حكايات ضحى كامله
حكايات ضحى كامله
مراتي كانت مسيحة سمنة بلدي وحطاها في حلة على رخامة المطبخ، وأنا افتكرتها حلة منقوعة وهتتغسل، فحطيتها في الحوض وغسلتها مع باقي الأطباق، وبعد ما خلصت غسلت الحلة هي كمان…
ولما انتهيت، بصيت للمطبخ وحسيت إنجزت حاجة حلوة. الأطباق كلها بقت نضيفة، والحوض بقى يلمع، وقلت بيني وبين نفسي إن مراتي أكيد هتفرح إني ساعدتها من غير ما تطلب…
بعدها بدقايق سمعت باب الشقة بيتفتح…دخلت وهي شايلة أكياس من السوبر ماركت، وأول ما حطتهم على الأرض بصت ناحية الرخامة، وكأنها بتدور على حاجة.
وفجأة سألتني بسرعة:
– فين الحلة اللي كانت هنا؟
قلت لها بابتسامة:
– دي؟ غسلتها وحطيتها هناك.
أول ما سمعت كلامي، جريت على الحوض، ومسكت الحلة، وبصت جواها، وبعدها بصتلي وهي مش مستوعبة.
قالت:
– إنت… غسلتها؟
ضحكت وقلت:
– أيوه، افتكرتها حلة منقوعة وهتتغسل، فغسلتها مع باقي المواعين.
حطت إيديها على رأسها وقالت وهي بتحاول تستوعب اللي حصل:
– يا نهار أبيض… دي ما كانتش حلة منقوعة، دي كان فيها السمنة البلدي اللي بقالي ساعة بسيحها!
في اللحظة دي بصيت للحوض، ولاحظت طبقة دهنية خفيفة طافية على وش المية، وساعتها استوعبت إن السمنة كلها نزلت مع المية وأنا بغسل.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
قلت بسرعة:
– والله ما كنت أعرف… افتكرتها فاضية أو منقوعة.
قالت وهي زعلانة:
– دي مش أي سمنة. دي سمنة بلدي جاية من البلد، وماما بعتها مع خالي مخصوص، وكنت بسيحها عشان أصفيها وأحطها في برطمانات.
فضلت أبص للحوض وأنا مش عارف أقول إيه.
كل اللي قدرت أقوله: حقك عليا… والله ما كان قصدي.
هي سكتت شوية، وبعدها قالت:
– أنا عارفة إنك ما قصدتش… بس اللي ضاع مش سهل يتعوض.
الكلام ده فضل يرن في وداني طول اليوم.
ولما جه الليل، نزلت ألف على كل محلات السمنة البلدي اللي في المنطقة، لكن كل واحد كان يقول إن اللي عنده نوع مختلف، ومفيش حد عنده نفس السمنة اللي كانت بتتكلم عنها.
رجعت البيت بإيدي فاضية….لقيتها قاعدة في الصالة بهدوء غريب، لا زعل، ولا عتاب، ولا حتى فتحت الموضوع.
وده كان أغرب من أي خناقة.
تاني يوم الصبح، وأنا خارج للشغل، قالتلي بهدوء:
– حاول تيجي بدري النهارده… عندنا ضيوف.
استغربت وسألتها: ضيوف مين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
– هتعرف لما ترجع.
طول اليوم وأنا بفكر مين الضيوف وليه قالتها بالطريقة دي.
ولما رجعت بالليل وفتحت باب الشقة، سمعت أصوات ناس جوه….دخلت الصالة… واتجمدت مكاني.
لقيت أبوها، وأمها، وخالها اللي كان جايب السمنة من البلد، وجدتها… وكلهم قاعدين مستنيين.
أما مراتي، فبصتلي بابتسامة هادية وقالت: “اتفضل احكيلهم بنفسك إيه اللي حصل للسمنة البلدي.”
سمعت الجملة دي، والدم اتصفى من وشي تمامًا. الوقفة نفسها كانت مرعبة؛ أبوها قاعد حاطط رجل على رجل ونظراته مركزة عليا، وأمها باصة لي بغضب مكتوم وكأنها بتتحسر على المجهود والتعب، وخالها اللي جاب السمنة قاعد يهز رجله بقلة صبر، أما جدتها فكانت سانده على عصايتها وبتبص لي بأسف شديد.. وكأنهم جايين محكمة مش زيارة عائلية!
