أمي اشتغلت 77 يوم كاملة وحصريه
أمي اشتغلت 77 يوم كاملة وحصريه
أمي اشتغلت 77 يوم من غير ما تاخد جنيه واحد، وصاحب الشغل كل يوم يركب عربيته الـBMW الجديدة ويقول لها: “استحمّليني أسبوع كمان”. ساعتها خرجت من غير ما حد ياخد باله وقت البريك، وعدّيت من وسط سبع رجالة واقفين يحرسوا، وروحت سألت أخطر راجل في القاهرة: “هو ليه محدش خلا الأستاذ شريف يدفع فلوس أمي؟”
اسمي آدم.
وعندي أربع سنين ونص… والنص ده كان فارق معايا جدًا.
بالليل قبلها، صحيت على صوت ماما وهي بتعيط، وكانت فاكرة إني نايم.
قالت وهي ماسكة الموبايل:
— لو سمحت يا أستاذ شريف… أنا مستنية بقالي 11 أسبوع. ابني محتاج أكل، اديني مرتبي بس.
وفجأة سكتت.
وجالي صوت راجل من سماعة التليفون وهو بيقول بمنتهى البرود:
— احمدي ربنا إنك لسه شغالة عندنا.
تاني يوم، ماما خدتني معاها المطعم، عشان اللي كانت هتقعد معايا اعتذرت في آخر لحظة.
قالتلي:
— اقعد هنا في المكتب لوّن في الكراسة، ومتتحركش من مكانك.
بس هي ماكنتش تعرف إني كنت مرتب كل حاجة من بالليل.
أول ما جه وقت البريك، حطيت كشف الساعات اللي ماما كاتباه في جيب السويت شيرت الأحمر بتاعي، وخرجت بهدوء ناحية صالة المطعم.
في آخر ركن كان قاعد الحاج منصور الحديدي.
أي حد في القاهرة كان يعرف الاسم ده.
أصحاب المحلات كانوا بيوطوا صوتهم أول ما يدخل.
ناس كتير كانت بتجري تنفذ كلامه قبل ما تفكر.
والكل كان بيقول إنه راجل صعب… لكن عمر حد قال إنه بياكل حق حد.
مشيت ناحيته.
أول ما قربت، تلاتة من الحرس دخلوا إيديهم جوه الجواكت.
واتنين قاموا من أماكنهم بسرعة لدرجة إن الكراسي خبطت في الأرض.
الحاج منصور رفع صباع واحد.
وفجأة…
الكل وقف مكانه.
بصلي وقال بهدوء:
— إنت جاي تكلمني أنا؟
قلت:
— أيوه.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— متأكد؟
بصيت على الرجالة اللي حواليه، وبعدين بصيتله تاني.
وقلت:
— إنت الوحيد اللي محدش بيهزر معاه… وماما بتقول ده معناه إنك الكبير بجد.
ولا واحد ضحك.
سألني:
— اسمك إيه؟
— آدم.
— عندك كام سنة؟
— أربع سنين ونص.
— ومامتك عارفة إنك هنا؟
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— فاكراني في الحمام.
واحد من اللي قاعدين كان هيضحك.
لكن الحاج منصور بصله نظرة خلت الضحكة تموت قبل ما تطلع.
قاللي:
— إنت عديت من سبع حراس علشان توصل لي؟
واحد من الحرس قال:
— ستة يا باشا.
هزيت راسي وقلت بثقة:
— لأ… سبعة.
زق كباية العصير من قدامه، وقال:
— قوللي بقى… جيت ليه؟
طلعت الورقة من جيبي، وفردتها قدامه.
كانت ماما كاتبة فيها كل شيفت اشتغلته.
كل ساعة إضافية.
وكل مرة قفلت فيها المطعم بالليل.
وفي آخر الورقة كانت كاتبة:
11 أسبوع من غير مرتب.
إجمالي الفلوس: 268 ألف جنيه.
فضل يبص في الورقة.
وكان فيه نجوم بنفسجي مرسومة جنب شوية تواريخ.
