القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم كاملة 



بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم كاملة 


أنا متجوزة بقالي 8 سنين وسلفتى اتجوزت من حوالي 7 شهور. وجوزها مسافر الكويت وهى حامل فى الشهر الخامس


وهى دلوقتي عايشه مع حماتى ال هى امها وكل يوم حماتى تكلمنى تقولى تعالى نضفى علشان سلفتك تعبانه تعالى اطبخى وغسلى كل يوم والتانى على نفس النغمه دى


الاسبوع ده سلفتى راحت شفتها هى وحماتى اتفاجت بيتصلو بيا ويقولو الشقه كلها تراب تعالى نضفيها وغيرى الفرش وهاتى خضار وفاكها معاكى علشان تجهزينا الاكل


رديت عليها وقولتلها مقدرش اسيب عيالى لوحدهم وانا بخدمك انتى ياحماتى فى بيتك مش فى بيوت الناس


البداية


ثمان سنين كاملة وأنا شايلة البيت دا على كتافي، ولا عمري فتحت بؤي بكلمة ولا اتقال مني العيب. من أول ما دخلت بيت جوزي عروسة صغيرة، وأنا ماشية تحت الحيطة.. أخدم الكبير والصغير، وأقول “أمري لله.. كله بأجره”. أبتلع الإهانة وأجي على صحتي وأعصابي عشان أشتريهم، لحد ما افتكروا إن جدعنتي وصبري دول حق مكتسب، وإني شغالة عندهم ملهاش قيمة ولا كرامة!


من سبع شهور بس، دخلت “سلفتي” العيلة. عروسة جديدة، دلوعة، ومش مستحملة الهوا! ومفيش كم أسبوع إلا وأعلنت خبر حملها في الشهر الأول. من يومها والدنيا اتقلبت رأس على عقب! البت بقت هي الشريفة العفيفة اللي ما تمسش الأرض برجلها، وأنا بقيت في نظرهم الشغالة الرسمية للبيت كله!


جوزها مسافر الكويت بياكل عيش، وبحجة إنها “حامل وتعبانة وفي أشهرها الأولى”، حماتي قامت جيباها تعيش معاها في بيتها طالع نازل. ومن اليوم دا وحياتي اتقلبت جحيم لا يطاق!


التليفون ما كانش بيبطل رن.. لا صبح ولاليل. صوت حماتي يرن في ودني زي الشاكوش، حامي وآمر وما بياخدش وبيدي:


ـ “تعالي يا بت بسرعة.. سلفتك تعبانة ومش قادرة تقف في المطبخ، تعالي اطبخي واغسلي الملايات ونضفي الشقة.. لازم نراعيها دي حبلة وشايلة ابن أخو جوزك!”


أبقى سايبة بيتي وعيالي وأجري عشان أرضيها. أدخل ألاقي الهانم متلقحة على الكنبة بتتفرج على التليفزيون وبتشرب العصير، وأنا الملم التراب وأطبخ وأغسل المواعين لحد ما إيديا تتشقق من الصابون.. وفي الآخر؟ ولا كلمة حلوة ولا حتى أصل الله يصلح حالك! بالعكس، نظرات قرف وتنطيط من سلفتي، وكلام زي السم من حماتي بتطلع فيا القطط الفاطسة.


سكتت وقولت معليش: “عشان خاطر جوزي وعشان العيل اللي في بطنها.. بكره تولد وترجع بيتها ونرتاح”. بس اللي يوطي ضهره للناس، بيكركبوا عليه!


النهاردة كان يوم زي النار، جو حار يكتم النفس. أطفالي الاثنين صغار، الكبير مسخّن ومحسوس وعمال يئن، وأنا بلف حولين نفسي بجدد له الكمادات وبحاول ألملم البيت وأعمل لقمة أكل، وحيلتي مهدود وجسمي بيبتعد من التعب.



وفي وسط المعمعة دي.. رن التليفون.


لقيتها حماتي. رفعت السماعة بقلب مقبوض وأنا بتنفس بالعافية:


ـ “أيوة يا حماتي.. خير؟”


جاني صوتها لا فيه رحمة ولا سؤال عني ولا عن أحفادها السخان، صوت شاحن قسوة وأنانية تقرف:


ـ “سمعي يا بت أنتِ.. أنا وسلفتك دلوقتي في شقتها.. أصلها نزلت تطل عليها وتشوفها، اتفاجئنا إن الشقة كلها تراب ومتبهدلة ع الآخر! وهي طبعاً في الشهر الخامس ومتقدرش تمد إيدها في حاجة ولا تحرك كنبة!”


سكت لثانيتين ببلع ريقي وبحاول أستوعب كلامها، بس هي كملت بردم وقاحة وفوقية:


ـ “اتصرفي بسرعة وسيبك من اللي في إيدك.. البسي وتعالي فوراً على شقة سلفتك. هاتي معاكي وأنتِ جاية خضار وفاكهة وطماطم وزيت عشان تعمليلنا أكل محترم تجهزينا الغدا، ولما توصلي تمسكي الشقة تنضفيها حتة حتة وتغيري الفرش والملايات كله.. يلا مستنيينك متتأخريش!”


وراحت هابدة الخط في وشي قبل ما أفتح بؤي!


وقفت في نص الصالة، التليفون في إيدي، وصوت ابني المسخّن بيبكي من الأوضة، وشريط الثمان سنين بيلف قدام عينيا. ثمان سنين سكات وخدمة وطيبة، والنتيجة إيه؟ رايحين يطلبوا مني أروح أنضف بيت سلفتي الهانم، وأشتريلهم أكل من طاقيتي، وأسيب عيالي المرضى عشان أكون خدامة لعروسة الست الهانم؟!


الدم غلي في عروقي، والكرامة اللي كنت دافناها تحت التراب قامت ولعت نار. كانت اللحظة اللي عرفت فيها إن السكوت مش صبر.. السكوت خيبة وهوان!


#الكاتب_رومانى_مكرم


مسكت التليفون وضربت على رقم حماتي تاني.


ردت بسرعة بصوت ناشف:


ـ “إيه يا بت؟ اتأخرتي ليه؟ أنتِ لسة عندك؟!”


قبضت على التليفون بكل غلي، وبصيت لنفسي في المراية، ولأول مرة من ثمان سنين، قطعت العرق وسيحت دمه، وجي صوتي حاد زي السكّينة، قاطع وهز السماعة:


ـ “أنا مقدرش أسيب عيالي لوحدهم في البيت وهم تعبانين يا حماتي.. وأنا لما بطلب رضا وبخدم.. أخدمك أنتِ يا حماتي وفي بيتك أنتِ.. مش في بيوت الناس!”


وسكتت اللحظة، والخط اتformsقطع، ووقفت في نص الصالة والتليفون لسة في إيدي..