مراتي انسحبت بهدوء وقعدت جنب أمها، وسابتني واقف في نص الصالة لوحدي قدام اللجنة الثلاثية المجهزة خصيصًا للمحاكمة دي.
حمحمت وحاولت أجمع أي جملة مفيدة، وقلت بنبرة متقطعة:
– أهلاً وسهلاً يا جماعة.. أنورتونا والله.. اتفضلوا، تشربوا إيه الأول؟
رد حمايا بصوت جاد ومفيهوش أي مجال للهزار:
– سيبك من الشرب يا بني دلوقتي.. احنا جايين نفهم الموضوع من القافية للراوية.. بقى السمنة اللي أمها قعدت تتعب فيها، وخالها شالها وقطع بيها مسافة من البلد، تروح في حوض المواعين بكل بساطة كده؟
بصيت لخالها، ولقيته اتكلم بنبرة كلها حسرة:
– دي مش أي سمنة يا عريس.. دي زبدة جموسي صافي من خير مزرعتنا، متسحة على نار هادية ومخدومة صح.. كيلو واحد منها يوزن بلد.. تقوم تاخد الحلة وتحط عليها صابون سايل وتغسلها؟!
حسيت إني عايز أتعذر بأي حاجة، بس الحقيقة كانت أوضح من إنها تتغطى.. بلعت ريقي وقلت:
– والله يا جماعة أنا كان قصدي أساعد.. لقيت الحلة على الرخامة وافتكرتها منقوعة وفيها بقايا أكل، قلت أريحها وأغسل المواعين قبل ما ترجع من السوبر ماركت.. أنا نيتي كانت خير والله، ومكنتش أعرف إن اللي جواه ده هو السمنة وهي بتتسيح!
حماتي هزت رأسها وقالت بزهول:
– نيتك خير تغسل كيلو ونصف سمنة بلدي بالصابون؟! ده أنا كنت مجهزة البرطمانات وعاملاها لها مخصوص عشان تكفيكم السنة كلها.. تضيع في لحظة كده تحت المية؟!
الجدة قربت عصايتها شوية، وقالت بصوت هادي بس يوجع:
– اللي ما يعرفش قيمة النعمة يا ابني بيضيعها.. السمنة البلدي دي مش بتتباع في السوبر ماركت بالسهولة اللي فاكرها.. دي عرق وتعب وخير.
فضل السجال بيننا أكتر من ساعة، كل ما أحاول أدافع عن نفسي أو أشرح إنها غلطة غير مقصودة، ألاقي حجة أقوى من جهتهم.. مراتي كانت قاعدة ساكتة تمامًا، مبتشاركش في الكلام بس نظراتها كانت بتقول “عشان تعرف إن اللي ضاع مكنش حاجة سهلة”.
وبعد ما استوينا كلام، قعد حمايا لورا وقال وهو بيقفل النقاش:
– شوف يا بني.. احنا عارفين إنك مكنش قصدك تخرب، بس السمنة دي مجهود عيلة كاملة.. وبما إنك طيرت السمنة الأولى، فإنت المطالب ترجعها بنفس الجودة والكمية.. والبلد مش هتبعت سمنة تاني بسهولة.
قلت بسرعة وأنا متلهف إنهي الموقف:
– أنا مستعد أشتري بدالها فورًا! أنا نزلت امبارح لفيت المنطقة كلها عشان أجيب زيها..
رد خالها بابتسامة ساخرة:
– اللي في المنطقة ده كله مغشوش أو مخلوط بنباتي يا عريس.. عشان تجيب نفس الخامة ونفس الطعم، لازم تنزل معانا البلد يوم الجمعة الجاية بنفسك.. وتروح للست اللي بنشتري منها الزبدة، وتقف تتفرج على طريقة التسييح من الأول للآخر عشان تتعلم قيمتها وتدفع تمنها هناك!
بصيت لمراتي وأنا مش مصدق.. يعني الموضوع مش مجرد فلوس هتدفع وخلاص، ده فيه سفر للبلد ورحلة تعليمية لتسييح السمنة!
قبل ما أرد، ردت مراتي بهدوء وقالت:
– وأنا شايفه إن ده أقل حاجة ترجع بيها حق السمنة اللي راحت يا حبيبي.. عشان بعد كده لما تشوف حلة على الرخامة، تسأل قبل ما تمد إيدك!
