القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

انا متجوزة بقالي 12سنه، كامله بقلم روماني مكرم

 انا متجوزة بقالي 12سنه، كامله بقلم روماني مكرم 



١٢ سنه كامله بقلم رومانى مكرم


انا متجوزة بقالي 12سنه، عمرى37سنه وربنا ما كتبليش الحمل .. من حوالي شهرين عرفت إن أهله رشحو بنت من العيلة وهو وافق وبدأوا يجهزوا للجواز.


المشكلة ان حماتي قالتلي انتي روحي اقعدي عند أهلك كام شهر وسيبي الشقة لابني يعيش فيها مع مراته الجديدة لأنك اكتر واحده عارفه ظروقه ولا يقدر يأجر ولا يشتري شقق دلوقتي ولا يجهزها


استغربت جدا لأن الشقة أصلا ملكي أنا اللي دفعت مقدمها من فلوس ورثتي عن والدتي والباقي كنت بسدده من مرتبي وجوزي بنفسه وقتها قال إن من حقي تتكتب باسمي لأنها فلوسي.


 


في صالة شقة “ريهام” الهادئة، كان فنجان القهوة قد برد تماماً في يدها وهي تستمع إلى كلمات حماتها، الحاجة فايزة، التي كانت تُلقيها ببرود شديد وكأنها تطلب منها كوباً من الماء وليس التنازل عن حياتها.


“يا بنتي إنتي أكتر واحدة عارفة ظروفه.. الغلاء اللي إحنا فيه ميرحمش، وهو لا يقدر يأجر ولا يشتري شقة جديدة ولا يجهزها، روحي اقعدي عند أهلك كام شهر لحد ما أموره تستقر مع مراته الجديدة، وسيبي الشقة هنا يعيشوا فيها.. إنتي أصيلة يا ريهام وتفهمي في الأصول.”


اثنا عشر عاماً مرت على زواج ريهام ومدحت. اثنا عشر عاماً من السعي خلف حلم الأمومة، طرقوا خلالها أبواب عشرات الأطباء، وأنفقوا كل ما يملكون بين تحاليل وأشعة ومحاولات تلقيح مجهري باءت كلها بالفشل. في النهاية، تقبلت ريهام قضاء الله برضا تام، وحمدت الله على وجود زوجها بجانبها. لكنها لم تكن تعلم أن خلف هذا الوجه الهادئ لزوجها يختبئ إعصار سيقتلع استقرارها من جذوره.


قبل شهرين فقط، تناهى إلى مسامعها من إحدى قريباته أن العائلة رشحت له فتاة من الأقارب تُدعى “علا”، تصغره بعشر سنوات، وأن مدحت وافق على الفور وبدأوا بالفعل في ترتيبات الزواج. الصدمة الأولى كانت قاسية، لكن الصدمة الأشد كانت هذه المواجهة الحالية مع حماتها، وفي غياب مدحت الذي تهرب من التواجد في المنزل.


نظرت ريهام حولها.. إلى الجدران التي اختارت ألوانها بنفسها، إلى الأثاث الذي دفعته ثمنه خطوة بخطوة. التفتت إلى الحاجة فايزة وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حادة كالشفرة:


“الشقة دي يا طنط؟ الشقة اللي أنا دفعت مقدمها بالقرش الواحد من ورث أمي الله يرحمها؟ الشقة اللي فضلت سنين أسدد أقساطها من مرتبي وشقايا ومدحت مدفعش فيها مليم واحد؟”


تغيرت ملامح الحاجة فايزة فوراً، واختفت نبرة الرجاء الزائفة ليحل محلها وجه آخر صارم:


“جرى إيه يا ريهام؟ مفيش فرق بين الراجل ومراته، ومدحت هو اللي عمل للشقة دي قيمة بوجوده فيها. وبعدين إنتي مابتخلفيش، يعني لا ليكي عيل يورث ولا يملى عليكي المكان، البنت الجديدة جاية تجيب لمدحت الحتة اللي هتسند اسمه، وأقل واجب تقدميه لزوجك بعد الصبر ده كله إنك تسهليله جوازته!”



وقفت ريهام، واعتدلت في وقفتها بقوة لم تعهدها في نفسها من قبل. شعرت بحرارة الغدر تحرق صدرها، لكنها رفضت أن تنزل منها دمعة واحدة أمام هذه المرأة. وقبل أن تنطق بكلمة، انفتح باب الشقة ودخل مدحت.


كان وجهه شاحباً، وعيناه تتهربان من النظر في عيني زوجته. نظرت إليه ريهام وقالت مباشرة:


“أمك بتطلب مني أسيب لها شقتي يا مدحت.. شقتي اللي إنت بنفسك قولت وقت ما اشتريناها إنها من حقي وتتكتب باسمي لأنها فلوسي.. إيه رأيك في الكلام ده؟”


تنحنح مدحت، وفرك يديه بارتباك، ثم قال بصوت خفيض:


“يا ريهام.. أمي بتتكلم لمصلحتنا كلنا. إنتي عارفة إني مضغوط ومصاريف الجواز كتير، وعلا وأهلها متمسكين بمستوى معين، إحنا بس هنقعد هنا فترة مؤقتة لحد ما ربنا يفرجها، وإنتي شقتك موجودة ومحدش هيخدها منك، أهلك بيتهم كبير وهيستحملوكي كام شهر.”


ضحكت ريهام ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة والسخرية. التفتت إلى حقيبتها الموضوعة على الطاولة، وأخرجت منها هاتفها ومفاتيحها، ثم نظرت إلى مدحت وعينيهما تلتقيان لأول مرة بوضوح منذ أسابيع.


“فترة مؤقتة؟ وأنا أروح ضيفة عند أهلي عشان أسيب ملكي لضرتي؟”


صمتت للحظة، ثم تابعت بنبرة قاطعة هزت أركان الغرفة:


“مدحت.. الشقة دي باسمي، وعقدها الأزرق متسجل في الشهر العقاري. قدامك بالظبط 24 ساعة.. تاخد والدتك وحاجاتك الشخصية وتخرجوا من هنا. لأن الخطوة الجاية مش هتكون عتاب.. الخطوة الجاية هتعرفوها بنفسكم وبكرة الصبح.”


#الكاتب_رومانى_مكرم_#


خرجت ريهام من الشقة وصفعت الباب خلفها بقوة، تاركة مدحت ووالدته في حالة من الذهول والاضطراب. نزلت درجات السلم والدموع المحبوسة بدأت تشق طريقها على وجهها، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت بداية معركة لم يحسب لها مدحت وعائلته أي حساب.


يا ترى هيحصل إيه؟ هل مدحت وأمه هيخافوا من تهديد ريهام ويلموا حاجتهم ويمشوا في الـ 24 ساعة دول؟ ولا هيفتكروا إنها مجرد “قرصة ودن” ويحاولوا يكسروا عينها ويستولوا على الشقة بطريقتهم؟ وريهام.. إيه هي الخطوة المفاجئة اللي هتعملها بكرة الصبح وهتقلب بيها الترابيزة على الكل؟ وو


لم تنم ريهام تلك الليلة في بيت أهلها؛ لم تكن الدموع التي سالت على وجنتيها دموع ضعف، بل كانت تفريغاً لشحنة غضب تراكمت عبر سنوات من التضحية والصبر. جلست مع شقيقها الأكبر “أحمد” وشرحت له كل شيء وهدوء غريب يكسو ملامحها. أحمد، الذي كان يعلم تماماً كم عانت شقيقته وكم أنفقت من ورث والدتها وسنوات عمرها في تجهيز تلك الشقة، لم ينطق بكلمة واحدة سوى: “حقك مش هيروح يا ريهام، وبكرة الصبح هتعرفي إن الله حق.”



في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة الثامنة والنصف، لم تتوجه ريهام إلى المحكمة أو إلى قسم الشرطة كما قد يتبادر إلى الذهن. بل توجهت رفقة شقيقها واثنين من عمال تغيير الأقفال (الترابسة) إلى عقارها.


كانت تعلم أن مدحت ووالدته لم يأخذا تهديدها على محمل الجد. وبالفعل، حين وصلت إلى باب الشقة، استمعت من الداخل إلى صوت ضحكات الحاجة فايزة وهي تتحدث في الهاتف، قائلة بنبرة منتصرة: “سيبك منها يا أم علا، دي بوقين وهتأخدلها كام يوم عند أهلها وتبرد، هي ملهاش غيره ومتقدرش تستغنى عنه، والشقة واسعة وتشيلكم وزيادة…”


لم تنتظر ريهام سماع البقية. أشار أحمد للعمال، وخلال دقائق معدودة، وتحت وطأة الطرق القوي، انفتح الباب لتقف الحاجة فايزة مصدومة، وخلفها خرج مدحت من الغرفة بملابس النوم، وعلامات الفزع ترتسم على وجهه.


