القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 في جنازة جوزي



في جنازة جوزي

 

في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق والسيارات والحسابات المصرفية، بينما سلّمني كاتب العدل ظرفًا صغيرًا لا يحتوي إلا على تذكرة سفر إلى أربيل... ثم ابتسموا جميعًا وكأنهم تخلصوا مني أخيرًا. قال ابني إن أربيل مكان هادئ ومناسب لامرأة في عمري، بينما أطلقت زوجة ابني ضحكة خافتة وهي تخفي شماتتها. ظننت أن أبا علي أهانني حتى بعد موته، لكن عندما وصلت إلى أربيل نطق رجل غريب باسمي كما لو كان ينتظرني منذ سنوات، ثم نظر إلى الصورة التي كنت أحملها وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي

لماذا؟ سألت.

أغمض قيس عينيه لثوانٍ قصيرة.

ثم قال بهدوء

لأن أولادك لم يرثوا جائزة يا أمينة...

بل ورثوا اختبارًا.

لم أفهم ما يقصده.

صعدنا إلى الطابق السادس من المبنى الزجاجي.

وكانت هناك قاعة اجتماعات خاصة تطل على أربيل كلها.

من خلف النوافذ الواسعة كانت المدينة تلمع تحت المطر.

الأسطح المبتلة تمتد حتى الأفق.

والجبال الخضراء ترتفع بعيدًا في صمت.

أما السماء فكانت مختلفة تمامًا عن كل ما اعتدت رؤيته في بغداد.

عرض عليّ قيس فنجان قهوة.

ولم يتجه نحو آلة القهوة الحديثة الموجودة في الزاوية.

بل أعدّها بنفسه على الطريقة التقليدية.

كان السائل الداكن يتساقط ببطء داخل الفنجان، ناشرًا رائحة غنية أعادتني فورًا إلى سنوات مضت.

إلى تلك الصباحات الطويلة التي كنت أستيقظ فيها قبل الفجر.

أُعد القهوة لأبي علي.

وأحاول أن أبقى مستيقظة بينما كان المرض يسرق قوته يومًا بعد يوم.

وضع الفنجان أمامي.

ثم قال

أبو علي أخبرني أنك لا تشربين القهوة دون سكر.

شعرت بغصة تخنق حلقي.

وهمست

كان يتذكر التفاصيل الصغيرة.

ابتسم قيس.

وقال

ولهذا ترك لك شيئًا صغيرًا.

ثم أشار إلى الظرف الذي حمل تذكرة السفر.

وأضاف

ذلك الظرف كان المفتاح.

فتح الملف السميك


أمامه.

وكان مليئًا بالعقود الرسمية وسجلات الملكية والوثائق والصور القديمة.

وفوق كل ذلك كان هناك ظرف مغلق يحمل اسمي بخط أبي علي.

لكنني لم أمد يدي إليه.

كنت أخشى أن أفتحه فأعود لأتحطم من جديد.

قال قيس

حسن الجبوري كان أخا أبي علي.

أخًا غير شقيق.

لكن علاقتهما كانت أقوى من علاقة كثير من الإخوة الأشقاء.

حدقت في الصورة القديمة.

كان الشابان يقفان أمام بيت ريفي تحيط به البساتين.

ويبتسمان ابتسامة خفيفة.

فقلت بدهشة

حسن الجبوري؟ أظن أنني سمعت الاسم مرة واحدة منذ سنوات طويلة... لكن أبا علي لم يتحدث عنه أبدًا بعد ذلك.

تنهد قيس.

وقال

لأن أبا علي كان يتعمد إبعاد هذه القصة عن الجميع. حتى أولاده لم يكونوا يعرفون عن حسن شيئًا تقريبًا. وكان يزوره أحيانًا بحجة العلاج أو العمل.

ثم أضاف

لم يكن يخجل من حسن.

بل كان يخجل من قصة العائلة نفسها.

كان لوالدهما أسرتان.

إحداهما في بغداد.

والأخرى هنا في أربيل.

وعندما توفي، حاول بعض أفراد العائلة محو حسن من حياتهم تمامًا.

لكن أبا علي كان الوحيد الذي بحث عنه.

والوحيد الذي تمسك به.

ثم دفع نحوي ورقة أخرى.

وقال

حسن لم يتزوج يومًا.

ولم يُنجب أبناء.

لكنه بنى إمبراطورية كاملة.

شركة تصدير ناجحة.

