حكاية زياد وامينه كاملة بقلم ملك ابراهيم
حكاية زياد وامينه كاملة بقلم ملك ابراهيم
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
الساعة 8:45 الصبح، في الدور الـ 12 في برج نور الدين في التجمع.
زياد نور الدين الفيومي عنده 30 سنة، وارث شركة استيراد أجهزة طبية عن أبوه، ومكبرها 3 أضعاف في آخر خمس سنين. شكله حلو وعارف كده كويس، ولبسه دايما مظبوط على الشعرة، وعربيته آخر موديل، وتليفونه ما بيبطلش رن من بنات.
وأول حد بيشوفه كل يوم لما يدخل الشركة، هي أمينة.
أمينة عبد الرحمن، 26 سنة. سكرتيرة زياد بقالها سنتين ونص.
أبو زياد، الحاج نور الدين، هو اللي جابها بنفسه أول ما اتخرجت. قال لزياد نصا: “دي بنت عبد الرحمن الله يرحمه، صاحبي وعشرة عمري، مالهاش حد بعد ما أبوها مات، هي في رقبتي، وفي رقبتك من بعدي”.
ومن يومها وهي قاعدة على المكتب اللي قدام باب مكتب زياد مباشرة.
شعرها الأسود دايما ملموم كحكة مشدودة ورا، نضارة نظر مربعة كبيرة مغطية نص وشها، بدلة نسائي رمادي أو كحلي واسعة، قميص مقفول لآخر زرار، جزمة فلات من غير كعب، ومفيش نقطة مكياج واحدة.
شاطرة؟ شاطرة لدرجة تخوف. فاكرة مواعيد زياد أكتر منه، حافظة أرقام الموردين في ألمانيا والصين، بتعرف ترد على إيميل بالإنجليزي يخلي العميل يمضي وهو مغمض، ولو زياد نسي يمضي ورقة، هي اللي بتفكره قبل ما المصيبة تحصل.
زياد كان مسميها في تليفونه “Amina – Office”. مش “أمينة”، لأ. “Office”.
وهو نفسه كان دايما يقول: “أمينة دي راجل. لو الشركة ولعت هي اللي هتطفيها وأنا هجري”.
أمينة كانت بتسمع الجملة دي وتضحك. ضحكة قصيرة كده وتكمل شغل. بس الحقيقة إنها بتحبه. مش حب البنت اللي معجبة بمديرها الغني وخلاص، لأ. بتحبه وهي شايفاه على حقيقته، لما بيتوتر قبل أي صفقة كبيرة، ولما بيكلم أمه كل يوم الساعة 5، ولما بيجيب قهوة للسواق بتاعه بنفسه في رمضان.
وكانت مقتنعة إنها لازم تفضل كده. “الراجلة”. عشان لو سابت شعرها، وحطت روج، ولبست فستان، في وسط عالم زي ده وهي بنت لوحدها مالهاش ضهر، هتتاكل. فكانت مستخبية ورا البدلة والنضارة والكحكة، ومستنية اليوم اللي هو لوحده يشوفها، من غير ما هي تطلب ده.
اليوم ده ماجاش. اللي جه كان أسوأ.
—
كانت الساعة داخلة على 7 المغرب. الشركة فاضية، هي بس اللي قاعدة بتقفل آخر فواتير شحنة المناظير. سمعت صوت ضحك جاي من مكتب زياد. طارق صاحبه كان عنده، بيشربوا قهوة.
كانت داخلة تدي زياد ملف يمضيه قبل ما تمشي، ووقفت على الباب الموارب.
طارق بيقوله وهو بيضحك: “يا عم ما تتجوز البت السكرتيرة بتاعتك وتريحنا، دي لازقالك ليل نهار، وشاطرة، وأبوك بيحبها”.
زياد ضحك ضحكة عالية، ضحكة حقيقية مش بتاعة شغل.
“أمينة؟ يا طارق انت عبيط؟ أمينة دي صاحبي يابني. أختي. والله ساعات بنسى إنها بنت أصلا. شاطرة آه، تشيل شركة لوحدها، إنما أنوثة؟ صفر. مفيش. دي لو قلعت النضارة مش هتعرف تمشي في الشارع”.
طارق كمل هزار: “يعني لو لبست فستان مش هتبص؟”
“ولا هاخد بالي. هي أمينة. الـ Office. خلقتها كده”.