صاح مدحت بغضب: “إيه اللي بتعمليه ده يا ريهام؟ إنتي اتجننتي؟ إزاي تكسري الباب وتدخلي كده؟”


ردت ريهام بمنتهى الثبات وهي تشير للعامل ببدء تركيب القفل الجديد: “أنا مكسرتش بيت حد، أنا داخلة ملكي. الـ 24 ساعة خلصوا يا مدحت، وإنت وأمك لسه هنا.”


تدخلت الحاجة فايزة وهي تصرخ: “ملكك إيه يا خطافة الرجالة؟ ده بيت ابني، شقا عمره! إنتي عاوزة تطردينا في الشارع عشان مابتخلفيش وعقدتك نقص؟”


هنا تقدم أحمد، شقيق ريهام، ووقف كحائط سد أمام مدحت وأمه، وأخرج من حقيبته صورة رسمية مطورة من عقد الشقة المسجل في الشهر العقاري، ورفعها أمام أعينهم قائلاً بصوت جهوري: “الشقة دي مسجلة بيع وشراء باسم ريهام من سبع سنين. مدحت ملوش هنا ولا قشة. قدامكم نص ساعة بالظبط، تلموا هدومكم الشخصية في شنطتين وتطلعوا برة، وإلا المحضر اللي هيتعمل دلوقتي في القسم مش هيكون طرد وبس، هيكون تبديد واستيلاء على ملك الغير، وهتشوفوا شكلكم هيبقى إيه قدام عروسته الجديدة وأهلها لما يعرفوا إن العريس مطرود من شقة مراته الأولى.”


شحب وجه مدحت تماماً. الكلمة الأخيرة أصابته في مقتل؛ “أهل علا”. كان يعلم أنهم عائلة تفتخر بنفسها، ولو علموا بأنه لا يملك شبراً في هذه الشقة، وأن زوجته الأولى هي من تطرده، لفسخوا الخطبة فوراً واستردوا ابنتهم.


بدأ مدحت يتراجع، ونظر إلى ريهام برجاء زائف: “ريهام.. إحنا عشرة 12 سنة، مش كده.. ميبقاش أحمد يدخل بينا ويخرب بيتنا.”


نظرت إليه ريهام بنظرة خالية من أي مشاعر، وقالت: “العشرة دي إنت اللي دوست عليها برجليك لما وافقت أمك تسيبني في الشارع عشان تجيب ضرة تقعد مكاني وفي شقتي. النص ساعة بدأت يا مدحت.”



اضطر مدحت، تحت ضغط الخوف من الفضيحة وأمام إصرار أحمد، أن يلملم ملابسه وملابس والدته في حقائب سريعة وسط دموع التذمر والشتائم المكتومة من الحاجة فايزة، التي كانت تصيح: “بكرة تندمي يا ريهام! بكرة يجيله الولد اللي يرفع راسه وتفضلي إنتي بطولك!”


خرج مدحت ووالدته يجرون أذيال الخيبة والحقائب خلفهم، ودخلت ريهام شقتها، وأغلقت الباب الجديد بالمفاتيح الجديدة. استنشقت الهواء وكأنها تتنفس لأول مرة منذ شهرين. لكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ هنا، بل بدأت للتو.


في المساء، كان مدحت يجلس في شقة والدته القديمة والمتهالكة، والنار تشتعل في صدره. اتصل به والد “علا” (العروس الجديدة) يسأله عن موعد نقل “الجهاز” إلى الشقة الجديدة كما كان متفقاً عليه. اضطر مدحت للكذب بادعاء أن هناك بعض التشطيبات المتأخرة، لكنه أدرك أنه في مأزق حقيقي لا يرحم.


قالت له أمه وهي تحرضه: “مش هنسيبها تتهنى يا مدحت. الشقة صحيح باسمها، لكن العفش والأجهزة والفرش جوه الشقة إحنا اللي شارينه، حتى لو هي ساعدت في حاجات بسيطة. بكرا الصبح تاخد اتنين محاميين وترفع عليها قضية تمكين، وتطلب حقك في العفش، وننزل عليها بقضية طاعة ونمرمطها في المحاكم لحد ما تيجي تبوس رجلك عشان ترجع!”


لم يكن مدحت يعلم أن ريهام كانت أسرع منه بخطوة. في صباح اليوم التالي، وبينما كان مدحت يستعد للذهاب إلى المحامي، تفاجأ باتصال هاتفى من حارس العقار الذي تقع فيه شقة ريهام، يقول له بصوت مرتجف: “الحق يا أستاذ مدحت.. الست ريهام جايبة عربيات نقل كبيرة، وبتنزل كل العفش والأجهزة اللي في الشقة!”


طار عقله من الصدمة، ونزل مسرعاً متوجهاً إلى الشقة وهو يتوعد بإنهاء كل شيء بيده هذه المرة. وحين وصل إلى الشارع، وجد عمال النقل يقومون بالفعل بتحميل آخر قطع الأثاث في السيارات.


اندفع مدحت نحو ريهام التي كانت تقف تشرف على العمال بهدوء، وصاح بجنون: “أنتي بتسرقي حاجتي يا ريهام؟ العفش ده بتاعي! أنا هطلبلك النجدة حالا بتهمة السرقة والتبديد!”


التفتت إليه ريهام، وابتسامة ثقة تزين وجهها، ولم تنطق بكلمة، بل أشارت للمحامي الخاص بها الذي كان يقف بجوارها. تقدم المحامي خطوة، وأخرج حافظة مستندات، وقال لمدحت بنبرة قانونية باردة: “اتفضل اطلب النجدة يا أستاذ مدحت. دي فواتير الشراء الرسمية لكل قطعة عفش وجهاز نزل من الشقة، وكلها طالعة باسم الأستاذة ريهام ومن حسابها البنكي الشخصي. والأهم من ده كله… اتفضل دي إنذارات رسمية على يد محضر بإخلاء العين، وده محضر إثبات حالة مسجل في القسم من الصبح بكل قطة بتخرج من الشقة عشان ميبقاش عندك أي ثغرة تتبلى بيها عليها.”



سقطت الكلمات على رأس مدحت كالصاعقة. التفت إلى ريهام وعيناه تشعان غلاً قائلاً: “يعني إيه؟ هتاخدي الشقة والعفش؟ وعايزاني أخرج من المولد بلا حمص بعد 12 سنة؟”


اقتربت منه ريهام، وقالت بصوت منخفض لم يسمعه سوى هو: “الـ 12 سنة دول أنا دفعت تمنهم من صحتي وأعصابي وفلوسي عشان أعمل منك راجل وليه بيت. لما فكرت تتجوز وتعمل عيلة، كان لازم تعملها بفلوسك وشقاك، مش تبني سعادتك الجديدة على أنقاضي. الشقة دي أنا أجرتها من ساعة واحدة بعقد رسمي لعيلة جديدة وهتستلمها بكرة، وفلوس الإيجار هتعوضني عن قسط الشقة. أما إنت… فخلّي علا وأهلها ينفعوك.”


تركته ريهام وركبت السيارة بجانب شقيقها، وتحركت سيارات النقل تتبعها، تاركة مدحت واقفاً في منتصف الشارع، والمارة ينظرون إليه بهمس وسخرية، وهو يدرك أن ورطته مع عائلة عروسته الجديدة أصبحت مسألة ساعات فقط قبل أن تنفجر في وجهه. وعقله يدور في سؤال واحد: كيف سيتصرف مع أهل علا عندما يكتشفون الكارثة؟


 

١٢ سنه ٢

رومانى مكرم


بقى مدحت واقفاً في مكانه لعدة دقائق بعد رحيل السيارات، وعيناه معلقتان بالفراغ. تجمعت في رأسه أفكار سوداء كادت تفقده صوابه؛ الشقة أُجِّرت، والأثاث اختفى، والفواتير كلها تثبت ملكية ريهام، وساعات قليلة تفصله عن الاتصال الحتمي بوالد علا الذي لن يرحم عجزه.


عاد إلى شقة والدته القديمة يجر خطاه كالمجرم المساق إلى حتفه. وحين فتحت له الحاجة فايزة الباب ووجدت يديه فارغتين، ووجهه يحمل علامات الهزيمة، صرخت بلوعة: “جرى إيه يا مدحت؟ فين المحاميين؟ فين النجدة؟ عملت إيه مع الحرباية دي؟”


ارتمى مدحت على أقرب مقعد وقال بصوت مخنوق: “كل حاجة راحت يا أمي. الشقة اتأجرت لناس غُرب والعفش نزل بفواتير باسمها. ريهام مأمنة نفسها بالقانون، ومسبتليش خرم إبرة أدخل منه. أنا اتفضحت.. هقول إيه لحمايا بكرة لما ييجي يتفرج على الشقة قبل نقل الجهاز؟”


ضربت الحاجة فايزة صدرها بكفيها وقالت بغل: “تأجرها؟ تبيعها؟ وهي السايبة سيبان؟ لاء يا مدحت، إحنا مش هنقف نتفرج عليها وهي بتكسر رقبتنا قدام الناس. إنت كلمت حماك وقولتله إن في تشطيبات، صح؟ خليهم يأجلوا نقل الجهاز أسبوع واحد بحجة إن النقاش بوظ الدهان وب تعيدوه. وفي الأسبوع ده، أنا هعرف أتصرف مع ريهام بطريقتي.”


