القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزي والبحر ١ حكايات زهرة حصري



جوزي والبحر ١ حكايات زهرة حصري

جوزي كل ما ينزل البحر يطلع وهو بيصرخ بهستريا وبيشاور على البحر ويقول "هناك ..هناك " ويفضل على الحال ده لحد ما يغمى عليه ، الغريب ان مبيعديش يومين ويطلب نروح تاني ، لحد ما قررت انزل وراه بنفسي واللي شوفته ميتحكيش!!


أنا مش قادرة أستوعب لحد دلوقتي إزاي حياتنا اتقلبت بالشكل ده، وإزاي البحر اللي اتعودنا عليه يرعبنا كده

احنا عايشين في بيت بسيط في الإسكندرية، بيت بيبص على البحر علطول. جوزي، كريم، مش مجرد واحد بيحب الميه، ده "حريف سباحة" بمعنى الكلمة، البحر ده كان بيته الأول. كنا تقريباً كل يومين نلم العيال وننزل الشط، كانت أحلى فترات حياتنا. كريم كان بياخد الأولاد يعلمهم العوم، يرميهم في الميه ويضحك وهو شايفهم بيكبروا وبيحبوا البحر زيه. بالنسبة لي، كانت خروجة ممتعة ومفيش فيها أي تكاليف، قاعدة في الهوا النضيف، والعيال مبسوطة، وجوزي في قمة سعادته وهو بيمارس الحاجة اللي بيعشقها.

لحد ما جه اليوم المشؤوم اللي غير كل حاجة.

كنا كالعادة على الشط، أنا قاعدة بتابع العيال وهم بيلعبوا في الرمل ويبنوا بيوت وقلاع، وكريم نزل الميه. في الأول كنت شيفاه بيعوم وبيمارس هوايته المفضلة، بس مع الوقت، لاحظت إنه غاب زياده عن اللزوم. عيني بدأت تدور عليه في كل مكان، نظري مش جايبه، الميه كانت هادية بس ملوش أي أثر. بدأت أحس بنغزة في قلبي، قلق خفيف بدأ يتسرب لنبرة صوتي وأنا بنادي عليه:


"كريم.. كريم! أنت فين؟"

وفجأة، لمحت خيال من بعيد بيتحرك بسرعة جنونية ناحية الشط. الصدمة إن الخيال ده كان كريم، بس مكنش بيعوم، كان بيجري في الميه وبيصرخ بصوت هستيري، صوت عمري ما سمعته منه قبل كده، صوت يخلع القلب من مكانه. كان وشه شاحب زي الأموات، وعينيه مبرقه، وبيشاور بايده اللي بترتعش بشكل مرعب ورا ظهره ويقول: "هناك.. هناك.. هناك!"

العيال اتخضوا من منظر أبوهم وبدأوا يعيطوا بهلع. أنا جريت عليه وأنا بحاول أهديه وأمسك إيده، بس كان غايب عن الوعي وهو واقف، وشه أزرق، وفجأة، طب من طوله على الرمل واغمى عليه تماماً.

صرخت بأعلى صوتي، والناس ولاد الحلال اتلموا حوالينا، شالوه وحطوه على شازلونج وفضلنا نحاول نفوقه ببرفان وميه لحد ما أخيرًا فتح عينيه. أول ما فاق، كان بيلتفت حواليه برعب مش طبيعي، مسك إيدي بعنف وقال بصوت مخنوق: "يلا بينا.. هاتي العيال ويلا نمشي من هنا حالاً!"

رجعنا البيت وأنا هموت من الحيرة والخوف. فضلت ألح عليه يفهمني إيه اللي حصل، إيه اللي شافه يخليه بالمنظر ده؟ رد عليا بتوتر وهو مش قادر يبص في عيني: "مفيش.. دي سمكة قرش.. سمكة قرش كبيرة خفت منها."

طبعاً أنا مصدقتوش. إسكندرية والشط ده بالذات طول عمرنا بنزل فيه، والمنطقة مليانة ناس بتعوم ومفيش أي سجل لظهور قروش هنا تماماً. بس سكت وقلت يمكن اتخيل أو جاله شد عضلي وخاف.

