الساعه كانت سته الصبح بقلم صابرين محمد
الساعه كانت سته الصبح بقلم صابرين محمد
الساعة كانت ستة الصبح ولسه حتى ما غسلتش وشي ، لقيت حماتي بتفتح باب أوضة نومي من غير خبط ولا استئذان وأول كلمة قالتها وهي بتبصلي كانت. هاتي الخمس ملايين جنيه بتوع شقة أمك والله العظيم افتكرت إني لسه بحلم ، لكن بعد أقل من دقيقة جوزي وقف جمبها وقاللي بمنتهى البرود إنهم خلاص خدوا القرار وإن فلوس بيع شقة أمي هيسددوا بيها ديون أخوه.
فضلت باصة لهم شوية ، يمكن مستنية حد فيهم يضحك ويقولي ده هزار أو يقوللي إنه اختبار ، أو حتى سوء تفاهم ، لكن ولا واحد فيهم اتحرك ، حماتي كانت واقفة حاطة إيديها في وسطها وباصالي بنفس النظرة اللي كانت بتبصهالي كل مرة تحب تحسسني إني مهما عملت هافضل مجرد مرات ابنها وخالد اللي كنت فاكرة إنه سندي وضهري ، كان واقف وراها ساكت ، لا مستحي ولا مكسوف ولا حتى قادر يبصلي في عيني.
في اللحظة دي حسيت إن البيت اللي عشت فيه أربع سنين مرة واحدة بقى غريب عليا وحسيت إن نفسي بيتسحب مني واحدة واحدة ، لكني عضيت على شفايفي وسكت ، لأن أمي الله يرحمها كانت دايمًا تقولي. وقت الصدمة يا بنتي ، أوعي تتكلمي بسرعة اسكتي ، لأن اللي بيسكت أول هو اللي بيسمع الحقيقة كلها.
ولأول مرة في حياتي ، فهمت هي كانت تقصد إيه.
بصيت لحماتي وقلت بهدوء يمكن هدوئي نفسه كان مخوفهم.
خير يا حاجة هو إيه اللي بيحصل؟
نفخت بضيق وقالت وكأنها بتشرح لطفلة صغيرة.
هو إحنا هنلف وندور؟ الفلوس نزلت في حسابك امبارح وإحنا اتفقنا إنها تروح لأحمد ، الراجل مديون والناس واقفة على بابه وإحنا مش هنسيب لحمنا يتبهدل.
اتجمدت مكاني.
إحنا اتفقنا؟
قلت الجملة وأنا ببص لخالد ، مستنية منه يقول إنها غلطانة ، أو يقول إنه عمره ما وعد حد بحاجة تخصني.
لكنه طلع نفس طويل وقال.
أيوة يا مريم قعدنا وفكرنا كتير ولقينا إن ده الحل الصح.
الحل الصح؟
والله العظيم الكلمتين دول فضلوا يرنوا في وداني كأن حد بيخبط بمطرقة على دماغي.
يعني هو قعد يفكر وقعد يخطط وقعد يوعد وكل ده
من غير حتى ما يسألني من غير ما يقوللي. إنتِ رأيك إيه؟
انا اخر واحدة عرفت. أنا صاحبة الفلوس وآخر واحدة عرفت.
ضحكت آه والله ضحكت ، بس كانت ضحكة مرة أوي ، الضحكة اللي بتطلع من قلب واحد اتوجع لدرجة إنه مبقاش عارف يعيط.
وقلت وأنا ببصله. يعني أنت وعدت أخوك بفلوس مش بتاعتك؟
حاول يقرب مني وقال.
اسمعيني بس
رجعت خطوة لورا من غير ما أحس.
لأ جاوبني الأول.
سكت.
ولما سكت ، حماتي هي اللي ردت مكاني وقالت بمنتهى الثقة.
هي فلوس مين يعني؟ مش إنتوا متجوزين؟ ولا هو جواز على الورق؟ اللي معاكي يبقى معاه واللي معاه يبقى معاكي.
ساعتها حسيت إن جسمي كله اتجمد.
مش من الكلام.
أنا متعودة على كلامها.
لكن من إن خالد ما اعترضش.
ولا قال لأ يا أمي.
ولا قال. دي فلوس مريم.
ولا حتى قال. نستأذنها الأول.
فضل ساكت وسكوته كان أوجع من أي كلمة.
بصيتله وأنا حاسة إن في حاجة جوايا بتتكسر حتة حتة وقلت بهدوء غريب حتى أنا استغربته.
خالد أمي ماتت من ست شهور.
هز راسه من غير حتى ما يرفع عينه في عيني وقال بمنتهى البرود.
عارف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة كلها وجع وقلت.
طيب طالما عارف ، يبقى أكيد عارف مين اللي كان كل خميس بعد الشغل يروح يبات في شقتها لوحده عشان يخلص ورقها ويقفل بابها وهو حاسس إن البيت كله بقى فاضي من غير صوتها أكيد عارف مين اللي كان يفتح دولابها ويقعد بالساعات ماسك هدومها مش قادر يحطها في كرتونة ، لأن كل بلوزة كانت ريحتها فيها وكل طرحة كانت تفكرني بيها وكل ركن في البيت كان بيقول إنها لسه هنا.
فضل ساكت ولا كلمة ولا حتى حاول يقاطعني.
فكملت وأنا حاسة إن الكلام بقى طالع من قلبي قبل لساني.
وأكيد عارف مين اللي لف على الشهر العقاري والبنك والسجل والضرائب ودفع رسوم ووقع أوراق واستنى بالساعات في الطوابير ورجع البيت كل يوم ورجليه مش شايلاه من كتر اللف وعارف برضه إن ولا مرة سألتك تيجي معايا ولا مرة قلتلك شيل عني ، لأني كنت فاكرة إن مجرد وجودك
جنبي كفاية.
ساعتها بس نزل عينه في الأرض.