وأراضي واسعة.

وعقارات تراثية داخل أربيل.

وعندما أصابه المرض الأخير، ترك كل شيء لأبي علي.

لكن بشرط واحد.

رفعت رأسي نحوه.

فقال

ألا تصل هذه الثروة يومًا إلى أشخاص يرون العائلة مجرد وسيلة للحصول على المال.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

لأن أولادي خطروا في بالي فورًا.

لم يجب قيس.

لم يكن بحاجة لذلك.

فأنا أتذكر جيدًا كيف كانوا يحصون العمارات والسيارات والحسابات المصرفية داخل مكتب الوصية.

وكأنهم يراجعون قائمة مشتريات.

لم يسأل أحد منهم عن سنوات مرض أبيهم.


ولم يسأل أحد عني.

تابع قيس

أبو علي فكر كثيرًا في إحضارك إلى هنا قبل سنوات.

لكنك رفضت أن تتركيه وهو مريض.

لذلك قسم كل شيء إلى وصيتين.

واحدة ظاهرة في بغداد.

والأخرى هنا.

سألته

وما هذه الوصية؟

فتح ملفًا آخر.

وفي الصفحة الأولى ظهر عنوان كبير مكتوب بخط عريض

وقف الجبوري الخيري

وتحته مباشرة

المستفيدة الوحيدة أمينة حسن

حدقت في الكلمات.

مرة.

ثم مرتين.

حتى أصبحت الحروف ضبابية أمام عيني.

قلت بصوت مرتجف

لا أفهم.

ابتسم قيس.

وقال

هناك بساتين شاسعة في جبال أربيل.

ومنزل تراثي كبير داخل المدينة.

وحصص حاكمة في شركة تصدير.

وحسابات مصرفية تكفي للحفاظ على كل ذلك لعقود طويلة.

ومؤسسة خيرية كاملة لرعاية النساء المسنات اللواتي تخلى عنهن أبناؤهن.

وضعت يدي فوق صدري.

وسألته

مؤسسة خيرية؟

أومأ برأسه.

وقال

وأبو علي عيّنك رئيسة لها مدى الحياة.

خرجت مني ضحكة مرتجفة.

وقلت

أنا بالكاد أكملت تعليمي.

ابتسم قيس.

وقال

أبو علي قال إن امرأة أدارت بيتًا ستة وأربعين عامًا، وتحملت مرضًا طويلًا، وربّت عائلة كاملة... قادرة على إدارة أي مؤسسة في العالم.

عندها فقط انهرت.

بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات.

دفنت وجهي بين كفيّ.

وبكيت بكاء امرأة ظلت قوية أكثر مما ينبغي.

انتظر قيس بصمت حتى هدأت.

ثم دفع الرسالة نحوي.

وقال

أوصاني أن تقرئيها هنا.

مزقت الظرف بيدين مرتجفتين.

وكان خط أبي علي واضحًا رغم اهتزازه.

أمينة...

إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أن أولادنا فعلوا ما كنت أخشاه.

ضحكوا على الظرف.

وظنوا أنني أرسلتك بعيدًا بلا شيء.

سامحيني لأنني سمحت لتلك اللحظة أن تؤلمك.

لكن كان عليّ أن أوصلك إلى هنا دون أن يثير الأمر شكوك أحد.

فلو تركت لك شيئًا في بغداد، لدخلوا في نزاعات

لا تنتهي حتى ينتزعوه منك.

أما ما تركته هنا...

فلا يستطيع أحد الاقتراب منه.

شددت قبضتي على الرسالة.

وأكملت القراءة.

حسن كان أخي.

والإنسان الوحيد الذي علمني أن الدم وحده لا يصنع عائلة.

أما أنتِ يا أمينة...

فكنتِ عائلتي الحقيقية.

كنتِ سندي عندما خذلني جسدي.

وكنتِ بيتي عندما ضاقت الدنيا.

أنا لا أترك لك ثروة كي ترتاحي فقط.

بل أترك لك مكانًا لن ينظر إليك فيه أحد يومًا وكأنك عبء أو مشكلة.

ارتجفت شفتاي وأنا أتابع القراءة.

إذا أردتِ العودة إلى بغداد فعودي.

وإذا أردتِ البقاء فابقي.

لكن لا تعودي أبدًا لتطلبي الإذن من أحد.

لقد دفعتِ ثمن حبك لهم أكثر مما ينبغي.