سألني:
— النجوم دي معناها إيه؟
قلتله:
— ماما كتبت الساعات… وأنا اللي رسمت النجوم.
وفي نفس اللحظة، كان الأستاذ شريف واقف عند الكاشير بيضحك بصوت عالي، وبيقلّب مفتاح عربيته الـBMW الجديدة على صباعه.
الحاج منصور بص ناحيته.
وبعدين رجع بصلي.
وسألني:
— وإيه حكاية النجوم يا آدم؟
بلعت ريقي، وشورت على أول نجمة.
وقلت بصوت واطي:
— دي الليالي اللي نمنا فيها من غير عشا.
وفجأة…
المطعم كله سكت.
الحاج منصور قام من مكانه بالراحة.
وفي نفس اللحظة…
الأستاذ شريف لف وشه ناحيتنا لأول مرة.
وأول ما عينه جت في عين الحاج منصور…
مفتاح العربية وقع من إيده على الأرض…..
سقط مفتاح العربية على الأرض وصوته رنّ في المكان زي صدى جرس، والأستاذ شريف اللي كانت ضحكته مالية المطعم قبل ثواني، وشه اتخطف وبقى شبه الورقة البيضا اللي كانت في إيدي.
الحاج منصور ما اتكلمش. مشي بالراحة، خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتخلي الأستاذ شريف يرجع لورا لحد ما ظهره خبط في الكاشير. رجالة الحاج منصور اتحركوا من غير ما حد يديهم أمر، أربعة وقفوا على الباب الخارجي وقفلوا الترباس، والتلاتة التانيين وقفوا ورا الأستاذ شريف بمسافة شبر واحد.
نزل الحاج منصور لمستواي، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي ومريح:
— آدم… ارجع لماما في المكتب، ومتطلعش غير لما أنا أجيلك.
قلتله وأنا ماسك في السويت شيرت الأحمر بتاعي:
— طب والورقة؟
ابتسم ونزل جاب مفتاح العربية الـBMW من على الأرض، وحطه في إيدي الصغيرة وقال:
— الورقة معايا، والمفتاح ده خليه معاك لحد ما آجي أستردّ دينك.
مشيت ناحية المكتب، ولما جيت ألف، شفت الحاج منصور بيقعد على الكرسي اللي في نص الصالة، وحط كشف الساعات بتاعي على الترابيزة قدامه. بص للأستاذ شريف وقال كلمة واحدة بس بصوت هادي يرعب:
— اقعد يا شريف.
دخلت المكتب، ماما كانت عمالة تلف حوالين نفسها وبتقول بصوت مخضوض:
— آدم! كنت فين يا حبيبي؟ خضتني عليك!
مسكت إيدها وقلت:
— كنت بره برسم نجمة جديدة يا ماما… بس المرة دي مش في الورقة.
قبل ما تفهم قصدي، الصوت بره انقطع تمامًا. المطعم كله بقى زي القبر. ماما فتحت باب المكتب حتة صغيرة وجات تبص، وأنا وقفت جنبها وأنا ضاغط على مفتاح العربية في جيبي.
كان الحاج منصور بيمسك كشف الساعات وبيقرأ تاريخ تاريخ.
— يوم 14 الشهر اللي فات… شغال لغاية الساعة 3 بالليل. يوم 22… شيفت إضافي 16 ساعة.
رفع عينه لشريف وسأله:
— العربية اللي بره دي بكام يا شريف؟
شريف كان بيعرَق وركبته بتخبط في بعضها، قال بصوت بيقطع:
— يا حاج منصور… والله الموضوع فيه سوء فهم، الست دي أختنا… و…
الحاج منصور خبط كفه على الترابيزة خبطة واحدة هزت المكان:
— سألتك بكام؟
— بـ 3 مليون يا باشا…
الحاج منصور هز رأسه:
— وراكب عربية بـ 3 مليون ومستخسر تدي للست اللي طافحة الدم في مطعمك 268 ألف جنيه؟ وكمان بتقولها “احمدي ربنا إنك لسه شغالة”؟
شريف بص للمكتب وشاف ماما واقفة ورا الباب، حاول يستقوى ويقول:
— يا حاج منصور، ده شغل داخلي في الشركة، وحضرتك ملكش…
ما لحقش يكمل الكلمة. واحد من الحرس اللي كانوا واقفين وراه حط إيده على كتف شريف ونزّله على الكرسي بالعافية.