والله العظيم المنظر ده وجعني أكتر من أي كلمة سمعتها منه ، لأني لأول مرة أحس إنه مش قادر يبصلي ، مش لأنه ندمان لكن لأنه اتكشف.
حسيت إن قلبي بيتقطع ، مش عشان سابني أشيل كل ده لوحدي ، أنا من زمان متعودة أشيل نفسي ، لكن عشان طول الوقت كان شايف تعبي وسايبني أخلص كل حاجة ولما الفلوس دخلت الحساب ، فجأة افتكر إنها بقت حق أخوه.
في اللحظة دي ، أمي جت قدام عيني.
شفتها وهي نايمة على سرير المستشفى ووشها الأصفر اللي المرض سرق منه كل حاجة إلا ابتسامتها.
افتكرت آخر مرة مسكت فيها إيدي.
كانت بتتكلم بالعافية ، لكن كانت مصممة تقول اللي في قلبها.
قالتلي.
يا مريم الشقة دي مش بس طوب وأسمنت دي عمري كله دي كل يوم نزلت فيه الشغل وأنا تعبانة وكل جنيه حوشته وأنا محرومة من نفسي لو ربنا كتبلك وبعتيها في يوم ، أوعي تفرطي في تعب عمرك عشان حد ما يستاهلش ، لأن اللي يحبك عمره ما يطمع في رزقك.
وماكنتش فاهمة ليه قالت الجملة دي بالذات.
افتكرت إنها مجرد وصية أم خايفة على بنتها.
لكن وأنا واقفة قدام خالد وأمه والله العظيم حسيت إن صوتها بيرجع يتردد في وداني كأنها واقفة جنبي دلوقتي.
الصمت كان مالي البيت.
لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسي وسامعة دقات قلبي وساعتها بصيت لخالد وقلتله وأنا حاسة إن كل كلمة بتطلع من جرح لسه مفتوح.
يعني بعد كل اللي حصل وبعد كل التعب ده جاي تقولي إنك قعدت مع أمك وخدتوا قرار وقررتوا هتصرفوا ميراث أمي في إيه؟
المرة دي ما ردش بسرعة.
اتردد.
لكن قبل ما يجاوب
حماتي دخلت في الكلام بسرعة وقالت وهي رافعة دقنها لفوق بثقة مستفزة.
إنتوا اتنين واحد يا مريم اللي معاكي يبقى معاه واللي معاه يبقى معاكي وفلوس البيت كلها في الآخر بتخدم العيلة.
العيلة.
الكلمة دي خلتني أفوق.
في اللحظة دي بالذات حصلت حاجة جوايا..مش انكسرت. بالعكس حسيت إن آخر ستارة كانت مغطية الحقيقة اتشالت وآخر وهم كنت عايشة
فيه وقع مرة واحدة. شفتهم على حقيقتهم.
هما ماكانوش زعلانين على أمي ولا فارق معاهم إنها كانت ست شقيانة تعبت العمر كله ولا حتى فارق معاهم إني بنتها الوحيدة.
كل اللي كان فارق معاهم هو اليوم اللي الفلوس تدخل فيه حسابي.
وكانوا متأكدين إن حزني هيخليني أقول حاضر.
وإن دموعي هتخليني أتنازل.
وإن كسرتي بعد وفاة أمي هتخليني أمضي على أي حاجة من غير ما أفكر.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن الحزن فعلًا ممكن يكسر الإنسان.
بس ساعات الحزن بيفتح عين الواحد على ناس عاش سنين فاكرهم أهله ويكتشف في لحظة إنهم أول ناس مستعدين يبيعوه لو كان التمن مناسب.
أخدت نفس طويل وحطيت ملف الأوراق على الترابيزة بمنتهى الهدوء. الهدوء اللي خلاهم يبصوا لبعض باستغراب.
وبعدين رفعت عيني لخالد وقلت وأنا ببصله بثبات خلاه يبلع ريقه عارف يا خالد
فضل مستني باقي كلامي يمكن مستني صريخ يمكن مستني عياط.
يمكن مستني إني أترجاه يغير رأيه. لكن بدل كل ده ابتسمت أول ابتسامة من ساعة ما دخلوا عليا وقلت بهدوء إنت عندك حق.
والله العظيم شفتها في عينه شفت الراحة وهي بترجع لوشه.
كتافه ارتخت وزفر نفس طويل كأنه كان شايله من ساعة ما دخل.
أما حماتي فابتسمت ابتسامة المنتصر وبصتله كأنها بتقوله. مش قولتلك هتوافق.
وساعتها عرفت إن أول غلطة وقعوا فيها إنهم صدقوا إني استسلمت.
أما الغلطة التانية فكانت أكبر بكتير لأنهم ماكانوش يعرفوا إن من يوم ما دفنت أمي إني ماكنتش بخلص إجراءات بيع الشقة وبس أنا كنت بحضر لكل خطوة جاية.
وكانوا فاكرين إن الملف اللي قدامهم مجرد عقد بيع وإيصالات بنك لكن الحقيقة إن الملف ده كان شايل السر الوحيد اللي يقدر يقلب حياتهم كلها في ثواني.
أخدت نفس طويل. وبصيتلهم الاتنين وقلت بهدوء وأنا بابتسم لأول مرة من قلبي. على فكرة أنا كمان عندي مفاجأة. ولأول مرة الابتسامة كانت على وشي أنا. مش على وشهم.
الكاتبة صابرين_محمد
مريم قالت الجملة وسابت الصمت ياكلهم.
حماتها كانت أول واحدة اتكلمت، وهي بتحاول تخبي قلقها بابتسامة مصطنعة.
مفاجأة إيه؟
لكن مريم ما ردتش
عليها، فتحت الملف بهدوء شديد، وطلعت منه ظرف بني كبير، ولسه هتفتحه، قامت قفلته تاني وحطته قدامها.