حكايات ضحى ٢
كامله
سمعت كلام مراتي ورد حمايا، وقفت مذهول ومبرق.. السفر للبلد ورحلة تعليمية لتسييح السمنة؟! الموضوع كبر لدرجة غير متوقعة تمامًا، بس قدام نظرات العيلة كلها المترقبة، ملقيتش قدامي غير إني أهز رأسي وأوافق وأنا ببتلع إهانة كبريائي كراجل كل ذنبه إنه حب يساعد مراتي ويغسل المواعين!
مر الأسبوع وأنا عايش في البيت زي الغريب.. مراتي بتتعامل بمعاملة رسمية جدًا، كل كلمة بحساب، وكل ما تشوفني أربك أو أقرب ناحية المطبخ، تبصلي بتوجس وكأني هفجر البيت مش هعمل كوباية شاي.
وجه يوم الجمعة.. صحيت من الساعة 5 الصبح على صوت خبط على باب الشقة. فتحت وأنا بنفض النوم من عيني، لقيت خالها واقف بجلابيته وابتسامة عريضة على وشه وقال بصوت يرن في الشارع:
– يلا يا عريس! السفرية طويلة والزبدة ما بتستناش حد!
ركبنا العربية ونزلنا الطريق.. طوال الطريق للبلد وخالها شغال شرح وتفصيل في أنواع المواشي، والفرق بين زبدة طوبة وزبدة الصيف، وكيف تعرف المغشوشة من الصافية، وأنا حاطط إيدي على خدي وببص من الشباك وأنا بسأل نفسي: “أنا إيه اللي جابني هنا؟ ده أنا مهندس/موظف وشغلي كله على أجهزة، إيه علاقتي ببقر وزبدة وتسييح?!”
وصلنا القرية بعد ساعتين سفر.. كان البيت الريفي العظيم بتاع جدتها ليه ريحة خاصة، ريحة خير وخبيز. أول ما دخلنا، لقيت الجدة قاعدة في الصالة الواسعة وحواليها براميل فخار وعلب كبيرة، وأم مراتي واقفة ومجهزه الموقد البلدي (الكانون) في حوش البيت.
قربت الجدة مني وقالت وهي بتمسك عصايتها وتداني:
– تعال يا ابني.. اقعد هنا على الدكة دي.. النهارده مش هتدفع فلوس وبس، النهارده إيدك هي اللي هتشتغل عشان تحس بالنعمة اللي رميتها في الحوض.
شمرت أكمامي وأنا مش مستوعب اللي بيحصل.. جابوا حلة ألومنيوم ضخمة – أكبر ثلاث مرات من الحلة اللي غسلتها في البيت – وحطوا فيها كرات الزبدة الجموسي البيضاء النظيفة.. وبدأوا يشغلوا النار الهادية تحتها.
خالها وقف وقالي بجدية:
– ياد يا عريس.. الكبشة الخشب دي في إيدك.. تفضل تقلب ببطء في اتجاه واحد.. لا تهدي إيدك ولا تسرع.. لو الزبدة شاطت من التحت، كل اللي بنعمله ده يتربى في الأرض، وتكون خسرنا حق القعدة والسفرية!
فضلت واقف قدام النار.. الحرارة طالعة على وشي، وعرقي نازل غرقان، وإيدي وجعتني من كتر التقليب المستمر.. مراتي كانت واقفة بعيد بعض الشيء بتتفرج عليا ومبتسمة ابتسامة نصر خفيفة، وكل ما أبصلها برجاء عشان تصعب عليها، تبص الناحية التانية وتكمل كلام مع أمها.
ساعة.. ساعتين.. وأنا بقلب في السمنة اللي بدأت تسيح وتعمل رغوة بيضاء على الوش.. الجدة كانت قاعدة ورايا زي المفتش، كل شوية تزعق:
– قلب من الجناب يا ابني! المرتة هتتحرق تحت! أوعى السمنة تفور منك وتضيع التعب!
حسيت إن دراعي هيتقفش، وظهري اتألم من الوقفة قدام النار.. وفي اللحظة اللي بدأت المرتة تترسب في القاع والرائحة الجبارة تملى الحوش والسمنة تصفى وتبقى زي الدهب الصفاي، اتنفس الصعداء وقلت لخالها بنبرة صوت مهدودة:
– كده تمام يا خالو؟ خلصنا كده ونصبها في البرطمانات ونرجع بقى؟
بصلي خالها بنظرة غريبة، وضحك بصوت عالٍ هز الحوش، وقالت الجدة وهي بتهز رأسها:
– نرجع إيه يا ابني؟! دي القعدة الأولى! احنا لسه هننزل مع الخال المزرعة دلوقتي حالا نطلع لبن الحلبة الثانية عشان الزبدة الجديدة بتاعت الأسبوع الجاي!