كنت فاكرة إن التجربة المرعبة

دي هتخليه يكره البحر، أو على الأقل يبعد عنه فترة. بس الغريب والمريب إن بعد يومين بالظبط، لقيته قايم وبإصرار غريب جنوني بيقول: "يلا هنروح البحر!"

حاولت أمنعه، بس كان مصر بشكل غريب. وفعلاً روحنا، وللاسف اتكرر نفس السيناريو بالظبط! دخل الميه، اختفى، ورجع يصرخ بهستيريا وهو بيشاور وراه ويقول "لسه هناك.. هناك!" لحد ما يغمى عليه. الموضوع اتقلّب لكابوس متكرر. بقى كل كام يوم يصر إننا نروح، ويرجع بنفس الحالة، ويرفض تماماً يقولي فيه إيه، ويدخل في حالة اكتئاب ورعب لحد الزيارة اللي بعدها.

حسيت إن جوزي بيضيع مني، وإن فيه سر  مخبيه ورا صرخاته دي. وقررت إن المرة دي مش هقف اتفرج.

وفي مرة اتفقنا نروح، وكنت مرتبة كل حاجة. طلبت من جارتنا اللي بنثق فيها تيجي معانا، وسبت العيال معاها على الشط . وخليت كريم نزل الميه و استنيت لما بعد شوية، ونزلت وراه براحة من غير ما يحس بيا، وبدأت أعوم وراه وأنا محافطة على مسافة تخليني شايفاه من غير ما يلمحني.

كريم كان بيعوم بخط مستقيم وبعزم شديد، مكنش بيعوم للترفيه، كان كأنه بيدور على حاجة معينة، أو بالأصح، كأنه عارف طريقه بالظبط ورايح لهدف محدد. فضل يعوم مسافة طويلة جداً لحد ما وصلنا لمنطقة غريقة جوه البحر، وفي نص الميه كانت فيه صخرة ضخمة غاطسة تحت السطح بشوية.

كريم وقف عند الصخرة دي، وبدأ يبص يمين وشمال

أنا قربت منه بحذر شديد، واللي

شفته عند الصخرة دي... جمد الدم في عروقي وكنت هغيب عن الوعي وأغرق في لحظتها من كتر الصدمة !!!!

واللي شفته عند الصخرة دي... جمد الدم في عروقي وكنت هغيب عن الوعي وأغرق في لحظتها من كتر الصدمة !!!!

الموج كان هادي، بس الهوا حواليا فجأة حسيت بيه سقع زي التلج. أنا كنت كاتمة نفسي ورا طرف الصخرة، الميه كانت صافية لدرجة مرعبة، مخلية كل حاجة تحتنا باينة. لمحت كريم وهو بيمد إيده تحت الصخرة، في شق ضيق وضلمة. مكنش خايف، كان بيتحرك بتلقائية غريبة، كأنه بيعمل الطقس ده بقاله سنين!

وفجأة... شفت إيد تانية بتطلع من الشق ده!

إيد مش لبشر.. إيد طويلة بشكل مش طبيعي، صوابعها رفيعة جداً وليها ضوافر شبه مخالب السمك، ولونها أزرق باهت كأنها ميتة بقالها قرن. الإيد دي مسكت إيد كريم بكل رقة، وكريم.. جوزي الراجل الشديد اللي بيخاف من الهوا الطاير على عياله، كان مستسلم تماماً.

من بين الشق الضلمة، بدأ يظهر وش.. يا ريتني ما شفته! وش لست، أو حاجة شبه الستات. وشها منحوت من العضم، عينيها ملهاش نني، عبارة عن بياض كامل بيلمع تحت الميه، وشعرها أسود طويل وناعم زي خيوط الطحالب، كان بيتحرك حواليها كأنه كائن حي. الست دي -أو الجنية، أو الشيطان ده- طلعت نص جسمها، وبدأت تتكلم مع كريم. أنا مكنتش سامعة صوت واضح بسبب الميه، بس كنت شايفة بقها بيتحرك، وشايفاها بتطبطب على وشه بحنان مرعب.

الصدمة الأكبر

إن كريم.......


