راضية تقف بس المرة دي دموع راحة وأمان. ياسر دخل، وبصلي وابتسم ابتسامته الصافية اللي بتنسيني الدنيا، وقال:


* “خلاص يا رانيا.. الكابوس انتهى، وولادك في حضنك، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش على وش الأرض.”


أدهم وفريدة جريوا عليا وعلى ياسر، وياسر وطى وشال فريدة على كتفه وطبطب على أدهم، والعيال لأول مرة من سنة ونص تضحك من قلبها. حماتي القديمة قعدت تبكي وتقول: “سامحيني يا رانيا، ابني طاش وعمى عينه الغل، بس الباشمهندس راجل بجد، وأنا مطمنة على عيال ابني معاكوا”.


المأذون رجع قعد مكانه، وظبط نظارته وهو بيبتسم وقال: “يلا يا جماعة، نكتب الكتاب بقا والخير يمر”.


أبويا حط إيده في إيد ياسر، والمأذون بدأ يملي عليهم الكلمات.. وأنا قلبي بيرقص من الفرحة، الحلم القديم اللي كنت بخاف أبص له في ممرات الجامعة، بقا حقيقة وبقى جوزي وحمايتي على سنة الله ورسوله. المأذون قال جملته الأخيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.


ومرت الأيام بسرعة.. ياسر جهز كل حاجة، وخلصنا أوراق السفر للعيال، وأهلي كانوا طايرين من الفرحة وأنا شطبت كل سنين النكد ورا ضهري.


وجيه يوم السفر.. كنا واقفين في مطار القاهرة، ياسر ماسك إيدي اليمين، وإيدي الشمال ماسكة العيال، والشنط جاهزة عشان نبدأ حياتنا الجديدة بره مصر.


وقبل ما ندخل بوابة الجوازات، لقيت حد بيخبط على كتفي من ورا.. لفيت وأنا مخضوضة، ولقيت واحدة ست لافّة وشها بطرحة سودا، قربت مني وقالت بصوت واطي ومرعب:


* “مفتكرة إنك هتهربي بالسهولة دي وتعيشي حياتك؟ عصام خرج بكفالة على ذمة الق*ضية.. وهو مستنيكم بره المطار ومعاه ناس!”


أنا اتمسمرت في مكاني، وبصيت لياسر، وياسر ملامحه اتغيرت تماماً وبص لبره المطار.. يا ترى إيه اللي هيحصل في الجزء الأخير؟ وهل عصام هيقدر يوقف سفرنا في آخر لحظة؟


#الكاتب_رومانى_مكرم


الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة، المطار اللي كان بالنسبالي بوابة الحرية وبداية الحلم، اتقلب في ثانية لمصيدة. دموعي نزلت وعيني راحت على ولادي اللي كانوا ماسكين فيا، وبصيت لياسر وأنا بترعش:



* “ياسر.. عصام بره! مش هنسافر يا ياسر، عصام هيضيعنا في آخر لحظة!”


ياسر بص للست اللي بلغتني، فلقاها اختفت وسط زحمة المطار كأنها فص ملح وداب. التفت ليا، وبص في عيوني بكل ثبات، ومسك إيدي الإتنين وضغط عليهم بقوة تحيي الميت:


* “رانيا.. بصي في عيني. أنا قلتلك قبل كده ومستعد أقولهالك العمر كله، طول ما أنا بتنفس، مفيش مخلوق يقدر يمس شعره منك أو من العيال. عصام بره؟ يبقى هو اللي جاي لرجله، والمرة دي مش هتبقى زي كل مرة.”


ياسر طلع تليفونه، وعمل مكالمة سريعة للمحامي بتاعه ولشخص رتب معاه الإجراءات من الأول، وقال بنبرة حاسمة: “هو بره الصالة.. تمام، نفذوا فوراً”. قفل التليفون وبصلي وقال بابتسامة هادية: “يلا يا رانيا، امشي قدامي على الجوازات ومتبصيش وراكي”.