أما السطر الأخير فكان باهتًا بالكاد يُقرأ.

لكنه ما زال واضحًا

لا تحكمي على الأشياء من حجمها...

تذكرة السفر كانت الباب.

ضممت رسالة أبي علي إلى صدري بقوة، وكأنني أخشى أن تنتزعها الأيام مني كما انتزعت صاحبها.

ولأول مرة منذ يوم الجنازة، لم أشعر أن زوجي يرقد تحت التراب بعيدًا عني.

بل شعرت أنه يجلس إلى جواري.

هادئًا كعادته.

عنيدًا كعادته.

يرتب أموره بطريقته الخاصة حتى بعد رحيله.

متأخرًا كعادته...

لكنه ما زال يحميني.

قطع قيس صمتي وهو يقول

هناك أمر آخر.

رفعت بصري إليه.

وقلت بتنهيدة متعبة

يبدو أن الموتى لا يرحلون قبل أن يتركوا خلفهم مفاجأة أخيرة.

ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال

أولادك تواصلوا مع شركائنا القانونيين هذا الصباح.

شعرت بانقباض مفاجئ في صدري.

كيف عرفوا؟

هز رأسه وقال

هم لا يعرفون أين أنتِ الآن، لكنهم بدأوا البحث خلف الوصية. وقد تواصلوا بالفعل مع مكتب كاتب العدل في بغداد بعدما اكتشفوا أن بعض العقارات التي آلت إليهم ترتبط بالتزامات مالية كبيرة.

عقدت حاجبيّ باستغراب.

التزامات مالية؟

عدل نظارته وقال بهدوء

أبو علي لم يترك لهم أملاكًا عديمة القيمة، بل ترك لهم ما ظلوا يطالبون به طوال سنوات. العمارات، والسيارات، والأراضي، والحسابات التجارية.

ثم أضاف

لكنه ترك لهم أيضًا كل ما يتعلق بتلك الممتلكات من التزامات ديون وقروض والتزامات مالية. كما وضع بندًا قانونيًا صارمًا يمنعهم من الطعن في الجزء الخاص من الوصية. وإذا حاولوا المطالبة بأي ممتلكات أخرى خارج العراق، فإنهم سيفقدون جزءًا مهمًا من حقوقهم فيما ورثوه بالفعل.

تجمدت في مكاني.

لم يكن الأمر انتقامًا.

ولم يكن عقابًا.

بل كان مرآة.

مرآة تركها أبو علي أمام أولاده ليروا فيها أنفسهم

 

 

كما هم.

لقد اندفعوا نحو المال دون أن يتوقفوا لحظة لقراءة التفاصيل.

تمامًا كما كانوا يندفعون نحوي كلما احتاجوا إلى مال أو خدمة أو معروف.

ثم يختفون فور حصولهم على ما يريدون.

دون سؤال.

دون اهتمام.

دون أن يتذكر أحدهم أن لي قلبًا يتعب كما تتعب قلوب البشر.

همست بصوت خافت

أحقًا فعل أبو علي كل هذا؟

أجاب قيس

أبو علي منحهم فرصًا كثيرة ليكونوا أبناء صالحين، لكنهم هم من اختاروا غير ذلك.

في تلك الليلة نمت داخل المنزل الذي تركه حسن.

كان منزلًا قديمًا، لكنه يحمل دفئًا وهيبة يصعب وصفهما بالكلمات.

كانت الأرضيات الخشبية اللامعة تعكس الضوء الذهبي للمصابيح.

وكانت الأسقف المرتفعة تمنح المكان سكينة غريبة.

أما الشرفة الواسعة التي تحيط بالمنزل، فكانت تسمح لصوت المطر بالدخول من كل الجهات.

لكن المطر هنا لم يكن يشبه أي مطر عرفته من قبل.

لم يكن يبدو كعاصفة.

بل كرفيق هادئ يجلس إلى جوارك كي لا تشعري بالوحدة.

تجولت بين الغرف ببطء.

وكانت صور حسن معلقة على الجدران في كل مكان.

في بعضها كان شابًا يقف وسط المزارع.

وفي أخرى كان أكبر سنًا يبتسم بين العمال.

وفي صورة صغيرة كان يحتضن كلبًا ضالًا بابتسامة دافئة جعلتني أشعر أنني أعرفه رغم أنني لم ألتقِ به يومًا.

وفي صباح اليوم التالي دخلت إلى المطبخ.