نظر إليها مدحت ب أمل ضعيف: “هتعملي إيه يا أمي؟ البنت معاها ورق رسمي ومحاميين.”


التفتت إليه وعيناها تلمعان بمكر: “الورق الرسمي يتبل ويشرب ميته قدام الفضايح يا مدحت. ريهام بتشتغل في شركة محترمة، وليها اسم وسط زمايلها وأهلها. أنا هروح لها مكان شغلها، وهقلب عليها الدنيا هناك، وهسمّع اللي ما يشتري يتفرج إنها ست خطفت فلوس جوزها وطرطردته في الشارع بعد ما صانها 12 سنة وهي مابتخلفش ومقطوعة من شجرة. هخلي سيرتها على كل لسان لحد ما تيجي بنفسها وتتنازل عن عقد الإيجار وتديك الشقة عشان تشتري كرامتها!”


لم يمنع مدحت والدته؛ بل إن الخوف من خسارة “علا” وضياع هيبته جعله يبارك هذه الخطة الدنيئة.


وفي صباح اليوم التالي، نفذت الحاجة فايزة وعيدها. توجهت إلى مقر الشركة التي تعمل بها ريهام كمديرة حسابات. دلفت من الباب بكل ثقة، وبمجرد أن رأت ريهام تجلس وراء مكتبها وتتحدث مع بعض الزملاء والعملاء، بدأت بصياح مكتوم تحول سريعاً إلى صراخ هز أركان الطابق بأكمله: “يا ناس يا عالم.. شوفوا الست المحترمة! شوفوا اللي كلت شقا ابني وطردته في الشارع! 12 سنة وهو صابر على عقرها ومستحمل قلة خلفتها، وفي الآخر تسرق شقته وعفشه وترميه رمية الكلاب عشان يتجوز ويعمل عيلة!”



توقف الجميع عن العمل، وتجمعت الأعين كلها نحو مكتب ريهام. شعر بعض الزملاء بالصدمة، بينما علت وجوه البعض الآخر نظرات الفضول والتشفي. أما ريهام، فقد شحب وجهها للحظة واحدة من صدمة المفاجأة، لكنها سرعان ما استعادت ثباتها التاريخي. لم تصرخ، ولم تدخل في مشادة كلامية تفقدها وقارها.


أشارت ريهام لأمن الشركة بهدوء وقالت بصوت مسموع: “يا فندم، الست دي داخلة تتعدى عليا في مكان شغلي وتعمل شغب وتعطل العمل. اطلبوا شرطة النجدة فوراً لإثبات الحالة، وخلوا كاميرات المراقبة تسجل كل كلمة بتقولها عشان ده حقي القانوني في قضية السب والقذف والتشهير.”


حين سمعت الحاجة فايزة كلمة “شرطة النجدة وكاميرات المراقبة”، تراجعت خطوة إلى الخلف، لكن كبريائها منعها من الصمت، فتابعت وهي تخرج من الباب يجرها أفراد الأمن: “بنتددي بالشرطة يا ريهام؟ طيب وريني الشرطة هتعمل إيه لما الفضيحة توصل لبيت عروسته الجديدة، وتعرفي إن الله حق!”


خرجت الحيزبون وهي تظن أنها هزت عرش ريهام، ولم تكن تعلم أنها قدمت لها أكبر هدية قانونية دون أن تدري. فبمجرد خروجها، طلبت ريهام من إدارة تكنولوجيا المعلومات تفريغ شريط الكاميرات كاملاً مع الصوت، وتوجهت برفقة محاميها إلى قسم الشرطة وحررت محضراً رسمياً بالسب والقذف والتشهير في مكان العمل، وأرفقت به الفيديو وشهادة ثلاثة من زملائها في المكتب.


في هذه الأثناء، كان مدحت يعيش أسوأ ساعات حياته. لم يكن يعلم بأمر المحضر الجديد، لكنه كان يواجه إعصاراً آخر؛ فقد اتصل به والد علا فجأة وبنبرة حادة قال له: “جرى إيه يا مدحت؟ أنا بعت واحد صاحبي مقاول يبص على الشقة عشان يشوف الدهان اللي بتقول عليه باظ، جاري قالي إن الشقة مقفولة وفيها سكان جدد مأجرينها بقالهم يومين! إنت بتلعب بينا يا مدحت؟ فين الشقة اللي قولت إنك شاريها وكاتبها باسمك؟”


تصبب مدحت عرقاً وصاح بارتباك: “يا عمي اهدى بس، دي مشكلة بسيطة مع طليقتي وهي اللي عاملة الليلة دي كلها..”


قاطعه الرجل بقسوة: “طليقتك؟ وشقة إيجار؟ إنت غشيتنا يا مدحت! قولت لنا الشقة ملكك ومن شقاك! بكرة الصبح تكون عندي في البيت إنت وأمك، وتجيبوا معاكم عقد ملكية الشقة الأزرق عشان أشوفه بنفسي، وإلا الفرقعة دي مش هتقعد للظهر والشبكة والفلوس هتوصلك لحد باب بيتك والكلاب تاكل تمنها!”


أغلق الرجل الخط، وسقط الهاتف من يد مدحت. شعر أن الأرض تدور به. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الشقة ودخلت والدته تلهث وتضحك بشر: “عملتها يا مدحت! خليت سيرتها زي الزفت في شركتها وخليت زمايلها يتفرجوا عليها!”



نظر إليها مدحت ودموعه تنهمر من شدة الضغط والورطة وصاح بجنون: “عملتي إيه يا أمي؟ خربتي بيتي! حمايا عرف إن الشقة مش ملكي وعرف إن في سكان غُرب فيها وطالب يشوف العقد الأزرق بكرة الصبح وإلا الجوازة هتبوظ والشبكة هتروح! الفضايح بتاعتك منفتعتش، دي هدت المعبد فوق دماغي!”


ساد الصمت الشقة المتهالكة، واختفت ضحكة الحاجة فايزة وحل محلها الرعب. لم يدرك الاثنان حجم الكارثة إلا عندما طُرق الباب بقوة غير عادية في المساء. وحين فتح مدحت، وجد أمامه معاون المباحث واثنين من أمناء الشرطة يحملون استدعاءً رسمياً ومذكرة توقيف بحق الحاجة فايزة بناءً على المحضر الذي حررته ريهام صباحاً مدعوماً بالفيديو القاطع.


انهارت الحاجة فايزة وبدأت تصرخ، بينما وقف مدحت عاجزاً، يرى أمه تُساق إلى القسم في ليلة شديدة البرودة، ويرى حلم زواجه الجديد يتهاوى كقصر من رمال، في حين أن ريهام كانت تجلس في بيتها الجديد الذي استأجرته مؤقتاً، تشرب كوباً من الشاي الساخن، وعيناها على الهاتف تنتظر اتصالاً تعلم أنه سيتوسل فيه مدحت باكياً في الصباح.. فماذا سيفعل مدحت لإنقاذ والدته وعروسته في آن واحد؟


مرت تلك الليلة على مدحت كأنها دهر كامل. لم يذق فيها طعم النوم، متنقلاً بين ردهات قسم الشرطة ومكتب الضابط، يتوسل تارة ويحاول إيجاد مخرج قانوني تارة أخرى، لكن الفيديو المصور بصوت وصورة نقيين من كاميرات الشركة كان حاسماً، وشهادة الزملاء وثّقت الواقعة كجريمة تشهير مكتملة الأركان. أُودعت الحاجة فايزة حجز القسم ليلة ذليلة لم تتخيل يوماً أن تقضيها، وهي التي كانت قبل ساعات فقط تظن أنها تملك زمام الأمور.


مع دقات الساعة السابعة صباحاً، كان مدحت يقف أمام باب قسم الشرطة، وعقله يكاد ينفجر من التفكير. الوقت يداهمه؛ بعد ساعات قليلة يجب أن يلتقي بوالد علا ومعه “العقد الأزرق” الذي لا وجود له، وفي الوقت نفسه أمه محبوسة على ذمة العرض على النيابة بتهمة قاسية.


لم يجد أمامه سوى خيار واحد، خيار كان يتمنى الموت قبل أن يلجأ إليه: “ريهام”.


أخرج هاتفه وضغط على رقمها بيد مرتجفة. رن الهاتف طويلاً حتى كاد ييأس، قبل أن يأتيه صوتها هادئاً، بارداً، ونقياً كعادتها، دون أي أثر للاضطراب: “أيوة يا مدحت.”