الكلام نزل عليها زي مية ساقعة في عز الشتا. مش شتيمة، لأ. أوحش. تجاهل تام. كأنها مش متشافة أصلا.
ما خبطتش. ما دخلتش. حطت الملف بالراحة على مكتبها، خدت شنطتها القماش القديمة، ونزلت من غير ما حد يحس بيها.
في التاكسي وهي مروحة لشقتها الصغيرة في مدينة نصر، ما عيطتش. بصت لنفسها في إزاز الشباك، شافت انعكاس النضارة الكبيرة والكحكة المشدودة.
وهمست لنفسها: “صفر أنوثة؟ ماشي يا زياد. طب إيه رأيك أوريك إن الأنوثة عمرها ما كانت في الفستان ولا الروج.. الأنوثة في البنت نفسها، حتى لو كانت مستخبية”.
روحت البيت، فتحت الدولاب، وطلعت علبة قديمة كانت شايلاها من أيام الجامعة. ومسكت تليفونها وكلمت ريهام صاحبتها الوحيدة: “ريهام.. عايزاكي بكرة بعد الشغل.. عايزة أعمل حاجة مجنونة شوية”.
—
ريهام ما صدقتش لما أمينة كلمتها.
قالت لها في التليفون: “انتي سخنة؟ أمينة عبد الرحمن عايزة تلبس فستان؟ طب استني أجيب كرسي عشان لو أغمى عليا”.
تاني يوم بعد الشغل، ما روحوش. ريهام خدتها من إيدها وطلعت بيها على وسط البلد، مش المولات الغالية بتاعة التجمع.
“بصي، احنا مش هنقلبك واحدة تانية، احنا هنطلع اللي انتي مخبياه، فاهمة؟”
أمينة كانت واقفة متوترة قدام المراية في محل صغير في طلعت حرب. ريهام جابت لها فستان أسود بسيط، ميدي، برقبة مقفولة، كم طويل، مفيهوش أي حاجة أوفر. بس ماسك على الوسط. قماشته تقيلة ونضيفة. ومعاه بليزر كحلي خفيف لو حبت تغطي.
“مش قصير؟” أمينة سألت وهي شادة الديل لتحت.
ريهام ضربتها على إيدها: “اهدي بقى . وبعدين انتي رايحة اجتماع مش فرح”.
الكعب كان هو المعركة الحقيقية. جابوا واحد 5 سم، مش عالي، بس ثابت. أمينة مشيت بيه في المحل زي اللي بتتعلم المشي من أول وجديد وريهام ماسكاها وبتضحك.
آخر محطة كانت الصالون. “الكحكة دي لازم تتفك النهارده”، ريهام قالت للكوافيرة.
شعر أمينة لما اتفرد نزل على كتافها، ناعم وتقيل، كانت كاتماه طول السنين دي. قصوه أطراف بس، وعملوه ويفي خفيف. النضارة الكبيرة اتبدلت بعدسات نظر شفافة كانت أمينة شايلاها للحالات الطارئة وعمرها ما لبستها.
لما بصت لنفسها في المراية الكبيرة قبل ما تخرج من الصالون، سكتت.
ما كانتش واحدة تانية. كانت هي. بس من غير الدرع.
ريهام بصت لها وقالت: “أهي الأنوثة اللي بتقولي عليها. كانت فين دي كل ده؟”
أمينة ردت بصوت واطي: “كانت مستخبية عشان تعرف تعيش”.
—
تاني يوم الصبح. الساعة 10:15.
قاعة الاجتماعات في الدور الـ 12 مليانة. عملاء جايين يمضوا عقد توريد أجهزة مناظير بملايين. وزياد على آخره.
أمينة عمرها ما اتأخرت. ولا مرة في سنتين ونص. كانت دايما بتيجي بدري نص ساعة، تحضر القهوة، ترص الملفات، تشغل البروجكتور.
النهارده الكرسي بتاعها فاضي. تليفونها مقفول.
زياد كل دقيقتين يبص على الباب، ويبص لساعته. العملاء بدأوا يتململوا. واحد منهم قال بالإنجليزي: “مستر زياد، هنبدأ امتى؟ عندنا طيارة”.
زياد ابتسم بالعافية: “خمس دقايق بس يا جماعة، السكرتيرة بتاعتي زمانها على وصول، هي اللي محضرة البرزنتيشن كله”.