فوجدت مائدة إفطار أُعدت بعناية.

وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها بخط جميل

مرحبًا بكِ يا أمينة.

هذا البيت كان ينتظر وصولك منذ سنوات.

جلست وحدي أمام الطاولة.

لا أولاد.

لا أحفاد.

لا ضجيج.

لا مطالب.

فقط أنا.

تناولت لقمة صغيرة.

ثم امتلأت عيناي بالدموع من جديد.

لكنها لم تكن دموع الحزن نفسها.

كانت دموع امرأة بدأت تشعر أخيرًا أن لها مكانًا في هذا العالم.

مكانًا لا يُطلب منها فيه أن تعطي أكثر مما تملك.

وفي صباح اليوم التالي اصطحبني


قيس إلى المزرعة.

وكلما ارتفعت السيارة بين الجبال، ازداد المشهد حولي جمالًا.

امتدت الحقول الخضراء إلى ما لا نهاية.

وتسلل الضباب بين التلال كأنه نهر أبيض هادئ.

وتناثرت البيوت الريفية الصغيرة بين الأشجار.

وكان الناس يلوحون لنا بابتسامات ودودة كلما مررنا بالقرب منهم.

نساء يكنسن أمام بيوتهن.

وأطفال يركضون بين الحقول.

وعمال يبدأون يومهم منذ ساعات الفجر الأولى.

أما أنا فكنت أنظر من نافذة السيارة بصمت.

وأفكر في السنوات الطويلة التي قضيتها بين المستشفيات والصيدليات والفواتير وغرف المرض.

سنوات كاملة نسيت خلالها كيف تبدو الحياة خارج دائرة التعب.

هنا فقط شعرت أن الهواء مختلف.

كان يحمل رائحة الأرض بعد المطر.

رائحة الحياة.

رائحة شيء ما يزال حيًا رغم كل ما مر به.

ثم ظهرت أمامنا لافتة خشبية كبيرة عند مدخل المزرعة.

تباطأت السيارة.

ورفعت عيني إليها.

كان الاسم محفورًا على الخشب بخط واضح

الأخوان

وفي اللحظة التي قرأت فيها الاسم، عادت الصورة القديمة إلى ذهني فورًا.

أبو علي.

وحسن.

واقفان جنبًا إلى جنب أمام منزل خشبي قديم.

وفجأة شعرت أن كل قطعة مفقودة من الحكاية بدأت تستقر في مكانها الصحيح.

ترجلت من السيارة وأنا ما زلت أحدق في المكان من حولي.

وفي تلك اللحظة خرجت امرأة في أواخر الستينيات من عمرها من باب المنزل الرئيسي.

كانت تبتسم وكأنها تعرفني منذ زمن طويل.

اقتربت مني مباشرة واحتضنتني بحرارة.

ثم قالت

كان أبو علي يذكر اسمك دائمًا.

نظرت إليها بدهشة.

كان يتحدث عني هنا؟

ابتسمت وقالت

في كل مرة كان يتصل فيها بالمزرعة أو بالمكتب الإداري، كان يوصينا بأمر واحد.

وما هو؟

قالت

كان يقول عندما تصل أمينة يومًا، لا تعاملوها كضيفة، بل عاملوها كصاحبة الدار.

توقفت الكلمات في حلقي.

صاحبة الدار.

بدت العبارة أكبر من

قدرتي على استيعابها.

أنا التي قضيت عمري كله أخدم الآخرين، وأضع نفسي دائمًا في آخر الصف.

تجولت داخل المنزل الكبير.

كانت هناك شرفة واسعة تصطف فيها الكراسي الهزازة.

وطاولة طعام طويلة تكفي لعائلة كاملة.

وأحواض زهور ملونة تزين المكان.

وغرفة نوم أُعدت بعناية وكأن أحدًا كان ينتظر وصولي منذ سنوات.

وفوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير وجدت صورة أخرى.

كان أبو علي فيها بشعره الأبيض الكامل.

يجلس إلى جوار حسن.

وعلى ظهر الصورة تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.

حدقت فيها طويلًا.

ثم تذكرت ذلك الأسبوع جيدًا.

كنت قد بقيت في المنزل لأرعى أحفادي.

أما أبو علي فأخبرني يومها أنه مسافر لمراجعة طبيب متخصص.

شعرت بوخزة صغيرة في قلبي.

ليس بسبب الرحلة نفسها.

بل بسبب السر الذي احتفظ به كل تلك السنوات.