**الجزء الثاني**


وقفت سكتّ ثواني أتنفس بالعافية، ضربات قلبي كانت بتدب في صدري زي الطبول، وإيدي اللي ماسكة التليفون بتترعش من كتر الغل. الكلمة طلعت مني زي الرصاصة، حسيت بصداها يرن في الشقة كلها. حماتي على الناحية الثانية سكتت من الصدمة، السكوت كان تقيل ومخيف لدرجة إن صمتها كان أشد من صراخها. وبعد ثواني، جاني صوتها مبحوح ومخنوق من كثر الغيظ:


ـ “بتقولي إيه يا بت أنتِ؟! بتسمي بيت أخو جوزك وسلفتك بيت ناس؟! وعيالك مين اللي حجة؟! أنتِ اتجننتي في عقلك ولا نسيتي نفسك أنتِ مين والبيت دا أصحاب فضله عليكِ إزاي؟!”



ما اديتهاش فرصة تكمل باقي الموشح ولا تتطاول أكتر، قفلت الخط في وشها برود لم أعهده في نفسي من ثمان سنين. رميت التليفون على الكنبة، ورحت جري على أوضة عيالي. مسكت ابني الصغير، شيلته في حضني وهو جسمه مولع نار وشفاه بتتعد من السخونية، حطيت خدي على خده وبكيت.. بكيت دموع قهر وثورة متأخرة ثمان سنين. كنت بقول لنفسي: “أنا اللي عملت في نفسي كده.. أنا اللي هانت عليا نفسي لحد ما افتكروني خدامة برتبة ملكية!”


ساعة كاملة مرت وأنا بحاول أهدي العيل وأعمله كمادات خل ومية ساقعة، وعقلي شغال ما بيهداش. عارفة إن اللي عملته دا زلزال في العيلة، وعارفة إن الحساب جاي.. بس المرة دي ما كنتش خايفة، كنت حاسة بإحساس غريب بالحرية، زي السجين اللي كسر باب سجنه بأيده.


وفجأة.. سمعت صوت المحرز في الباب بيتقلب بعنف. الباب اتفتح وهبد في الحيطة بصوت هز الشقة كلها.


خرجت من الأوضة ببطء، ألاقي جوزي “محمود” داخل زي الفتح المظفر، وشه أحمر زي الدم، وعيونه طالع منها شرار، وياقة قميصه متفككة وجايب آخره. واضح إن أمه كلمته وشحنت البارود على آخره قبل ما يوصل.


وقف في نص الصالة، بيمسك نفسه بالعافية، وزعق بصوت هز جدران البيت:


ـ “أنتِ يا هانم! أنتِ يا اللي قلة الأدب طفحت عليكِ! إيه اللي أنتِ هببتيه دا؟! إيه الكلام اللي قولتيه لأمي في التليفون دا؟!”


وقفت قدامه بثبات، حاطة إيدي في وسطي، وبصيت في عينيه بثبات لأول مرة في حياتي:


ـ “أنطق إيه؟ أنت عارف أمك طلبت مني إيه قبل ما تجيلي تجعر كده؟ أمك عاوزاني أسيب ابنك اللي سخن ومولع نار وأروح أنضف شقة سلفتك وأشتريلها خضار وفاكهة من جيبي وأطبخلها! هي سلفتي اشتريتني ولا أنا خدامة أبوهما وأنا مش دارية؟!”


محمود ما استناش يسمع، ولا فكر يبص على ابنه المرمي جوة بيتألم، الشحنة اللي أمه شحنتهاله كانت أعمى من العقل. قرب مني في ثانية، وبدون مقدمات، رفع إيده ولطشني بالقلم على وشي لدرجة إن دماغي لفت، وداني رنت بصوت عالي، ورجعت خطوتين لورا وسندت على الركنة.


زعق وهو بيشاور بإصبعه في وشي وبيفش غله:


ـ “أمك لما تقولك يمين تقولي أمين! أخي مسافر وبيشقى في الكويت، ومراته حبلة وفي غريبتنا، وأنتِ هنا زي الجمصة لا شغلانة ولا مشغلة! لما أمي تقولك روحي نضفي ورجلك فوق رقبتك تروحي وتجزّي على أسنانك وتعملي وأنتِ ساكتة! بيت أخويا هو بيتي، واللي يقل أدبه على أمي أكسر رقبته!”


القلم ما وجعنيش في وشي، القلم نزل على قلبي وكسر آخر خيط كان باضل بيني وبينه. الثمان سنين اللي ضيعتهم من عمري وأنا بتباع وأتشرا عشان أحتويه وأحافظ على بيته، اتبخروا في ثانية واحدة عشان خاطر كلام أمه ونطاعة سلفتي!



رفعت رأسي بصيتله، ما بكيتش، الدمعة تجمدت في عيني، وبصيتله بنظرة كره وقرف استغربها هو نفسه ورجع خطوة لورا.


صوتي طلع واطي بس يرعب:


ـ “بتضربني يا محمود؟ عشان رافضة أكون شغالة عند سلفتك اللي أصلها ما كملتش في العيلة سبع شهور؟ بتضربني وتبيعني وتبيع عيالك اللي مرميين جوة بالسخونية عشان ترضي أمك وتعمل فيها الراجل الأصيل؟”


ـ “أني راجل غصب عنك وعن عين اللي جابوكِ!” زعق محمود وبدأ يقرب مني تاني، بس أنا رفعت إيدي في وشه بكل قوة وقاطعت خطواته:


ـ “إياك تمد إديك عليا تاني! أنت بقيت صغير أوي في نظري يا محمود.. صغير للدرجة اللي تخليك تبيع كرامة مراتك وأم عيالك عشان شوية كلام فارغ!”


دخلت الأوضة فوراً، وفتحت الدولاب، وسحبت شنطة السفر الكبيرة. بدأت أرمي فيها هدومي وهدوم عيالي بعشوائية وسرعة. محمود دخل ورايا الأوضة، يتفرج عليا وهو متفاجئ من رد فعلي، افتكرني هعيط وأترجاه وأبوس على إيده زي كل مرة نتخانق فيها.


ـ “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ فاكرة نفسك رايحة فين؟”


ما رديتش عليه، كملت لَمّ الهدوم واللعب بتاعة العيال، وسحبت علبة الدهب الصغير بتاعي اللي كنت شايلاها للزمن، وحطيتها في الشنطة.


شيلت ابني الكبير اللي كان مش قادر يقف على حيله، ومسكت إيد البنت الصغيرة، وسحبت الشنطة بإيدي الثانية، وخرجت للصالة.


وقف محمود قدام باب الشقة يسد عليا الطريق، وشه بقى أصفر من التوتر لما شافني مصممة بجد:


ـ “أنتِ هتسبي البيت وتمشي؟ اتهدي واقعدي بدل ما أقسم بالله لو خرجتي من الباب دا ما أنتِ داخلة تاني!”


بصيت في عينيه بابتسامة وجع وقرف وقام هديت جسمي كله، وقولتله بكل ثبات:


ـ “الباب دا أنا اللي مش هدخله تاني برجلي إلا وأنا واخدة كرامتي وحقي تالت ومتالت. أوصيك يا محمود.. روح كمل خدمتك عند سلفتك، روح أطبخلها ونضفلها الشقة، أصلك أولى بيها من غريب!”


