القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 تحـت سقـف واحـد كامله



تحـت سقـف واحـد كامله 

« يعني إيه شقتك لوحدك يا حبيبتي؟ إحنا كلنا عايشين تحت سقف واحد، ومش أنتِ اللي هتمشينا على مزاجك وتقولي مين يقعد ومين يمشي! » — حماتها طنط هدى زعقت والدم غلي في عروقها….



— “أنا قلت لأ يعني لأ،” — حنان ردت وهي بتجز على سنانها وبتحاول بكل ما فيها من قوة متفقدش أعصابها. “الشقة دي شقتي أنا، وباسمي.. وأنا مش هسمح…”


— “شقتك؟” — قاطعتها طنط هدى وهي بتبص لها بنظرات سخرية وعدم تصديق. “والأصول والعيلة ملهمش لازمة عندك؟ جرى إيه يا أحمد ؟ أنت سامع الهانم مراتك بتقول إيه؟!”


حنان فتحت باب الشقة بالراحة، ومكنش عندها طاقة حتى تدخل. الساعة كانت عدت تسعة بالليل. راجعة من الشغل هلكانة بعد يوم طويل وضغط مشروع في الشركة شفط طاقتها كلها. وزي كل يوم مؤخراً، أول ما حطت رجلها في الصالة، لقت الجو مشحون وصوت الزعيق واصل للشارع.


— “أهو.. شرفت الهانم في مواعيدها المتأخرة!” — حمااتها طنط هدى رمت الكلمة أول ما شافتها داخلة. ” أحمد قاعد ومستني ميت من الجوع!”


حنان خدت نفس عميق وهي بتلعق جاكت الشغل. البيت ده، اللي المفروض يكون مكان راحتها وملاذها الخاص، بقا غريب عنها. بقت تحس إنها ماشية في حقل ألغام، وإنهم مستحملينها فيه “تأدية واجب” مش أكتر.


 


من شهر ونص فاتوا، لما أحمد طلب منها يستضيفوا أبوه وأمه كام يوم لحد ما شقتهم تخلص توضيب ونداهة النقاشين تخلص، حنان وافقت من غير ما تفكر. قال إيه، أسبوعين تلاتة بالكتير وأزمة وتعدي. لكن الأسابيع جرت ورا بعضها، والحبايب استقروا، والموضوع قلب لكابوس ملوش آخر.


 


— “مساء الخير،” — حنان قالتها وهي داخلة المطبخ.


**أحمد** وأبوه **عم حسين** كانوا قاعدين على السفرة، عينيهم مبرقة في شاشة التلفزيون ومتابعين الماتش. و**طنط هدى** واقفة قدام البوتاجاز، بتهبد الحجج والحلل بعنف، كأن المواعين هي اللي غلطانة في حقها.


— “أنا مش قايلة لك تيجي الساعة سبعة بالكتير؟” — حمااتها كملت بنفس نبرة التأنيب والتحكم اللي بقت روتين يومي. “البيت هنا ليه نظام ومواعيد، إحنا ناس متعودة نتغدى ونتعشى في أوقات محترمة!”


حنان فتحت التلاجة بهدوء مصطنع، وبتحاول متظهرش أي نرفزة: “كان عندي تسليم شغل مهم، ومكنش ينفع أمشي وأسيب المشروع واقف.”


— “شغل.. شغل..” — **طنط هدى** تريقت بـ لَوّية بوز. “ومين بقى يشوف طلبات جوزها؟ اتكلم يا **أحمد**، قول لمراتك كلمة!”


**أحمد** انكمش في كرسيه، وبان عليه العجز، أو يمكن الخوف من إنه يختار صف ويزعل التاني: “يعني يا حنان… لو كان ينفع تيجي بدري شوية عن كده…” — قالها وهو مش قادر يبص في عينيها.


حنان ضغطت على شفايفها بوجع. قبل ما أهله يجوا، مكنش عمره بيحاسبها على تأخير الشغل ولا بيعمل منها قضية. لكن من ساعة ما دخلوا البيت وهو اتقلب ١٨٠ درجة. أو يمكن هي اللي بدأت تشوفه على حقيقته دلوقتي.

— “أيوا فعلا،” — **عم حسين** وافق مراته، وهو بيلف وشه أخيراً عن التلفزيون. “الست المفروض بيتها وجوزها يكونوا أولويتها الأولى.. بنات الأيام دي بقا…”


حنان جسمها خشب من الكلمة. بقالها قد إيه بتسمع أسطوانة “بنات الأيام دي”، كأنها تهمة متفصلة ليها؟


— “أنا هحضر لقمة ناكلها،” — حنان اتكلمت وهي بتطلع أكياس السوبر ماركت.


 


— “ماتتعبيش نفسك،” — **طنط هدى** قاطعتها وهي بتشاور بإيدها باستهانة. “أنا طبخت وعملت كل حاجة. ودخلت كمان رتبت لك ضلف المطبخ والـ “بانتري” من أول وجديد، كنتِ حاطة الحاجة بكركبة تفتح النفس!”