همست وأنا أحدق في الصورة

لماذا لم يأخذني معه؟

كان قيس ينظر إلى التلال الممتدة أمامنا.

ثم قال بهدوء

لأنه كان يعرف أولادك جيدًا. كانوا يتابعون حساباته وأملاكه منذ سنوات، وكان يخشى أنهم إذا علموا بأمر هذه الممتلكات فسيحاولون الضغط عليك للتصرف فيها. كما كان يعلم أنكِ لن تتركيه وتسافري بعيدًا وهو يصارع المرض.

وأدركت أنه كان محقًا.

فلو طلب مني الرحيل يومها...

لما تركت جانبه أبدًا.

وبحلول الظهيرة بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.

علي.

ثم زهراء.

ثم سارة.

ثم عشرات الرسائل المتلاحقة.

أمي أين أنت؟

يجب أن نتحدث بشأن الوصية.

لا يصح أن تختفي هكذا.

هناك مشكلات قانونية كبيرة.

ابتسمت رغم نفسي.

كم هو غريب أن يتذكر الأبناء أمهم فجأة عندما يكتشفون أن لديها شيئًا ما يحتاجون إليه.

وضعت الهاتف جانبًا.

ولم أرد على أحد.

وفي تلك الليلة جلس قيس معي في الشرفة المطلة على المزارع.

وأخذ يشرح لي كل شيء بصبر كبير.

الأوراق التي يجب أن أوقعها.

والإجراءات

التي ينبغي إتمامها.

وكيفية تثبيت ملكيتي القانونية لما تركه أبو علي وحسن.

وما إذا كنت أرغب في الإشراف على المزرعة بنفسي أو ترك الإدارة اليومية لمن يتولى ذلك.

ثم بدأ يشرح لي السجلات الرسمية والتوكيلات القانونية والحسابات البنكية والإجراءات المتعلقة بالممتلكات.

كنت أستمع إليه بصمت.

وأشعر أنني أقف على أعتاب عالم جديد تمامًا.

عالم لم أتخيل يومًا أن أكون جزءًا منه.

عالم أكبر بكثير من امرأة أمضت معظم عمرها بين المطبخ وغرفة المرض وسداد الفواتير.

وأخيرًا كسرتُ الصمت.

ونظرت إلى قيس وقلت بصوت خافت

لا أعرف إن كنت قادرة على كل هذا.

كنت أنظر إلى الأوراق المكدسة أمامي وكأنها تتحدث بلغة لا أفهمها.

عقود.

ومؤسسات.

وحسابات.

وأملاك.

ومسؤوليات لم أتخيل يومًا أنها ستوضع فوق كتفي.

فأنا لم أكن سيدة أعمال.

ولم أدر شركة.

ولم أجلس يومًا خلف مكتب فاخر أتخذ القرارات.

كنت مجرد امرأة عاشت عمرها كله بين جدران بيتها.

ترعى زوجها.

وتربي أبناءها.

وتحاول أن تجعل الأيام تمر بأقل قدر ممكن من الخسائر.

لكن سروة، التي كانت تصب القهوة بهدوء، وضعت الإبريق على الطاولة ونظرت إليّ مباشرة.

ثم قالت بحزم

يا أمينة... أنتِ المرأة نفسها التي كانت ترفع أبا علي من سريره عندما عجزت قدماه عن حمله.

وسكتت لحظة.

ثم أضافت

صدقيني... الأوراق أسهل كثيرًا من حمل إنسان تحبينه وهو يذبل أمام عينيك.

ابتسمت رغم الدموع التي ملأت عيني.

لأنها كانت محقة.

محقة أكثر مما تتصور.

بعد ثلاثة أيام فقط...

وصل أولادي إلى أربيل.

لا أعرف كيف عثروا على العنوان.

ربما من خلال الأوراق الرسمية.

وربما لأن المال يمنح بعض الناس قدرة عجيبة على البحث عندما يخشون أن يفقدوا شيئًا منه.

لكنهم وصلوا.

وصلوا غاضبين.

ومتوترين.

ويرتدون ملابس رسمية أنيقة وكأنهم ذاهبون إلى اجتماع تجاري لا إلى منزل أمهم.

دخلت زهراء أولًا.

ودون أن تلقي السلام حتى، قالت بعصبية

أمي... ماذا تفعلين هنا بالضبط؟

كنت أجلس قرب النافذة الكبيرة.