ابتلع ريقه وتحدث بنبرة متكسرة لم تعهدها منه طوال 12 سنة: “ريهام.. أنا أسف. بوس إيدك ارحمي أمي، الست كبِرت وتعبانة ومش حمل حجز وبهدلة أقسام. أبوس رجلك تنازلي عن المحضر، وأنا مستعد أعملك كل اللي إنتي عاوزاه.”



جاءت ضحكة ريهام عبر الهاتف خافتة لكنها حملت كل معاني السخرية: “تعبانة؟ وكبيرة؟ وهي مكنتش تعبانة وكبيرة وهي جاية تشتمني وتتهمني في شرفي وشغلي قدام الموظفين والعملاء؟ مكنتش تعبانة وهي بتطلب مني أسيب شقتي عشان تقعد فيها عروستك الجديدة؟ القانون يا مدحت مبيعرفش أمك وأمي، القانون بيعرف الحق، وأمك غلطت ولازم تدفع تمن غلطتها.”


بكى مدحت علناً في الشارع وقال: “طيب وأنا؟ أنا بيتي بيتهد يا ريهام. حمايا عرف إن الشقة مش ملكي وطالب العقد الأزرق بكرة، لو مرحتش هيفركشوا الجوازة وهيفضحوني ويضيعوا شقا عمري في الشبكة والمصاريف اللي استلفتها.. أرجوكي يا ريهام، عشان خاطر الـ 12 سنة اللي عشناهم مع بعض.”


قاطعتها ريهام بنبرة حاسمة كالسيف: “العشرة دي إنت اللي دبحها بإيدك يا مدحت. عاوز أمك تخرج؟ وعاوز تداري فضيحتك قدام أهل علا؟”


صاح بلهفة: “أيوة.. أيوة يا ريهام، أي شرط أنا موافق عليه!”


قالت برود: “تمن خروج أمك من الحجز، وتمن إني أديك صورة من عقد الشقة القديم المكتوب فيه اسمك قبل ما نغيره في الشهر العقاري عشان توريها لحماك وتثبتله إن الشقة كانت بتاعتك.. التمن ده هو (الطلاق). بكرة الصبح المحامي بتاعي هيستناك عند المأذون، تطلقني إبراء كامل، وتسيبلي كل مؤخري وحقوقي الشرعية اللي هكتبها في ورقة، وكمان تمضي على إقرار بالتنازل عن أي منقولات أو متعلقات ليك في الشقة. تعمل ده.. أمك تخرج في نفس الساعة، وتداري فضيحتك قدام ناسك الجداد. فكر وقرر.. قدامك ساعتين بالظبط، لأن النيابة هتفتح المحضر الساعة عشرة.”


أغلقت ريهام الخط قبل أن ينطق بكلمة. سقط مدحت على ركبتيه في الشارع. المقايضة كانت قاسية ومدمرة لكبريائه؛ الطلاق والتنازل عن كل شيء مقابل حريّة أمه وإنقاذ مظهره الزائف أمام عائلة علا.


لم يكن أمامه خيار آخر. اتصل بالمحامي الخاص به، والذي أكد له أن موقف والدته القانوني سيئ جداً وقد تواجه حبساً مع غرامة مالية ضخمة إن لم تتنازل ريهام. وفي تمام الساعة التاسعة والنصف، كان مدحت يقف أمام مكتب المأذون الشرعي، ووجهه مسودّ وعيناه غائرتان.


وصلت ريهام برفقة شقيقها أحمد ومحاميها. كانت تبدو في كامل أناقتها وثقتها، وكأنها مقبلة على حفل تكريم وليس على طلاقها بعد 12 سنة زواج. نظر إليها مدحت بنظرة عتاب مكسورة، لكنها لم تلتفت إليه. جلسوا، ووقع مدحت على أوراق الطلاق التنازل الإجباري، وفي المقابل، سلمها المحامي إقرار التنازل عن المحضر لتتوجه به فوراً إلى النيابة لإخلاء سبيل والدته، كما سلم أحمد لمدحت “نسخة ضوئية قديمة” من العقد الأزرق الأصلي للشقة قبل نقل ملكيتها لريهام، ليداري بها عورته أمام حماه.



خرجت ريهام من مكتب المأذون وهي تشعر بخفة لم تشعر بها منذ سنوات، وكأن قيداً ثقيلاً انكسر من حول عنقها. التفتت إلى شقيقها وقالت بابتسامة: “أنا كدة أخدت حقي كامل يا أحمد.. الشقة والعفش وكرامتي.”


أما مدحت، فقد توجه مسرعاً إلى النيابة حتى أنهى إجراءات خروج والدته، التي خرجت ووجهها شاحب، وجسدها يرتعش من الذل والتعب، ولم تعد تنطق بكلمات القوة والشر التي كانت ترددها دائماً.


لكن اليوم لم ينتهِ هنا. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية ظهراً، وموعد مدحت مع والد علا قد حان. ترك مدحت والدته في الشقة القديمة مع قريبة لها، وأخذ سيارة أجرة متوجهاً إلى منزل عروسته، وفي جيبه “صورة العقد القديمة”، داعياً الله أن يمر هذا المأزق على خير.


دخل مدحت منزل والد علا، ليجد الأجواء مشحونة للغاية. كان حماه يجلس متجهم الوجه، وجوار زوجته، بينما كانت علا تجلس في زاوية الغرفة وعيناها حمراوان من البكاء.


جلس مدحت وحاول الابتسام قائلاً: “مساء الخير يا عمي.. أنا جيت وجبت معايا الورق عشان تطمن، الموضوع كله كان سوء تفاهم وطليقتي هي اللي كانت مأجرة الشقة من ورايا بعقد مزور وأنا فسخته ورجعت حقي..”


قاطعه والد علا وهو يضرب الطاولة بيده بقوة أهتزت لها أكواب العصير: “بس! كفاية كدب لحد هنا يا مدحت! إنت فاكرنا مغفلين؟”


شحب وجه مدحت وقال برعب: “في إيه يا عمي؟ الورق أهو…”


أخرج والد علا هاتفه المحمول ورماه في حجر مدحت قائلاً بغضب عارم: “اتفرج! اتفرج على الفضيحة اللي مالية جروبات المنطقة وصفحات الفيس بوك من الصبح! فيديو أمك وهي بتجرجر في الشركة وبتشتم طليقتك وبتقول بعلو صوتها إنك معندكش شقة وإنك عاوز تاخد شقة طليقتك تقعد فيها بنتي! والناس في التعليقات كاتبين بالتفصيل إن الشقة ملك طليقتك ورثاها عن أمها وإنها طردتكم منها بقوة القانون!”


تجمد الدم في عروق مدحت وهو يرى الفيديو المنتشر، والتعليقات التي فضحت أدق تفاصيل حياته وسعيه للاستيلاء على ملك ريهام.


وقف والد علا وقال بصوت يهز الجدران: “إنت غشاش يا مدحت! جيت خطبت بنتي وقولت إنك صاحب ملك وشقا عمرك، وطلعت عايش عالة على ست وصابر عليك 12 سنة، وجاي تاخد بنتي تقعدها في شقة مغصوبة وفضايحكم مالية الدنيا! بنتي متمشيش وراها أصابع الناس بالسوء وتتقال عليها خطافة شقق!”


التفت إلى زوجته وصاح: “هاتي الشبكة يا أم علا ورميها في وشه!”


رمت الأم علبة الشبكة في حجر مدحت، وقفت علا ونظرت إليه بنظرة احتقار ودموعها تسيل، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب بقوة.



قال والد علا ومدحت مذهول لا يستطيع الحراك: “الشرط الجزائي اللي في العقد اللي مضينا عليه، وفلوس القاعة اللي حجزناها، هتوصلي لحد هنا في خلال 48 ساعة، وإلا هحبسك بوصلات الأمانة اللي إنت ماضيها تمن الصالون والأجهزة! اخرج برة بيتي يا غشاش!”


خرج مدحت إلى الشارع يجر خطاه، علبة الشبكة في يده، وعقله مشلول تماماً. لقد خسر كل شيء في لحظات؛ خسر ريهام، وخسر الشقة، وخسر العفش، وخسر كرامة والدته، والآن خسر عروسته الجديدة وأصبح مهدداً بالسجن بسبب الديون التي تراكمت عليه لتجهيز زواج لم يتم.


جلس على رصيف الشارع واضعاً رأسه بين يديه، والدموع تنهمر من عينيه ندمًا حسرة، يتذكر كلمات ريهام: “لما تفكر تتجوز وتعمل عيلة، كان لازم تعملها بفلوسك وشقاك، مش تبني سعادتك الجديدة على أنقاضي.”


وفي نفس تلك اللحظة، رن هاتفه.. كان المتصل هو حارس عقار والدته القديم، ويقول له بصوت فزع: “الحق يا أستاذ مدحت.. والدتك الحاجة فايزة تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا جالها شلل نصفي من الزعل والضغط!”