خالد اتضايق وقال بنفاد صبر مريم... إحنا مش فاضيين للألغاز دي. حولي الفلوس ونخلص.
رفعت عينيها ليه وقالت بنفس الهدوء هو ده اللي مستعجلك أوي؟
سكت.
قالت ولا مستعجل لأنك وعدت أخوك إن الفلوس هتدخل حسابه النهارده؟
اتفاجئ.
إنتِ عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش مهم عرفت منين... المهم إنك وعدته فعلًا.
حماتها قاطعتها بسرعة وأهو وعد، وإيه المشكلة؟ الراجل أخوه.
مريم هزت رأسها وقالت المشكلة إن في وعد أهم بكتير من وعد أحمد.
خالد عقد حاجبيه.
قصدك إيه؟
مدت إيدها ناحية الظرف وفتحته بهدوء، وأخرجت ورقة مختومة بختم رسمي، وحطتها قدامهم.
حماتها قربت تبص عليها، لكن مريم سحبتها قبل ما توصلها.
وقالت دي مش هتتشاف دلوقتي.
بدأ الضيق يظهر على وش خالد.
هو إيه اللي بتعمليه ده؟
قالت بفكرك بحاجة نسيتها.
إيه هي؟
بصت له بثبات وقالت آخر أسبوع في حياة أمي... لما طلبت مني أروح معاها عند المحامي.
أول ما نطقت كلمة المحامي، وش خالد اتغير.
يمكن لأنها أول مرة تجيب سيرته.
قال بسرعة كانت بتعمل إيه عند محامي؟
ابتسمت.
أهو... ده السؤال الصح.
حماتها حاولت تتدخل يا بنتي ما تلفيش وتدوري.
لكن مريم رفعت إيدها لأول مرة تمنعها من الكلام.
استني يا حاجة... الدور عليكي هييجي.
البيت كله سكت.
حتى صوت التكييف بقى واضح.
مريم رجعت بصت لخالد وقالت إنت فاكر إن أمي كانت ست بسيطة... وإنها باعت الشقة وسابت الفلوس وخلاص.
هز كتفه وقال وده الطبيعي.
قالت لأ... أمي عمرها ما كانت تعمل حاجة من غير ما تحسبها.
مدت إيدها وأخرجت من الملف ظرفًا أصغر، عليه ختم أحمر.
تعرف الظرف ده مقفول ليه؟
خالد هز رأسه.
قالت لأن المحامي قال لي بالحرف... الظرف ده ما يتفتحش إلا بعد ما فلوس البيع تدخل الحساب، ولو حصل أي ضغط أو محاولة للتصرف فيها، افتحيه فورًا.
حماتها اتوترت لأول مرة.
وقالت بانفعال ضغط إيه؟ هو إحنا هنسرقها؟
مريم ردت بهدوء أنا لسه ما قلتش حد بيسرق.
ثم سكتت ثواني، وهي تراقب ملامحهم.
وأضافت لكن الغريب... إن أمي كانت متوقعة إن اليوم ده هييجي.
خالد حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
يعني... إيه اللي جوه الظرف؟
مريم ابتسمت ابتسامة غامضة، وضمت الظرف لصدرها.
اللي جواه... هو السبب الحقيقي إن أمي أصرت تروح للمحامي وهي تعبانة، وهو السبب اللي خلاني من ساعة ما الفلوس نزلت الحساب ما صرفتش منها جنيه واحد.
اقترب خالد خطوة وقال بقلق واضح مريم... افتحيه.
نظرت إليه طويلًا، ثم أعادت الظرف إلى الملف، وأغلقته ببطء.
وقالت بنبرة واثقة
لأ... مش دلوقتي.
وفي نفس اللحظة، دوى جرس الباب بقوة.
رنّة طويلة، تبعتها رنة ثانية.
نظر الثلاثة إلى الباب في وقت واحد.
ومريم فقط... كانت تبتسم، وكأنها كانت تنتظر هذا الطارق منذ بداية اليوم جرس الباب فضل يرن للمرة التالتة.
حماتها اتضايقت وقالت بعصبية مين اللي جاي في وقت زي ده؟
أما مريم، فقامت من مكانها بمنتهى الهدوء، وعدلت طرحتها، ومسكت الملف في إيديها، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بالدقيقة.
خالد وقف قدامها وقال استني... هفتح أنا.
ابتسمت وقالت لا... الضيف ده جايلي أنا.
اتجهت ناحية الباب وفتحته.
وقف قدامها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي شيك، وماسك شنطة جلد سوداء، ومعاه شاب أصغر منه شايل ملف كبير.
الراجل أول ما شاف مريم، هز رأسه باحترام وقال صباح الخير يا أستاذة مريم... آسف لو جيت بدري، لكن حضرتك طلبتي إن أول ما الإجراءات تخلص أجيلك بنفسي.
ردت بابتسامة هادئة اتفضل يا أستاذ.
خالد خرج من الصالة بسرعة وهو مستغرب.
مين حضرتك؟
الرجل بص له نظرة سريعة، ثم قال بأدب أنا مجرد منفذ لإجراءات قانونية تخص المرحومة والدة الأستاذة مريم.
أول ما سمعوا كلمة إجراءات قانونية، حماتها بصت لخالد بقلق.
قال خالد إجراءات إيه؟
لكن الرجل ما جاوبش.
دخل وقعد على أقرب كرسي بعد ما استأذن، وحط الشنطة قدامه.
فتحها، وطلع منها ملف عليه أختام كتير.
قال وهو بيبص لمريم الحمد لله، كل المستندات بقت جاهزة، وباقي خطوة واحدة زي ما المرحومة أوصت.
حماتها فقدت هدوءها.
هو في إيه؟ إحنا مش فاهمين حاجة.
الرجل قال باحترام المعذرة... الكلام ده موجه للأستاذة مريم فقط.
خالد حس إنه خارج الصورة لأول مرة.