أحتسي قهوتي بهدوء.

وأراقب المطر وهو يهبط فوق الأشجار.

رفعت بصري إليها وقلت

أتناول فطوري.

نظر علي حوله بانبهار واضح.

كانت عيناه تتنقلان بين الجدران والأثاث واللوحات القديمة.

ثم سأل

هل كان أبي يملك هذا المكان؟

أجبته بهدوء

لا.

هذا المكان كان ملكًا لحسن.

قطب حاجبيه.

وقال بانفعال

ومن يكون حسن أصلًا؟

في تلك اللحظة خرج قيس من المكتب المجاور.

وكان يحمل حقيبته

 


الجلدية المعتادة.

فقال بهدوء مهني

أرجو أن تتذكروا أنكم داخل ملكية خاصة.

أطلقت سارة ضحكة ساخرة.

وقالت

نحن عائلة.

نظرت إليها طويلًا.

ثم وقفت من مكاني ببطء.

وقلت

غريب...

تذكرتِ أننا عائلة الآن فقط؟

ألم تكونوا عائلة أيضًا عندما ضحكتم على تذكرة سفري؟

ساد الصمت للحظة.

وشدت زهراء فكها بقوة.

ثم قالت

أمي... لا تبالغي.

لقد كانت مجرد مزحة.

هززت رأسي ببطء.

وقلت

لا يا زهراء.

لم تكن مزحة.

كانت راحة.

كنتم تظنون أنكم تخلصتم مني.

ارتفع صوت علي فجأة

أبي لم يكن يحق له إخفاء أملاك أخرى عنا.

كل هذا سيُراجع قانونيًا.

وسنعترض عليه.

فتح قيس ملفًا كان يحمله.

وأخرج ورقة رسمية.

ثم قال

من حقكم الاعتراض بالطبع.

لكن فور بدء أي طعن قانوني في هذا الجزء من الوصية، سيُفعَّل البند الجزائي الموجود في الوصية الأصلية.

وساعتها ستفقدون جزءًا كبيرًا من حقوقكم في الممتلكات التي ورثتموها بالفعل.

تغير لون وجه علي فورًا.

واختطفت سارة الورقة من يده بسرعة.

أما زهراء فكانت تنظر إليّ وكأنني خططت لكل هذا بنفسي.

ثم قالت بحدة

هل كنتِ تعرفين بالأمر؟

أجبت

لا.

قالت فورًا

إذن تنازلي عنه.

كانت الكلمة قاسية.

قاسية إلى درجة أنها أعادت إليّ عشرات الذكريات دفعة واحدة.

لم تطلب مني.

بل أمرتني.

تمامًا كما كانت تترك أبناءها عندي أيامًا كاملة دون أن تسأل إن كنت متعبة.

وكما كان علي يقترض المال وهو يعلم أنه لن يعيده أبدًا.

وكما كانت سارة تلمح دائمًا إلى أن امرأة في عمري لا تحتاج إلى شراء شيء جميل لنفسها.

تنازلي.

تنازلي عن راحتك.

تنازلي عن حقك.

تنازلي عن الفرصة الوحيدة التي تركها لك زوجك لينقذك من الوحدة.

شعرت بالخوف للحظة.

خوف حقيقي.

ذلك النوع من الخوف الذي يسكن الجسد سنوات طويلة.

الخوف الذي يولد عندما تعتاد أن تطيع الجميع وتنسى أن لك حق الاختيار.

لكنني لمست الرسالة الموجودة داخل جيب عباءتي.

رسالة أبي علي.

وتذكرت كلماته.

لقد دفعتِ


ثمن حبك لهم أكثر مما ينبغي.

رفعت رأسي.

ونظرت إلى ابنتي.

ثم قلت بهدوء لم أعرف من أين جاء

لا.

تجمدت زهراء.

وقالت

ماذا؟

كررت كلمتي بوضوح أكبر

لا.

لن أتنازل عن شيء.

أطلق علي زفرة غاضبة.

وقال بنبرة متعالية

أمي... هؤلاء المحامون يضحكون عليك.

ابتسمت لأول مرة.

ثم قلت

لا يا بني.

لأول مرة في حياتي...

هناك من يخبرني بالحقيقة كاملة.

تقدم خطوة نحوي.

لكن قبل أن يصل إليّ ظهرت سروة عند باب المطبخ.

وكان يقف خلفها اثنان من عمال المزرعة.

صامتين.

ثابتين.