حنان اتسمرت في مكانها، وعينيها وسعت:


— “يعني إيه رتبتيها تاني؟ المطبخ ده مطبخي أنا يا طنط…”


— “بالظبط، مطبخك…”


 


 


من عيوني، هنطول النَفَس ونفرش الأحداث بالتفصيل الممل اللي يبيّن خنقة “حنان” والضغط اللي عايشة فيه وسطهم، والتحكم اللي بيبدأ بحتة سمنة وينتهي بخصوصية بيتها.


طنط هدى قاطعتها بابتسامة صفرا باهتة، وهي بتمسح إيديها في الفوطة بروقان مستفز، وكأنها بتلقّن حنان درس مجاني في الأصول. “بس أنتِ بنتي يا حبيبتي، والبيت بيت ابنيردّه، وأنا مدخلتش غريبة! وبعدين كتر خيري إني قادرة أقف على رجلي وأستتِف لك الكركبة دي كلها. دَنا ملقيتش علبة بهارات في مكانها، والرز محطوط جمب المكرونة، وحاجة تشيب! الست الشاطرة إيديها في بيتها أول بأول يا حنان، مش تيجيلنا وش الفجر وعايزة كل حاجة تمشي بالمسطرة.”


حنان كانت واقفة في نص المطبخ، صوابع إيديها لسه لافة على أكياس السوبر ماركت لدرجة إن الأكياس علّمت في جلدها وبقت حمرا. الدم كان بيهرب من وشها تدريجي، وحسّت بضربات قلبها بتسرع لدرجة إنها سامعة دبتها في ودانها. المطبخ ده، اللي قعدت تنقي كل شبر فيه، من أول لون الخشب لحد مكان البرطمانات الصغيره، بقا فجأة مسرح لسيطرة حد تاني. حد بيفتش وراها، بيعيد ترتيب حياتها على مزاجه، وكمان بيمنّ عليها بالجميل!


بصت لـ “أحمد” اللي كان بره في الصالة، مستني الإشارة عشان يهرب بعينه تاني للشاشة. زعقت ب نبرة مكتومة بس حادة، وهي بتلتفت لحماتها:


— “يا طنط، أنا مش مكركبة المطبخ ولا حاجة، أنا نظامي كده وعارفة مكان حاجتي بالظبط! لما بتغيري الأماكن أنا بتوه في بيتي.. ده غير إن دي خصوصية، مش بحب حد يدخل يلعب في الضلف وأنا مش موجودة.”


طنط هدى شهقت، وحطت إيدها على صدرها كأن حنان ضربتها بالقلم:


— “يلعب؟! أنا بلعب في حاجتك يا حنان؟ كتر خيري إني قايمة من الفجر، وضهري مكسور عشان أعمل لقمة تطفحوها لما تيجوا من النجمة! بقا ده جزايا؟ جرى إيه يا حسين! اسمع الهانم بتقول عليا إيه!”


عم حسين مكدّبش خبر، هز راسه بأسف وهو بيمصمص شفايفه، ومن غير ما يشيل عينه من على الماتش قال بصوت جهوري:


— “جرى إيه يا بنتي؟ عيب كدا، دي في مقام والدتك ومصلحة بيتك تهمها. الست الكبيرة لما تمد إيدها في حتة بتبرّكها، مش تقولي خصوصية وما خصوصية! كلام قنوات التلفزيون ده مأكلناش عيش.”


حنان لفت وشها وبصت لأحمد، كانت مستنية منه كلمة.. كلمة واحدة ترد لها اعتبارها، أو على الأقل تحط حد للتدخل ده. أحمد فرك إيديه في بعض، وبص لحنان بنظرة رجاء، نظرة ضعيفة بتقول “عدي الليلة عشان خاطر أمي ومشاكلها الصحية”. تنحنح وقال بصوت واطي:


— “خلاص يا حنان.. ماما مقصدهاش حاجة، هي بس حبت تساعدك بما إنك بتيجي متأخرة. حصل خير، فوتيها بقا.”


“فوتيها”.. الكلمة دي بقيت حنان بتسمعها أكتر ما بتسمع اسمها في البيت ده. فوتيها عشان المركب تسير، فوتيها عشان طنط هدى ضغطها ميعلاش، فوتيها عشان عم حسين ميزعلش. بس محدش كان بيسأل المركب دي بتسير على حساب مين، ومين اللي بيتفرك من جوه عشان يفضل ساكت.


حنان سابت المطبخ ودخلت أوضتها، رمت الأكياس على الكومودينو وقعدت على السرير وهي بتترعش من كتمة الغيظ. الأوضة دي بقت هي المكان الوحيد اللي لسه فاضل لها فيه ريحة من حياتها القديمة، حياتها قبل شهر ونص، لما كانت بتدخل شقتها تلاقي هدوء وسكينة، تفتح الباب تلاقي ريحة بخور هادي، مش ريحة تقلية توم ومحشي من الضهر، وأصوات تلفزيون عالية مبتفصلش.