بصيت لمراتي برعب وقلت:
– لبن إيه وحلبة إيه؟! هو الموضوع مش كان حلة سمنة بس؟!
سمعت كلمة “حلبة” ورجلي مش شايلااني. بصيت لحمايا ولخالها وأنا مرعوب، وقلت بذهول:
– حلبة إيه يا جماعة؟! أنا مهندس/موظف قاعد طول اليوم قدام شاشات ومكتب، أنا أقصى تعامل ليا مع البقر كان في الساندوتشات! حلب إيه اللي هحلبه على آخر الزمن؟!
ضحك حمايا ضحكة رجت المكان وقال:
– اللي يغسل كيلو ونص سمنة بلدي بالصابون ويطير تعب ناس، لازم يتعلم القرش والنعمة دول بييجوا إزاي من أول نقطة لبن لحد ما ينزلوا في البرطمان!
مراتي قربت مني بابتسامة خبيثة وقالت وهي بتميل عليا:
– يلا يا حبيبي.. مش كنت عايز تعوضني؟ الهمة بقى.. الزريبة مستنياك!
مسكني خالها من دراعي وشدني وراه على المزرعة. الشمس كانت بدأت تغرب، والجو في المزرعة ريحة طين وعلف وأصوات مواشي طالعة من كل ناحية. وقفني قدام جاموسة ضخمة جداً، بتبصلي بجمود وكأنها عارفة الجريم\ة اللي أنا عملتها في حق السمنة بتاعتها!
جابلي كرسك خشبي صغير واطي، وقالي:
– اقعد هنا يا عريس.. امسك الجردل بين ركبتك، وسيبك من التناكة بتاعت القاهرة دي.. ادهن إيدك بشوية زيت، وسمِ الله واشتغل!
قعدت على الكرسي وأنا حاسس بإهانة مفيش بعدها.. الجردل بين رجلي، والجاموسة كل شوية تضرب بديلها على وشي تظبطلي الإرسال! وكل ما أحاول ألمسها، تتحرك بضيق، وأنا أرجع لورا بظهري وأصرخ:
– يا خالو ارحمني! دي بتبصلي بغل! والله حاسس إنها عارفة إن أنا اللي دلقت السمنة بتاعتها في الحوض وهتنتقم مني!
الخال والعمال واقفين يمسكوا بطونهم من الضحك عليا، وأنا إيدي أكلتني من المحاولات الفاشلة، لحد ما بعد ساعة كاملة من العذاب والتعفير بالطين ومحايلة الجاموسة، قدرت أطلع نص جردل لبن بالعافية، ودراعي بقى مش حاسس بيه تماماً وأعصابي اتدمرت.
رجعنا البيت وأنا ماشي بالعافية، جازز على أسناني ورجليا بتخبط في بعضها من التعب. لقيت الجدة مجهزة سفرة ريفية عريضة عليها فطير مشلتت وعسل ومرتة وجبنة قديمة.. قعدت أترمي على الكنبة وأنا مهدود.
حمايا قعد جنبي، طبطب على كتفي وقال:
– كده يا بني تبدأ تفهم.. السمنة دي مش حتة دهن بنشتريها وخلاص، دي نقطة عرق من كل واحد هنا.. عرفت بقى ليه زعلنا؟
هزيت رأسي بتعب وقلت:
– حرمت.. والله العظيم حرمت.. لو شفت حلة في البيت فيها مية حتى، مش هقرب منها ولا هغسلها غير لما أخد موافقة كتابية وموثقة من الشهر العقاري!
الجميع ضحكوا، ومراتي بصتلي بنظرة فيها شوية حنية ورضا، وقالتلي:
– خلاص يا سيدي.. حقك عليا تعبتك، بس كان لازم تعرف إن تعبي مكنش سهل.