شريف صاحبه، اللي كان قاعد معاه في الاجتماع عشان يترجم شوية حاجات، ميل عليه وهمس: “هي فين الراجل بتاعك ده؟ أول مرة تعملها”.
زياد ما ردش. كان متضايق بجد، مش عشان الاجتماع، عشان قلقان. دي أمينة، أكيد حصل لها حاجة.
الساعة 10:22، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
اللي دخلت ما كانتش أمينة اللي يعرفوها.
فستان أسود بسيط، كعب بيخبط على الأرض بخطوات ثابتة، شعر نازل على كتفها، مكياج خفيف جدا يدوب ملمح عينيها، وماسكة اللاب توب بتاعها في إيدها.
القاعة كلها سكتت ثانية. العميل عدل قعدته لا إراديا.
زياد اتجمد. عينه لفت عليها من فوق لتحت، بيدور على أي حاجة مألوفة. مفيش.
شريف ميل عليه بسرعة وهمس: “إيه الحلاوة دي؟ دي معانا؟ دي تبع العملاء؟”
زياد هز راسه، مش فاهم. “معرفش”.
البنت مشيت لحد الشاشة، وصلت اللاب، بصت للناس وابتسمت ابتسامة مهنية هادية جدا.
“أنا آسفة جدا على التأخير، الطريق كان واقف. نقدر نبدأ دلوقتي؟”
اللهجة، الصوت، الثقة. زياد حس بضربة في صدره.
وقف نص وقفة: “لحظة.. حضرتك مين؟ انتي داخلة فين؟”
بصت له مباشرة، ولأول مرة من سنتين ونص، زياد شاف عينيها بجد، من غير إزاز النضارة الكبيرة.
قالت بهدوء، وبنفس نبرة السكرتيرة اللي بتفكره بمواعيده كل يوم: “أنا أمينة. أمينة عبد الرحمن. سكرتيرة حضرتك”.
الصمت اللي نزل على القاعة كان تقيل.
شريف فتح بقه وقفله تاني. العملاء بيبصوا لها ومش مصدقين.
زياد فضل واقف، مش قادر يقعد، ومش قادر يتكلم. كل اللي كان بيقوله في دماغه: مستحيل. دي مش أمينة.
هي فتحت البرزنتيشن، والليزر في إيدها ثابت، وبدأت تشرح. بالإنجليزي الفصيح بتاعها، بالأرقام اللي حافظاها، بنفس الكفاءة اللي متعودين عليها. بس المرة دي كل عين في القاعة كانت عليها.
وزياد؟ زياد كان قاعد مصدوم، مش سامع ولا كلمة من اللي بتتقال. كان سامع بس صوته في دماغه وهو بيقول: “مفيش فيها معالم الأنوثة”.
البرزنتيشن خلص، والأرقام قفلت، والعقد اتمضى.
العميل ، راجل في أواخر التلاتينات، شيك وهادي، ما قامش مع باقي الوفد. استنى لحد ما أمينة قفلت اللاب توب بتاعها، وقرب منها بخطوة.
مد إيده يسلم، وعينه عليها باحترام، بس بإعجاب واضح ما حاولش يخبيه.
“أستاذة أمينة، عرض هايل بصراحة. أول مرة أشوف حد فاهم الأرقام وحافظ السوق كده”، قالها بالخليجي الخفيف، “اسمحيلي أعزمك على عشا الليلة، كشكر بسيط من شركتنا، ونتكلم في تفاصيل التوريد الجاية براحتنا”.
الحركة كانت شيك، مهنية على الورق، بس عينه كانت بتقول كلام تاني خالص.
زياد كان لسه قاعد على رأس الترابيزة، بيتفرج. وحس بحاجة غريبة نزلت في معدته زي طوبة. غيرة. حامية ومفاجئة وملهاش أي منطق.
أمينة دي بتاعته هو. سكرتيرته هو. بقالها سنتين ونص قاعدة على المكتب اللي قدام بابه. عمره ما فكر فيها كده، بس فجأة فكرة إن راجل تاني يبصلها، ويعزمها، وياخد رقمها، ولعت الدم في دماغه.