كأنهما شجرتان قديمتان لا تهزهما الريح.

تراجع علي قليلًا.

ثم قال ببرود

ستبقين وحدك في النهاية.

نظرت إليه طويلًا.

نظرت إلى الطفل الذي كنت أسهر إلى جواره عندما ترتفع حرارته.

وإلى الشاب الذي كنت أخيط ملابسه وأوفر مصروفه من تعبي.

وإلى الرجل الذي لم يبكِ على أبيه لأنه كان منشغلًا بحساب قيمة ما ورثه.

ثم قلت بهدوء

أنتم تركتموني وحدي منذ سنوات طويلة.

وصمتُّ لحظة.

ثم أضفت

الفرق الوحيد...

أنني اليوم لم أعد أقف خارج الباب.

بل أصبحت أملك مفتاحه..

امتلأت عينا زهراء بالدموع.

وفي الماضي، كان مجرد رؤيتي لدموعها كافيًا لأنسى نفسي كلها وأركض لإصلاح أي شيء يؤلمها، حتى لو كان الثمن راحتي أو كرامتي أو ما تبقى من عمري.

لكن هذه المرة رأيت دموعها كما هي.

لأول مرة.

لم تكن دموع ابنة خائفة على أمها.

ولم تكن دموع إنسانة فقدت أباها.

بل كانت دموع شخص شعر أن شيئًا كان يعتقد أنه يملكه قد أفلت من بين يديه.

هي لم تكن تبكي لأنها خسرتني.

بل لأنها خسرت طريقها إليّ.

وخسرت قدرتها على الوصول إلى ما أملك.

غادروا المنزل في ذلك المساء وهم يتحدثون بصوت مرتفع عن المحاكم، والدعاوى القضائية، والسفارات، والمحاسبين، والشركات القانونية الكبرى، وكل تلك الكلمات الضخمة التي يلجأ إليها الناس عندما لا يكون لديهم حق أخلاقي واحد يتمسكون به، لكنهم يملكون ما يكفي من المال لإثارة الضجيج.

وقفت في الشرفة أراقب المطر وهو

ينساب فوق شوارع أربيل الهادئة.

وكان قيس يقف إلى جواري بصمت.

ثم سألني بهدوء

هل ترغبين في العودة إلى بغداد لبعض الوقت حتى تجمعي أغراضك؟

ظللت صامتة لثوانٍ طويلة.

وفكرت.

فكرت في البيت الذي عشت فيه سنوات عمري كلها.

في الطاولة التي جلست أمامها أبكي ليلة قرأت الوصية.

في المطبخ الذي كنت أعد فيه طعام أبي علي.

في الجيران الذين عرفوني شابة ثم زوجة ثم أمًا ثم أرملة.

في الأزقة التي حفظت خطواتي.

وفي كل شيء كنت أظنه يومًا حياتي كلها.

ثم فكرت في هذا المكان.

في البيت الذي كان ينتظرني منذ سنوات دون أن أعلم.

في سروة التي استقبلتني وكأنها تعرفني منذ عمر.

في النساء اللواتي يمكن للمؤسسة أن تمنحهن مأوى وكرامة بعدما لفظتهن عائلاتهن.

وفكرت في أبي علي.

وهو يكتب رسالته بيد متعبة ترتجف من المرض.

وهو يحاول للمرة الأخيرة أن يحميني.

وأن يترك لي شيئًا لا يستطيع أحد انتزاعه مني.

شيئًا يجعلني مرئية أخيرًا بعد عمر كامل من الاختفاء خلف احتياجات الآخرين.

فرفعت رأسي وقلت

نعم... سأعود.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضفت

لكنني لن أبقى هناك.

بعد شهر عدت إلى بغداد.

ولم أذهب إلى بيت أي واحد من أولادي.

ولم أتصل بأحد منهم.

ذهبت مباشرة إلى قبر أبي علي.

كنت أحمل باقة كبيرة من الزهور البيضاء التي كان يحبها.

جلست إلى جوار قبره.

وضعت الزهور فوق الرخام.

ثم أخرجت رسالته من حقيبتي.

وضممتها إلى صدري.

وقلت بصوت خافت حملته الريح بعيدًا

يا لك من رجل عنيد يا أبا علي.

ثم ضحكت بين دموعي.

جعلتني أبكي وسط غرفة مليئة بالغربان... لكنك أنقذتني في النهاية.

لم أبع البيت القديم.