تنفس الصعداء وقلت:
– الحمد لله إن الكابوس ده خلص.. يلا بينا بقى نلم السمنة والبرطمانات ونرجع القاهر…
قاطعتني الجدة وهي بتحط كاس الشاي بنعناع على الترابيزة وقالت بصوت هادي يقطع الخلفية:
– ترجعوا فين يا ابني؟! هو خالها ما قالكش؟ السمنة دي لازم تفضل بايته في الفخار ليلة كاملة تحت الندى عشان تعقد وتظبط.. وانتوا بايتين معانا هنا للصبح.. وبكرة الصبح بدري عندك مهمة ثانية قبل ما تتحركوا!
بصيت لمراتي بذهول وقلت بصوت واطي:
– مهمة إيه تاني يا نهار أسود؟! هو أنا داخل معتقل؟!
بصيت للجدة ورجعت بصيت لمراتي وأنا حاسس إن فيوزاتي خلاص هتضرب. “مهمة ثانية؟!” هي الحكاية ملهاش نهاية ولا إيه؟!
الجدة ابتسمت بتشفٍ وقالت:
– السمنة عشان تطلع مظبوطة ومفيهاش ريحة، لازم البرطمانات الفخار تتغسل بخل ومية دافية وتنشف في شمس الصبح، وبعدين تتصب السمنة وهي دافية بدرجة معينة.. وده شغلك بكرة من أذان الفجر!
ليلتها نمت على السرير النحاس القديم بتاع البيت الريفي، جسمي كله مكسر ومحلول.. دراعاتي بتوجعني من كتر تقليب السمنة وحلب الجاموسة، وظهر يأن من القعدة على الكرسي الواطي. كل ما أغمض عيني، ألمح الجاموسة بتبصلي بنظرة الانتقام، وأسمع صوت كبشة السمنة وهي بتقلب!
صحيت الساعة 4:30 الصبح على صوت خبط منتظم على درفة الشباك.. فتحت عيني بالعافية، لقيت خالها واقف بره الشباك ومسك بايده الخرطوم!
– يلا يا عريس! الشمس هتطلع والبرطمانات مستنية المية والخل!
قمت زي القتيل، مش قادر أفرك عيني حتى. خرجت للحوش، لقيت مراتي واقفه ومجهزة البرطمانات الفخار الكبيرة ومبتسمة ابتسامة فيها كمية تشفي مش طبيعية.
مسكت البرطمانات، وبدأت أغسل واشطف وأمسح، والخل ريحته طارت في مناخيري.. وأنا شغال، حمايا خرج وهو شايل الراديو الصغير وبيدندن مع أم كلثوم، وقعد على الدكة وطلّع علبة سجائره وقالي:
– الجدعنة مش بس إنك تعمل الحاجة، الجدعنة إنك تتسلمها وتصونها يا بني.. أهو إنت كده عرفت قيمة البرطمان ده من ساعة ما كان لبن في الضرة لغاية ما بقى سمنة مقدوشة!
خلصت غسيل وتنشيف البرطمانات، وجابوا حلة السمنة الدافية اللي باتت طول الليل تسقع وتظبط.. مسكت المغرفة الكبيرة، وبدأت أصب بالراحة وبحذر شديد في البرطمانات الفخار.. نقطة واحدة تقع خارج البرطمان كانت بتقابلها شهقة جماعية من العيلة كلها وكأني دايس على لغم!
وبعد ساعة من التركيز الشديد اللي يعادل تركيز جراح في عملية قلب مفتوح، اتقفلت البرطمانات واتغطت بالقماش الأبيض المربوط بالدوبارة.. وبقت مصفوفة قدامي زي السبائك الدهبية.
اتنفست الصعداء، ومسحت العرق من على وشي وقلت بانتصار:
– بس! كده السمنة اتسيحت، واتصبت، واتشالت في البرطمانات بعرق جبيني ومجهودي.. أظن كده الحساب بيصفى؟
خالها مسك البرطمانات وحطها في كراتين مقواة، وحطها في شنطة عربيتي بمنتهى الحرص وكأنها شحنة يورانيوم مشحونة..
ورجعت لمراتي وقلت لها وأنا بضحك بقلة حيلة:
– ها يا ستي؟ رضيتي عني؟ نرجع بقى القاهر ونقفل الصفحة دي خالص؟
مراتي بصتلي، ولأول مرة من أسبوع تقرب مني وتطبيل على كتفي بحنية وقالت:
– بصراحة يا حبيبي إنت أثبت إنك جدع واستحملت كتير.. يلا بينا نرجع.