زقيته بكتفي بكل قوتي، وفتحت الباب وخرجت. نزلت السلم وأنا شايلة ابني وبسحب الشنطة والبنت ماسكة في جلابيتي، وصوت محمود نازل ورايا يزعق ويشتم ويهدد بيمين الطلاق، بس ولا كلمة منه كانت طالعة لمست ودني.


خرجت الشارع والشمس كانت بتغيب، والهوا يلفح وشي في أثر القلم اللي أكلته. بصيت لعيالي، وبصيت للشارع، وحسيت لأول مرة إني مش هربانة.. أنا رايحة أرجع كرامتي اللي ضاعت تحت جزمة العيلة دي ثمان سنين كاملة، والكتف اللي يشيل القهر دا كله، قادر يهد المعبد على راس الكل!


 

بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم 2


وصلت بيت أبوي والشمس كانت غابت والظلمة كست الشارع. كل خطوة طلعتها على السلم كانت بتدك قلبي، مش خوف، لكن من ثقل الهم وشيلة الواد المسخّن اللي كان جسمه زي الجمرة بين إيديا. أول ما فتحت أمي الباب وشافتني بالمنظر دا—شنطة سفر كبيرة في إيد، والواد مرمي على كتفي مش قادر يرفع راسه، وأخته ماسكة في ديل جلابيتي وبتعيط—صرخت ولطمت على صدرها:


ـ “يا مري! إيه اللي جرالك يا بنتي؟! مالك ومال عيالك؟! إيه الشنطة دي؟!”


دخلت وعينايا زغلت من التعب والقهر، رميت الشنطة وسندت الواد على الكنبة. في لحظتها خرج أبوي وأخويا الكبيرة “أحمد” من الأوضة على صوت الصريخ. أبوي بصلّي بفزعة وجاه عليا يرفع راسي، وأول ما ضوء اللمبة جه على وشي، شاف أثر صوابع محمود علم أحمر وورم على خدي الشمال.


أبوي وقف مكانة وزي ما يكون اتسمر، صوته طلع مخنوق من الصدمة:


ـ “مين اللي عمل فيكِ كده يا بنتي؟! محمود ضربك؟!”


أنا ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده، الانهيار اللي حبسته طول الطريق انفجر في لحظة. قعدت على الأرض بين إيدين أمي وبكيت بكا يقطع القلب، وحكيتلهم كل حاجة.. حكيت عن الثمان سنين اللي كنت باكل فيهم نفسي عشان أعدي المراكب، حكيت عن سلفتي الهانم اللي شغالين تحت إيدها، وحكيت عن طلب حماتي إني أروح أنضف بيت الناس وأشتريلهم أكل من طاقيتي وأسيب الواد وهو مولع نار، ولما رفضت ودافعت عن كرامتي.. محمود كان جزائي منه القلم والإهانة والطرد.


أخويا أحمد لما سمع الكلام دا، عيونه احمرت والدم غلي في عروقه، ضرب الترابيزة بإيده كسّر الزجاج اللي عليها وزعق بصوت هز البيت:


ـ “والله ما هسيبك يا محمود يا ناقص! بقا أختي اللي شايلك وشايلة أهلك ثمان سنين تضربها عشان خاطر سلفتها وحماتك؟! والله لأعرفك مقامك وأربيك من أول وجديد!”


أبوي مسك أحمد ووقفه بصوت حاد قاطع:


ـ “اقف عندك يا أحمد! الحق دا حقي أنا، والدقن دي مش هتبقى على راجل لو ما جبتش حق بنتي تالت ومتالت وخلتيهم يمشوا على العجين ما يلخبطوهوش!”


في نفس الليلة، أخدنا الواد وجرينا بيه على الدكتور، طلع عنده التهاب شديد في الزور وسخونية عالية، والدكتور كتبله على جلسات وأدوية وحذرنا إن الإهمال كان ممكن يدخله في مضاعفات خطيرة. ساعتها أبوي بصلي وقال: “شايفة؟ عيلك كان هيروح منك عشان تروحي تنضفي وتطبخي لست الحسن والجمال!”


ثاني يوم الصبح، كانت الحمات وسلفتها قاعدين في شقة السلفة، مفكرين إن الموضوع خلص، وإن محمود أدبني وقعدني في بيتي أو إني عند أهلي بعيط ومرمية وهيجي محمود يجرني من شعري ويرجعني ذليلة تنضف وتغسل وتسمع الكلام.



لكن المفاجأة اللي ما كانتش على بالهم، إن الساعة اثنا عشر الضهر، سمعوا خبط مرعب على باب العمارة وباب الشقة.. خبط يرعب القلب!


فتحت حماتي الباب وهي فاكرة إنه محمود أو دليفري، اتفاجأت بأبوي وأخويا أحمد واقفين في وشها زي الجبال، ووشوشهم تسد عين الشمس، ووراهم اثنين من كبارات العيلة وأعمامي!


حماتي برقت وعينيها وسعت من الخضة، وحاولت تتدارك موقفها وترسم النشفان:


ـ “خير يا أبو فلان؟ جايين في إيه وعاملين هيصة ليه على الصبح؟!”


أبوي ما إداهاش فرصة، زق الباب برجله ودخل هو وأخويا، وجت سلفتها طالعة من الأوضة حاطة إيدها على بطنها بتتدلع، أول ما شافت شكل أهلي وجمع الرجال، الشحوب غطى وشها ورجعت لورا بخوف.


أبوي وقف في نص الصالة وبص لحماتي بنظرة جمدت المية في عروقها، وقال بصوت هز العمارة كلها:


ـ “سمعي يا أم محمود.. إحنا جينا هنا مش عشان نصلح ولا عشان نترجى! إحنا جينا نرد البضاعة المباعة ونعرفكم إن بنتنا وراها رجالة يقصوا لسان اللي يقل أدبه عليها! أنتِ فاكرة بنتنا مقطوعة من شجرة عشان تشغليها خدامة لسلفتها ومرباط لطلباتكم؟! ولا ابنك راجل لما يرفع إيده على أم عياله عشان حتة فرس دخلت العيلة من كم شهر؟!”


حماتي اتهزت وبدأت تتلجلج:


ـ “يا أبو فلان اهدى بس.. دي بنتنا وبرضه سلفتها حامل ومحتاجة…”


أحمد أخويا قاطعها بصوت حاد وهو بيشاور على سلفتي اللي كانت واقفة ترتعش:


ـ “حامل لنفسها ولجوزها! أختنا مش خدامة جابها أبوكم من الشارع! أختنا شالتكم ثمان سنين وجزائها ينزل على وشها القلم عشان الهانم ما تمسش التراب؟! من النهاردة مفيش كلام معاكم ولا مع ابنك.. ابنك لو راجل يواجهنا، والبيت دا مالناش فيه، وبنتنا حقها وقايمتها ومؤخرها يوصلولها لحد باب البيت.. والشارع والقانون بيننا!”