قرب من مريم وقال بصوت منخفض إنتِ مخبية عني إيه؟
مريم ردت بهدوء مش مخبية... أنا بس ما اتكلمتش.
ثم التفتت
للرجل وقالت حضرتك معاك الحاجة كلها؟
أومأ برأسه.
كما طلبت المرحومة بالضبط.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا مغلقًا بالشمع الأحمر، وقال ده كان أمانة عندنا، وممنوع يتفتح إلا بعد انتهاء بيع الشقة بالكامل.
مده ناحية مريم.
أخذته بإيد ثابتة، لكنها ما فتحتهوش.
خالد كان بيبص للظرف وكأنه شايف فيه إجابته كلها.
قال بلهفة افتحيه.
مريم هزت رأسها.
لسه.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال المرحومة كانت دقيقة جدًا... حتى ترتيب الخطوات كتبته.
وأخرج ورقة مطوية.
قرأ منها يُسلَّم الظرف أولًا... ثم يُطرح على ابنتي سؤال واحد فقط.
سكت الجميع.
رفع الرجل عينه ناحية مريم وقال السؤال هو...
وأغلق الورقة مرة أخرى.
لا... آسف.
استغرب خالد وقال آسف إيه؟
رد الرجل بهدوء المرحومة طلبت إن السؤال يتقال في وجود الشخص الأخير الناقص.
اتسعت عينا مريم قليلًا، وكأنها فهمت المقصود.
أما خالد فقال بقلق شخص مين؟
وفي نفس اللحظة... سُمعت سيارة تقف أمام البيت، ثم صوت باب يُغلق في الخارج، وأعقبه طرق هادئ على الباب الرئيسي.
ابتسم الرجل وقال واضح... إنه وصل.
ونظرت مريم إلى الباب، بينما ازداد ارتباك خالد وحماته، لأنهما لم يكونا يعلمان من هو الزائر القادم، ولا لماذا كانت الأم الراحلة قد رتبت كل شيء قبل رحيلها ساد الصمت لثوانٍ، وكل العيون اتجهت ناحية الباب.
مريم أخدت نفسًا عميقًا، ومشت بخطوات ثابتة لحد ما فتحته.
وقف قدامها رجل كبير في السن، شعره كله أبيض، لكن هيبته كانت مالية المكان. أول ما شافها، قال بحزن
البقاء لله يا بنتي... سامحيني إني اتأخرت.
مريم هزت رأسها وقالت ولا يهمك يا عمي... اتفضل.
دخل الرجل، وأول ما خالد شافه، حاول يفتكر هو مين، لكنه ما عرفوش.
أما حماته فسألت باستغراب حضرتك تبقى مين؟
ابتسم الرجل وقال أنا صديق والدتها من أكتر من ثلاثين سنة... وكانت موصياني أحضر اليوم ده لو ربنا كتب إنها تسبقنا.
اتبدلت نظرات خالد مع أمه.
الرجل قعد بهدوء، والمحامي قال دلوقتي اكتمل العدد.
فتح الورقة اللي كانت في إيده، وقرأ بصوت واضح
إذا وصلتم لهذه المرحلة، فاسألوا ابنتي سؤالًا واحدًا فقط... هل ما زالت متمسكة بآخر وعد وعدته لوالدتها؟
رفع المحامي عينه إلى مريم.
ابتسمت مريم
لأول مرة من غير وجع، وقالت بثقة
أيوه... وما خالفتش الوعد لحظة واحدة.
أومأ الرجل الكبير برأسه، وقال كنت عارف إنها هتوفي بوعدها.
خالد ما بقاش مستحمل.
قام من مكانه وقال بعصبية حد يفهمني! إيه الوعد؟ وإيه كل الغموض ده؟
مريم بصت له للحظة، ثم قالت
الوعد بيني وبين أمي... وعمره ما كان يخص حد غيرنا.
حماتها قالت بانفعال يعني كل اللي بيحصل ده علشان وصية؟
المحامي قفل الملف وقال بهدوء مش مجرد وصية... دي مسؤولية كانت المرحومة حريصة إنها تتنفذ بالحرف.
خالد قرب خطوة وقال والفلوس؟
مريم ردت وهي ماسكة الظرف بإحكام الفلوس لسه في مكانها... وما اتحركش منها جنيه.
ظهرت على وش خالد علامات ارتياح، لكنه لسه مش فاهم.
وقبل ما يتكلم، قال الرجل الكبير جملة قلبت ملامحهم كلهم
المرحومة كانت بتقول دايمًا... الإنسان ما بيتعرفش وقت الرخاء، الإنسان الحقيقي بيبان أول ما يشوف المال قدامه.
سكت، وبص لمريم بابتسامة رضا.
أما مريم، فنظرت إلى الظرف المختوم، ووضعت يدها عليه بهدوء، ثم قالت
واضح إن الوقت قرب... لكن لسه فيه حاجة لازم تحصل الأول.
خالد قال بلهفة إيه هي؟
مريم رفعت عينيها إليه، وقالت
لما تحصل... ساعتها كل واحد في البيت ده هيعرف الحقيقة كاملة.
ثم أعادت الظرف إلى الملف، وأغلقته مرة أخرى.
وانتهى المشهد والجميع ينظر إليها، وكل واحد منهم يفكر في سر مختلف... بينما الحقيقة الكاملة ما زالت حبيسة ذلك الظرف المغلق خالد فقد أعصابه.
ضرب بإيده على الترابيزة وقال بانفعال
أنا مش فاهم! هو كل شوية هتقولوا الحقيقة لسه، والسر لسه؟! أنا جوزها ومن حقي أعرف.
المحامي بصله بهدوء وقال
من حقك تعرف... لكن في وقته.
حماته قامت من مكانها وهي بتتكلم بصوت عالي
إحنا مش هنفضل قاعدين نتفرج. افتحي الظرف وخلصينا.