دخلنا ختمنا الباسبورات، وأنا طوال الوقت بفرك في إيدي، والعيال مستغربين نظرات الخوف اللي في عيني. عدينا بوابة التفتيش وبقينا جوه صالة المغادرة، وبصينا من الإزاز الكبير اللي كاشف ساحة المطار بره وعربيات الشرطة المنتشرة.


من ورا الإزاز، شفت منظر عمري ما هنساه.. عصام كان واقف بعيد مع تلاتة رجالة، عمال يتلفت يمين وشمال زي الذئب الجعان اللي بيدور على فريسته، وفي إيده شنطة مش مفهوم فيها إيه. وفجأة، وبدون أي مقدمات، ظهرت قوتين من أمن المطار والمباحث، وحاصروا عصام والرجالة اللي معاه في ثواني!


عصام حاول يهرب أو يزقهم، بس الأمناء ثبتوه في الأرض، وفتشوا الشنطة اللي في إيده وطلعوا منها سلاح ومواد مخدرة! المحامي بتاع ياسر كان واقف بعيد وبيشاور للشرطة، واتضح إن ياسر كان متوقع غدر عصام، وكان مراقبه عن طريق المحامي، وأول ما عصام فكر يكسر كفالته ويجي المطار يتبلطج، وقع في شر أعماله، والمرة دي القض*ية مبقتش مجرد خناقة في شارع.. دي بقت جناية ترويع داخل منشأة حيوية وحيازة، يعني السجن المشدد بقا مصيره المحتوم لسنين طويلة.


شفت عصام وهو بيتسحب والكلبشات في إيده، راسه كانت في الأرض، وانكساره كان كامل. في اللحظة دي، حسيت بغصة في قلبي.. مش حزن عليه، بس حزن على راجل فرط في بيته وولاده وكرامته لمجرد إنه مش قادر يتحكم في غضبه وطيشه.


صوت النداء الأخير للطيارة رن في الصالة: “على السادة ركاب الرحلة المتوجهة إلى الخليج التوجه للبوابة رقم ٤”.


ياسر بصلي وابتسم، وشال فريدة وأمسك إيد أدهم وقال: “جاهزة يا رانيا؟ جاهزة تبدأي حياتك الحقيقية مع الراجل اللي صانك وشاريكي بجد؟”


دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة اللي بتمسح قهر السنين، هزيت راسي وقلت: “جاهزة يا قلب رانيا.. جاهزة”.



ركبنا الطيارة، وطارت بينا فوق السحاب، وأنا باصة لياسر ولولادي، وحاسة إن ربنا عوضني عن كل لحظة ذل عشتها.


### 💡 الحكمة من القصة:


> **الجواز مش لعبة، والبيوت مش قمار.** الراجل اللي يستهتر بكلمة “الطلاق” ويخليها لبانة في بقه عند كل زعل، دا بني آدم مش مسؤول، وميستاهلش يكون زوج ولا أب، لأن البيوت بتتبني على المودة والرحمة، مش على التهديد وكسر الخواطر.


> **المحلل الصوري إهانة لكرامة المرأة ودينها.** فكرة “المحلل” لمجرد الرجوع للزوج المستهتر هي تجارة بالدين وإهدار لآدمية الست، والست الغالية لازم تعرف إن كرامتها فوق كل شيء، وإن ربنا لما قفل باب الرجوع بعد الطلقات التلاتة، كان حماية ليها ولأنفسها من الرجوع لراجل مبيصونهاش.


> **العوض الحقيقي بيجي للي بيصون كرامته.** رانيا لما رفضت الرخص والحلول الصورية، ربنا عوضها بالراجل اللي بيحبها من زمان، الراجل اللي دخل البيوت من أبوابها، وحمى ولادها وصان عرضها. اتقوا الله في بيوتكم، فالنساء أمانات، ولا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم.




تعليقات

التنقل السريع
    close