قلعت الجاكت ورمته على الكرسي، وبصت في السقف. افتكرت أول يوم أحمد فتح معاها الموضوع. كانوا قاعدين في البلكونة بيشربوا شاي، وأحمد قال لها بنبرة حنينة: “يا حنان، شقة بابا وماما محتاجة وش نظافة ومحارة والنقاش هياخد وقت، وهما تعبانين من التراب والروائح. إيه رأيك يقعدوا معانا أسبوعين لحد ما الشغل يخلص؟ البيت واسع وإحنا ملناش حد غيرهم.” حنان وقتها، بدافع الأصول والواجب، وافقت على طول وقالت له: ” دول في عيني يا أحمد، الشقة شقتهم.”


لكن الأسبوعين بقوا تلاتة، والتلاتة بقوا شهر، والشهر بقا شهر ونص. والنقاش “البرنس” اللي شغال في شقة الحماوات كل شوية يطلع بطلعة جديدة؛ يوم يقول السيراميك محتاج يتغير، ويوم يقول المحارة رطبت ولازم تنشف، وأحمد يبتسم ويقول: “معلش يا حبيبتي، هانت، كمان أسبوع والبيت يرجع لنا.” بس حنان بدأت تحس إن الموضوع مش نقاشة.. الموضوع استسهال. طنط هدى لقت مكان جاهز، مريح، مكيف، وفي حد بيصرف ويشتري طلبات السوبر ماركت، وهي واخدة فيه دور “الكل في الكل”.


بعد نص ساعة، الباب خبط خبطات سريعة ومستعجلة. حنان اتنهدت وقامت فتحت. كان أحمد. دخل وقفل الباب وراه بسرعة كأنه مستخبي.


— “حنان، أنتِ بجد هتقعدي في الأوضة ومش هتاكلي معانا؟ ماما زعلت ودموعها نزلت، وبابا عمال يلومني ويقول لي أنت مش مسيطر في بيتك.”


حنان بصت له ببرود: “أنا مش جعانة يا أحمد. وبعدين أنا مقلتش حاجة غلط، أنا طلبت ببساطة محدش يدخل يغير نظام المطبخ. هل ده طلب مستحيل؟”


أحمد قرب منها وحط إيده على كتفها يحاول يهدّيها: “مش مستحيل يا ستي، بس الطريقة.. أنتِ عارفة الستات الكبار بياخدوا الكلام ده على كرامتهم. ماما طول عمرها هي اللي بتمشي بيتها، ولما بتيجي هنا بتحس إنها عايزة تفضل مفيدة، مش ضيفة تقيلة.”

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

حنان شالت إيده من على كتفها بهدوء، وقعدت على طرف السرير: “وهي مش ضيفة تقيلة يا أحمد، هي صاحبة بيت.. بس في بيتها هي! هنا، ده بيتي أنا وأنت. أنا اللي بشتغل 9 ساعات في اليوم عشان نساعد في قسط الشقة دي اللي لسه مخلصش. أنا اللي برجع هلكانة عشان ألاقي نفسي غريبة في مكاني. أنت مش شايف شكلهم وهما قاعدين؟ مش شايف طريقتها معايا؟ دي بتتحكم في أنا باكل إيه وبلبس إيه وبدخل شقتي الساعة كام!”


أحمد بدأ ينفد صبره، ملامحه اتغيرت وصوته علي سنة: “جرى إيه يا حنان؟ هما أهلي جايين من الشارع؟ دول أبويا وأمي! وبعدين هما يعني هيقعدوا العمر كله؟ كلها كام يوم والشقة تخلص. استحملي عشان خاطري، بلاش تخلي شكلي وحش قدامهم كأني مش مالي مركزي.”


حنان ضحكت بسخرية ووجع: “مالي مركزك؟ هو مركزك مبيتمليش غير لما أنا أتهان وأسكت؟ لما مامتك تدخل تفتش في لبس الغسيل وتقول لي “الجاكت ده غالي اطلعي بيه ليه”، ولما باباك يبص لي كأني ست مقصرة وخايبة لمجرد إني بشتغل؟ هو ده مركزك؟”


أحمد لف وشه بعصبية: “أنتِ بقيتي بتدققي في كل كلمة وتكبري المواضيع. أنا خارج عشان مش هخلص من الخناق ده.” وساب الأوضة ورزع الباب وراه.


تاني يوم الصبح، حنان صحيت بدري قبل الكل. كانت عايزة تنزل من غير ما تقابل حد. لبست بسرعة وخرجت على الصالة في هدوء، بس لقت طنط هدى قاعدة على الكنبة، ولابسة نظارة القراءة وبتقمع بامية!


المنظر صدم حنان.. الساعة لسه سبعة الصبح، والست قاعدة بكامل نشاطها في الصالة.


— “صباح الخير يا طنط،” — حنان قالتها وهي بتسحب شنطتها.


طنط هدى رفعت عينها من فوق النظارة وبصت لها بنظرة متفحصة: “صباح النور يا اختي. على فين على الصبح كدا؟ أنتِ مش شغلك بيبدأ تسعة؟”


حنان: “عندي مشوار قبل الشغل يا طنط.”


طنط هدى حطت واحدة البامية في الطبق وقالت بنبرة فيها سم: “مشوار برضه.. ماشي يا بنتي. بس ياريت وأنتِ راجعة تفوتي على الجزار اللي في أول الشارع، هاتي لنا منه اتنين كيلو لحمة موزة، عشان حسين مبيحبش اللحمة العادية بتاعت السوبر ماركت اللي بتجيبيها دي، بتوقف في زوره.”