رممت السقف.

وجددت الجدران.

وأصلحت ما أفسدته السنوات.

ثم سلمت مفاتيحه إلى جار قديم كنت أثق به.

أما في المطبخ...

في المكان نفسه الذي وضعت عليه تذكرة السفر يوم ظننت أنها أكبر إهانة في حياتي...

فقد علقت نسخة مؤطرة من تلك التذكرة فوق الحائط.

ليس كي أتذكر الألم.

بل كي أتذكر الباب.

بعد ستة أشهر

افتتحت مؤسسة أمينة حسن أول دار لرعاية النساء المسنات على أرض مزرعة الأخوين.

وصلت أول مجموعة من النساء في صباح هادئ.

ثلاث نساء من بغداد والبصرة والموصل، وامرأتان من كردستان.

وكان التعب ظاهرًا في وجوههن جميعًا.

وجوه نساء قضين أعمارهن يطلبن الإذن كي يعشن.

إحداهن تركها أبناؤها في المستشفى ولم يعودوا إليها.

وأخرى جاءت تحمل حقيبة بلاستيكية صغيرة تحتوي كل ما تبقى لها من الدنيا.

وثالثة كانت لا تتوقف عن الاعتذار كلما طلبت كوب ماء أو قطعة خبز.

استقبلتهن بالقهوة الساخنة.

والخبز الطازج.

وطبق كبير من الطعام أعددته بنفسي.

لم أكن أعرف شيئًا عن إدارة المؤسسات.

لكنني تعلمت.

كما تعلمت يومًا كيف أعتني بمريض طريح الفراش.

وكما تعلمت قراءة الفواتير الطبية المعقدة.

وكما تعلمت النوم جالسة على كرسي المستشفى ليالي طويلة.

وكما تعلمت أخيرًا...

متأخرة جدًا...

أن التضحية ليست دائمًا حبًا.

وأن الحب الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يختفي بالكامل.

أرسل أولادي رسائل قانونية.

ثم إنذارات.

ثم تهديدات.

ثم...

صمتًا كاملًا.

وكان ذلك الصمت أجمل هدية حصلت عليها منهم طوال سنوات طويلة.

هل آلمني الأمر؟

نعم.

بالطبع آلمني.

فالأم لا تستطيع أن تقتلع أبناءها من قلبها دون أن تنزف.

لكنها تستطيع أن تغلق الباب أخيرًا عندما تكتشف أن من يدخلون منه لا يفعلون ذلك حبًا بها، بل طمعًا فيما تملك.

وفي عصر أحد الأيام الهادئة، كنت أجلس في شرفة المزرعة أراقب الضباب الأبيض وهو يهبط ببطء فوق التلال الخضراء.

وكانت سروة تغني أغنية قديمة داخل المطبخ.

بينما كانت إحدى السيدات تسقي الأزهار.

وكانت أخرى تضحك عبر الهاتف بعد أن اتصلت بها حفيدتها لتطمئن عليها للمرة الأولى منذ سنوات.

أخرجت الصورة القديمة.

صورة أبي علي وحسن.

شابان يقفان أمام الكاميرا.

ولا يعرفان أن أسرارهما ستعبر كل هذه السنوات لتغير حياة امرأة كاملة.

نظرت إلى الصورة.

ثم رفعتها قليلًا

وهمست

وجدتها يا أبا علي.

وجدت الشيء الصغير.

التذكرة.

الظرف.

الرحلة الطويلة.

الابتسامات الساخرة.

والباب.

وفهمت أخيرًا لماذا ضحك أولادي يومها.

لقد ظنوا أنهم يطردونني من حياتهم.

ولم يدركوا أبدًا أن أبا علي كان يفتح لي بابًا جديدًا.

بابًا نحو نفسي.

لقد ترك لي تذكرة ذهاب فقط.

لأنه كان يعلم أنني بعد عمر كامل قضيته أعيش من أجل الجميع...

كنت بحاجة أخيرًا إلى أن أتعلم حقيقة واحدة

أن البيت ليس الجدران التي نعيش بينها، ولا الأشخاص الذين نحمل أسماءهم.

البيت هو المكان الذي تشعر فيه أنك مُرحَّب بك دون أن تدفع ثمنًا من كرامتك.

ولهذا ترك لي زوجي تذكرة ذهاب فقط...

لأنه كان يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نتوقف عن العودة إلى الأماكن التي كسرت قلوبنا.

 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close