خرجوا الرجالة وسابوا الحمات والسلفت واقفين في نص الشقة مصدومين، الركب بتخبط في بعضها، وعارفين إن العاصفة اللي قاموا بيها قلبت السحر على الساحر، وإن محمود اللي افتكروهكسرني.. شال شيلة مش قدها!


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


**الجزء الرابع**


مرت الأيام والوضع زي النار تحت الرماد. محمود وأمه كانوا فاكرين إن تهديد أبوي وأخويا مجرد “فشة خلق” وهتعدي، وإن الكلمتين الكبار دول آخرهم يومين تلاتة والمايه ترجع لمجاريها، خصوصاً إن محمود بعتلي كذا رسالة على الواتساب فيها تهديد ووعيد بيمين الطلاق، وإني لو مارجعتش بشروطه وهديت اللعب مش هشوف منه مليم واحد.



بس هو ما كانش فاهم إن اللي اتكسر فيا المرة دي مش زعل عادي يتدواى بكلمتين.. دا كان كسر كرامة، والعظم لما يتكسر ما بيرجعش بالتهديد.


ثاني أسبوع، أخدت تقرير طبي بالسخونية والالتهاب اللي كان عند ابني، وأخدت تقرير من المستشفى بإثبات حالة عن ضرب محمود ليا والأثر اللي علم على وشي، وركبت أنا وأبوي وأخويا أحمد ورحنا على المحكمة. رفعنا قضايا تمكين من شقة الزوجية، وقضية نفقة للعيال، ودعوى ضرب وإيذاء.


أول ما أوراق المحكمة والإحضاريات وصلت لمحمود على شغاله وعلى شقة أمه، الدنيا اتقلبت! المحضر لما خبط على الباب وسلمهم الإعلانات، أمه صرخت ومحمود وشه جاب ألوان. ما كانوش متوقعين إن “الساكتة الصابرة” اللي عاشت ثمان سنين تحت إيدهم تدخلهم المحاكم وتجرسهم قدام الغريب والقريب!


الأخبار انتشرت في المنطقة زي النار في هشيم. الناس بدأت تتكلم: “معقولة بنت فلان الاصيلة اللي كانت شايلة البيت تعمل كده؟ أكيد محمود وأمه طفحوا بيها الكيل!” الكبار والوجهاء في المنطقة حسوا إن القعدة كده هتروح لمناطق صعبة وتعمل جرسة كبيرة بين العيلتين، فتدخل الحاج “عبد العظيم”—كبير المنطقة وراجل مسموع الكلمة—وطلب يعمل جلسة عرفية في بيته عشان يلم الموضوع قبل ما القضايا تكبر.


ليلة الجلسة العرفية، كان البيت المندرة بتاع الحاج عبد العظيم مليان على آخره. قعد أبوي وأخويا أحمد وأعمامي في ناحية، وفي الناحية الثانية قعد محمود وأمه وعمه. وسلفتي طبعاً كانت قاعدة في بيت حماتي مرعوبة من اللي بيحصل، لأن جوزها من الكويت بدأ يتصل يزعق ويقول: “إيه الجرسة اللي عملتوها دي؟! إحنا بقينا حديث البلد!”


بدأت الجلسة، والحاج عبد العظيم بص لمحمود وقال بنبرة حادة:


ـ “احكي يا محمود.. إيه اللي وصل بينكم للمحاكم وضرب الحريم بعد ثمان سنين جواز وعيال؟”


بدأ محمود يتكلم ويحور، ويرمي العيب عليا إن أسلوبي اتغير، وإن أمه كبرت في السن وكانت محتاجة مساعدة في شقة أخوه، وإني تمردت ورفضت أقف جنب العيلة في ظروف حبل سلفتي!


هنا قام أبوي وقف بكل هيبة، وطلع تقرير الدكتور ورشيدة الأدوية ورماها في نص الطاولة قدام الكبار:


ـ “شوفوا يا رجال.. دا تقرير ابنه اللي كان بيموت بالسخونية في نفس الليلة! أمه اتصلت بيها مش عشان تساعدها هي في بيتها.. أمه اتصلت تؤمرها تسيب العيل المريض وتروح تنضف وتطبخ لسلفتها في شقتها وتشتريلهم أكل من جيبها! ولما بنتي قالت ‘أخدم أم جوزي لكن ما أخدمش بيت الناس’.. الأستاذ محمود دخل لطشها بالقلم وطردها في نص الليل!”



المندرة كلها سكتت صمت رهيب. الرجال الكبار بصوا لبعض بنظرات استنكار وقرف. الحاج عبد العظيم بص لمحمود ولأمه وقال بصوت زي الرعد:


ـ “إخص عليك يا محمود! إخص على رجولة تخليك تضرب أم عيالك عشان تروح تنضف شقة سلفتها! هي مراتك كانت واخدة خدامة برتبة زوجة ولا بنت ناس ليها كرامة؟! وأنتِ يا أم محمود.. بدل ما تعقلي وتلمي، تشحني ابنك على مراته عشان عروسة جديدة دخلت العيلة؟!”


أم محمود حاولت تتكلم وتدافع:


ـ “يا حاج دي سلفتها حبلة وتعبانة وأخوه مسافر…”


قاطعها الحاج عبد العظيم بإيده:


ـ “حبلة تجيب خدامة بنفقتها! أو أمها تجيلها تنضفلها! إنما تشغلي بنت الناس الساكتة اللي شايلاكم ثمان سنين دادة وخدامة عند سلفتها.. دا عيب وحرام وما يرضيش ربنا ولا أصول الرجال!”


الجلسة حكمت بأحكام قاسية وقاطعة:


1. محمود يقدم اعتذار رسمي قدام الرجال لأبوي وأخويا على رفع إيده على بنتنا.


2. الشقة اللي فوق تتكتب كتمكين للبطلة وعيالها، ومحمود يتكفل بكل مصاريف علاج الواد ونفقات البيت شهرياً دون فصال.


3. البطلة ما تحطش إيدها في قشة تخص سلفتها أو شقتها، وخدمة حماتها تكون بالمعروف وفي حدود بيتها هي فقط وبترضيها هي.


محمود كان قاعد راسه في الأرض، مش قادر يرفع عينيه في أعمامه ولا في الكبار، الندم أكل قلبه لما شاف إن كرامته ورجولته اتمسح بيها الأرض قدام المنطقة كلها عشان خاطر شحنة أمه ودلع سلفتة.


الحاج عبد العظيم بص لأبوي وقال: “ها يا أبو فلان.. نلم الشمل والبت ترجع بيتها معززة مكرمة بالشروط دي؟”


وقفت أنا في اللحظة دي—لأن أبوي كان مأخدني معاه وقاعد في أوضة المضيفة الجانبية وسامعة كل كلمة—خرجت وقفت على باب المندرة وبصيت لمحمود ولأمه بكل ثبات، وصوتي جاب آخر القاعة:


ـ “حق أهلي وأخويا أخدوه قدام الرجال.. لكن أنا مش راجعة يا حاج عبد العظيم! اللي يبيعني عشان كلمة من أمه ودلعة من سلفتي، ما يلزميش ثاني.. وأنا كملت في القضايا، وحقي هاخده بالقانون!”