حنان وهي بتفتح باب الشقة: “حاضر يا طنط، هشوف لو الوقت قضى.”


طنط هدى زعقت وراها وهي خارجة: “يعني إيه لو الوقت قضى؟ بقولك عمك حسين مبيكلش غيرها! لازم تعملي حسابك وتيجي بدري عشان تلحقي تطبخيها، أنا ضهري وجعني ومش هقدر أقف على البوتاجاز النهاردة.”


حنان مقدرتش ترد، قفلت الباب وراها ونزلت السلم بسرعة كأنها بتهرب من سجن. نزلت الشارع، الجو كان لسه طراوة بتاع الصبح، والناس بتجري على أكل عيشها. ركبت المترو، ووقفت وسط الزحمة وهي حاسة بتقل في صدرها. المترو بيتحرك وهي بتفكر: “حياتي راحت فين؟ فين الشقة الهادية اللي كنت بختار ستائرها بالواحدة؟ فين أحمد اللي كان بيصالحني بوردة لو اتقمصت؟”


اليوم في الشغل مر كأنه سنة. حنان مكنتش مركزة، ومديرها لفت نظرها مرتين لأنها غلطت في أرقام الميزانية الجديدة. طول الوقت بالها مشغول باللي بيحصل في البيت. الساعة جت خمسة، وميعاد روحها جه. لقت نفسها واقفة قدام الجزار اللي حماتها قالت عليه. اشترت اللحمة، ودَفعت مبلغ وقدره، وهي بتفكر إن الفلوس دي كانت شايلاها عشان قسط الجمعية. بس قالت لنفسها: “مش مهم، المهم أشتري دماغي واليوم يعدي من غير نكد.”


رجعت البيت الساعة ستة ونص. فتحت الباب، ولقت الصدمة التانية مستنياها.


الصالة كانت مقلوبة. السجاد بتاع ليفنج الشقة كله كان ملموم، وفي جردل مية ومساحات في نص الصالة، وريحة كلور قالبت الدنيا. وعم حسين قاعد في البلكونة بالجلابية بيشرب شيشة، وتلفزيونه صوته جايب آخر الشارع.


حنان دخلت مذهولة: “إيه ده؟ في إيه؟”


طنط هدى خرجت من الحمام، وهي رابطة راسها بإيشارب ومشمّرة كلابيبها: “أهو، جيتي في وقتك. السجادة الكبيرة بتاعت الصالة اتدلق عليها شاي من عمك حسين، فقلت بالمرة نسيّق الشقة كلها ونغسل السجاد. اقلعي كدا وهمي معايا نخلص قبل ما أحمد ييجي.”


حنان شافت المنظر، وحست إن في حاجة جواها انكسرت. الشقة اللي تعبت في نظافتها قبل ما تنزل، متبهدلة ومقلوبة. وهي راجعة شايلة أكياس ولحمة وتعبانة من الشغل، ومطلوب منها تشمر وتغسل سجاد في نص الليل!


— “أنا مش هغسل سجاد يا طنط،” — حنان قالتها بصوت هادي، بس الهدوء ده كان بيسبق العاصفة. “أنا راجعة هلكانة، واللحمة اللي طلبتيها معايا اهي. المطبخ مطبخك اطبخيها أو سيبوها للكرة، إنما هدد حيل في البيت مش هقدر.”


في اللحظة دي بالظبط، باب الشقة اتفتح ودخل أحمد. شاف المنظر؛ أمه رابطة راسها وواقفة وسط المية، وحنان واقفة بشنطتها وشكلها غضبان، وأبوه بيزعق من البلكونة.


طنط هدى أول ما شافت أحمد، رمت المساحة من إيدها وقعدت على أقرب كرسي وهي بتنهج وتعيط: “شفت يا أحمد؟ شفت مراتك؟ نازلة من النجمة وراجعة تقولي مش هساعدك، وبتمنّ علينا باللقمة اللي جابتها! أنا اتهنت في بيتك يا ابن بطني.. أنا مش قاعدة هنا ولا دقيقة تانية!”


أحمد وشه احمر، وبص لحنان بعيون مليانة غضب أعمى. قرب منها وزعق في وشها قدامهم كلهم:


— “أنتِ إيه معندكيش دم؟ مش شايفة أمي ست كبيرة وتعبانة وواقفة في المية؟ جرى لك إيه يا حنان؟ من ساعة ما أهلي دخلوا البيت وأنتِ مقلوباها نكد ومقاطعة! الشقة دي مش بتاعتك لوحدك، إحنا عايشين هنا كلنا، ومش أنتِ اللي هتمشينا على مزاجك وتقولي مين يقعد ومين يمشي!”


هنا، المشهد رجع لنقطة البداية. الخناقة الكبيرة اللي مفيش بعدها رجوع.


حنان بصت لأحمد، وبصت لحماتها اللي كانت بتداري ابتسامة نصر ورا دموعها المزيفة، وبصت لعم حسين اللي خرج من البلكونة عشان يشهد “كسرة” حنان.