الحاج منصور طلع تليفونه، اتصل برقم وقال:
— يا حلمي… هاتلي المحاسب القانوني بتاع الشركة ورجالة المراجعة، وتعالى على مطعم شريف في وسط البلد. معاك نص ساعة… والباب مش هيتفتح لحد ما تيجوا.
في اللحظة دي، شريف فهم إن الموضوع مش مجرد فلوس هيتدفع، الموضوع بقى أكبر بكتير. وبص ناحية الباب، وشافني وأنا مطلع صباعي وبشير له على مفتاحه اللي في إيدي.
الحاج منصور التفت للمكتب ونادى بصوت عالي:
— امسكي ابنك يا أم آدم وتعالي… الحساب هيتقفل النهاردة، بس بالجنيه وبالساعة!
أمي اشتغلت 77 يوم2
خرجت ماما من المكتب وهي ماسكة إيدي وبترتعش، كانت حاطة وشها في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في الحاج منصور ولا في الأستاذ شريف.
شريف أول ما شافها، حاول يغيّر طريقة كلامه وبص لها بنظرة توسّل وقال:
— يا أم آدم… قولي للحاج منصور إن الفلوس كانت جاهزة، وإنك اختلفتي معايا بس على الميعاد!
الحاج منصور ما أدالوش فرصة يتكلم، رفع إيده وقال له بصوت حاسم:
— سكتك دي خالص يا شريف… الكلام هنا معايا أنا.
التفت الحاج منصور لماما، شاور لها تقعد على الكرسي اللي قصاد شريف مباشرة، وقال لها برفق:
— أقعدي يا أم آدم. الشغل اللي اشتغلتيه بشرف ما يخليكيش توطي راسك قدام حد. احكي لي… الفلوس دي حساب كام شهر؟
ماما مسحت دموعها بسرعة وبصت للورقة اللي على الترابيزة وقالت بصوت مكسور:
— 11 أسبوع يا حاج منصور… كنت ببدأ الشيفت من 8 الصبح وأقفل المطعم الساعة 2 بالليل. لما أطلب حقي، يقول لي السوق مريح ومفيش سيولة… وفي نفس الوقت أشوفه بيشتري ديكورات جديدة للمكان وركب العربية الجديدة. كل ما أقوله ابني محتاج مصاريف، يقول لي: “لو مش عاجبك الباب يفوت جمل، بس مالكيش عندي قرش واشتكيني في المحكمة ووريني هتاخدي حك إزاي بعد كام سنة”.
الأستاذ شريف كان بيحاول يتكلم، بس واحد من الحرس حط إيده على كرسي شريف وثبته في مكانه.
في اللحظة دي، باب المطعم اتخبط تلات خبطات متتالية.
واقف بره راجل بلبس رسمي وماسك في إيده شنطة جلد سودا ومعاه شخصين تانيين بيسجلوا في أوراق. فتح لهم الحارس الباب ودخلوا بسرعة.
الحاج منصور بص للراجل اللي دخل وقال:
— أهلاً يا حلمي. كشف الساعات أهو… حسابه مع الست دي 268 ألف جنيه. عايزك تراجع دفاتر المطعم كلها من أول السنة، وتشوفلي الضرائب والتأمينات وحقوق العمال التانيين.
شريف وشه اصفر تمامًا وقال بصوت مرعوب:
— حاج منصور! إنت كده بتهد بيتي! المراجعة دي هتقفل لي المطعم وتوديني في داهية!