المندرة اتزلزلت من الرد، ومحمود اتنطر من مكانه ومسك راسه وهو مش مصدق إن البنت اللي كانت بتقول “حاضر ونعم” ثمان سنين.. بتمحيه من حياتها بكلمة واحدة!


 

بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم 3


**الجزء الخامس**


خرجت من مندرة الحاج عبد العظيم ورأسي مرفوعة للسما، وسيبت ورايا معمعة أصوات الرجال وحس محمود وهو بيكلم أبوي وأعمامي بصوت مبحوح ومكسور، بيترجاهم يثنوني عن رأيي. لكن الكلمة لما تطلع من ست صابرة ثمان سنين، بتبقى أقوى من السيف.


مرت الأسابيع، والقضايا في المحكمة كانت ماشية زي الساعة. المحامي بتاعي مشي في إجراءات التمكين ونفقة الصغار، وكل الجلسات كانت بتنزل لصالحي بفضل التقارير الطبية وشهادة الشهود من الجيران اللي شافوا خروجي في نص الليل بشنطة هدومي وعيالي المرضى.


في الناحية الثانية، الشقة عندهم تحولت لجحيم!


سليمان—أخو محمود وجوز سلفتي—لما عرف بالرسائل وباللي حصل وبالجلسة العرفية اللي اتفضحت فيها العيلة قدام المنطقة، نزل إجازة طارئة من الكويت وهو على آخره. أول ما حط رجله في البيت، وبدل ما يلاقي الشقة متوضبة والست الهانم متستتة، لقى بيته يضرب يقلب، وأمه قرفانة ومتنكدة، ومراته قاعدة بتتأفف ومبتعملش لقمة أكل لنفسها!


سليمان ما طقش الموقف، وزعق في أمه ومراته بصوت سمع العمارة كلها:


ـ “أنا مغترب وبشقى وبحولكم دم قلبي عشان تعيشوا معززين، تقوموا تطردوا مرات أخويا اللي كانت شايلة البيت وأمي، وتعملولنا جرسة في البلد؟! هي هانم وأنا مش عارف ولا جايبها ملكة جمال مصر تتسند على الكنب وأختنا تخدمها؟!”


سلفتي حاولت تعيط وتتدلع وتتمسكن زي عادتها وتلعب بديلها:


ـ “يا سليمان أنا تعبانة وحامل في الشهر السادس وما أقدرش أتحرك…”


سليمان ما بلعش الطعم المرة دي، رد عليها بصوت زي الرعد:


ـ “حامل زي كل الستات اللي بيحملوا وبيخدموا بيوتهم! أمي اللي جابتك تعيشي عندها هي اللي دلعتك، ودلوقتي شيلوا شيلتكم! أنا مش جايب أخت الناس تشيل قذارتك!”


محمود بقى عايش في الشقة زي الغريب، أمه كل يوم تنكد عليه وتقوله “شوفلك حل.. الشقة متبهدلة وأنا كبرت ومش قادرة ومفيش حد يطبخ ولا يغسل”، وسلفتي قاعدة زعلانة في أوضتها، وسليمان أخد جنب من أخوه وأمه ومبقاش يكلمهم بسبب الفضيحة.


في يوم، ووسط كل الضغوط دي، محمود جاني بيت أبوي.


كنت واقفة في البلكونة بأكل ابني اللي كان صحته تحسنت والحمد لله، اتفاجأت بيه واقف تحت البلكونة، وشحه شاحب، ودقنه خفيفة ومش متظبطة، وباين عليه الهم والتعب.


رفع رأسه وبصلي بنظرة رجاء واستعطاف عمره ما بصها لي في حياته، وناداني بصوت واطي:


ـ “انزلي يا أم فلان.. عايز أكلمك كلمة واحدة بس من غير محاكم ولا رجال.”


أبوي كان جوة، خرج وقالي: “عايزة تنزلي تسكيتي حسّه يا بنتي ولا أطلع أطرده؟”




قولتله بثبات: “لا يا أبوي.. أنا هنزل، عشان أحط النقط على الحروف وأخليه يفهم إن اللي اتكسر مبيتصلحش بالطريقة دي.”


نزلت وقفت على باب العمارة، حاطة إيدي في وسطي، وبصيتله ببرود تام:


ـ “خير يا محمود؟ أوراق المحكمة بتوصلك أول بأول.. جاي هنا ليه تاني؟”


محمود قرب خطوة، وصوته بيترعش:


ـ “أنا آسف.. حقك عليا وعلى رأسي من فوق. أنا أكلت نفسي بالندم يا بنت الناس، البيت من بعدك يفتح النفس على الموت، أمي زهايمر النكد ركبها، وأخويا نزل من الكويت ومقطعني، وسلفتك طلعت على حقيقتها ومش طايقة تدعك كوباية! أنا عرفت قيمتك وعرفت إنك أنتِ اللي كنتِ شايلة البيت والستر كله.. ارجعي وبيتك هيبقى ملكك وما حدش يقدر يكلمك كلمة نص!”


بصيتله وأنا حاسة بقرف من التناقض بتاعه، ابتسمت ابتسامة سخرية وقولتله:


ـ “دلوقتي عرفت قيمتي؟ لما سلفتك طلعت مش طايقة تخدم، ولما بيتك اتقلب مزبلة، ولما أخوك هزءكم؟ أنت مش زعلان عليا ولا ندامان عشان ضربتني وهنتني.. أنت ندمان عشان الخدامة المجانية اللي كانت شايلتكم ثمان سنين مشيت وسابتلكم القذارة اللي كنتم مغطيينها بيا!”


محمود مسك إيدي بلهفة:


ـ “والله العظيم لأغير كل حاجة! شقتي فوق مش هيدخلها حد، وأمي مش هتدخل في حياتنا تاني، بس ارجعي عشان خاطر العيال!”


سحبت إيدي من إيده بقوة وشدة زلزلته، وبصيت في عينيه بثبات:


ـ “العيال هيرجعوا شقتهم بحكم التمكين اللي الصادر من المحكمة.. الشقة دي حقهم وحقي ثمن ثمان سنين خدمة وقهر. بس أنت.. مالكش مكان في حياتي تاني يا محمود. اللي يمد إيده على مراته عشان يرضي طمع أمه ودلع سلفتها، ميتأمنش على بيت ولا كرامة!”


محمود اتسمر مكانة وعينيه اتملت دموع عجز وغل، ولما استوعب إني مش راجعة، بدأ صوته يعلى تاني بيحاول يمارس قوته القديمة:


ـ “يعني إيه؟! هتعيشي في شقتي وأنا برة؟! أنتِ فاكرة المحكمة هتسيبك تخلعي مني بالساهل؟!”