حنان خدت نفس طويل، ورمت أكياس اللحمة على الأرض وسط المية والكلور، وبصت لأحمد في عينه وقالت ب نبرة هزت الصالة:


— “الشقة دي باسمي أنا يا أحمد.. ورث أبويا اللي حطيتوا كله هنا، والوصولات والقسط بيتدفع من حسابه. الشقة دي بتاعتي.. ومحدش هنا هيقعد غصب عني!

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

## الفصل الثالث والأخير: جدران الرماد


ساد الصمت الشقة لعدة ثوانٍ بدت وكأنها دهر كامل. تلاشت أصوات المترو البعيدة، واختفى صوت الشيشة من البلكونة، ولم يعد يُسمع في الفراغ سوى صوت قطرات الماء التي تسقط من مساحة طنط هدى لتصطدم بالأرضية الغارقة بالكلور. كانت الكلمات التي ألقتها حنان كالقنبلة التي شطرت المكان نصفين، جردت الجميع من أقنعة “الواجب” ووضعت النقاط فوق الحروف التي طالما حاول أحمد طمسها.


أحمد وقف مسمرًا في مكانه، وشه اتقلب ألوان؛ من الأحمر الداكن للأصفر الباهت. بص لحنان بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة، أو كأنه مش قادر يستوعب إن الست الهادية، المطيعة، اللي كانت بتعدي الكلمة والكلمتين عشان المركب تسير، هي نفسها اللي واقفة قدامه دلوقتي وعينيها بتطق شرار.


طنط هدى، بمهارة سينمائية متوارثة، سابت المساحة تقع من إيدها تماماً، وحطت إيدها على قلبها وهي بتصوت بصوت مكتوم:


— “يا لهوي! يا مري! أنتِ بتطردينا يا حنان؟ بتطردي حماكِ وحماتك من شقة ابنهم؟ جرى إيه يا أحمد! واقف تفرج عليا الهانم وهي بترميني بره في الشارع؟ بقا دي آخرة تربيتي ليك؟ بقا دي آخرة الشقا عشان أشوفك راجل في بيتك؟”


عم حسين دخل من البلكونة بخطوات تقيلة، وجلابيته ترفرف وراه، وعلامات الغضب والمهانة مرسومة على وشه التجاعيد زادت فيها. وقف جمب مراته وحط إيده على كتفها وهو بيبص لأحمد بنظرة كلها احتقار وتقليل:


— “الظاهر إني معرفتش أربي.. الظاهر إنك مش مالي مركزك فعلاً يا أحمد زي ما أمك كانت بتقول. الست لما تعلي صوتها على أهل جوزها وتطرد حماتها، يبقا العيب مش عليها.. العيب على الراجل اللي سايب لها الحبل على الغارب، ومخليها تفتكر إن بفلوسها تقدر تشتري كرامتنا!”


الكلام كان بينزل على أحمد زي السكاكين. النظرة اللي في عين أبوه كانت بتضربه في مقتل، في حتة “الرجولة والسيطرة” اللي المجتمع فهمه إنها متكملش غير بكسر الست. التفت لحنان، وعينيه كانت مليانة غل حقيقي، غل ناتج عن ضعفه وعجزه، مش عن قوته.


قرب منها خطوتين، لدرجة إن جزمته داست في مية الغسيل المخلوطة بالكلور، وزعق بصوت هز حيطان الصالة:


— “أنتِ اتجننتي يا حنان؟ فلوس إيه وورث إيه اللي بتتكلمي عليه قدام أبويا وأمي؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ عشان حطيتي قرشين في الشقة دي هتذلينا بيهم؟ الشقة دي شقتي أنا كمان، والاسم اللي مكتوب في عقد الإيجار والقسط والتوكيل هو اسمي! اخلصي من النغمة دي واعتذري لأمي حالا.. اعتذري وبوسيها على راسها، وإلا وعهد الله هيكون ليا تصرف تاني معاكِ!”


حنان متهزتش. الموقف كان أكبر من إنها تخاف. الضغط اللي عاشته على مدار شهر ونص، من تفتيش في ضلف المطبخ، للتدخل في لبسها، لمواعيد رجوعها، للنظرات اللي بتقلل من شغلها وتعبها، كل ده ا تكثف في اللحظة دي وتحول لدرع صلب حماها من الخوف.


بصت له من فوق لتحت ببرود قاتل، وقالت بصوت هادي وواضح:


— “مش هعتذر يا أحمد. ومش هبوس راس حد. الشقة دي بفلوس أبويا الله يرحمه، والمقدم كله مدفوع من حسابه، والوصولات معايا في الخزنة باسمي وبإمضتك على الشيكات اللي سددت بيها نصيبك اللي لسه مخلصش أصلاً. أنت اللي كنت بتستسهل وتكتب العقود باسمك عشان ‘المنظر الاجتماعي’ اللي ضيعنا. وأنا سكتت عشان قلت جوزي وحبيبي والبيت واحد. لكن لحد هنا والأصول بتقول إن اللي ملوش خير في صاحب البيت ملوش مكان فيه. طنط هدى وعمو حسين شقتهم خلصانة من أسبوعين.. أنا كلمت البواب الصبح وعرفت إن النقاش خلص ومشي، وهما قاعدين هنا استسهال وتوفير. فمن غير لف ودوران.. الليلة دي تكون آخر ليلة ليهم هنا.”