قرب الحاج منصور منه، وبص في عينه وقال بنبرة أبرد من التلج:
— إنت اللي هديت بيتك يوم ما بيّت الطفل ده وأمه من غير عشا، وقعدت تتباهى بعربيتك الجديدة قدام ناس شغالين عندك بشرفهم. البيت اللي يتبنى على أكل حق الغلبان، يتهد على دماغ صاحبه.
المحاسب حلمي قعد على ترابيزة جنبة وبدأ يفتح الدفاتر والكمبيوتر الخاص بالمطعم. وبعد ربع ساعة مراجعة، بص للحاج منصور وقال:
— يا حاج… المطعم مطلع أرباح الشهر ده بس أكتر من نص مليون جنيه، وفي حسابات متأخرة للموردين وللعمال بتعدي المليون.
الحاج منصور وقف، وبص فشريف وقال:
— قدامك نص ساعة… يا إما المبلغ بتاع أم آدم يوصل هنا كاش مع زيادة تعويض عن كل ليلة عيّطت فيها، يا إما الملف ده كله بحساباته ومخالفاته يروح للجهات المختصة فوراً… والعربية الـBMW اللي بره دي هتفضل هنا ضمان لحد ما كل العمال ياخدوا حقوقهم حبة حبة.
شريف مسك تليفونه بإيد ترتعش وبدأ يتصل بأحد معارفه وهو بيترجاه يبعت له مبلغ كبير فوراً.
أنا بصيت لماما وابتسمت، وطلعت مفتاح العربية من جيبي وحطيته قدام الحاج منصور على الترابيزة وقام بصلي وقال:
— لسه بدري يا آدم… المفتاح ده مش هيرجع لصاحبه غير لما النجوم اللي أنت رسمتها كلها تتطفي.
مسك شريف التليفون وأصابعه بتترعش بشكل مش طبيعي، حاول يطلب الرقم مرتين وتلاتة وهو بيمسح العرق اللي نازل على وشه. الصوت في التليفون كان مسموع للكل من كتر ما المكان كان ساكت:
— الحقني يا مدحت… عايز 300 ألف جنيه كاش دلوقتي حالاً، ابعتهم لي مع أي حد على المطعم فوراً!
صوت الراجل على الناحية التانية رد باستغراب:
— 300 ألف كاش دلوقتي يا شريف؟ في نص اليوم كده؟ فيه إيه؟
شريف بص للحاج منصور وللرجالة اللي واقفين حواليه، وقال بصوت مخنوق:
— مش وقت كلام يا مدحت… لو مبعتهمش خلال ربع ساعة، شغلي كله هيقف والمطعم بيتفرد فيه دفاتر المراجعة!
قفلت المكالمة، وساد الصمت تاني في الصالة. المحاسب حلمي كان شغال بسرعة على اللاب توب، وصوت طقطقة الكيبورد كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع، وكل شوية يرفع راسه ويقول رقم:
— فيه كمان 40 ألف جنيه متأخرات للشيف حسين… و15 ألف للشاب بتاع الدليفري بقالهم 3 شهور…
الحاج منصور كان بيسمع وهو ساكت تمامًا، حاطط إيده على عصايته الأبنوس وبيفرك في المحبس الفضة اللي في إيده. التفت ناحية شريف وقال بصوت هادي:
— إنت مش بس أكلت حق أم آدم يا شريف… إنت كنت عامل المطعم ده مصيدة لغلبانة مالهاش حد يسندها، وفاكر إن محدش هيحاسبك.
شريف نزل راسه في الأرض وهو مش قادر يرفع عينه في حد.
في الوقت ده، الباب الخارجي للمطعم انفتح، ودخل شاب ماسك في إيده شنطة سودا صغيرة، كان باين عليه الذهول من منظر الحرس اللي واقفين وقفل الباب وراهم. قرب الشاب وسلّم الشنطة لشريف وهو بيهمس:
— أستاذ مدحت بعت المبلغ أهو يا أستاذ شريف.