رديت عليه وأنا بلف ضهري وطلعة السلم بخطوة واثقة:


ـ “القانون بيننا يا محمود.. واللي عملته بإيدك تحمل نتايجه!”


سيبته واقف في الشارع زي المجنون، ودخلت بيتنا وأنا حاسة إن ناري بردت، وإن بداية حقدي وحقي عادلي.. بس القصة لسة مخلصتش، لأن قرار التمكين كان هيتنفذ الأسبوع الجاي بحضور قوة من الشرطة، وده اللي كان هيقلب العيلة رأسًا على عقب!


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


**الجزء السادس**


خرجت من مندرة الحاج عبد العظيم ورحت بيتنا، وكانت الأحداث طالعة ونازلة في المنطقة زي الموج، والقضايا اللي رفعتها ماشية في سكتها القانونية بثبات. التقارير الطبية وإثبات حالة الضرب وتقرير سخونية الواد جعل موقف محمود وأمه ضعييف جداً قدام المحكمة.


في خلال أسبوعين، صدر قرار التمكين المشترك للمسكن، وصدر أمر تنفيذي بمنحي الشقة عشان أعيش فيها مع عيالي. القرار دا لما وصل لمحمود بالبريد، نزل عليه زي الصاعقة، لأن معناه إن أنا وعيالي هنرجع ندخل الشقة بحكم قانوني، ومحدش يقدر يفتح بؤه ولا يضايقني!


في نفس الفترة، “سليمان”—جوز سلفتي اللي نزل من الكويت—كان خلاص جاب آخره من الحوارات والنكد. البيت عندهم بقى جحيم؛ أمه طول النهار تبكي وتولول وتقول “البت طمعانة فينا وهي اللي فضحتنا”، وسلفتي قاعدة بتتأفف ومش عايزة تمد إيدها في كوباية، وبدأت تخانق جوزها وتطالب تروح تقعد عند أمها لحد ما تولد!


سليمان وقف في نص الشقة وزعق في مراته وأمه:


ـ “أنا ضيعت عمري في الغربة عشان أعمل بيت، تقوموا يخرب البيت بسبب دلع حريم ونعر فارغ؟! أنتِ يا هانم…” وأشار لمراته “..لمي هدومك وروحي عند أمك كملي حملك هناك، مش عايز أشوف وشك هنا لحد ما تعقلي وتعرفي إن الله حق!”


سلفتي اتفاجأت وشهقت، وأول مرة تشوف جوزها بالشدة دي، ولمت هدومها وخرجت مقهورة ورجعت بيت أهلها، بعد ما كانت فاكرة إنها هتبقى ست البيت والآمرة الناهية!


أما محمود، فلما عرف إن قوة من الشرطة جاية تنفذ قرار التمكين الشقة الأسبوع الجاي، ما استحملش الفكرة. كان حاسس إن رجولته وكرامته بتتمسح في الأرض قدام المنطقة كلها. جاني بيت أبوي تاني، بس المرة دي ما جاش لوحده.. جاب معاه أخت كبرى ليه محترمة الناس بتحبها، ودخلوا بيتنا يستسمحوا أبوي.


قعدت أخته قدام أمي وأبوي وبكت:


ـ “حقكم علينا يا أبو فلان.. محمود غلط وغلطة كبيرة، وشيطان أمه وسلفتهم عمى عينيه. بس عشان خاطر العيال دول، وعشان ثمان سنين عشرة، إدوه فرصة أخيرة يرجع مراته من غير محاكم ولا شرطة وتيجي معززة مكرمة.”


محمود كان قاعد جنبه راسه في الأرض، صوته طلع مبحوح ومكسور:


ـ “أنا مستعد أكتبلك شقة كتب باسمك، ومستعد أعمل كل اللي تطلبيه يا بنت الناس.. بس بلاها دخولة الشرطة والجرسة دي، ارجعي لبيتك وعيالك.”


أبوي بصلي وساب القرار ليا، قالي: “الرأي رأيك يا بنتي.. إحنا ضهرك في أي قرار تاخديه.”


وقفت وبصيت لمحمود ولأخته، وصوتي كان قاطع ومفهوش رجعة:


ـ “الشقة مش هي اللي هترجعلي كرامتي يا محمود.. الشقة دي حق عيالك بالقانون، وهم يدخلوها مرفوعين الرأس. إنما أنا ومحمود.. المسألة بيننا مابقتش مسألة شقة، المسألة مسألة أمان.. وأنا الأمان معاك اتكسر يوم ما رفعت إيدك عليا عشان تراضوا الهانم. التنفيذ هيتم بالقانون، وكل واحد ياخد حقه!”



أخته بصتلي بعين زعل بس مقدرتش تنطق كلمة واحدة، لأنها عارفة إن أخوها وأمها هم اللي بدأوا الظلم.


ويوم تنفيذ التمكين، كانت المنطقة كلها واقفة تتفرج.. نزلت سيارة الشرطة مع المحضر، وطلعت الشقة، واستلمت المفاتيح رسمياً ودخلت أنا وعيالي الشقة مرفوعين الرأس، وسط نظرات حماتي من البلكونة وهي بتاكل في نفسها من الغل والنجم، ومحمود واقف في الشارع مش قادر يرفع عينيه في حد!


دخلت الشقة، وقفت في نص الصالة، وبصيت حواليا.. الشقة كانت حقتي وحق عيالي، بس الحكاية لسة ما انتهتش عند التمكين، لأن القضية الكبيرة—قضية الطلاق والنفقة—كانت معادها الجلسة الجاية، ودي كانت هتبقى القاضية!


بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم 4


دخلت الشقة وبابها اتقفل عليا أنا وعيالي بحكم القانون وقوة الشرطة. الشقة اللي عشت فيها ثمان سنين بدماء قلبي، رجعتلها المرة دي مش زوجة مقهورة بتستجدى الرضا، لكن كأم مرفوعة الرأس محمية بقوة حظر وتعهد بعدم التعرض.


حماتي فوق في شقتها ما استحملتش الفكرة. كانت فاكرة إن التمكين مجرد ورقة على ورق، وإنها بأسلوبها القديم تقدر تطفشني أو تخوفني وتخليني ألم هدومي وأمشي تاني.


ثاني يوم على طول، سمعت خبط شديد ورزع على باب الشقة، صوت حماتي جايب آخر الشارع:


ـ “افتحي يا بت! فاكرة نفسك بقيتي صاحبة بيت بحتة ورقة من المحكمة؟! دا بيت ابني وشقا عمره، والله ما أنتِ قاعدة فيها يوم واحد يا بعيدة!”


فتحت الباب ببرود تام، ووقفت على العتبة مسكت تليفوني في إيدي، وبصيتلها بثبات يهد الجبال:


ـ “اسمعي يا حماتي.. المحضر والشرطة بلغوكم إن أي تعرض ليا أو للعيال في الشقة دي معناه بلاغ كسر تعهد وممكن يتسجن فيه محمود أو أي حد يضايقني. التليفون دا بيسجل دلوقتي، ولو ما مشيتيش من قدام الباب بكرامتك، هطلب النجدة فوراً والتسجيل دا هيروح للنيابة!”


