موت امى كامله
موت امى كامله
زهره الربيع
كنت اروح يوميا ازور امي واخدمها علشان كانت مريضه وملتزمه السرير وكانت اختي ترفض تيجي تخدمها وتقول ان بيتها وجوزها مش مخلينها ملاحقه ، وده كان يعملي مشاكل مع جوزي ويقولي اشمعنا انتي تروحي وهيه لا هو انتي معندكيش بيت وراجل زيها ولا ايه ؟
حاولت كتير مع اختي تيجي لو يومين في الاسبوع ، بس كانت ترفض وتقولي امي معاها مرات ابنها هيه اولى تخدمها اشمعنا احنا بنخدم حمواتنا
هي دايما شايفه ان ناهد مرات اخونا ملزمه بامنا زي ما احنا بنشوف طلبات حمواتنا ، بس الموضوع ده مكانش ينفع مع امي وبيرهقها نفسيا لانها بتحتاج تدخل الحمام وبتحس ان مرات اخويا بتضايق ، وانا بقيت مش عارفه اعمل ايه وكل ما احتاج اروح افضل احايل في جوزي بالساعات
راضي جوزي مكانش راجل قاسي وبيرفض والسلام ، بس كانت عنده وجهة نظر ان لازم اختي تقسم معايا الاسبوع بالنص وكده ولا انا هقصر معاه ولا هي تقصر مع جوزها
بس ده بالنسبه لاختى سعاد كان المستحيل بعينه
فمكانش قدامي غير اني اجي على راضي جوزي واحايله
لان مهما قسي مش بيهون عليه زعلي
وفي يوم خدت اذن جوزي بعد مجهود زي العاده وروحتلها ، وسبت بنتي الصغيره مع جدتها علشان اعرف اخلص نفسي ومتلخمنيش
بس كان اسوء قرار اخدته
نزلت جري على بيت تمي علشان الحق اشوفها و انضف المكان واعملها لقمه من ايدي ، قضيت معاها الكام ساعة دول وأنا بالي مش مرتاح، خايفة من نكد راضي وخايفة البنت تتعب حماتي وتزهقها. بس لما رجعت البيت أخر النهار، كانت الفاجعة مستنياني على الباب.
أول ما فتحت، لقيت راضي قاعد وعفاريت الدنيا بتتنطط في وشه، وعينيه بتطلع شرار. حماتي كانت قاعدة جواه ووشها أصفر. من غير ما أنطق كلمة، لقيت راضي بيصرخ فيا بصوت هز العمارة:
— “هي دي الأمانة يا هانم؟! سايبة البنت ورايحة لامك؟ البنت وقعت من على السلم ودماغها اتفتحت وأخدت غرزتين في المستشفى! وأنا سبت شغلي وجريت بيها من مكان لمكان وأنتِ ولا أنتِ هنا!”
قلبي سقط في رجليا، جريت على البنت أضمها وأنا بعيط وببوس رأسها الملفوف بالدوا والقطن، بس راضي ما أدانيش فرصة أدافع
عن نفسي ولا أشرح له. زقني وقال بصوت طالع من قهر ورغبة حاسمة في النهاية:
— “لحد هنا وبس يا حنان! أنا استوعبت وجيت على نفسي كتير، بس مش هقبل باللي بيحصل ده تاني، لو عايزة تفضلي مع أمك براحتك، روحيلها واقعدي تحت رجليها، وكل حي يشوف حاله.. دي مبقتش عيشة ولا دا بيت!”
من اليوم ده، البيت اتحول لمقبرة. راضي فرض عليا خصام قاتل، مش بيكلمني، ولا حتى بيبص في وشي. تحولت لخيالات مآتة في البيت. أعمل الأكل، ينزل وما يأكلش، أحاول اتكلم معاه يرد بجمود ويمشي. طبعاً ما قدرتش أطلب منه إذن أروح لأمي، كنت خايفة يطلقني رسمياً ويرميني برة البيت ويحرمني من بنتي، وخصوصاً إن موقفي كان ضعيف جداً بعد اللي حصل للبنت.
مسكت التليفون، وبقيت أترجى سعاد أختي:
— “عشان خاطر ربنا يا سعاد روحي شوفي أمك.. راضي مخاصمني ومش عارفة أتحرك من البيت، روحي أنتِ لأمنا اليومين دول لحد ما الميا ترجع لمجاريها!”