قام وقف مرة واحدة، الكرسي عمل صوت وهو بيتزحلق وراه. شريف بص له مستغرب…يتبع في الجزء الأخير
حكاية زياد وامينه ج2
أمينة دي بتاعته هو. سكرتيرته هو. بقالها سنتين ونص قاعدة على المكتب اللي قدام بابه. عمره ما فكر فيها كده، بس فجأة فكرة إن راجل تاني يبصلها، ويعزمها، وياخد رقمها، ولعت الدم في دماغه.
قام وقف مرة واحدة، الكرسي عمل صوت وهو بيتزحلق وراه. شريف بص له مستغرب..
أمينة ردت على الراجل بابتسامة هادية، نفس الابتسامة المهنية اللي متدربة عليها.
“متشكرة جدا يا مستر خالد، ده شغلي. بخصوص تفاصيل التوريد، حضرتك تقدر تبعت أي استفسار على إيميل الشركة وأنا هرد فورا. عن إذنك”.
رفض شيك، قاطع، من غير ما تسيب باب موارب. الراجل احترم ده، هز راسه، سلم على زياد بسرعة ومشي. باقي العملاء خرجوا وراه.
القاعة فضيت.
بقى زياد وأمينة لوحدهم.
هي لمت حاجتها بسرعة، اللاب والليزر والملفات، وحاولت تعدي من جنبه ترجع لمكتبها، كأن مفيش حاجة حصلت، كأن ده يوم عادي.
بس زياد وقف قدامها، سد عليها السكة. قريب أوي لدرجة إنها شمت عطره اللي حافظاه من سنتين.
عينه كانت نازلة طالعة عليها، مش مصدق. بيدور على أمينة بتاعة البدلة الرمادي والنضارة، مش لاقيها.
قالها بصوت واطي، فيه دهشة حقيقية، كأنه طفل شاف حاجة لأول مرة: “انتي.. انتي ازاي كنتي مخبية كل الجمال ده؟ فين؟ كنتي فين طول الوقت ده يا أمينة؟”
هي كانت مستنية اللحظة دي بقالها سنين. كانت فاكرة إنها لما تيجي هتفرح. ما فرحتش.
رفعت عينها وبصت له في وشه مباشرة، ولأول مرة ما نزلتش عينها قدامه.
والغضب اللي كانت كاتماه من ليلة امبارح طلع كله مرة واحدة، بس بارد وهادي.
“مفيش جمال بيستخبى يا أستاذ زياد”.
سكتت ثانية.
“الأعمى بس هو اللي عينه بتروح على اللي بيلمع، ومش بيشوف اللي جواه إيه. أنا ما اتغيرتش من امبارح للنهارده. أنا هي هي أمينة اللي بتعملك قهوتك سكر زيادة من غير ما تطلب، واللي سهرانة معاك لحد الفجر تخلص عروض الأسعار، واللي انت قولت عليها قدام صاحبك إن مفيهاش معالم الأنوثة”.
وش زياد اتخطف. الدم هرب منه.
“انتي.. انتي سمعتي؟”
“سمعت كل كلمة”، قالتها وهي بتعدل شنطة اللاب على كتفها، “عن إذنك، عندي شغل. الـ Office مستني”.
وسابته واقف لوحده في نص قاعة الاجتماعات الفاضية، مش عارف يرد، ومش قادر يشيل عينه من على ضهرها وهي ماشية بالكعب اللي لسه بتتعلم عليه.
بعد يوم الاجتماع، زياد اتجنن. مش بالمعنى الرومانسي بتاع الأفلام، لأ، اتجنن بجد.
بقى يعدي قدام مكتب أمينة عشر مرات في اليوم من غير سبب. يطلب قهوة مرتين في الساعة، مع إنها بطلت تعملهاله سكر زيادة، بقت تعملها مظبوط زي ما مكتوب في أي كتالوج. بقت تناديه “أستاذ زياد” مش “زياد بيه” زي ما كانت بتهزر زمان لما يبقوا لوحدهم متأخر.
حاول يصلح. جاب لها ورد على المكتب الصبح، سابته يدبل ومارمتوش بس ما شكرتوش. حاول يفتح كلام: “الفستان كان حلو عليكي امبارح”، ردت: “شكرا، ده لبس شغل يا فندم، تحب أبعت إيميل الموردين؟”
كانت حاطة سور إزاز بينهم. شفاف، شايفها، بس مش عارف يلمسها. وكل ما يقرب، هي ترجع خطوة لورا، بأدب، باحترام، ببرود يموت.