مريم بصتلها بثبات، وقالت
الغريب إنكم مستعجلين أوي تعرفوا اللي فيه... مع إنكم من شوية كنتوا مستعجلين على الفلوس.
الكلمة أصابتهم في مقتل.
خالد حاول يغير الموضوع وقال
طيب خلاص... إحنا غلطنا لما اتكلمنا بالطريقة دي، لكن في الآخر إحنا أهل.
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة.
أهل؟
ثم أكملت
لما كنت بلف بين المصالح الحكومية لوحدي، كنتوا فين؟ ولما كنت برجع كل يوم منهارة، مين فيكم سألني محتاجة حاجة؟
ما حدش رد.
الرجل الكبير تنهد وقال
رحمها الله... كانت متوقعة إن اليوم ده هييجي.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
عشان كده، قبل وفاتها بأيام،
طلبت مني أساعد المحامي في تنفيذ حاجة معينة، لكنها قالت بالحرف ما تتعملش إلا لو مريم بنفسها وافقت بعد ما تشوف حقيقة الناس اللي حواليها.
خالد اتجمد مكانه.
يعني... أمي كانت عاملة كل ده علشان تختبرنا؟
المحامي هز رأسه وقال
لا.
أمال إيه؟
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة وقال
هي ما كانتش بتختبر حد... هي كانت بتحمي بنتها.
ساد صمت ثقيل.
حماتها لأول مرة ملامحها اتغيرت، لكن حاولت تتماسك وقالت
تحميها من إيه؟
المحامي مد إيده ناحية الملف، لكنه ما فتحهوش.
وقال
الإجابة موجودة هنا.
خالد مد إيده بسرعة عشان ياخد الملف.
لكن مريم سحبته قبل ما يلمسه.
وقالت بهدوء
الملف ده أمانة... ومش هيفتح غير لما أتأكد إن كل اللي كان لازم أشوفه... شوفته.
في اللحظة دي، رن هاتف مريم.
بصت للشاشة.
الاسم اللي ظهر خلاها تبتسم لأول مرة من غير أي وجع.
قفلت الموبايل من غير ما ترد.
خالد لمح الاسم، لكنه ما قدرش يقراه.
سألها بفضول
مين اللي بيتصل؟
مريم حطت الموبايل في جيبها وقالت
الشخص الوحيد اللي كان عارف سر أمي من البداية.
اتسعت عينا المحامي، بينما الرجل الكبير اكتفى بهزة رأس كأنه كان منتظر الاتصال ده.
أما خالد، فبدأ يشعر لأول مرة أن القصة أكبر بكثير من مجرد خمسة ملايين جنيه... وأن كل دقيقة تمر تقربه من حقيقة قد تغيّر حياته كلها.
لكن مريم لم تنطق بأي كلمة أخرى، وتركت الجميع يغرقون في أسئلتهم، بينما السر ما زال محفوظًا... ولم يحن وقت كشفه بعد خالد قرب منها بسرعة وقال
مين اللي كان بيتصل؟ جاوبيني.
مريم بصتله بهدوء، وكأنها لأول مرة ما بقتش خايفة من انفعاله.
قالت
هتعرف... بس مش دلوقتي.
حماتها ضربت كف بكف وقالت
إحنا هنفضل طول اليوم في لعبة الأسرار دي؟
المحامي قفل الملف قدامه وقال
أنا هنتظر عشر دقائق، وبعدها هنكمل الإجراء الأخير.
أول ما قال كلمة الإجراء الأخير، خالد حس بقلبه بيدق أسرع.
قال باستغراب
إجراء إيه؟
لكن المحامي اكتفى بالنظر في ساعته، وما ردش.
مرت دقائق ثقيلة، محدش فيهم اتكلم.
وفجأة...
موبايل مريم رن تاني.
المرة دي ردت.
أيوه...
فضلت ساكتة وهي بتسمع، وبعد ثواني قالت
تمام... أنا مستنياكم.
وقفلت المكالمة.
خالد قال بحدة
مستنية مين؟
ردت وهي بتحط الموبايل على الترابيزة
ناس ليهم حق يعرفوا الحقيقة... قبل أي حد.
حماتها
اتعصبت وقالت
حق إيه؟ الفلوس دي تخص بيتكم.
مريم ابتسمت وقالت
هو ده اللي كنتوا فاكرينه.
وفي اللحظة دي...
سمعوا صوت عربية وقفت قدام البيت.
ثم صوت أكتر من باب بيتقفل.
المحامي وقف من مكانه وعدل بدلته، وقال بهدوء
وصلوا.
خالد جرى ناحية الشباك يبص.
لكن العربية كانت واقفة بعيد شوية، والناس اللي نزلت منها كانوا خارجين من زاوية ما قدرش يشوف وشوشهم.
بعد ثوانٍ...
خبط هادئ على الباب.
مريم هي الوحيدة اللي اتحركت.
فتحت الباب بابتسامة، وقالت
اتفضلوا... كنت مستنياكم.
ودخل ثلاثة أشخاص يحمل كل واحد منهم ملفًا مختلفًا.
أول ما دخلوا، وقفوا باحترام، وكأنهم داخلين لتنفيذ أمر متفق عليه من شهور.
خالد بص للمحامي وقال بقلق
هما مين؟
المحامي رد باقتضاب
دول آخر شهود على تنفيذ وصية المرحومة.
اتسعت عينا خالد، بينما حماته بلعت ريقها.
أما مريم... فكانت تنظر إلى الوجوه الجديدة بثبات، ثم قالت
دلوقتي... نقدر نبدأ.
وقبل أن يفتح أي واحد منهم الملف الذي يحمله...
قال أكبرهم سنًا جملة واحدة جعلت الجميع يلتفت إليه
قبل أي ورقة تتفتح... في سؤال لازم الأستاذ خالد يجاوب عليه بنفسه.