وردها كان هو هو، بنبرة الجمود والبرود اللي بتجيبلي جلطة:
— “وأنا مالي يا حنان؟ هو أنا عندي وقت
يعني؟ ده انا بيتي وعيالي وجوزي مكفياهم بالعافيه ، وبعدين عندك ناهد مرات محمد، ما هي قاعدة معاها في نفس الشقة ومستفيدة من الخير كله، تخدمها هي فيها ايه يعني!”
كنت بضغط على سناني من الغل وقلة الحيلة. ناهد مرات أخويا كانت بتعمل الواجب وزيادة في الأكل والشرب، بس أمي كانت بتتكسف منها في أمور الحمام والنظافة الشخصية، وكانت بتحس إنها ثقيلة عليها، وده كان بيكسر نفسي ويكسر نفس أمي.
في وسط النار دي، كان محمد أخويا يكلمني كل يوم في التليفون، صوته مليان زهق وعتاب:
— “أنتِ فين يا حنان؟ مبتجيش ليه؟ أمك مش مبطلة سؤال عنك من صبح ربنا، كل شوية تقول فين حنان؟ هي حنان زعلانة مني؟”
وعشان أداري خيبتي ومشاكلي مع جوزي، كنت بأطلع بحجج فارغة:
— “معلش يا محمد، البنت سخنة معلش.. معلش يا محمد، بوضب البيت ورجلي وجعاني.. بكرة هجي بكرة أكيد.”
عدت خمس أيام.. خمس أيام وأنا عايشة في جهنم. حاسة إن روحي بتتسحب مني، وأمي هناك في سريرها بتسأل عليا كل ساعه وانا حتى مش عارفه افاتح راضي في
موضوعها بعد اللي حصل.
بصيت لراضي، لقيت دموعه نزلت مرة واحدة بغزارة، دموع مكتومة وشديدة،. مسك الورقة بأيديه الثنين وهو مش مصدق، عينه تروح للخط المكسور، وترجع للصورة، وترجع للحلق.
محمد أخويا قرب منه باستغراب وقال:
— “في إيه يا راضي؟ أمي كاتبة إيه في الورقة؟ إيه اللي جوه الكيس؟”
راضي رفع راسه بالعافية، وشه كان معصور بالوجع، وعينيه أحمرت من كتر الدموع، بصلي بنظرة كلها كسرة وندم وعجز.. نظرة عمري ما شفتها في عينيه طول السنين اللي فاتت. اتكلم بصوت مخنوق ومتقطع، طالع بالعافية من زوره:
— “أنا… أنا اللي مكنتش بفرط فيها؟ أنا ؟”
وفجأة، وفي لحظة ما حدش كان متوقعها، راضي ما قدرش يقف على رجليه.. ركبه خانته، ووقع على الأرض على ركبه في وسط الصالة، حاطط الكيس على صدره وبكى.. بكى بصوت وبيقول:
—”سامحيني يا أمي… سامحيني والله حقك عليا!”
الكل اتصدم، سعاد أختي وقفت متسمرة في مكانها، وناهد مرات أخويا حطت إيدها على بقها من الخضة. محمد مسك راضي من كتفه وبيحاول يقومه وهو مش فاهم حاجة:
— “جرى إيه يا راضي؟ قوم يا راجل في إيه! أمي كانت بتحبك بتدعي لك طول الوقت، وتقول راضي ده ابن أصول ومأصل، ده هو اللي بيبعتلي حنان وما بيحرمهاش
مني أبداً.. في إيه مالك؟!”
أمي.. الله يرحمها.. كانت فاكرة إن راضي هو اللي بيبعتني، لأني عمري ما قولتلها عن خناقاتنا ولا انه بيمنعني وأمي.. بطيبتها ونيتها البيضاء، كانت فاكرة إن الكام يوم اللي غبتهم دول غصب عني، وكانت فاكرة إن السنين اللي فاتت دي كلها راضي هو اللي بيتحايل عليا عشان أروح أخدمها، وشايفاه الراجل الطيب السند اللي مبيحرمش بنت من أمها!
كنت باجي على جوزي وأحايله وأضغط عليه، ولما كانت تحصل المشاكل، أداري وأجمل في صورته قدام أهلي.. وأمي ماتت وهي فاكراه البطل الوحيد اللي وقف معاها، والوحيد اللي مكنش بيمنعني عنها!