كانت بتيجي الشغل كل يوم على سنجة عشرة. مش أوفر، لأ. بسيطة، أنيقة، شعرها سايب، والعدسات مكان النضارة. كأنها بتقوله: أنا طول عمري كده، انت اللي ما كنتش شايف.
وبعد أسبوع من المحاولات الفاشلة دي، الحاج نور الدين نده لزياد على مكتبه.
“اقعد يا زياد”، الحاج قالها وهو بيقلع نضارة القراية، “خالد الشمري كلمني”.
زياد قلبه وقع. خالد الشمري. العميل بتاع الاجتماع.
“عايز إيه؟ في مشكلة في العقد؟”
“لا. عايز يتجوز أمينة”.
الدنيا لفت بزياد.
“نعم؟”
“الراجل محترم، وشارينا، وبيقول إنه معجب بأخلاقها وشطارتها، وإنه عايز يدخل البيت من بابه. وأنا بصفتي ولي أمر البنت، قلت له أهلا وسهلا، تعالوا اتقابلوا. كلمت أمينة وهي وافقت تقابله، مقابلة تعارف، يوم الخميس الجاي في بيتها”.
زياد قام واقف كأن حد كهربه. “وافقت؟ وافقت ازاي؟ وانت ازاي توافق من غير ما ترجعلي؟”
الحاج بص له باستغراب: “ترجعلك بصفتك إيه؟ انت مديرها، مش جوزها. وبعدين مالك؟ وشك قالب ليه كده؟”
زياد ما عرفش يرد. خرج من مكتب أبوه على مكتب أمينة جري.
قفل باب مكتبها الإزاز وراه، أول مرة يعملها.
“انتي اتجننتي؟ هتتجوزي خالد؟”
أمينة رفعت عينها من اللاب، هادية جدا. “دي حياتي يا أستاذ زياد. وحضرتك ملكش دعوة”.
“ملكيش دعوة ازاي؟ بقولك بحبك!”
الكلمة طلعت منه غصب عنه، عالية ومتوترة ومش مترتبة. أول مرة يقولها في حياته وهو خايف تترفض.
“بحبك يا أمينة. والله بحبك. ارفضيه”.
هي سكتت ثانية طويلة، وعينيها لمعت، بس مسحت اللمعة بسرعة.
“متأخر يا زياد. الحب ده ظهر لما لبست فستان، يبقى ماكانش ليا، كان للفستان. وأنا مش لعبة تزهق منها وترجع لها لما حد تاني يقرب. أنا هوافق أقابل الراجل، ولو مناسب هوافق”.
—
يوم الخميس. شقة أمينة الصغيرة في مدينة نصر.
الحاج نور الدين قاعد، وزياد قاعد جنبه على أعصابه، لابس بدلة كأنه هو العريس. وأمينة قاعدة في الصالون، لابسة فستان بيتي بسيط وشيك، شعرها ملموم نص لمة، هادية وباردة.
الباب خبط. خالد دخل بالورد والشيكولاتة، سلم على الحاج، وبص لأمينة بابتسامة.
قعدوا، شربوا الشربات، اتكلموا كلمتين عن الشغل والسفر. وبعدين خالد اتعدل في قعدته وبص للحاج نور الدين.
“يا حاج، أنا طالب إيد الآنسة أمينة على سنة الله ورسوله، وأوعدك أصونها”.
قبل ما الحاج يفتح بقه، وقبل ما أمينة تلحق ترد، زياد وقف.
واقف في نص الصالون، إيديه بتترعش، وصوته عالي ومبحوح.
“مش هينفع”.
خالد بص له مستغرب: “عفوا؟”
زياد بص لأمينة مباشرة، عينه فيها رعب وحب وعند.
“مش هينفع يا خالد بيه. عشان أمينة.. أمينة مخطوبة. مخطوبة ليا أنا”.
الصالة سكتت. الحاج نور الدين فتح بقه ومش مصدق. خالد اتجمد والورد في إيده.
وأمينة؟ أمينة بصت لزياد، مصدومة، مش عارفة تضربه بالقلم ولا تعيط.
الصالة كانت ساكتة لدرجة إن صوت عقارب الساعة باين.
خالد الشمري بص لزياد، وبص لأمينة، وفهم. فهم إن دي مش خطوبة، دي خناقة. وقام وقف بمنتهى الشياكة.