وساد الصمت من جديد... بينما بدت على وجه خالد علامات التوتر، لأنه لم يكن يعرف ما هو السؤال، ولا لماذا أصبح هو محور كل ما يحدث خالد بص للرجل باستغراب، وقال
أنا؟ أسألوني.
الرجل فتح ملفًا صغيرًا، ثم رفع نظره إليه وقال بهدوء
السؤال بسيط... لكن إجابته هتحدد إذا كنا هنكمل ولا لأ.
ابتلع خالد ريقه.
اتفضل.
قال الرجل
لو النهارده عرفت إن الخمسة ملايين دول مستحيل تاخد منهم جنيه واحد... هل هتفضل متمسك بجوازك من الأستاذة مريم بنفس الرضا اللي كنت بتتكلم بيه من شوية؟
الصالة كلها سكتت.
حتى حماته بصت لخالد، مستنية رده.
خالد اتردد.
فتح بقه يقولي طبعًا... لكن الكلمة ما خرجتش.
ثانية...
واتنين...
وثلاثة...
ولأول مرة، مريم شافت الحيرة على وشه.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
اتفضل... جاوب.
خالد قال بسرعة وهو بيبص لمريم
طبعًا هفضل متمسك بيها... هي مراتي.
الرجل هز رأسه، وقفل الملف.
وقال بهدوء
كنت أتمنى تكون الإجابة دي طلعت قبل ما تطلبوا الفلوس.
حماتها اتضايقت وقالت
إحنا مش في محكمة.
رد الرجل
بالعكس... إحنا بننفذ رغبة إنسانة كانت بتعرف قيمة الكلمة.
ثم التفت
إلى مريم وقال
حضرتك جاهزة؟
أومأت برأسها.
مد لها الملف.
لكن قبل ما تفتحه...
رن جرس الباب مرة تانية.
الجميع التفت ناحية الباب باستغراب.
المحامي بص في ساعته، وابتسم لأول مرة.
وقال
واضح إن آخر شخص وصل.
خالد قال بعصبية
آخر شخص مين تاني؟
مريم مشت ناحية الباب، وفتحت.
أول ما شافت اللي واقف...
اتسعت عيناها من الدهشة.
والرجل الواقف خارج الباب قال بهدوء
أنا آسف على التأخير... لكن معايا الحاجة اللي والدتك طلبت أسلمها ليكي بعد ست شهور بالظبط.
كانت في إيده علبة خشبية صغيرة، مقفولة بمفتاح نحاسي قديم، وعلى غطائها بخط الأم الراحلة مكتوب
لا تُفتح إلا بعد أن تعرفي من يحبك... ومن يحب ما تملكين.
مريم لمست الكتابة بأطراف أصابعها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
أما خالد... فشعر لأول مرة أن كل كلمة قالها منذ الصباح قد تكون السبب في ضياع شيء أكبر بكثير من المال.
لكن مريم لم تفتح العلبة...
واكتفت بأن ضمتها إلى صدرها، وقالت بهدوء
واضح إن لسه في أسرار أمي ما خلصتش...
ثم نظرت إلى الجميع، بينما بقي المفتاح في يدها... دون أن تديره في القفل مريم فضلت ماسكة العلبة الخشبية، وبصت للمفتاح ثواني طويلة.
كل اللي في الأوضة كانوا مستنيين تفتحه.
لكنها رفعت رأسها وقالت بهدوء
مش هفتحها دلوقتي.
حماتها صاحت بعصبية
يعني إيه مش هتفتحيها؟ هو إحنا هنقضي اليوم كله مستنيين؟
مريم ردت من غير ما تعلي صوتها
العلبة دي أمي قالت تتفتح بعد ما أعرف الحقيقة... وأنا لسه الحقيقة كلها ما اكتملتش.
الرجل اللي جاب العلبة أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
وقال
نسيت أسلمك دي.
أخذتها مريم، ولما فتحتها لقت سطر واحد بخط أمها
يا مريم... لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى افتكري كويس إن القرار اللي هتاخديه بعد دقائق هيغير بقية عمرك، فلا تخليه يطلع من وجعك... خليه يطلع من عقلك.
أغمضت مريم عينيها للحظة.
كانت كأنها سامعة صوت أمها بنفس النبرة.
ولما فتحت عينيها، بصت لخالد وقالت
عايز أسألك سؤال.
قال بسرعة
اسألي.
لو مكاني... وكان ده تعب أبوك الله يرحمه، وواحد طلب منك تديه لأخوك من غير ما يستأذنك... كنت هتوافق؟
خالد سكت.
المرة دي سكوته طال.
وأخيرًا قال بصوت منخفض
...لأ.
هزت مريم رأسها.
وده كل اللي كنت محتاجة أسمعه.
ساد الصمت.
حماتها حاولت تتكلم، لكن خالد
رفع إيده لأول مرة وقال لها
سيبينا.
استغربت.
طول عمره كان بينحاز لكلامها.
أما النهارده... فطلب منها تسكت.
بص لمريم وقال
أنا غلطت... وغلط كبير.
مريم ما ردتش.
قال
يمكن كنت بفكر أساعد أخويا... لكن نسيت إن الفلوس دي مش حقي.
كانت دي أول مرة يعترف بالجملة دي بصراحة.
لكن مريم فضلت هادئة.
ثم التفتت للمحامي وقالت
دلوقتي... نقدر نكمل.
المحامي مد إيده ناحية العلبة الخشبية، وقال
قبل ما تتفتح... لازم كل الموجودين يعرفوا إن اللي جواها مش فلوس، ولا مفاتيح، ولا عقود.
حماتها عقدت حاجبيها.
أمال إيه؟
ابتسم المحامي ابتسامة غامضة، وقال
شيء احتفظت به المرحومة سنوات طويلة... وكانت تقول إنه لو خرج للنور في الوقت المناسب، هيغير نظرة ناس كتير لكل اللي حصل.
كل الأنظار اتجهت إلى العلبة.
مريم أدارت المفتاح ببطء...