سقط الهاتف من يد مدحت، وتلاشى آخر خيط من تماسكه. فما هي الخطوة القادمة لمدحت بعد أن تحولت حياته إلى جحيم مطلق؟ وكيف ستستقبل ريهام أخبار انهيار عائلته السابقة وهي تبدأ خطوتها الأولى في مشروع حياتها الجديد؟


١٢ سنه ٣

رومانى مكرم


اندفع مدحت في شوارع المدينة كالمجنون، يركض وعقلة مشتت بين علبة الشبكة التي يقبض عليها في جيبه بقوة، والديون التي تطارده، وصورة والدته وهي ملقاة على فراش المستشفى. حين وصل إلى باب الاستقبال، وجد قريبتهم تقف تبكي، وبمجرد أن رأته صاحت: “الحق يا مدحت، الدكاترة جوه معاها، الست لسانها ثقل ومبقتش قادرة تحرك جنبها الشمال.. الضغط عِلي عليها فجأة ومستحملتش الصدمات اللي ورا بعض.”


انزوى مدحت في ركن مظلم بالممر، واضعاً يديه فوق رأسه ويضرب جدار المستشفى بقدمه من شدة العجز. الطبيب خرج بعد ساعة بوجه متجهم ليؤكد له الكارثة: “جلطة دماغية سببت شلل نصفي مؤقت، محتاجة عناية مركزة لعدة أيام، وبعدها رحلة علاج طبيعي طويلة.. والأهم من ده كله، تبعد تماماً عن أي ضغط عصبي.”


تكاليف العناية المركزة في المستشفى كانت تفوق قدرته المالية بمراحل، وهو الذي أنفق كل ما يملك واستدان فوق طاقته من أجل زواج تبخر في الهواء. اضطر مدحت في نفس الليلة إلى فتح علبة الشبكة، وتوجه إلى أحد محلات الصاغة القريبة لبيعها بخسارة كبيرة حتى يسدد جزءاً من مصاريف المستشفى ويشتري الأدوية لوالدته، التي كانت تنظر إليه من وراء زجاج العناية بعينين مكسورتين، خبا منهما شر التحدي والظلم، وحل محلهما ندم صامت لا يملك صاحبه القدرة على الكلام.


في المقابل، كانت ريهام تعيش أجواءً مختلفة تماماً. في صباح اليوم التالي، كانت تجلس في مكتبها بالشركة بعد أن هدأت العاصفة. زملائها في العمل الذين اعتذروا لها عما بدر من والدة طليقها، أبدوا إعجاباً شديداً بثباتها وقدرتها على إدارة الأزمة واسترداد حقها بالقانون.


لم تقف ريهام عند حد استعادة الشقة وأثاثها، بل بدأت بالفعل مع شقيقها أحمد خطوتها الأولى في استثمار أموال الإيجار التي تحصل عليها من الشقة. قررت ريهام بالاشتراك مع أحمد افتتاح مكتب استشارات مالية ومحاسبية خاص بها، وهو الحلم الذي طالما أجلته لسنوات بسبب انشغالها بمصاريف محاولات الإنجاب وضغوط بيتها السابق.


بينما كانت ريهام توقع عقد مقر مكتبها الجديد، تلقى أحمد اتصالاً من أحد معارفهم المشتركين يخبره بما حدث للحاجة فايزة وطلاق مدحت من خطيبته الجديدة وديونه المتراكمة. أغلق أحمد الهاتف والتفت إلى ريهام قائلاً: “مدحت أمه جالها شلل نصفي وجلطة، وعلا فسخت الخطوبة ورمتله الشبكة، ووالدها بيهدده بالحبس بسبب وصولات الأمانة.. الدنيا دارت وخلصت حقك وزيادة يا ريهام.”


صمتت ريهام لثوانٍ، نظرت من النافذة إلى الأفق، ولم تشعر بالتشفي بل شعرت بوقار العدل الإلهي. قالت بصوت هادئ: “الظلم ظلمات يا أحمد. أنا مدعيتش عليهم، أنا بس رفضت أكون الضحية. ربنا سبحانه وتعالى هو اللي رتب كل حاجة في وقتها عشان يوريهم إن دوام الحال من المحال.”



مر أسبوع كامل، خرجت فيه الحاجة فايزة من المستشفى محمولة على مقعد متحرك، وعادت إلى شقتها القديمة المتهالكة. أصبح مدحت هو الخادم الوحيد لأمه؛ يطبخ، وينظف، ويساعدها على الحركة، بجانب عمله الذي بات يقصر فيه بسبب الإرهاق.


لكن الكابوس الأكبر لم يبدأ بعد. انقضت مهلة الـ 48 ساعة التي حددها والد علا، ولم يجد مدحت سبيلاً لجمع تمن الشرط الجزائي ومصاريف القاعة التي ضاعت. وفي مساء يوم خريف بارد، طُرق باب الشقة بعنف.


حين فتح مدحت، وجد أمامه محضرًا من المحكمة يسلمه جنحة مباشرة مرفوعة ضده من والد علا بتهمة التبديد والنصب، مستنداً إلى أوراق ووصولات الأمانة التي وقع عليها مدحت لفرش الصالون الذي لم يدخل الشقة أصلاً.


سقطت الورقة من يد مدحت، وجرى نحو أمه باكياً: “أنا هتحبس يا أمي.. حمايا رفع عليا قضية بالوصلات والشرط الجزائي، والمحامي بيقولي لو مدفعتش خلال أسبوعين الحكم هيكون واجب النفاذ بالحبس ثلاث سنين! هجيب منين كل المبالغ دي؟ أنا معنديش حاجة أبيعها تاني!”


نظرت إليه الحاجة فايزة، وحاولت تحريك يدها السليمة للإشارة إلى شيء ما، وبجهد جهيد خرجت من فمها كلمات ثقيلة ومتقطعة: “الـ.. الـشـقـة.. بـيـع.. شـقـتـي..”


صعق مدحت من طلب والدته؛ بيع الشقة القديمة؟ الشقة الوحيدة التي تسترهم وتحمل ذكرياتهم؟ لو باعها، أين سيذهب بأمه المشلولة؟ وكيف سيعيشان؟ لكن السجن كان يفتح ذراعيه له، ولم يكن أمامه أي مفر.


في هذه الأثناء، أعلنت ريهام رسمياً عن افتتاح مكتبها الجديد، وبدأت في استقبال عملائها الأوائل بروح جديدة كلياً، متحررة من ألم الماضي ومعاناته. وبينما كانت تراجع بعض الأوراق، رن هاتفها برقم محامٍ يعرف مدحت.


أجابت ريهام، ليأتيها صوت المحامي محرجاً: “مساء الخير يا أستاذة ريهام.. أنا بكلمك بخصوص الأستاذ مدحت. هو في ضائقة مالية طاحنة ومهدد بالحبس خلال أيام، ومعروض للبيع حالياً شقة والدته القديمة لسداد الديون. مدحت طلب مني بشكل شخصي ومحرج جداً إني أعرض الشقة عليكي إنتي وأخوكي الأول لو حابين تشتروها كاستثمار، لأنه مستعد يبيعها بنصف ثمنها بس عشان ينقذ نفسه من السجن..”


حبست ريهام أنفاسها، والتفتت إلى شقيقها أحمد الذي كان يجلس جوارها وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه من مفارقات القدر.. فهل ستوافق ريهام على شراء شقة حماتها السابقة وتطرد غريمها الأخير تماماً، أم أن لها خطة أخرى ستصدم بها مدحت وتغير مسار المعركة بالكامل؟


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


التفتت ريهام إلى شقيقها أحمد ونقلت له تفاصيل المكالمة وهدوء مريب يسيطر على نبرة صوتها. أحمد صمت لثوانٍ، ثم ابتسم بمرارة وقال: “سبحان الملك.. الشقة اللي كانت أمه عاوزة تطردك منها عشان تقعد فيها العروسة الجديدة، دلوقتي بيعرضوا عليكي شقتهم الوحيدة عشان يهربوا من السجن! الدنيا بتلف بسرعة أوي يا ريهام. إيه رأيك؟ نشتريها ونقفل الصفحة دي خالص؟”


نظرت ريهام إلى عقد مكتبها الجديد الذي بين يديها، ثم قالت للمحامي على الهاتف: “قول لمدحت إني موافقة أشتري الشقة، بس بشرط واحد.. السعر اللي هحدده أنا والمحامي بتاعي بناءً على حالة الشقة المتهالكة، والبيع يكون نهائي وبتسليم فوري خلال 48 ساعة.”


أغلق المحامي الخط وتوجه فوراً إلى مدحت لينقل له الموافقة المشروطة. حين سمع مدحت أن المشتري هي “ريهام”، شعر بطعنة جديدة في كبريائه؛ المرأة التي خطط لكسرها والاستيلاء على ملكها، أصبحت الآن هي طوق النجاة الوحيد له من السجن، وهي التي ستملك جدران طفولته. بكت الحاجة فايزة بدموع ثقيلة وهي تسمع الكلمات، لكن شلل أجسادهم وعجز أموالهم لم يترك لهما رفاهية الرفض. وافق مدحت مرغماً.