الكلمة نزلت كالصاعقة. طنط هدى وقفت على رجلها فجأة، والتعب والوجع اللي كانت بتدّعيه اختفى في ثانية، وحطت إيديها في وسطها ولفت لأحمد:


— “سمعت؟ سمعت الهانم؟ بتفتش ورايا وتكلم البوابين! شفت الخبث والغل اللي في قلبها؟ إحنا قاعدين عندك استسهال يا أحمد؟ إحنا اللي طافحين الكوتة وعاملين لكم قيمة؟ طيب و غلاوتك عندي يا حسين، ما أنا قاعدة في البيت ده ولا دقيقة تانية! يلا بينا يا أبو أحمد، نرجع شقتنا بالتراب والنعكشة اللي فيها، ولا نقعد في حتة نتهان فيها من حتة بت لا راحت ولا جت!”


عم حسين شد مراته من إيدها وهو بيبص لأحمد بنظرة أخيرة مليانة قسوة:


— “يلا يا هدى. لمي هدومنا. المكان ده مبقاش ينفعنا. والراجل اللي مبيعرفش يحمي كرامة أبوه وأمه، م يستاهلش نعيش تحت سقفه.”


أحمد كان واقف في نص الصالة بيغلي. بص لحنان وكأنه عايز ينهي وجودها من الدنيا، وبص لأهله اللي دخلوا الأوضة التانية وبدأوا يلموا الهدوم في الشنط بعصبية وبصوت عالي ومسموع. جرى وراهم وهو بيحاول يهديهم:


— “يا بابا عشان خاطري استنى.. يا ماما والله ما هتمشوا كده، دي شقتكم والبيت بيتكم والهانم دي هي اللي هتمشي لو مش عاجبها!”


لكن طنط هدى كانت واخدة القرار بالدراما الكاملة؛ كانت بتلم الهدوم بلهفة مستفزة، وترميها في الشنطة وهي بتعيط وتدعي على حنان بصوت عالي:


— “حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا حنان.. يا رب تشوفي في صحتك وبيتك زي ما عملتي فيا وهنتيني وشمتي فيا البوابين.. حسبي الله ونعم الوكيل!”


حنان كانت واقفة في الصالة، مبتحركش ساكن. شافتهم وهما بيقفلوا الشنط الكبيرة، وبيخرجوا من الأوضة واحد ورا التاني. عم حسين شال الشنطة التقيلة، وتخطى حنان وكأنها حشرة مش موجودة على الأرض، وخرج من باب الشقة من غير ما يلتفت. ووراه طنط هدى، اللي بصت لحنان نظرة أخيرة مليانة غل وحقد، وتفت على الأرض وهي خارجة وقالت: “بيتك الخربان أهو، اشبعي بيه!”


أحمد خرج وراهم وهو شايل الشنطة التانية، وشه كان أسود زي الطين. وقف على الباب، وبص لحنان وقال بنبرة مليانة تهديد ووعيد:



— “أنا نازل معاهم وهوصلهم لحد شقتهم. ولما أرجع يا حنان.. حسابي معاكِ هيكون طويل أوي. جهزي نفسك عشان الليلة دي مش هتعجيكِ.”


ورزع الباب وراه برزعة هزت البيت كله.


لما الباب اتقفل، فجأة حل الهدوء.. بس مكنش هدوء مريح، كان هدوء المقابر بعد الدفن. حنان وقفت لوحدها في نص الصالة الغرقانة مية وكلور. بصت حواليها؛ الكراسي متزحزحة من مكانها، السجاد ملموم ومتبهدل، ريحة الكلور الحامية بتخنق الصدر، وأكياس اللحمة اللي اشترتها بفلوس قسط الجمعية مرمية في المية على الأرض.


حسّت فجأة إن رجليها مش شايلاها. قعدت على أقرب كرسي، وحطت وشها بين إيديها. مكنتش بتعيط، الدموع كانت ناشفة في عينيها، بس كان في هبوط حاد في طاقتها، كأن المعركة اللي خاضتها سحبت كل نقطة دم ونشاط من جسمها.


افتكرت حياتها مع أحمد في الأول.. افتكرت لما كانوا بيختاروا ألوان الحوائط دي، لما كانت بتقول له “أنا عايزة الصالة دي واسعة ومفيهاش كركبة عشان لما نرجع من الشغل نلاقي مكان يريح العين”. وافتكرت هو كان بيقول لها إيه: “أنا هعمل لك كل اللي أنتِ عايزاه يا حنان، أنتِ ملكة البيت ده”.


“ملكة البيت”.. ضحكت بسخرية ومرارة وهي بتفتكر الكلمة. الملكة دي اتهانت في مطبخها، واتفتش في خصوصياتها، وبقت مطالبة تخدم وتسمع الإهانات وتطأطأ راسها عشان “المركب تسير”.