شريف أخد الشنطة فوراً، وإيده بتترعش، وحطها على الترابيزة قدام الحاج منصور وقال بصوت متقطع:
— الفلوس أهي يا حاج منصور… 300 ألف جنيه كاش. أكتر من حق أم آدم بـ 32 ألف كمان… تعويض ليها عن الفترة اللي فاتت. بس نفل الدفاتر ونعدي الموضوع ده على خير.
الحاج منصور بص للشنطة، وبعدين بص للمحاسب حلمي اللي هز راسه وتأكد إن المبلغ كامل.
لكن الحاج منصور ما مسكش الفلوس. التفت لماما اللي كانت قاعدة ودموعها نازلة على خدها وهي مش مصدقة إن حقها اللي ضاع في 11 أسبوع ممكن يرجع في ساعات.
وقال لها بالراحة:
— قومي يا أم آدم… خدي حقك بـ إيدك.
ماما وقفت، مدّت إيدها الترعش وأخدت حقها من الشنطة. وبصت للحاج منصور وقالت بصوت مكسور:
— ربنا يجبر بخاطرك يا حاج… أنا مكنتش عايزة غير حق تعبي بس.
الحاج منصور وقف من على الكرسي، وبص لشريف اللي تنفس الصعداء وكان فاكر إن الكابوس انتهى خلاص ومسك مفتاح عربيته اللي كان على الترابيزة عشان ياخده.
بس قبل ما شريف يلمس المفتاح، الحاج منصور حط عصايته فوق المفتاح وثبته مكان.
شريف اتخض ورفع عينه للخلف وقال:
— يا حاج منصور! الفلوس واندفعت وزيادة… المفتاح ده بتاعي!
الحاج منصور بص له بنظرة حادة خلت المكان يبرد، وقال:
— حق أم آدم أخدته… بس حساب باقي العمال اللي أكلت حقهم لسه مفتوح. والمطعم ده مش هيتفتح تاني غير لما كل واحد فيهم ياخد قرشه للآخر. والمفتاح ده… يفضل معايا لغاية ما أشوفك واقف بتعتذر لكل عامل هنا قدام الناس كلها.
وبعدين التفت لي، وطبطب على كتفي وقال:
— يلا يا آدم… إنت وأمك. خطوتك اليوم ده غيرت حاجات كتير.
أمي اشتغلت 77 يوم3
مشينا أنا وماما جنب الحاج منصور ورجالته خارجين من المطعم. شريف كان واقف ورا الترابيزة مش قادر يتحرك، عينه على مفتاح عربيته اللي أخدها الحاج منصور وحطها في جيب جلاّبيته، وعلى الدفاتر اللي المحاسب حلمي كان لسه بيقلّب فيها وبيسجّل كل مخالفة بالورقة والقلم.
أول ما خرجنا الشارع، الهواء البارد خبط في وشنا. ماما كانت ماسكة شنطة الفلوس بإيد، وماسكة إيدي بالتانية بتشد عليها بقوة وهي لسه مش مصدقة، كأنها خايفة تصحى تلاقي كل ده كان حلم.
وقف الحاج منصور على رصيف الشارع، والتفت لماما وقال بصوت هادي:
— يا أم آدم… الفلوس دي حق تعبك، محدش تفضّل عليكي بقرش واحد منها. بس الشغل في المكان ده انتهى خلاص. من بكرة الصبح، تسألي عن حاج حلمي في المقر الرئيسي لشركات الحديدي، فيه شغل هناك بمرتب محترم وآدم هيلاقي مكان جنب منك يرسم فيه نجومه براحته.
ماما حطت إيدها على قلبها ودموعها نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع راحة، وقالت:
— مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا حاج منصور… ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويحميك.
الحاج منصور نزل لمستواي، بصلّي في عيني وقال:
— وإنت يا بطل… السبع حراس بتوعي مش هيسبوك تعدي تاني بسهولة، بس افتكر إن الشجاعة مش إنك ماتخافش، الشجاعة إنك تروح للحق حتى لو رجلك بتترعش.
هزيت رأسي بثقة وقلتله:
— أنا مش هخاف تاني خلاص يا حاج.