“يظهر إني جيت في وقت مش مناسب”، قالها وهو بيحط علبة الشيكولاتة على الترابيزة، “فرصة سعيدة يا جماعة، وربنا يقدم اللي فيه الخير”.
محدش لحق يرد. مشي.
أمينة كانت عايزة تصرخ في وش زياد، تقوله انت اتجننت؟ بتتكلم باسمي بصفتك إيه؟ بس لسانها اتعقد. الحاج نور الدين كان قاعد جنبها، وعينه بتلمع.
الحاج قام حضن زياد، بجد حضنه: “أخيرا يا واد؟ أخيرا نطقت؟ بقالي سنتين مستني اليوم ده، وفاكرك أعمى مش هتشوفها”.
بص لأمينة وطبطب على كتفها: “مبروك يا بنتي، مبروك يا عروسة ابني”.
أمينة فتحت بقها عشان تعترض، تقول مفيش حاجة، ده كذب، الكلمة وقفت في زورها. مش عشان مصدقة زياد، لأ. عشان مش هتكسر فرحة الراجل اللي رباها بعد أبوها ما مات، الراجل اللي شايفها بنته. ومش هتفضح زياد قدام أبوه وتطلعه كداب.
فسكتت. سكتت والدموع محبوسة في عينيها.
زياد خد سكوته ده موافقة. والحاج مشي وهو طاير من الفرحة، وزياد مشي وراه بعد ما همس لها على الباب: “أنا آسف إني عملت كده، بس ما كانش قدامي حل تاني”.
—
تاني يوم الصبح، الساعة 9 بالظبط.
أمينة دخلت شركة نور الدين، بس مش على مكتبها. دخلت على مكتب زياد على طول، وحطت قدامه ظرف أبيض.
زياد فتحه. استقالة. مكتوبة بخط إيدها، وممضية.
“إيه ده؟”
“استقالتي. وحقوقي هبقى أبعت حد ياخدها”، قالتها بصوت ثابت، بس إيديها بتترعش، “مبروك يا أستاذ زياد، انت كسبت. طفشت العريس، وحافظت على السكرتيرة الشاطرة بتاعتك”.
“أمينة استني، والله ما كان قصدي أهينك، أنا كنت هتجنن لما عرفت إنه هياخدك مني”.
“ياخدني منك؟ هو أنا حاجة تخصك؟ انت كذبت قدام أبوك، قولت إني مخطوبة ليك، وانت عارف إن ده مش حقيقي”.
قام لف من ورا المكتب وقف قدامها: “طب خليه حقيقي. اديني فرصة واحدة بس. فرصة أثبتلك إني مش بحب الفستان، أنا بحبك انتي، اللي بالبدلة وبالنضارة ، بحبك انتي كلها”.
لأول مرة من سنين، شافته بيعيط. مش دموع كتير، عينه احمرت وصوته اتخنق.
هي كانت عايزة تصدق. أوي. بس الكرامة كانت أعلى من الحب المرة دي.
“لما تحبني بجد، هتحبني من غير ما أضطر أختفي عشان تحس بقيمتي”، قالتها وشنطتها على كتفها، “سلام يا زياد”.
وسابته واقف في مكتبه، والاستقالة على الترابيزة، وخرجت من الشركة اللي كانت بيتها التاني بقالها سنتين ونص، وما بصتش وراها.
زياد حاول يكلمها طول اليوم، تليفونها مقفول. راح لها البيت بالليل، ريهام فتحت له وقالتله: “سيبها تهدى، انت وجعتها أوي”.
رجع سايق عربيته الساعة 2 بالليل، دماغه مش فيه، عينه مزغللة من قلة النوم والعياط، والتليفون في إيده عمال يرن عليها تاني.
ما شافش النقل اللي قطع الطريق فجأة على الدائري.
—
تاني يوم الضهر. تليفون أمينة رن. رقم غريب.
“ألو؟ انسه أمينة عبد الرحمن؟ معاكي مستشفى ال… الدولي. الأستاذ زياد نور الدين الفيومي عامل حادثة كبيرة امبارح بالليل، وهو كاتب رقمك أول رقم طوارئ في تليفونه”.
التليفون وقع من إيد أمينة على الأرض.
أمينة وصلت المستشفى بتجري، بشبشب البيت وطرحة ملفوفة بسرعة، وشكلها يردها لأمينة القديمة بتاعة الكحكة والنضارة.