وسُمِع صوت تك.
رفعت الغطاء سنتيمترات قليلة...
ثم اتسعت عيناها فجأة.
وشحب وجه المحامي.
أما الرجل الكبير، فأغمض عينيه وكأنه كان يتوقع ما رآه.
وخالد حاول يقترب ليرى ما بداخلها...
لكن مريم أغلقت العلبة بسرعة، واحتضنتها بكلتا يديها، وهي تهمس بصوت مرتجف
مستحيل...
ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى خالد نظرة مختلفة تمامًا عن أي نظرة سبق أن نظرَتْها له...
وكأن ما رأته داخل العلبة لم يكن مجرد تذكار من أمها...
بل بداية سر أكبر بكثير، لم يحن موعد كشفه بعد مريم كانت لسه ماسكة العلبة بإيديها، وأنفاسها بقت أسرع.
خالد قرب منها وقال بقلق
في إيه؟ شوفتي إيه؟
رفعت عينيها إليه، ثم هزت رأسها.
مش هينفع حد يعرف دلوقتي.
حماتها فقدت أعصابها.
يعني إحنا هنتجنن! افتحيها.
لكن المحامي وقف وقال بحزم
من فضلك يا حاجة... سيبوها تاخد قرارها.
مريم أخدت نفسًا طويلًا، وبصت للمحامي.
حضرتك كنت عارف اللي جوه؟
هز رأسه بالنفي.
لأ... المرحومة أصرت إن العلبة تفضل مقفولة، وقالت إن بنتها هي أول واحدة تشوفها.
الرجل الكبير قال بهدوء
وده معناه إن الرسالة كانت ليكي لوحدك.
مريم فتحت العلبة مرة تانية، لكن المرة دي بحيث محدش يشوف اللي فيها.
أخرجت منها ورقة قديمة مطوية، وظرفًا صغيرًا، ومفتاحًا نحاسيًا قديمًا مربوطًا بشريط أزرق.
بصت للمفتاح طويلًا، وكأنها افتكرت حاجة كانت ناسيها.
ثم همست لنفسها
علشان كده...
خالد سمعها.
علشان كده إيه؟
مريم ما ردتش.
فتحت الورقة، وقرت أول سطر فيها، وفجأة دموعها نزلت من غير صوت.
مش دموع انكسار...
لكن دموع شوق.
رفعت الورقة بسرعة، ومسحت دموعها قبل ما حد يشوف المكتوب.
حماتها قالت بحدة
إيه اللي مكتوب؟
مريم طوت الورقة تاني، وقالت
دي بيني وبين
أمي.
ثم أمسكت الظرف الصغير.
كان مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا بعد تنفيذ الخطوة التالية.
خالد قال باستغراب
خطوة إيه؟
مريم بصت للمفتاح اللي في إيدها، وقالت
واضح إن أمي كانت مرتبة كل حاجة... والمفتاح ده مش للعلبة.
المحامي رفع حاجبه.
تقصدي إنه مفتاح لمكان تاني؟
أومأت برأسها.
أيوه... وأنا أظن إني عرفت المكان.
خالد قال بسرعة
مكان فين؟
ابتسمت مريم لأول مرة من الصبح ابتسامة كلها ثقة.
وقالت
المكان اللي أمي كانت تمنع أي حد يدخله بعد وفاتها... وتقول إنه هيفضل مقفول لحد ما ييجي وقته.
الرجل الكبير ضرب كفًا بكف وقال
أوضة السطح...
نظرت إليه مريم بدهشة.
حضرتك فاكر؟
ابتسم وقال
أمك كانت كل ما حد يسألها عن الأوضة دي تقول سيبوها... مفتاحها عند الزمن.
مريم رفعت المفتاح في إيديها، وقالت
ويبدو... إن الزمن وصل.
في تلك اللحظة، نظر الجميع إلى المفتاح... وشعروا أن السر الحقيقي لم يكن داخل العلبة أصلًا، وإنما خلف باب مغلق لم يُفتح منذ وفاة أم مريم.
أما ماذا يوجد خلف ذلك الباب...
فلم يكن أحد منهم يتخيل أنه سيغيّر مجرى الأحداث بالكامل مريم قبضت على المفتاح بقوة، وكأنها خايفة حد ياخده منها.
خالد قال بسرعة
يلا نروح دلوقتي.
بصتله بهدوء وقالت
لأ... أنا اللي هروح.
حماتها ردت بعصبية
يعني هنفضل مستخبيين ورا الألغاز دي؟
المحامي تدخل وقال
حسب تعليمات المرحومة، فتح المكان بالمفتاح ده حق للأستاذة مريم وحدها.
حماتها تمتمت بضيق، لكنها سكتت.
مريم أخدت شنطتها، وحطت العلبة والظرف والمفتاح جواها، ثم قالت
هرجع بعد ساعة.
خالد وقف قدام الباب يمنعها.
أنا جوزك، ومن حقي أعرف.
نظرت له بثبات وقالت
من حقك تعرف... بعد ما أعرف أنا الأول.
وسابته وخرجت.
طول الطريق كانت ماسكة المفتاح في إيدها.
كل ذكرى مع أمها كانت بترجع قدام عينيها.
لحد ما وصلت قدام العمارة القديمة.
طلعت السلم ببطء، وكل درجة كانت كأنها بترجعها سنين لورا.
وقفت قدام باب صغير في آخر السطح.
الباب كان مقفول بقفل قديم، عليه طبقة تراب واضحة.
مدت إيدها، ودخلت المفتاح.
أول مرة ما لفش.
مسحت التراب من جوه القفل، وحاولت تاني.
تك...
القفل اتفتح.
فتحت الباب ببطء.
الأوضة كانت صغيرة، لكنها نضيفة بشكل غريب، كأن حد كان بيحافظ عليها.
في الركن كان فيه صندوق خشبي كبير، وعليه نفس خط أمها.
افتحيه لوحدك.