بعد يومين، تم توقيع عقد بيع الشقة القديمة في مكتب محامي ريهام. لم تحضر ريهام بنفسها، بل أرسلت شقيقها أحمد لينهي الإجراءات ويسلم مدحت المبلغ الذي كان بالكاد يكفي لسداد ديون والد علا وقيمة وصولات الأمانة ومصاريف المستشفى المتأخرة. وقع مدحت والقلم يرتجف في يده، وسلم أحمد مفاتيح الشقة القديمة، وأصبح رسمياً هو ووالدته بلا مأوى.


بالمبلغ الذي استلمه، ركض مدحت إلى والد علا وسدد كل الديون والشرط الجزائي واسترد وصولات الأمانة التي كانت ستلقي به خلف القضبان. تنفس الصعداء لإنقاذ نفسه من السجن، لكن الفرحة لم تدخل قلبه؛ فقد التفت حوله ليجد نفسه يجر مقعد والدته المتحرك في الشارع، يبحث عن شقة صغيرة جداً للإيجار القانون الجديد في حي عشوائي بعيد، شقة لا يدخلها الشمس ولا تشبه في شيء دفء وجمال شقتهم السابقة.


انتقل مدحت وأمه إلى الغرفة الضيقة التي استأجرها بما تبقى من قروش قليلة. تحولت حياة الحاجة فايزة إلى جحيم صامت، تتأمل سقف الغرفة الرطبة وتتذكر شقة ريهام الواسعة وأثاثها الفاخر الذي طمعت فيه، وكيف أن طمعها قادها إلى هذا الضيق. ومدحت تحول إلى آلة تتحرك بين العمل المرهق والعودة للمنزل لرعاية أمه المشلولة، دون أن يملك ثمن الدواء أو حتى القدرة على الحلم بزواج جديد أو عائلة.



في هذه الأثناء، بدأت ريهام خطواتها الواثقة في مكتبها الجديد. حقق المكتب نجاحاً ملحوظاً خلال أسابيع قليلة بفضل شبكة علاقاتها وسمعتها الطيبة. وفي أحد الأيام، بينما كانت تراجع حسابات المكتب مع أحمد، دخلت إحدى العميلات الجدد، وبعد انتهاء العمل، نظرت إلى ريهام وقالت بتردد: “أستاذة ريهام.. أنا أعرف قصتك من صفحات الفيس بوك، وكنت عاوزة أقولك إنك بقيتي رمز لكل ست بتتظلم وتعرف تاخد حقها بأدب وقانون. بس في خبر تالت يمكن ميعرفيهوش عن مدحت وعيلته.”


انتبهت ريهام وقالت: “خير يا فندم؟”


قالت السيدة: “علا، العروسة اللي كانوا مرتبين معاها، اتخطبت الأسبوع اللي فات لراجل كير في السن ومطلق بس غني جداً، وأهلها وافقوا عليه فوراً عشان يداروا كلام الناس بعد الفضيحة اللي حصلت مع مدحت. ومدحت نفسه، رئيسه في الشغل نقله لفرع تاني في المحافظة بعيد جداً بسبب كثرة غيابه وعدم تركيزه، وبيبقى يروح وييجي كل يوم في المواصلات عشان يلحق يخدم أمه.”


لم تعلق ريهام، بل شكرت السيدة بهدوء. وحين غادرت العميل المكتب، التفت إليها أحمد وقال: “ربنا مبيسبش حد مظلوم يا ريهام، كل واحد رتب مؤامرة ضدك، اتقلبت عليه.”


قالت ريهام وهي تغلق دفتر حساباتها: “الحمد لله يا أحمد، أنا قفلت الباب ده من حياتي تماماً، ومليش دعوة بيهم.. أنا ببص قدامي وبس.”


لكن القدر لم يكتفِ بهذا القدر من التحولات؛ فبعد مرور شهرين على هذه الأحداث، وتحديداً في بداية العام الجديد، شعرت ريهام ببعض التعب والإرهاق المستمر، وهو ما جعلها تتوجه إلى الطبيبة لإجراء بعض الفحوصات المعتادة، ظناً منها أن ضغط العمل في المكتب الجديد هو السبب.


جلست ريهام في عيادة الطبيبة المنتظرة النتيجة، ودقات قلبها هادئة لا تتوقع شيئاً. دخلت الطبيبة وعلامات الدهشة والذهول ترتسم على وجهها، تنظر إلى الأوراق ثم إلى ريهام وقالت بنبرة لم تصدقها ريهام في البداية: “مدام ريهام.. أنا مش عارفة أقولك إيه، بس التحاليل والأشعة بتقول حاجة أشبه بالمعجزة الطبية بعد 12 سنة سعي…”


تسمرت ريهام في مقعدها، وحبست أنفاسها وهي ترى الطبيبة تبتسم ب اتساع.. فما هي المعجزة المفاجئة التي خبأها القدر لريهام بعد أن ظنت أن قطار الأحلام قد فات؟ وكيف سيكون أثر هذا الخبر الصاعق لو وصل إلى مسامع مدحت وأمه في غرفتهم الضيقة؟


 

١٢ سنه ٤

رومانى مكرم


وقفت الطبيبة من وراء مكتبها واقتربت من ريهام وهي تمسك بتقرير الأشعة والتحاليل، وقالت بنبرة مليئة بالتأثر: “مدام ريهام.. إنتي حامل! حامل في الأسبوع السادس، والنبض واضح ومستقر جداً.”


ساد الصمت أركان العيادة. شعرت ريهام وكأن الزمن قد توقف تماماً، وأن الكلمات تدور حولها دون أن تستوعبها. نظرت إلى الطبيبة بعينين متسعتين وقالت بصوت مرتعش: “حامل؟ إزاي يا دكتورة؟ أنا بقالي 12 سنة بعمل عمليات وحقن مجهري وتحاليل، وكل الأطباء قالوا إن الأمل ضعيف جداً وشبه مستحيل طبيعياً!”


ابتسمت الطبيبة وقالت وهي تضع يدها على كتف ريهام: “الطب فيه حدود، بس إرادة ربنا ملهاش حدود. علمياً، ساعات الضغط النفسي الشديد والعصبي اللي الست بتعيش فيه بسبب السعي وراء الخلفة بيعمل بلوك أو انسداد غير مرئي في الهرمونات. لما إنتي استسلمتي لربنا، وخرجتي من العلاقة السامة دي، وضغوطها زالت تماماً من حياتك، وجسمك وعقلك ارتاحوا.. حصلت المعجزة الطبيعية دي. مبروك يا ريهام، إنتي هتبقي أم.”


لم تتمالك ريهام نفسها؛ انهمرت دموعها بغزارة، لكنها لم تكن دموع حزن أو قهر كالسابق، بل كانت دموع شكر وفرحة غسلت كل آلام السنين الماضية. خرجت من العيادة والشرود يسيطر عليها، واتصلت بشقيقها أحمد الذي حضر مسرعاً وحين علم بالخبر، احتضنها في وسط الشارع وهو يبكي بفرحة عارمة ويقول: “ربنا كبيييير أوي يا ريهام! ربنا مبيسيبش حد صابر وراضي. ده رزقك اللي كان متأخر عشان يجي في وقته الصح، ويكون ليكي لوحدك ومحدش يشاركك فيه ولا يمنّ عليكي بيه.”


انتشر الخبر سريعا في عائلة ريهام، وتحول منزل أهلها إلى قاعة احتفالات صغيرة، والكل يحمد الله على هذه المعجزة التي جاءت بعد سنوات من الجفاف والقهر.


على الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الغرفة الضيقة والرطبة، كان مدحت يجلس على الأرض بجوار فراش والدته، يقطع قطعاً صغيرة من الخبز ويضعها في فم الحاجة فايزة ببطء شديد بسبب ثقل لسانها. كانت الأجواء كئيبة، ولم يعد بينهما حديث سوى أنات المرض وحسابات الديون المصاريف التي لا تنتهي.


في تلك اللحظة، رن هاتف مدحت. كان المتصل أحد أقاربه من بعيد، والذي كان يعلم بقصته مع ريهام. أجاب مدحت بصوت مجهد: “أيوة يا قريبي.. في جديد؟”


قال القريب بنبرة تحمل تردداً كبيراً: “مدحت.. أنا اتصلت عشان أقولك خبر، بس أرجوك تتماسك. أنا عرفت من واحد صاحب أحمد أخو ريهام إن ريهام راحت للدكتورة انبارح.. وطلعت حامل يا مدحت. حامل طبيعي ومن غير عمليات ولا حقن، وعيلتها مقلوبة من الفرحة.”