لقت الحاج نور الدين قاعد على كرسي قدام العناية، وشه عجوز عشر سنين في ليلة واحدة. أول ما شافها قام حضنها، وهي عيطت في حضنه زي بنته بجد.
“هيفوق يا حاج؟”
“هيفوق إن شاء الله، الدكاترة بيقولوا خبطة في الرأس وكسر في دراعه، بس هيبقى كويس”.
فضلت قاعدة جنبه طول الليل، على الكرسي البلاستيك، ماسكة المصحف بتقرا في سرها.
الفجر طلع، وزياد فتح عينه.
أول حاجة شافها كانت السقف الأبيض، وتاني حاجة كانت أمينة نايمة على طرف السرير، ماسكة طرف الملاية بتاعته، وشعرها مفكوك ونازل على وشها، والنضارة الطبية القديمة الكبيرة راجعة على عينيها تاني، كانت لابساها عشان تقرا.
حرك صوابعه بالعافية ولمس إيدها.
صحيت مفزوعة: “زياد؟”
ابتسم ابتسامة تعبانة، شفايفه ناشفة: “انتي لابسة النضارة تاني ليه؟”
عيطت. المرة دي ما مسكتش نفسها. “عشان أشوفك كويس، يا غبي”.
مسك إيدها بالدراع السليم: “أنا آسف. على كل كلمة. على الاجتماع،، على الاستقالة.. آسف إني احتاجت أخبط في نقل عشان أفهم إني بحبك وانتي لابسة بدلة رجالي ونضارة قد الدنيا”.
ضحكت وسط دموعها: “ما تقولش كده تاني”.
“اديني فرصة؟ فرصة حقيقية المرة دي؟ من غير فساتين ولا كعب؟”
بصت له، للراجل اللي كان مغرور وشايف نفسه، نايم قدامها متكسر وضعيف وبيطلبها بصدق.
“فرصة واحدة بس يا زياد. لو كسرتها، مش هتلاقيني تاني”.
“مش هكسرها”.
—
ما استناش لما يخف خالص. أول ما خرج من المستشفى ودراعه لسه في الحامل، خد أبوه وراح خبط على باب شقة أمينة في مدينة نصر، ومعاه علبة قطيفة صغيرة.
ما كانش فيه ورد ولا هيصة. قعد في الصالون اللي اتفضح فيه قبل كده، وبص للحاج نور الدين وقال: “يا حاج، أنا طالب إيد بنتك أمينة، رسمي، قدامك، وقدام ربنا”.
أمينة وافقت. المرة دي بجد.
ومع الأيام، والخطوبة اللي طولت كام شهر عشان يخف، زياد اكتشف حاجة ما كانش شايفها طول السنتين اللي فاتوا.
اكتشف إن جمال أمينة اللي سحره في قاعة الاجتماعات، ولا حاجة جنب جمال روحها. ضحكتها وهي بتتخانق معاه على فاتورة السوبر ماركت، عصبيتها لما حد يجيب سيرة الشغل في يوم أجازتهم، حنيتها لما كانت تغيرله على الجرح في دراعه بإيديها، شطارتها اللي كانت بتخليه يرجع لها في كل قرار كبير في الشركة، حتى بعد ما بقت خطيبته مش السكرتيرة بتاعته.
حبها. بجد. حب يوجع. عشقها بجنون وهي بالتريننج في البيت، وبالبدلة في الشغل لما رجعت تمسك الحسابات بس المرة دي كشريكة، مش سكرتيرة.
واتجوزوا.
عملوا فرح كبير في أوتيل على النيل، الحاج نور الدين كان فرحان بيهم، وريهام كانت فرحانه وبتعيط أكتر من العروسة.
أمينة دخلت القاعة بفستان أبيض بسيط، شعرها سايب، ولابسة عدسات، بس في شنطتها كانت شايلة النضارة الطبية الكبيرة القديمة. “عشان لو نسيت أنا مين”، قالت لزياد وهو بيضحك.
رقصوا سلو، وهو مايل على ودنها وبيقول: “عارفة؟ طلعتي أحلى من غير الفستان أصلا”.
ضربته في كتفه: “اتلم”.
وانتهت الحكاية هنا. مش نهاية مثالية بتاعة أفلام، نهاية حقيقية. اتنين لقوا بعض بعد ما شافوا بعض صح.
تمت.
الكاتبة ملك إبراهيم


تعليقات
إرسال تعليق