قامت حنان ببطء، وشمرت كمامها. بدأت تلم المية بالمساحة، وتنشف الأرض. كانت بتتحرك بآلية غريبة، كأنها إنسان آلي. مسحت المية، ورجعت السجاد مكانه بعد ما نشفته بفوطة، ودخلت المطبخ شالت اللحمة وغسلتها وحطتها في الفريزر. رجعت كل علبة بهارات وكل برطمان رز لمكانه القديم اللي طنط هدى غيرته. كانت بتسترد بيتها شبر شبر، كأنها بتطهر المكان من طاقة السيطرة والتدخل اللي كانت خانقاها.


الساعة بقت حداشر بالليل. الشقة رجعت زي ما كانت؛ هادية، مرتبة، وريحة الكلور بدأت تختفي ويحل محلها ريحة النظافة الهدية. حنان دخلت الحمام، أخدت دوش دافي طويل، غسلت فيه تعب اليوم كله وخنقة الأسابيع اللي فاتت. لبست بيجامة مريحة، وعملت كوباية شاي بحبق، وقعدت في الصالة مستنية.


مستنية المعركة التانية والأخيرة.. معركة أحمد.


الساعة عدت اتناشر ونص بالليل لما سمعت صوت المفتاح بيدور في الباب. حنان متهزتش، فضلت قاعدة ومسندة ضهرها على الكنبة، وبتشرب من كوباية الشاي الهادية.


أحمد دخل. خطوته كانت تقيلة، وشه كان باين عليه الإرهاق بس الغضب لسه متداري تحت جفونه. قفل الباب وراه بالراحة، ووقف في نص الصالة يبص للتغيير اللي حصل. شاف الشقة رجعت تلمع ومرتبة، وشاف حنان قاعدة بكل برود وثقة، وكأن مفيش مصيبة حصلت من كام ساعة.


قرب منها ووقف قدام السفرة، حط مفاتيحه بعنف على الخشب وقال بصوت مكتوم ومليان تهديد:


— “أنتِ قاعدة رايقة أوي.. وشايفة نفسك منتصرة صح؟ فرحانة إنك كسرتي كلامي ومشيتي كلمتك وطردتي أبويا وأمي في نص الليل؟”



حنان خدت بق شاي، وحطت الكوباية على الترابيزة بالراحة، وبصت له:


— “أنا مطردتش حد يا أحمد. هما اللي قرروا يمشوا لما لقوا إن السيطرة بتاعتهم مش هتمشي عليا. وهما شقتهم جاهزة ومنورة، يعني م اترموش في الشارع زي ما مامتك كانت بتصوت وتعمل دراما.”


أحمد ضرب بإيده على السفرة بعنف:


— “متجبيش سيرة أمي على لسانك! أمي دي ست ضفرها برقبتك وبرقبة عيلتك كلها! أنتِ فاكرة نفسك إيه يا حنان؟ بقيتي ست مفترية وقوية من امتى؟ من امتى وأنتِ بتردي عليا وبتعلي صوتك وبتقولي الشقة باسمي وبفلوس أبويا؟ أنتِ بتهددي بيتك يا حنان؟ بتهددي جوزك؟”


حنان وقفت، ووقفتها كانت فيها طول وثقة خلت أحمد يرجع خطوة لورا من غير ما يحس. بصت في عينيه مباشرة وقالت:


— “أنا مبهددش بيتي يا أحمد.. أنا بحمي اللي فاضل منه. البيت ده انهد من ساعة ما أنت سمحت لأهلك يدخلوا يهدوا فيا وفي كرامتي وأنت واقف تتفرج ومبسوط. من ساعة ما بقيت بتشوفني خايبة ومقصرة لمجرد إني بشتغل وبساعدك في مصاريف الحياة اللي لولا شغلي ده مكنتش هتعرف تدفع قسط واحد من الشقة اللي أنت كاتب عقودها باسمك!”


أحمد صوته علي أكتر:


— “هو ده اللي فارق معاكِ؟ الفلوس والشغل والشقة باسم مين؟ الست الأصيلة بتشيل جوزها وأهله في عينيها، مش بتقعد تحسب بالمليم وتقول أنا دفعت وأنا عملت! أنتِ طلعتي ست مادية وناقصة أصل يا حنان!”


الكلمة دي كانت الأخيرة اللي ممكن حنان تستحملها. ضحكت، والضحكة دي جرحت كبرياء أحمد أكتر من أي زعيق.


— “أنا ناقصة أصل يا أحمد؟ أنا اللي فتحت بيتي لأهلك شهر ونص، وكنت باجي من شغلي هلكانة ألاقي الإهانات والتلقيح شغال وأسكت عشان خاطرك؟ أنا اللي كنت بشتري بفلوسي اللحمة والطلبات اللي طنط هدى وعمو حسين بيتشرطوا عليها ومبيقولوش حتى كلمة شكراً؟ أنا اللي استحملت مامتك وهي بتفتش في غسيلي وفي ضلف مطبخي كأني عيلة قاصرة مش ست بيت؟ لو ده نقص أصل، يبقا كتر خير أصلي اللي خلاني استحملت كل ده!”