سقطت قطعة الخبز من يد مدحت. شعر بصدمة كهربائية تضرب جسده بالكامل. تجمدت الدماء في عروقه، وظل يردد ببلاهة: “حامل؟ ريهام حامل؟ إزاي؟ إحنا بقالنا 12 سنة بنموت عشان يحصل ده!”


قال القريب بأسف: “ربنا أراد دلوقتي يا مدحت. يظهر إن العيب مكنش منها هي.. أو يمكن لما ارتاحت نفسياً ربنا كرمها. المهم أنا قولت أعرفك عشان لو سمعت من برا متتفاجئش. لا إله إلا الله.”


أغلق القريب الخط، وترك مدحت في حالة ذهول تام. التفتت إليه الحاجة فايزة بعينها السليمة، وقد لاحظت تغير ملامحه وفزعه، وحاولت النطق وهي تحرك شفتيها بصعوبة: “فـ.. فـي إيـه؟ مـ.. مـدحـت.. جـرى إيـه؟”


نظر مدحت إلى أمه، وشعر بغضب عارم وحسرة تكاد تنفجر من صدره. صاح بصوت باكٍ ومجنون هز الغرفة: “ريهام حامل يا أمي! ريهام اللي قولتِ عليها عاقر ومبتخلفش ومقطوعة من شجرة! ريهام اللي خليتيني أطلقها وأخرب بيتي وأبيع شقتي وأستلف عشان أتجوز غيرها! طلعت بتخلف.. طلعت هتبقى أم، وأنا اللي خسرت الشقة والعفش والفلوس والكرامة، وقاعد هنا في الضلمة مش لاقي لقمة آكلها! إحنا اللي ظلمناها يا أمي.. إحنا اللي طمعنا ودمرنا نفسنا بإيدينا!”


انهمرت الدموع من عين الحاجة فايزة السليمة، وحاولت الكلام لكن صوتها تحول إلى نحيب مكتوم وثقيل. أدركت في تلك اللحظة أن العقاب الإلهي لم يكن فقط في مرضها أو فقرها، بل في رؤية الضحية وهي تزهر وتصل إلى قمة سعادتها، بينما هم يغرقون في القاع بسبب ما اقترفته أيديهم.


مرت الأيام، وبدأت بطن ريهام تكبر يوماً بعد يوم، ومعها يكبر نجاح مكتبها الجديد. كانت تتابع فحوصاتها بانتظام، وتحيط نفسها بحب عائلتها ودعم شقيقها أحمد، متجاهلة تماماً وجود مدحت وعائلته في هذا العالم.


أما مدحت، فقد وصل إلى مرحلة اليأس التام. وفي أحد الأيام، وبينما كان يسير في الشارع عائداً من عمله البعيد وهو محمل بالهموم، وجد نفسه دون وعي يتوجه نحو المنطقة التي يقع فيها مكتب ريهام الجديد. وقف بعيداً وراء إحدى السيارات، ينظر إلى لافتة المكتب المضيئة والراقية.


وفجأة، انفتح باب المكتب وخرجت ريهام رفقة شقيقها أحمد. كانت علامات الحمل واضحة عليها، ووجهها يشع نوراً وفرحاً وهي تضحك مع شقيقها وتستعد لركوب سيارتها الجديدة.


نظر إليها مدحت من بعيد، وامتلأت عيناه بالدموع. كان يتمنى لو يركض إليها، ويرتمي تحت قدميها ويطلب منها السماح، ويعيدها إلى حياته. تحركت خطوة ونوى الاندفاع نحوها، لكن في تلك اللحظة بالذات، التفت أحمد شقيق ريهام مصادفة، ولمح مدحت واقفاً يراقبهم من بعيد.



تغيرت ملامح أحمد، وأشار لمدحت بنظرة تحذيرية حادة، ثم التفت إلى ريهام وفتح لها باب السيارة بسرعة لتركب دون أن تلمح طليقها. تحركت السيارة واختفت وسط زحام المدينة، تاركة مدحت واقفاً في مكانه والدموع تحرق وجنتيه.


لكن مدحت لم يكن يعلم أن رؤيته لريهام في تلك الحالة ستدفعه لاتخاذ قرار جنوني في الصباح الباكر، قرار سيعيد فتح الملفات القديمة ويضع ريهام أمام مواجهة جديدة لم تكن تتوقعها على الإطلاق.. فماذا يخطط مدحت أن يفعل في الجزء القادم؟


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


لم ينطق مدحت بكلمة طوال ليلته. جلس في زاوية الغرفة المعتمة يراقب أنفاس والدته الثقيلة، بينما كانت ملامح ريهام وهي تضحك وبطنها البارز أمامها لا تفارق مخيلته. كان الشيطان يهمس في أذنه أن هذه الطفلة –أو الطفل– التي تحملها ريهام هي فرصته الأخيرة لاستعادة كل ما خسره. فكر بجنون: “لو عادت ريهام إليّ، سأعود صاحب ملك، وسيكون لي ابن يحمل اسمي، وسأخرج أمي من هذا القبر الضيق!”


لم يستمع مدحت لصوت العقل الذي يذكره بأنه طلقها طلاقاً بائناً بإرادته وإبرائه، وأنها باتت تكره رؤية وجهه. قاده اليأس إلى خطة انتحارية قرر تنفيذها مع شروق الشمس.


في الصباح الباكر، وقبل أن تتوجه ريهام إلى مكتبها، فوجئت وهي تفتح باب بيت أهلها بمدحت واقفاً أمامها. لم يكن مدحت القديم بكبريائه الزائف؛ كان شعره أشعث، وملابسه مجعدة، وعيناه غائرتين يملؤهما انكسار مخيف. قبل أن تصرخ ريهام أو تستدعي شقيقها أحمد، انهار مدحت بالكامل وارتمى على ركبتيه عند عتبة الباب، ممسكاً بطرف عباءتها وهو يبكي بحرقة ويسيل لعابه من شدة الذل.


صاح مدحت بصوت مبحوح هز أرجاء السلم: “سامحيني يا ريهام! أرجوكي ارجعيلي! أنا اضحك عليا، أمي هي اللي عمت عيني ودمرت حياتي وحياتك! ربنا منعمش عليكي بالخلفة طول الـ 12 سنة دول إلا عشان يثبتلي إنك إنتي الست الأصيلة الشريفة اللي تستاهل تصون اسمي. أنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، واكتبلك وصايا على نفسي، بس ارجعيلي ومتحرمينيش من ابني اللي في بطنك!”


خرج أحمد، شقيق ريهام، من الداخل على صوت الصياح. وحين رأى مدحت في هذا الوضع المهين يمسك بشقيقته، اشتعل غضباً واندفع نحوه ليركله ويبعده عنها، صائحاً: “إنت اتجننت يا دندف؟ جاي لحد هنا وبتتمد إيدك عليها؟ اخرج برة!”


لكن ريهام رفعت يدها فجأة لتوقف شقيقها. نظرت إلى مدحت الركع عند قدميها بنظرة باردة كالموت، نظرة خالية تماماً من الغضب، بل مليئة بالاشمئزاز والاشفاق. تراجعت خطوة إلى الوراء لتسحب طرف ثوبها من يده، وقالت بصوت هادئ، حاد ومزلزل:



“ابنك؟ إنت فاكر يا مدحت إن الطفل ده ابنك؟”


توقف مدحت عن البكاء ونظر إليها ب أمل بائس، فتابعت ريهام وهي تبتسم بمرارة: “إنت لو كان عندك ذرة عقل أو بتفهم في الأصول، كنت عرفت إن ربنا مأخرش الخلفة عنا 12 سنة لأن العيب فيا.. ربنا أخرها لأنه رحيم بيا، مكنش عاوز يربطني بعيل من راجل خاين وطماع زيك وزي أمك. ربنا نقذني ونضّف حياتي منكم الأول، ولما بقيت حرة وباسم نفسي وفي ملكي، رزقني بالمعجزة دي عشان تكون ليا لوحدي.. للست اللي شقيت واتظلمت وصبرت. الطفل ده ملوش أب يا مدحت، الطفل ده ابني أنا وبس، وإنت مالكش فيه ولا قشة، زي ما مالكش في الشقة والعفش.”


التقط أحمد أطراف الحديث وجر مدحت من ياقته بعنف ودفعه نحو درجات السلم قائلاً: “لو شوفت خيالك في الشارع اللي إحنا فيه تاني، مش هعملك محضر.. أنا هسيب أهل المنطقة يربوك ويعرفوك مقامك يا غشاش. ارمي نفسك في أي داهية إنت وأمك!”


تلقى مدحت الدفعة ليتهاوى على السلالم، يجر أذيال خيبته الأكبر. خرج إلى الشارع وهو يشعر ب جنون فعلي يزحف إلى عقله؛ لقد تبخرت آخر أوهامه، واستوعب للمرة الأولى وبشكل قاطع أن ريهام أغلقت كتاب الماضي ورمته في النار، وأن قطارها تحرك بسرعة نحو القمة، تاركاً إياه دهساً تحت عجلاته.