الحاج منصور ابتسم وشار بصباعه لواحد من رجاله، وقاله:
— وصل أم آدم وآدم لحد باب بيتهم، وماترجعش غير لما تتطمن عليهم.
ركبنا العربية الكبيرة السودا، وبصيت من الشباك وأنا شايف الحاج منصور بيعيّن اتنين من حراسه يفضلوا واقفين على باب المطعم، عشان يضمن إن شريف مش هيخرج ولا هيقفل المكان قبل ما باقي العمال يوصلوا وياخدوا حقوقهم كاملة.
ولما العربية تحركت، بصيت لماما وقالتلي بصوت واطي:
— إنت عملت إيه يا آدم؟
طلعت كراسة الرسم الصغيرة من جيبي، وبصيت للنجمة البنفسجي الأخيرة، وقلت لها:
— أنا ماعملتش حاجة يا ماما… أنا بس دليت الكبير على المكان اللي بتبدأ منه النجوم.
بس القصة ما خلصتش عند باب بيتنا… لأن شريف بالليل ما استسلمش، وعمل اتصل بشركاء كبار ليه في السوق عشان يرد اعتباره ويدخل في مواجهة جديدة مع الحاج منصور.
في نفس الليلة، والهدوء كان مالك الشارع تحت بيتنا، كان الأستاذ شريف قاعد في مكتبه مع اتنين من أكبر المستثمرين الشركاء معاه في المطعم. وشه كان أحمر من الغضب، والترابيزة قدامه مليانة أوراق وتليفونات مش بتسكت.
واحد من الشركاء، واسمه جلال، ضرب بيده على الترابيزة وقال بغضب:
— أنت اتجننت يا شريف؟ سيبت منصور الحديدي يمسك عليك دفاتر المراجعة وياخد مفتاح عربيتك؟ أنت عارف الراجل ده لو فتح الملفات دي في النيابة أو التأمينات، أسهمنا كلها في السوق هتقع بكرة الصبح!
شريف قام وقف وهو بيصرخ بصوت واطي:
— أنا مكنتش أقدر أعمل حاجة! الراجل دخل المطعم معاه رجاله والمحاسب بتاعه، والطفل الصغير ده… ابن الست اللي شغال عندنا… هو اللي جابه لحد عندي!
الشريك التاني بصله باستخفاف وقال:
— طفل عنده أربع سنين يهد شغلك ويجيبلك منصور الحديدي لحد عندك؟ أنت كده بتصغّر نفسك وتصغّرنا معاك. الحل مش إننا نسكت، الحل إننا نلعب بنفس طريقته.
شريف بص له بلهفة وسأله:
— يعني هنعمل إيه؟
جلال قرب منه وقال بنبرة خبيثة:
— بكرة الصبح، الست دي هتكون محتاجة توثق الساعات دي في المحكمة أو القوى العاملة لو حبينا نطعن في صحة الورقة. والورقة دي لازم تتسحب منها أو تتلغي باي طريقة… وإلا الحديدي هيمسكنا من إيدنا اللي بتوجعنا قدام العمال كلهم.
في الوقت ده بالظبط، في شقتنا البسيطة، كانت ماما قاعدة على الكنبة بتعد الفلوس اللي رجعت لها، وتحطها في ظرف مقفول وهي بتتنفس براحة لأول مرة من شهور. أنا كنت قاعد جنبها في الصالة، ماسك كراسة الرسم وبحاول أرسم صورة الحاج منصور بعصايته الأبنوس.
فجأة، جرس الباب رنّ.
المكان كان هادي، والوقت كان متأخر جداً بعد نص الليل. ماما اتخضت وقامت بالراحة، وبصت لي وقالت بصوت واطي:
— خليك عندك يا آدم… متتحركش.
قربت ماما من الباب وبصت من العين السحرية. وشفتاها ارتعشوا لما شافت واحد من الحراس بتوع الحاج منصور واقف بره، وبيهمس من ورا الباب بصوت مستعجل:
— يا أم آدم… افتحي بسرعة، الحاج منصور بعتني أقولك إن شريف وشركاه بيترتبوا لحاجة بكرة الصبح، والحاج عايزكم تنزلوا معايا دلوقتي فوراً!