سلمنا على العيلة كلها، والجدة دعتلي دعوة حلوة وأداتني حتة فطيرة مشلتتة في إيدي للسكّة، وركبنا العربية وأنا حاسس إني بطل قومي راجع من جبهة القتال بعد ما أديت واجبي وزيادة!
طول الطريق وأنا ببتسم وببص للكراتين في الكنبة الورانية وأقول لنفسي: “أخيراً.. الكابوس انتهى والبيت هيرجع هادي زي زمان!”
وصلنا الشقة بالليل.. شلت الكراتين بنفسي وطلعت بيها وأنا خايف عليها أكتر من عينيا.. حطينا البرطمانات جوه المطبخ على الرخامة بسلام، ومراتي دخلت تغير هدومها وتستريح.
دخلت أنا أخد دوش دافي يشيل تعب وأثر الزريبة والسفر.. خرجت وأنا حاسس إني إنسان جديد.. مشيت ناحية المطبخ عشان أعمل كوبايتين شاي ونقعد نحتفل بالنصر، أول ما دخلت المطبخ وبصيت على الرخامة… اتجمدت في مكاني والدم اتجمد في عروقي!
بصيت للرخامة، ولقيت البرطمانات الفخار اختفت!
مكانها كان فيه أربعة برطمانات زجاجية شفافة، متقفلين بإنشاط بلاستيك، ومحطوطين بالمسطرة.. وعلى الرخامة جنبه أكياس الفخار اللي كانت ملفوفة فيها السمنة مرمية في السلة!
طلعت يجري على الصالة وأنا بصرخ بصوت مكتوم ومش قادر أتنفس:
– هدى! السمنة فين؟! البرطمانات الفخار راحت فين؟!
خرجت مراتي من الأوضة وهي بتنشّف شعرها بالفوطة وبتبصلي بمنتهى الهدوء والبساطة وقالت:
– إيه يا حبيبي مالك في إيه؟ نقلتها!
وقفت مشدوه وقلت بصوت طالع بالعافية:
– نقلتيها؟! نقلتي إيه ومنين ولمين؟!
بتسمت وقالت ببرود قاتل:
– أصل بصراحة الفخار ده بحسه بيغير طعم السمنة مع الوقت وبيسحب مرارتها، وكمان شكله مش حلو على الرخامة.. فقمت نقلت السمنة كلها في البرطمانات الازاز الشفافة دي عشان تبقى باينة وشكلها أثرى وأشيك!
مسكت رأسي بإيدي الإثنين وقعدت على أقرب كرسي وأنا بحس بأعراض جلطة مبكرة!
– نقلتيها؟! يعني أنا قعدت أصب نقطة نقطة بحذر جراح، ووقفت من الفجر أغسل الفخار بالخل والمية الدافية عشان يعقد ويحفظ السمنة صح، وتقومي إنتي في ثانية قلباها في إزاز؟!
ضحكت مراتي ضحكة عالية، وجت قعدت جنبي وطبطبت على كتفي وهي بتقول:
– يا سيدي عادي، المهم إن السمنة بقت في البيت خلاص، وبقت ملكنا!
في اللحظة دي، بصيت لها، وبصيت للمطبخ، وبصيت لإيديا اللي لسه معلم فيها التعب والجهد.. وضحكت.. ضحكت من كل قلبي على كل اللي حصل!
**الحكمة:**
* **أولاً:** المطبخ ده مملكة قائمة بذاتها ولها قوانينها الخاصة.. لو شفت حلة، برطمان، أو حتى طبق صاج محطوط في أي مكان غريب.. إياك تمسكه، إياك تغسله، وإياك تنقله! اسأل الأول وخد موافقة كتابية بشاهدين، لأن “النية الطيبة” في المطبخ ممكن توديك الزريبة تحلب جاموسة!
* **ثانياً:** التعب اللي مبتشوفوش بعينك، مبتعرفش قيمته.. احنا بنشوف الحاجة جاهزة على السفيرة أو في البرطمان وبنفتكرها سهلة، بس ورا كل لقمة حلوة أو حاجة معمولة بحب، غزل وعرق ومجهود ناس كتير.
* **وأخيراً:** رضا الزوجة بيحتاج أحياناً سفر للبلد وقعدة قدام كانون، بس في الآخر.. البيت اللي فيه مشاركة وتسامح -حتى لو بعد محاكمة عائلية- بيضل بيت مليان دفا وخير!


تعليقات
إرسال تعليق