عاد مدحت إلى الغرفة العشوائية بوجه يشبه الأموات. ارتمى بجوار سرير والدته الحاجة فايزة، التي كانت تراقب ملامحه المنهارة بعينها السليمة، محاولة فهم ما جرى. نظر إليها مدحت وعيناه تشعان حقداً وندماً، وقال بصوت هامس ومخيف: “روحتلها يا أمي.. روحتلها واتذللت تحت رجليها وطردتني زي الكلب. ريهام قالتلي إن الطفل ده بتاعها لوحدها، وإن ربنا طهرها مننا قبل ما يديهولها. إحنا ضيعنا كل حاجة.. كل حاجة يا أمي.”


أغمضت الحاجة فايزة عينها، وانفجرت في بكاء صامت مرير، شاعرة بأنفاس الموت والندم تخنق صدرها، وهي ترى ابنها الوحيد يتحول إلى حطام إنسان بسبب طمعها.


مرت الأشهر الباقية من الحمل كأنها حلم جميل لريهام. كانت بطنها تكبر، ومعها تكبر نجاحات مكتبها الذي أصبح واحداً من أشهر مكاتب الاستشارات في المنطقة. كانت محاطة برعاية شقيقها أحمد وحب عائلتها، تستعد لاستقبال معجزتها المنتظرة بقلب نقي وصافٍ.


وفي ليلة من ليالي الشتاء الشديدة البرودة، فاجأت آلام الوضع ريهام. نُقلت مسرعة إلى المستشفى وسط حالة من الطوارئ المبهجة في عائلتها. دخلت غرفة العمليات، ودقائق الانتظار كانت تمر على أحمد ووالدها كأنها سنين..



وفجأة، انفتح باب غرفة العمليات، وخرجت الممرضة تحمل بين يديها لفة بيضاء صغيرة، وصوت صراخ طفل نقي يملأ الممر..


ابتسمت الممرضة وقالت لأحمد ووالده: “مبروك.. الست ريهام قامت بالسلامة، وجابت ولد زي القمر!”


بكى أحمد من الفرحة وسجد على الأرض شكراً لله، بينما كانت ريهام بالداخل تفتح عينيها بتعب، لتنظر إلى طفلها الذي وُضع بين يديها، وتتنفس بعمق وهي تعلم أن هذه هي البداية الحقيقية لحياتها الجديدة.


لكن، في نفس تلك الساعة التي ولد فيها طفل ريهام، كانت الغرفة الضيقة في الحي العشوائي تشهد حدثاً آخراً مرعباً؛ فقد استيقظ مدحت فجأة على صوت أنين غريب ومتقطع يصدر من والدته الحاجة فايزة. أسرع نحوها وأشعل الضوء الخافت، ليجد وجهها قد تغير تماماً، وعينها معلقة بالسقف وهي تلهث بصعوبة بالغة..


أمسك مدحت يدها بارتباك وصاح: “أمي! في إيه؟ حاسة بإيه؟”


نظرت إليه الحاجة فايزة بنظرة أخيرة طويلة ملؤها الخوف والندم، وحاولت شفتيها الثقيلتين النطق بكلمة واحدة.. كلمة “ريهام”.. قبل أن تسترخي يدها تماماً، وتخرج روحها إلى بارئها، تاركة مدحت وحيداً في الغرفة المظلمة مع جثتها والديون والفضيحة.


 


لم يجد مدحت أحداً يقف بجواره في تلك الليلة الباردة؛ ماتت والدته الحاجة فايزة وهي تردد اسم “ريهام” بأنفاس مثقلة بالندم، ووجدت جثتها مسترخية على ذلك الفراش المتواضع في الغرفة الرطبة. اضطر مدحت للاستدانة مجدداً من بعض الجيران في الحي العشوائي ليدفع تكاليف الكفن والدفن، وسار خلف نعشها مع ثلاثة من الغرباء فقط، في جنازة مهينة وخفيفة لم يحضرها قريب أو صديق، بعد أن قطع الجميع صلتهم به إثر الفضيحة التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي.


عاد مدحت إلى غرفته الفارغة، وجلس على الأرض وحيداً. استوعب في تلك اللحظة حجم الكارثة؛ لقد خسر الزوجة المخلصة، والشقة والمال، وضاعت العروس الجديدة، وماتت أمه مشلولة ومقهورة، وبات هو محاصراً بديون الجيران وأقساط لا تنتهي، يعيش في قاع المجتمع كعامل مجهد لا يلتفت إليه أحد. أصبح يقضي ليله بالبكاء والنظر إلى جدران الغرفة المقشرة، مدركاً أن كل ما أصابه لم يكن سوى عدل الله الذي أمهله لحين، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر.


في المقابل، كانت المستشفى التي وضعت فيها ريهام تشهد أجواءً من النور والبهجة. ضمت ريهام طفلها إلى صدرها، وقررت أن تسميه “يوسف”، ليكون رمحاً للفرج والجمال بعد سنوات الصبر البئر التي عاشت فيها.


مرت الأيام والسنوات سريعة، وتحولت حياة ريهام إلى قصة نجاح ملهمة. كبر يوسف وأصبح طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا بهجة، وكان شقيقها أحمد بمثابة الأب والسند له. أما مكتب الاستشارات المالي الخاص بريهام، فقد تحول بمرور السنوات إلى شركة كبرى لها فروع، وأصبحت ريهام من سيدات الأعمال المشهود لهن بالذكاء والنزاهة والأصل الطيب.


وفي أحد أيام الصيف، وبعد مرور خمس سنوات على تلك الأحداث، كانت ريهام تستقل سيارتها الفارهة بصحبة ابنها يوسف وشقيقها أحمد. توقفت السيارة أمام إحدى الإشارات المرورية المزدحمة في وسط المدينة. التفت يوسف الصغير إلى النافذة، وأشار بيده قائلاً: “ماما.. بصي الراجل ده شكله تعبان أوي.”


نظرت ريهام من النافذة بدافع الفضول، لتتجمد ملامحها للحظة. كان هناك رجل أربعيني، يرتدي ملابس رثة وممزقة، وظهره منحنٍ يحمل صندوقاً خشبياً لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة. كان وجهه شاحباً للغاية، وعلامات الهرم والكسرة قد حفرت على وجهه أخدوداً عميقاً.


إنه “مدحت”.


تعرفت عليه ريهام فوراً رغم تغير حاله. التقت عيناهما عبر زجاج السيارة الفارهة. تجمد مدحت في مكانه، وسقطت علبة المناديل من يده على الأسفلت. نظر إلى ريهام وهي في قمة أناقتها ووقارها، وإلى الطفل الجميل الذي يجلس بجوارها ويشبهها كثيراً، ثم إلى أحمد الذي كان يقود السيارة وينظر إليه بنظرة نصر صامتة.


شعر مدحت برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ كان هذا اللقاء هو العقاب الأشد قسوة من الموت نفسه. أن يرى بعينيه الغنى والرفعة والولد للضحية التي ظلمها، في المقابل الذي يتسول فيه هو قروشاً في الشوارع. لم تنطق ريهام بكلمة واحدة، ولم تفتح النافذة لتشتمه أو تتشفى فيه؛ بل اكتفت بنظرة هادئة مليئة بالحمد لله، ثم أغلقت عينيها ودعت لولدها. تحركت الإشارة، وانطلقت السيارة مسرعة، تاركة مدحت واقفاً في وسط الغبار والشمس، يجمع المناديل من على الأرض والدموع تنهمر على وجهه المغبر.


### الحكمة من القصة:


> **”إن الله يمهل ولا يهمل، والبيوت البنية على الظلم والطمع هدمها حتمي.”**


> * **جزاء الظلم عاجل أم آجل:** تذيق الدنيا للإنسان من نفس الكأس التي أذاقها لغيره. مدحت وأمه طمعوا في ملك ريهام وحاولوا طردها وكسر كرامتها بقلة الخلفة، فكانت النتيجة أن سُلبت منهم شقتهم وصحتهم ومأواهم، ورزق الله ريهام بالولد والمال في الوقت الذي حرمهم فيه من كل شيء.


> * **الرضا بقضاء الله يفتح أبواب المعجزات:** صَبَرت ريهام 12 سنة ورضيت بحكمة الله دون تسخط، ولما نفضت عن نفسها غبار العلاقة السامة وتوكلت على الله وأخذت بحقها بالقانون والأدب، رفعها الله وأبدلها بعد العسر يسراً، وجعل عقمها سبباً في معجزة طبيعية أبكت القلوب.


> * **المال والولد رزق من الله وليس شطارة بشرية:** حاول مدحت استبدال ريهام لياتي بالولد الذي يحمل اسمه بمال ريهام وشقاها، فخرج من الدنيا بلا زوجة، ولا ولد، وبلا مأوى، ليبقى وحيداً يجر أذيال الخسران.





 




أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close