ماما وشتها اصفرّت وبصتلي بخوف شديد، وبقت مترددة تفتح الباب ولا لأ. بس صوت الحارس كان واضح وجاد جداً. فتحت الباب حتة صغيرة وهي ماسكة في إيدي بقوة.
الحارس بص حواليه في الشارع الهادي وقال بصوت واطي ومستعجل:
— يا أم آدم، الأستاذ شريف اتصل بشركائه الكبار، ونواياهم مش كويسة. فاكرين إنهم لو ضغطوا عليكي أو أخدوا منك أصل كشف الساعات ورصيد المستحقات، هيقدروا يطعنوا في كلام الحاج منصور ويقلبوا الترابيزة. الحاج بعتني عشان أنقلكم لمكان أمان تابع للشركة لحد ما الصبح يطلع وكل حاجة تتحسم.
ماما ما تفكرتش كتير، جابت الشنطة بسرعة وحطت فيها كراسة الرسم بتاعتي والورق والفلوس، ونزلنا مع الحارس. الشارع كان ضلمة والعربية السودا كانت مستنيانا تحت العمارة.
أول ما ركبنا، العربية اتحركت بسرعة ناحية المقر الرئيسي لشركات الحديدي.
الصبح بدري، كانت الصالة الرئيسية في مقر شركات الحديدي مليانة ناس. الحاج منصور كان قاعد على كرسيه الكبير، وحواليه كبار المحامين والمحاسبين بتوعه. وقدمه على الترابيزة كان محطوط كشف الساعات بتاعي اللي فيه النجوم البنفسجي، وجنبه مفتاح العربية الـBMW.
وفجأة… اتفتحت الأبواب الضخمة، ودخل الأستاذ شريف ومعاه شريكه جلال واثنين من المحامين بتوعهم، ووشوشهم كلها ثقة وغرور، فاكرين إن المحامين هيقدروا يخرجوه من المأزق ده وثغرات القانون هتسعفه.
جلال اتكلم بكل تكبر وقال:
— يا حاج منصور… إحنا جايين نحل الموضوع بدياً بدل ما ندخل في قضايا ومحاكم. الورقة اللي معاك دي مالهاش قيمة قانونية، ومالهاش أي إثبات رسمياً، والست دي ملهاش عندنا غير المبلغ الرسمي اللي في العقد بس.
الحاج منصور ما اتهزش، ولا حتى رفع صوته. ابتسم ابتسامة خفيفة، وشاور للمحاسب حلمي.
حلمي فتح ملف ضخم على الترابيزة وقال بثقة:
— الورقة اللي معاكوا دي يا أستاذ جلال مش لوحدها… فريق المراجعة بتاعنا جاب تسجيلات الكاميرات بتعة المطعم كاملة لمدة 11 أسبوع، ومطبوع فيها دخول وخروج أم آدم بالساعة واليوم. ده غير إننا اكتشفنا إن المطعم متهرب من التأمينات والضرائب لمبلغ يعدي الـ 2 مليون جنيه… والملف ده هيروح للنيابة العامة كمان عشر دقائق لو ما اتنفذتش شروط الحاج منصور.
شريف وشه اتخطف وبص لجلال اللي ثقته كلها اتبخرت في لحظة وما عرفش يرد بحرف.
الحاج منصور وقف، وحط إيده على العصاية الأبنوس، وبص لشريف وجلال وقال بصوت يهز القاعة:
— اللعب والقانون اللي بتتحاموا فيه إحنا أسياده… بس إحنا بنجيب حق الناس بالقانون وبالأصول. قدامكم مهلة ساعة واحدة بس… تجيبوا باقي حقوق العمال كلهم، وتوقعوا على تنازلاتهم المشروعة، وإلا النيابة هي اللي هتتكلم معاكم!