حماتي اتفاجأت بالنشفان واللغة الجديدة، وقفت تتنطط من الغيظ وعينيها طالع منها شرار:


ـ “بتتهدديني بالشرطة يا بنت فلان؟! بقيتي تعملي علينا معلمة؟! بكره ابني يطلقك ويسيبلك الشقة خاوية على عروشها وما تلاقيش مليم تاكليه أنتِ وعيالك!”


قغلت الباب في وشها بهدوء ومن غير ما أرد بكلمة زييدة. عرفت ساعتها إن الضعيف بس هو اللي بيصرخ، أما القوي فبيسيب القانون والأفعال هي اللي تتكلم.


في نفس الأسبوع، سلفتي كانت لسة قاعدة عند أهلها، وسليمان جوزها رفض يرجعها إلا بشرط إنها تنزل تعتذر لأبوي ولعيلتي عن الفضيحة اللي تسببت فيها، وإنها ما تحطش إيدها في حاجة تخص بيت حماتها ولا تتشرط تاني. أختها وأمها حاولوا يضغطوا على سليمان، بس سليمان كان قاطع وقالهم: “اللي تطفش مرات أخويا الأصيلة وتخرب البيت، ما يتقعدش معاها في مكان واحد إلا لما تتعلم الأصول!”


أما محمود، فكانت حياته عبارة عن دوامة نكد. الشقة اللي عند أمه بقت مزبلة، أمه مش قادرة تتحرك ولا تطبخ، وهو بيلف على المطاعم يأكل، وكل ما ينزل السلم ويعدي من قدام باب شقتي ويسمع صوت عياله بيلعبوا ويدحكوا جوة معززين، قلبه يتقطع من الندم والحسرة.


جت ليلة جلسة الطلاق للضرر والمؤخر ونفقة العيال.


القاعة كانت مليانة، ووقفت أنا وأبوي والمحامي في ناحية، ومحمود ومحاميه في الناحية الثانية. محمود كان شكله يعرّي؛ هدومه مش متظبطة، وشحه أصفر، وعينيه دبلانة.



القاضي نصبه الميزان، وبدأ يسأل ويتفحص أوراق التقارير الطبية وشهادة الجيران عن واقعة الطرد والضرب ونفقة علاج الواد.


محامي محمود حاول يناور ويقول إن الزوجة هي اللي سابت البيت ومتمردة، بس المحامي بتاعي قدم تسجيل المكالمة وتقرير المستشفى وشهادة شهود الجلسة العرفية اللي أثبتت إن الضرب والإهانة كانا بسبب رفضها تتخدم عند سلفتها!


القاضي بص لمحمود بنظرة تحقير وقال بصوت هز القاعة:


ـ “الزوج أهان زوجته واعتدى عليها بالضرب واستغل صبرها لخدمة غيرها دون وجه حق، وثبت الضرر المادي والمعنوي.”


وبدأ القاضي ينطق بالأحكام الأولى: إلزام محمود بنفقة شهرية محترمة للعيال، وسداد كافة مصاريف العلاج السابقة، وتأجيل نطق حكم الطلاق النهائي للجلسة القادمة لاستكمال أوراق المؤخر وسكن الحضالة!


خرجنا من القاعة، ومحمود جرى ورايا في الطارقة، ومسك في دراع أخويا أحمد وهو بيعيط بالدموع قدام الناس:


ـ “يا أحمد عشان خاطر ربنا! بلاش الطلاق.. اعتبرني أخوك الصغير وغلطت! مستعد أعملكم كل اللي عايزينه، بس بلاش تخربوا بيتي خالص!”


أحمد زق إيده بهدوء وقال: “اللي بيخرب بيته بإيده يا محمود.. ما يطلبش من الناس تبنيهوله تاني. أنت اخترت أمك وسلفتك على كرامة مراتك.. ودلوقتي شرب من كاسك!”


بصيت لمحمود ونزلت عيني عنه، ومشيت وأنا عارفة إن الجلسة الجاية هي جلسة القطع الفعلي للرباط اللي جمعنا ثمان سنين، وإن خطوتي الجاية مش بس طلاق.. دي بداية مشروعي وحياتي الجديدة اللي هبنيها بعيد عن قهرهم!


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


**الجزء الثامن**


مر الشهر الفاصل بين الجلسات وكأنه دهر على محمود وأمه، لكنه كان بالنسبة لي فترة ترتيب أوراق وبداية استعادة نفسي. الشقة كانت هادية، عيالي صحفوا ورجعوا لضحكتهم ولعبهم، وأنا بدأت أحسب كل خطوة بحساب الجوهرجي.


في الناحية الثانية، كان البيت عندهم فوق بيغلي. سلفتي بعد ما ولدت جابت ولد، وضغطت على أهلها عشان يرجعوها. سليمان وافق ترجع لكن بشروط قاسية: تسكن في شقتها وماتنزلش عند أمه إلا للضرورة، ومايكونش ليها أي طلبات من أي حد.


أول ما رجعت السلفة بالمولود الجديد، افتكرت إن الدنيا هترجع لعهدها الأول، وإن حماتي هتشيلها وتحطها. بس اتفاجأت بواقع تاني خالص! حماتي كانت كبرت وتعبت من النكد والشيل والحط، ومبقتش قادرة حتى تعمل لقمة أكل لنفسها، ومحمود بقى راجع طالع من الشغل كئيب ومهموم ومش طايق كلمة من حد.


أول احتكاك حصل بينهم، لما سلفتي نزلت المولود لحماتي وقالتلها:


ـ “يا حماتي امسكي الولد شوية عقبال ما أروق الشقة وأطبخ لسليمان.”


حماتي زقتها بعصبية وزعقت فيها بصوت سمعته وأنا قاعدة في شقتي:


ـ “شيلي ابنك عني يا بت أنتِ! أنا مش دادة عند حد، ولا حيلتي حيل شيل وحط! ما كفاية خراب البيت اللي جابتهولنا من يوم ما دخلتِ علينا! بسببتك البيت اتقرب وخسرنا بنت الأصول اللي كانت شايلانا!”


سلفتي وقفت مصدومة ولسانها اتعقد، والست اللي كانت فاكرة إنها “عروسة العيلة الدلوعة” اكتشفت إنها بقت المغضوب عليها، وإن الكل بيبصلها على إنها السبب في الفضيحة وخراب البيت وشتات العيال!


أما أنا، ففي الفترة دي ما قعدتش أحط إيدي على خدي أستنى حكم النفقة. أخدت جزء من تحويشة صغيرة كنت شايلاها، وبدأتها بمشروع صغير من قلب شقتي؛ تجهيز وجبات أكل بيتي ومخبوزات شرقية للمناسبات وللموظفات في المنطقة. أخي أحمد عملي صفحة على الفيسبوك، وبفضل الله ونظافة شغلي وأمانتي، الطلبات بدأت تزيد يوم عن يوم، وبقى ليا دخل مستقل يخليني مش محتاجة أمد إيدي لمحمود ولا لغيره.