راضي رفع عينه ليا وهو مسند على الأرض، دموعه أغرقت وشه، مسك الورقة والحلق ومد إيده بيهم ليا بقلة حيلة :
— “يا حنان… أمك ماتت وهي فاكراني الأصيل؟ ماتت وهي بتدعي لي وأنا حارمك منها في أخر أيام عمرها؟! أنا اسف يا حنان.. أنا اللي قفلت الباب وقعدت أتكبر وأقول كرامتي وبنتي وسيبتك تتوجعي.. وأنتِ… أنتِ كنتِ بتجمّلي في وشي قدامها؟!”
أنا وقفت مكاني، رجليا مش شايلاني، دموعي اللي كانت جافة طول العزا نزلت زي المطر.. بس المرة دي مكنتش دموع حزن بس، كانت دموع قهر ووجع وشفقة.
راضي
جه عليا وهو بيعيط بحرقة ومش قادر يأخد نفسه:
— “ابوس إيدك أسامحيني يا حنان.. حقك عليا، حق أمك في رقبتي ليوم الدين.. أنا مش هسامح نفسي، عمري ما هسامح نفسي على الكام يوم دول.. كانت فاكراني نعم الزوج، وأنا طلعت أقسى خلق الله!”
محمد أخويا لما فهم الموضوع من كلام راضي ومن الورقة، بص لراضي وبصلي، وحط إيده على وشه ومسح دموعه بأسى وقال بصوت تقيل:
— “يا راضي يا أخويا… أمي راحت للي أرحم مني ومنك، وكانت طالعة من الدنيا ونيتها صافية من ناحيتك، كانت شايفاك كبير في عينها.. ادعيلها بالرحمة، والورقة دي والرسالة دي إشارة من ربنا عشان تعرف إن الكلمة الطيبة والستر بيعيشوا بعد صاحبتهم.”
سعاد أختي وقفت تنظر للأرض، وشها اتغير وأحمر من الخجل والكسوف، حسّت في اللحظة دي بضآلتها وصغر حجمها قدام الوفاء والستر اللي كان بيني وبين أمي وبين جوزي.. أختي اللي باعت أمها عشان راحتها، شافت قدامها درس في الأصل والستر عمرها ما هتنساه.
قربت من راضي بالبطيء،، راجل طول بعرض كسرته اللحظة دي وموت أمي ونيتها الطيبة ناحيته.
أخدت منه الكيس.. طلعت الحلق الذهب الصغير، وحطيته في جيب بنتي حنان.. وأخدت الصورة القديمة، حطيتها على صدري
وبستها.. وأخدت الورقة المكتوبة بخط أمي المتكسر، وقريت كلماتها تاني بقلبي مش بعيني.
بصيت لراضي وقلت له بصوت هادي ومجروح بس مفيش فيه غل:
— “أمي ماتت وهي سامحاك ومطمنة، وماتت وهي شايفاك راجل أصيل.. وأنا مش هبطل الصورة اللي هي ماتت وهي شايفاها فيك يا راضي. قوم يا راضي.. قوم عشان خاطر اللي في الورقة.”
مسك إيدي وقام بالعافية، كان حاسس إن جبل ثقيل انهد فوق كتافه، ندم الخمس أيام دول هيفضل معاه عمره كله، بس النية الطيبة والستر اللي زرعته في بيتي قدام أمي هو اللي نقذ بيتنا من الخراب، وهو اللي خلى راضي يتغير في ثانية واحدة من راجل قاسي وعنيد، لراجل يحطني ويحط بنتي جوه عينيه ويخاف علينا من الهوا الطاير.
أمي راحت.. بس سابت في الكيس الأسود المقفول درس للكل: إن الستر والخير أثرهم مابيموتش، وإن اللحظة القاسية ممكن تبني بني آدم جديد لو حس بالندم الحقيقي.
أخدت بنتي، وأخدت جوزي المكسور من ندمه، ورجعنا بيتنا.. بيتنا اللي اتغسل بالدموع والرحمة، وبقت ورقة أمي وصورتنا القديمة محطوطين في صدر البيت، تفكرنا كل يوم إن الرحمة والأصل هما اللي بيبقوا، وإن الأمهات بدعواتهم ونياتهم البيضاء بيفضلوا يحمونا ويصلحوا حالنا
حتى بعد ما يفارقوا دنيانا.


تعليقات
إرسال تعليق