ساد صمت طويلاً في القاعة الكبيرة، وبقى صوت أنفاس شريف وجلال المكتومة هو الصوت الوحيد المسموع. المحامين بتوعهم بصلوا لبعض ونزلوا رؤوسهم في الأرض، وعارفين إن موقف موكليهم ضايع تمامًا قدام المستندات وتسجيلات الكاميرات وملفات المراجعة.
جلال قرب من شريف وهامس في إذنه بصوت يرعش:
— الموضوع خلص يا شريف… لو الملف ده وصل للنيابة مش بس المطعم اللي هيتقفل، إحنا شغلنا كله في السوق هيدمّر ونهايتنا هتبقى السجن. ادفع واخلص.
شريف كان بيعرَق وبص للحاج منصور كأنه بيستنجد بيه، وقال بصوت مكسور تمامًا:
— أنا موافق يا حاج منصور… كل العمال هياخدوا حقوقهم بالقرش، والورق كله هيتوقع بكرة الصبح.
الحاج منصور بص له بنظرة حازمة وقال:
— مش بكرة الصبح يا شريف… دلوقتي حالا. الحساب يتقفل والفلوس تتوثق بضمان المحاسب حلمي، وكل عامل يخرج من المقر ده وهو مستلم حق تعبه وعرقه.
في خلال أقل من ساعة، كانوا كل عمال المطعم—الشيف حسين، وشباب الدليفري، وعمال النظافة—موجودين في القاعة. دخلوا وهم خايفين ومترددين، بس أول ما شافوا المحاسب حلمي بيسلم كل واحد فيهم ظرف فيه مستحقاته كاملة وزيادة، الفرحة ملايات المكان والدموع نزلت من عينيهم وهم بيدعوا للحاج منصور.
شريف كان واقف في الركن بيوقع على أوراق التنازلات وإقرارات استلام الحقوق، وكل ما عامل ياخد حقه، كان شريف بيضطر يوطي راسه ويبص للترابيزة من الخجل.
بعد ما آخر عامل استلم حقه وخرج، الحاج منصور مسك مفتاح العربية الـBMW من على الترابيزة. وبص لشريف وقال له:
— ده مفتاح عربيتك… خده. بس افتكر كويس إن العربية والمظاهر دي كلها مالهاش أي قيمة لما تبنيها على كسر خاطر الغلبان. اللي ياكل حق الناس، بيجي يوم ويدفع الثمن غالي ومن أثمن ما يملك.
شريف أخد المفتاح بإيد ترتعش، وخرج من القاعة هو وجلال وهم يجروا خطواتهم لورا من غير ما ينطقوا بكلمة واحدة.
التفت الحاج منصور لماما وليّ، ونزل على ركبته قدامي حتى بقى في مستوايا. مسك إيدي الصغيرة وقال:
— إيه رأيك يا آدم؟ النجوم البنفسجي اللي في الورقة اتطفت كلها النهاردة؟
هزيت رأسي وابتسمت، وطلعت كراسة الرسم ورسمت نجمة كبيرة صفراء بتلمع جنب صورة الحاج منصور، وقلت له:
— دي مش نجمة حزن يا حاج… دي نجمة الحق اللي رجع.
الحاج منصور ابتسم ابتسامة دافية وطبطب على كتفي، وتوجه بكلامه لماما وقال:
— يا أم آدم… عقد شغلك الجديد في قسم الإدارة المالية بشركاتنا جاهز من بكرة الصبح، بمرتب يعوضك أنت وآدم عن كل اللي شفتوه، وآدم ليه مكان مخصص في النادي بتاع الشركة يقضي فيه وقته ويكبر بشرف وأمان.
خرجنا من المقر وأنا ماسك إيد ماما، والشمس كانت طالعة بتنور شوارع القاهرة. ماما كانت بتبصلي وهي حاسة إن كابوس الـ 11 أسبوع انتهى للأبد، وأنا كنت حاسس إن النص سنة الزيادة في عمري—الأربع سنين ونص—كان فعلاً هو الفرق اللي خلاني أقدر أغير كل حاجة.


تعليقات
إرسال تعليق