أحمد فرك وشه بعصبية، وحس إن الحجج بتاعته كلها بتتدمر قدام منطقها الصارم. قال بنبرة فيها محاولة أخيرة لفرض السيطرة:


— “طب اسمعي بقا يا بنت الناس.. الشقة دي مش هقعد فيها وأنا حاسس إن مراتي بتمنّ عليا بيها. وبابا وماما مش هيدخلوا هنا تاني طول ما أنتِ فيها. وأنا كرامتي متسمحليش أعيش مع ست عاصية ومشيت كلامها عليا. قدامك حل من الاتنين؛ يا إما تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك لحد ما تتعلمي الأدب والأصول وتيجي تبوسي إيد أمي وتعتذري لها، يا إما…”


حنان قاطعته ب نبرة هادية وقاطعة زي السيف:


— “يا إما إيه يا أحمد؟ هتطلقني؟”


أحمد اتفاجئ بالكلمة. كان فاكر إن كلمة “الطلاق” هتخليها تترعب وتعيط وتتراجع، زي ما بيحصل في الروايات والمسلسلات اللي طنط هدى بتسمعها. بس حنان كانت بتتكلم بروقان وثبات خلاه هو اللي يخاف.


تنحنح وقال بتلعثم:


— “لو ده اللي أنتِ عايزاه.. لو عايزة تخربي بيتك بإيدك عشان شقة وفلوس، يبقا الطلاق هو الحل فعلاً.”


حنان هزت راسها بالموافقة، ومشيت خطوتين ناحية الأوضة، وقبل ما تدخل لفت وبصت له:


— “تمام يا أحمد. أنا مش هلم هدومي وأمشي، لأن دي شقتي وبفلوسي زي ما قلت لك، واللي عايز يمشي ويتعلم الأصول هو اللي يخرج بره. الطلاق هيكون بالمعروف. المحامي بتاعي هيتصل بيك بكرة عشان نخلص الإجراءات، وتاخد حاجتك وهدومك والفلوس اللي أنت حطيتها في الشقة دي هترجع لك بالمليم، مش هسيب لك حجة تقول إن حنان أكلت حقي.”


أحمد وقف مذهول:


— “أنتِ بتتكلمي بجد؟ بتبيعي سنين عمرنا وحبنا عشان خناقة مع أمي؟”


حنان بصت له بنظرة حزينة، نظرة وداع حقيقية:


— “أنا مبعتش يا أحمد.. أنت اللي بعت من زمان. بعتني لما سمحت لهم يكسروني، وبعتني لما اخترت ترضي كبرياء أهلك على حساب كرامة مراتك اللي شقاها وتعبها هو اللي شايل البيت ده معاك. الحب مبيعيشش في بيت مفيش فيه احترام. والحيطان دي مش هتقبل تعيش فيها ست مكسورة.”


ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بالراحة.


قعد أحمد في الصالة لوحده. بص حواليه للشقة المرتبة، الهادية، اللي ريحتها نظافة. حس بفراغ قاتل بيبلعه. تليفونه رن، بص فيه لقى اسم “ماما”. رد بصوت مخنوق:


— “أيوة يا ماما..”


صوت طنط هدى جه من الناحية التانية، حامي ومليان تحريض:


— “أيوة يا واد يا أحمد، عملت إيه مع الحرباية دي؟ طردتها بره البيت وكسرت دماغها ولا لسه؟ أوعى تكون ضعفت قدامها، دي ست مفترية وعايزة تكسر كلمتك!”


أحمد بص لباب الأوضة المقفول، وبص لمفاتيح شقته المرمية على السفرة. حس بوزن الكلمات وثقل السيطرة اللي أمّه بتمارسها عليه حتى وهو في بيته ومستقبله بيضيع. قال بصوت واطي ومكسور:


— “خلاص يا ماما.. كل حاجة خلصت. حنان طلبت الطلاق والشقة هتفضى.”


طنط هدى شهقت بفرحة متدارية:


— “في داهية! الباب يفوت جمل! ست فقرية ومبتعرفش الأصول، بكره أجوزك ست ستها، ست صاينة وتعرف قيمة الحما والراجل!”


أحمد قفل السكة من غير ما يرد. رمى التليفون على الكنبة، وحط راسه بين إيديه. لأول مرة يحس ببرد الشتاء الحقيقي يدخل جواه، ولأول مرة يستوعب إن “المركب” اللي حاول يمشيها على حساب كرامة مراته.. غرقت بالكلور والمية، ومبقاش ليها قومة تاني.


في الأوضة جوه، حنان كانت واقفة جمب الشباك، بتبص لشارع شبرا الهادي في نص الليل. النور بتاع العواميد كان بيعكس على قزاز الشباك. خدت نفس عميق، ولأول مرة من شهر ونص، حسّت إن الهوا بيدخل صدرها نظيف، من غير ريحة تقلية، ومن غير طاقة نكد وتحكم.


كانت عارفة إن الأيام اللي جاية هتكون صعبة، في المحاكم وفي كلام الناس وأسطوانات “المجتمع” اللي مبتخلصش عن الست المطلقة. بس وهي بتبص لبيتها المرتب، ولنفسها في المراية، كانت متأكدة من حاجة واحدة.. إنها استردت نفسها، وده كان يستاهل أي ثمن.


تعليقات

التنقل السريع
    close