الصدمة الأكبر إن كريم مكانش بيقاوم، كان بيبص لها بنظرة متغيبة، نظرة واحد مسحور أو مغلوب على أمره. وفجأة، المخلوقة دي طلعت من جيبها -أو من تحت الصخرة- حاجة زي قلادة قديمة لونها أسود، وحطتها في إيد كريم. أول ما كريم مسك القلادة، جسمه كله اتنفض، وعينيه برقت، وكأن السحر اللي كان عليه اتقلب لرعب فوري!

في ثانية واحدة، المخلوقة دي سحبت إيدها واختفت في أعماق الشق، وكريم بدأ يتخبط في الميه زي الدبيحة، وطلع على السطح وهو بيصرخ الهستيريا بتاعته.

أنا من كتر الرعب، رجعت لورا بسرعة، وشربت ميه وكنت هغرق بجد، بس غريزة البقاء خلتني أعوم بكل قوتي تحت الميه عشان ميرانيش ولا يحس بيا. سبقتو على الشط بمسافة، وطلعت وكنت بترعش وخلايا جسمي كلها بتصرخ. ارتميت على الرملة جنب جارتي والعيال، وكنت بحاول أخد نفسي وأبين إني كنت بعوم عادي.

وبعدها بدقائق، ظهر كريم.. نفس المنظر الكابوسي. بيجري وسط الميه، وشه أزرق، وعينيه مبرقة بيشاور وراه ويقول: "هناك.. هناك!" ويطب ساكت على الرملة.

المرة دي، وأنا بجري عليه مع الناس، مكنتش خايفة منه، كنت مرعوبة "عليه". الناس فوقوه، ورجعنا البيت. طول الطريق وأنا ببص له وهو قاعد في التاكسي، دبلان، مكسور، وعينيه زايفة. أول ما دخلنا البيت وقفلنا الباب، والعيال دخلوا أوضتهم، وقفت قدامه.

كريم قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وهو بيترعش. أنا مقدرتش أستحمل، مشيت ناحيته، وبنبرة صوت حاسمة ومفيهاش أي مجال للهروب، قلت له:

"كريم.. أنا شفتها."

كريم رفع


راسه فجأة، وشه اصفر أكتر ما هو أصفر، وعينيه وسعت برعب:

"شفتي.. شفتي إيه؟"

"شفت الست اللي تحت الصخرة. شفت إيدها، وشفت القلادة اللي ادتهالك. متكذبش عليا يا كريم، إيه اللي بيحصل؟ أنت بتموت قدامي كل يومين، وإنت اللي بتجري برجليك للموت!"

كريم انهار، دموعه نزلت بغزارة، وبدأ يتكلم بصوت متقطع، صوت راجل مكسور من جواه:

"يا ناهد.. أنا مش بإيدي.. والله العظيم مش بإيدي! الموضوع بدأ من شهرين، لما كنت بعوم غريق ولقيت الصخرة دي. كنت فاكرها صخرة عادية، بس لقيت صندوق صغير قديم قوي محشور تحتها. فضولي خلاني أفتحه، كان جواه القلادة دي. أول ما لمستها، ظهرتلي. مكنتش وحشة في الأول يا ناهد، كانت بتكلمني بصوت ناعم في دماغي، بتقولي إنها حارسة البحر، وإنها هتديني رزق وخير ملوش أول من آخر بس بشرط.. أجيلها كل يومين أأكلها من دمي!"

أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي: "دمك؟!"

كريم كمل وهو بيبكي: "في الأول رفضت، بس القلادة دي طلعت لعنة. بتخليني أشوف كوابيس بالليل، بشوف البيت ده وهو بيتحرق، وبشوفك إنتي والعيال وبتغرقوا قدام عيني وصوتها بيصرخ في ودني: 'لو مجيتش، هاخدهم هما بدل الدم'. بقيت مجبر أروح.. أول ما بنزل الميه، السحر بياخدني لحد عندها، تمد إيدها، تاخد دم من صوابعي بمخالبها، بس اللعنة إن أول ما الطاقة بتاعتها تلمسني عشان تاخد الدم، عقلي بيرجعلي فجأة وأشوف حقيقتها المرعبة! وشها بيتحول لجمجمة، والميه حواليها بتبقى دم، فبطلع أصوت وأنا مش قادر أتحكم في أعصابي، ويغمى عليا من كتر

الرعب والطاقة اللي بتسحبها مني!"