وجاء يوم الجلسة الفاصلة.. جلسة الطلاق النهائي واستلام المؤخر.


دخلنا القاعة، القاضي ندى على القضايا، ووقفنا قدامه. محامي محمود حاول للمرة الأخيرة يطلب مهلة للصلح، بس أبوي وقف وقال بكل ثبات:


ـ “يا سيادة القاضي، بنتنا أخدت قرارها، والضرر أثبتناه، والصلح مع راجل رفع إيده على مراته عشان يرضي طمع غيرها مابقاش ممكن.”


القاضي بص في الأوراق، وخبط بالمطرقة خبطة هزت أركان القاعة، ونطق بالحكم الفاصل:


ـ “حكمت المحكمة تطليق المرفوع ضدها طلاقاً بائنا للضرر، وإلزام المطلق بآداء كافة مستحقاتها الشرعية من مؤخر ونفقة متعة وحضانة، مع استمرار تمكينها من مسكن الحضالة!”


في اللحظة دي، حسيت كأن جبل تقيل اتزاح عن صدري. بصيت لمحمود، شفته واقف متسمر في مكانه، الدموع هربت من عينيه وهو شايف ثمان سنين بيتقفل بابهم للابد، وعارف إن اللي ضيعه بجهله وأنسيقه ورا كلام أمه مش هيتعوض تاني أبداً.


قرب مني قبل ما أخرج من القاعة، وصوته بيترعش من القهر:


ـ “خلاص كده يا أم فلان؟ بقينا أغراب؟”


رديت عليه وأنا حاطة وشي في عينيه بكل قوة وثبات:


ـ “إحنا بقينا أغراب من يوم ما رفعت إيدك عليا يا محمود.. اليوم دا أنت بعت، والنهاردة أنا استلمت ثمن البيعة!”


خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أبوي وأخويا، وراسي مرفوعة للسماء. رجعت شقتي، واستلمت طلبية كبيرة لمشروعي، وبدأت أجهزها وأنا بسمع صوت عيالي بيلعبوا حوليّ بكرامة وأمان.



الحكاية كانت قربت توصل لمحطتها الأخيرة.. خطوة واحدة فاضلة عشان يتقفل الفصل دا بالكامل وتفتتح الحياة الجديدة على نظافة!


**الجزء التاسع والأخير**


مرت سنة كاملة على يوم الطلاق.. سنة كانت كفيلة بأن تبدل أحوالي من حال إلى حال، وتثبت لي إن الرب لما بياخد حاجة بالظلم، بيبدلها بالأحسن والأعز.


مشروعي الصغير بتاع الأكل البيتي كبر بفضل الله وتوفيقه؛ ما بقتش مجرد ست بتطبخ في شقتها، فتحت محل صغير للمخبوزات والوجبات الجاهزة في الشارع الرئيسي بالمنطقة، واستعنت بتلات ستات معايا يساعدوني وبقى ليهم باب رزق من ورايا. بقيت أصحى كل يوم الفجر وأنا حاسة بقمة الفخر والحرية، ما حدش بيكسر عيني ولا يؤمرني ولا يقلل من كرامتي، وعيالي كبروا ودخلوا أفضل مدارس، وعايشين في عز وكرامة وأمان.


في المقابل، الديرة دارت على العيلة إياها وجابتهم الأرض.


سليمان—جوز سلفتي—ما استحملش النكد والمشاكل اللي ما بتخلصش بين أمه ومراته، وقرر يرجع الكويت وياخد مراته معاه عشان يخلص من قرف العيلة ووجع الراس، وسابوا أمه قاعدة في الشقة لوحدها، لا حيل ليها ولا قوة، مالهاش حد يخدمها ولا يعملها لقمة أكل، بعد ما طردت البنت الأصيلة اللي كانت شايلتة ثمان سنين من غير كلمة.


أما محمود، فذاق المر ألوان. النفقة والمؤخر ومصاريف المحاكم أكلوا شقاه، وبقى عايش مع أمه الخرفانة المريضة، يرجع من شغله طاحن نفسه عشان يطبخلها وينضف تحت رجلها ويغسل هدومها، يذوق بنفسه التعب والإهانة اللي كان يفرضه عليا وعايزني أعمله لسلفتي!


في يوم من الأيام، كنت نازلة من العمارة رايحة شغلي، متأنقة ومرفوعة الرأس، ومعايا عيالي لابسين أنضف لبس ورايحين تمارينهم. اتفاجأت بمحمود نازل على السلم، شكله كبر عشر سنين، ظهره منحني، وشحه شاحب، وهدومه مش متظضباطة.


أول ما شافني وشاف العيال ونظافة عيشتهم والراحة اللي باينة عليا، اتسمر على السلم وعينيه اتملت دموع ندم وقهر.


قرب خطوة بصوت مكسور يقطع القلب:


ـ “ما شاء الله يا أم فلان.. بقيتِ حاجة كبيرة أوي، والعيال بقى شكلهم يفرح.. أنا أكلت نفسي بالندم يا بنت الناس، أقسم بالله الدنيا لفت بيا وشربت من نفس الكاس اللي سقيتهولك.”


بصيتله بهدوء وثبات تام، من غير كره ولا تشفي، بل بنظرة شفقة على راجل ضيع بيته وكرامته بإيده:


ـ “الحمد لله يا محمود.. ربنا ما بيبقاش ظلام للعبيد. أنت اخترت الظلم وجحدت الفضل، وأنا اخترت كرامتي وربنا، وكل واحد فينا أخد اللي اختاره.”



محمود مسح دموعه بكسرة وقال:


ـ “أمي فوق مسنودة على السرير ومبقتش تقوى تحرك دراعها، وكل يوم تبكي وتقول ‘سامحيني يا بنت فلان.. أنا اللي فتحت على ابني باب الجحيم’.. نفسك تسامحيها يا بنت الناس؟”


ابتسمت ابتسامة خفيفة وقولتله وأنا باخد عيالي في إيدي وبنزل السلم بخطوة واثقة:


ـ “ربنا هو اللي بيسامح يا محمود.. أما أنا فسبت حقي لعدالة السماء، والحمد لله إن حسبي ونعم الوكيل جابتلي حقي تالت ومتالت في الدنيا قبل الآخرة.”


خرجت للشارع والشمس كانت مالية الدنيا ضفء وأمل، ركبت عربيتي الصغيرة اللي اشتريتها من شقايا وعرقي، وبصيت لعيالي في المراية لقيتهم بيضحكوا.


عرفت ساعتها إن النهاية مش دايماً بتكون بالرجوع والصلح المزيف.. النهاية الحقيقية هي إنك تسترد كرامتك، وتبني نفسك من جديد، وتعيش عزيز النفس.. والكتف اللي يشيل القهر ثمان سنين، قادري يهد المعبد وينور حياته من جديد!


**تمت**



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close