مريم قربت، ورفعت الغطا.
ما لقتش دهب.
ولا فلوس.
ولا أوراق ملكية.
لكن لقت عشرات الكشاكيل والدفاتر، وكل واحد مكتوب عليه سنة مختلفة.
وفوقهم ظرف أبيض كبير.
فتحته بسرعة.
كان فيه خطاب طويل من أمها.
قرأت أول سطر...
فشهقت من الصدمة.
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أكيد ناس حاولت يفرضوا عليكي تتصرفي في فلوس الشقة، وعلشان كده أنا سيبتلك الدفاتر دي.
مريم قلبت الصفحة بسرعة.
وعينيها وقعت على الجملة اللي بعدها مباشرة
الدفاتر دي فيها حساب كل جنيه دخل بيتنا من أول يوم اشتغلت... وفيها ديون قديمة، وأمانات، وحقوق ناس لازم ترجع لأصحابها قبل ما يبقى أي مليم من الفلوس حق لحد.
اتسعت عيناها.
وبدأت تقلب في الدفاتر بسرعة.
كل صفحة كانت مليانة أسماء... وتواريخ... ومبالغ... وملاحظات
بخط أمها.
وفجأة...
وقعت ورقة صغيرة من بين الصفحات.
لما رفعتها، لقت عليها اسمًا واحدًا فقط.
أحمد...
تجمدت مكانها.
لأن أحمد هو اسم شقيق خالد.
لكن تحت الاسم كانت مكتوبة جملة قصيرة جعلت قلبها يدق بعنف...
لا تُسلَّم له أي أموال... إلا بعد أن يعرف الحقيقة بنفسه.
رفعت مريم الورقة بيد مرتجفة، وهمست
إيه الحقيقة اللي أمي كانت تقصدها؟
ثم أغلقت الدفتر بسرعة عندما سمعت صوت خطوات تقترب من باب الأوضة... وكأن أحدًا صعد إلى السطح خلفها مريم وقفت مكانها وهي ماسكة الورقة، وبصت ناحية الباب.
الخطوات قربت... ثم وقفت.
وبعد ثوانٍ، دخل خالد.
كان نفسه مقطوع، وكأنه طلع السلم كله جري.
أول ما شاف الدفاتر والصندوق، فهم إن أم مريم ما كانتش سايبة فلوس وبس... كانت سايبة حكاية عمر كامل.
قال بصوت هادئ لأول مرة
أنا آسف... بس كنت لازم أعرف.
مريم بصت له، وما اتكلمتش.
قرب خالد، وشاف الورقة اللي مكتوب عليها اسم أخوه أحمد.
قرأ الجملة بصوت مسموع
لا تُسلَّم له أي أموال... إلا بعد أن يعرف الحقيقة بنفسه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوتًا من خلفهم.
كان أحمد.
وقف على باب الأوضة، ووشه كله تعب.
وقال
الحقيقة... أنا اللي هقولها.
بصوا له كلهم في صدمة.
نزل أحمد عينه في الأرض وقال
أنا ما طلبتش فلوس مريم.
حماتهم شهقت.
أما خالد فقال
إيه؟
رد أحمد
أمي هي اللي قالتلي إن مريم وافقت، وإن الفلوس خلاص بقت جاهزة، وإن خالد هو اللي عرض يساعدني.
لف وبص لأخوه وقال
أنا كنت فاكر إنكم متفقين.
ساد صمت ثقيل.
حماتها حاولت تتكلم، لكن أحمد قاطعها.
كفاية يا
أمي... كفاية.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
وقال لمريم
أنا جيت النهارده علشان أرجع ده.
فتحت الظرف.
كان فيه إيصال بتحويل مبلغ كان خالد بعتُه لأخوه قبل شهور.
قال أحمد
رفضت آخده وقتها... وقلتله يحل مشاكله مع مراته الأول. أنا كنت محتاج مساعدة، لكن عمري ما أرضى آكل حق حد.
بدأت دموع حماتها تنزل.
وقالت بصوت مكسور
أنا كنت خايفة على ابني... وافتكرت إن اللي تعبت فيه أمك هيبقى نجاة لأخو خالد.
مريم ردت بهدوء
الخوف على الولاد عمره ما يدي حد الحق ياخد تعب غيره.
ثم فتحت آخر صفحة في دفاتر أمها.
وكان مكتوب فيها
يا مريم... لو وصلتي لآخر صفحة، يبقى افتكري إن أكبر ميراث سبتُهولِك مش الشقة ولا الفلوس... أكبر ميراث هو كرامتك. الفلوس بتتعوض، لكن الإنسان لو فرط في احترام نفسه مرة، هيعيش طول عمره بيلم بقاياها. سامحي اللي يعتذر بصدق... لكن ما تسمحيش لحد يعتبر طيبتك حقًا مكتسبًا.
أغلقت مريم الدفتر، ومسحت دموعها.
ثم نظرت إلى خالد.
قال بصوت مكسور
أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي عملته.
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة، وقالت
إصلاح الغلط يبدأ بالاعتراف بيه... وإنت عملت أول خطوة.
بعد شهور...
سدد أحمد ديونه بجهده، بعد ما ساعده خالد من ماله هو، لا من مال مريم.
وحماتها اعتذرت لمريم أمام العائلة كلها، واعترفت أنها ظلمتها.
أما أموال بيع شقة الأم، فنفذت مريم وصية والدتها أعادت كل الأمانات والحقوق التي سجلتها أمها في دفاترها، ثم استثمرت الباقي في مشروع صغير يحمل اسم والدتها، وظل صدقة جارية على روحها.
ولم يعد المال سببًا للخلاف...
بل أصبح سببًا في أن يعرف كل واحد منهم قيمة الأمانة، وأن الميراث الحقيقي ليس ما نملكه... بل المبادئ التي لا نبيعها مهما كان الثمن.


تعليقات
إرسال تعليق