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق إن جوزي الطيب، حبيب عمري، عايش في الكابوس ده لوحده عشان يحمينا. سألته بلهفة:

"والحل يا كريم؟ هنفضل كده لحد ما تموت في إيدها؟"

"القلادة.. القلادة هي الرابط. طول ما القلادة في البيت أو معايا، هي تقدر توصلي وتقدر تأذينا. بس أنا مش قادر أرميها، كل ما أجي أرميها في الزبالة أو في أي حتة، أصحى الصبح ألاقيها تحت مخدتي!"

قلت له بقوة وعزيمة معرفش جتلي منين: "وريهالي."

كريم طلع القلادة من جيبه بتردد. كانت عبارة عن حجر أسود غريب، عليه نقوش شبه الموج بس شكلها كئيب، وطالع منها ريحة شبه ريحة السمك الميت والميه المالحة الراكدة. أول ما مسكتها، حسيت برعشة ضربت في ضهري، وكأن فيه صوت همس خفي في ودني بيقولي: "سيبيه.. ده بتاعي."

رميت القلادة على الترابيزة وقلت: "اللعنة دي لازم تنتهي. طالما هي كائن من البحر، يبقى لازم القلادة دي تدمر برة البحر، وبعيد عن الميه خالص."

قضينا الليلة دي في رعب، كريم كان نايم وجسمه بيترعش وسخن مولع، وأنا قاعدة جنبه، عيني على القلادة اللي على الترابيزة، وحاسة إن الحجر الأسود ده بيتحرك أو بيطلع منه ضل خفيف على الحيطة.

تاني يوم الصبح، أخدت القرار. كلمت شيخ من معارفنا القدام، راجل صالح وبيفهم في الأمور دي، وجبته البيت من غير ما كريم يعرف. الشيخ أول ما دخل الصالة وبص للقلادة، وشه اتغير واستعاذ بالله.

قعد وقرأ قرآن كتير، والموضوع مكنش سهل، كنا سامعين صوت خبط على بيبان الشبابيك

كأن فيه موج عالي بيضرب في البيت، رغم إننا كنا في عز الظهر والشمس طالعة! الشيخ قالنا: "القلادة دي مربوطة برصد بحري قديم، وميه البحر هي اللي بتغذيها. عشان نخلص منها، لازم تتدفن في رملة صحرا ناشفة، مبيوصلهاش ميه أبدًا، بعد ما تتقرأ عليها آيات فك السحر، وتتكسر لـ مية حتة."

وفعلاً، الشيخ بدأ يقرأ بنية وفضل يكب ميه مقري عليها قرآن فوق القلادة، والحجر الأسود بدأ يطلع منه صوت زي الفحيح، وريحة زفارة الشط ملأت الأوضة لدرجة الخنقة. وفجأة، الشيخ مسك شاكوش وضرب القلادة بكل قوته وهو بيسمي.. الحجر اتفلق نصين، ومع فلقته، سمعنا صوت صرخة مكتومة جاية من بعيد.. كأنها جاية من قاع البحر!

أخدنا الفتافيت دي كلها، وسافرنا بيها في نفس اليوم لمنطقة صحراوية بعيدة ورا برج العرب، حفرنا حفرة غريقة في الرملة الناشفة اللي مفيهاش نقطة ميه، ودفناها هناك ورجعنا.

لما رجعنا، كريم كان كأنه واحد تاني. الوش الشاحب رجعله دمويته، وعينيه بقت صافية. مرت يومين، وتلاتة، وأسبوع.. وكريم مطلبتش نروح البحر!

الشهر اللي فات كان هادي، كريم رجع يضحك، والعيال رجعوا لحضن أبوهم. بس الغريب.. إننا لحد النهارده، لما بنقف في البلكونة بالليل ونبص للبحر وهو ضلمة كحل، بنسمع صوت موج غريب.. موج بيضرب في الصخر اللي تحت بيتنا بصوت منتظم، كأنه بينادي.. كأنه بيقول "كريم.. كريم.."

احنا قفلنا الشبابيك بالخشب، وقررنا نعزل من البيت ده قريب جداً.. لأن البحر اللي عشناه طول عمرنا بنحبه، مبقاش أمان، والسر اللي تحت الصخرة.

. لسه مستني اللي ينزل له!


تعليقات

التنقل السريع
    close