روايه جوزي خلاني أربي بنت أخته
روايه جوزي خلاني أربي بنت أخته
جوزي خلاني أربي بنت أخته 14 سنة على إنها يتيمة وقبل فرحها بشهر قالتلي سر قلب حياتي كلها.
خلي بالك منها ملهاش حد غيرنا.
قالها جوزي وهو شايل الطفلة الصغيرة بين إيديه.
كان عندها وقتها 4 سنين.
خايفة.
وساكتة.
ومتمسكة في هدومه كأنها خايفة الدنيا كلها تسيبها.
عرفت يومها إن أمها وأبوها ماتوا في حادث.
وإنها بقت يتيمة.
ومن غير تفكير
حضنتها.
ومن اللحظة دي بقيت بنتي.
يمكن أكتر من مجرد بنت أخت جوزي.
كنت أنا اللي بصحيها للمدرسة.
وأذاكر لها.
وأروح اجتماعات أولياء الأمور.
وأقعد جنبها لما تعيان.
وأفضل صاحبة طول الليل لما قلبها يتكسر أول مرة.
كبرت نور.
وكبرت معاها حتة من قلبي.
لدرجة إن أولادي نفسهم كانوا بينادونا
ماما ونور.
مش خالتها ونور.
عمرها ما حسّت إنها مختلفة.
ولا أنا حبيت أحسسها.
لكن كان في حاجة غريبة دايمًا.
كل ما تسأل عن أمها
جوزي يغير الموضوع.
كل ما تطلب تشوف صورهم
يقول الصور ضاعت.
كل ما تسأل عن أهلها
يقول مفيش حد.
كنت بستغرب.
لكن كنت باقتنع.
لحد ما بقى عندها 18 سنة.
وبدأت تجهز لفرحها.
البيت كله كان فرحان.
وأكتر واحدة فرحانة كانت أنا.
لأني حسيت إني بشوف بنتي وهي بتكبر قدامي.
قبل الفرح بشهر
دخلت أوضتي بالليل.
وقالت
ماما عايزة أقولك حاجة.
كان صوتها غريب.
ومتوتر.
قعدت جنبها.
وقلت
خير يا حبيبتي؟
بصت لي شوية.
وبعدين طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وقالت
لقيته من سنة.
وكنت خايفة أوريهولك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الظرف.
وكان جواه صورة.
وصورة تانية.
وشهادة ميلاد قديمة.
وأوراق ما شفتهاش قبل كده في حياتي.
لكن الصدمة الحقيقية
ما كانتش في الورق.
الصدمة كانت في الجملة اللي قالتها بعدها.
لما بصتلي بعين مليانة دموع وقالت
أنا مش يتيمة يا ماما.
وأمي لسه عايشة.
في اللحظة دي
حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
لكن اللي خلاني ما أقدرش أتكلم
إن الاسم المكتوب في الأوراق كان اسم شخص أعرفه كويس جدًا.
شخص كان بيزور بيتنا سنين
وأقعد معاه على نفس السفرة.
ومن يومها فهمت
إن جوزي ما كانش مخبي حقيقة واحدة.
كان مخبي عمر كامل من الأكاذيب.
يتبع
مين عاوز التكمله
؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكم
بالتأكيد. بما أن القصة المعروضة تنتهي عند يتبع... فهي قصة درامية خيالية، وسأكملها بأسلوب الروايات الاجتماعية المشوقة.
تجمدت الكلمات في حلقي.
بصيت لنور.
وبعدين بصيت للأوراق مرة تانية.
يمكن عقلي كان رافض يصدق.
إزاي؟
همستها بالعافية.
نور مسحت دموعها وقالت
أنا كمان ما كنتش مصدقة.
مدت إيدها بورقة مطوية.
اقري دي.
فتحت الورقة.
كانت رسالة قديمة مكتوبة بخط يد امرأة.
الورق أصفر من الزمن.
لكن الكلمات كانت واضحة.
لو وصلتك الرسالة دي يا نور، اعرفي إني ما سبتكيش بإرادتي. أنا فضلت أدور عليكي سنين.
حسيت برجفة في جسمي.
كملت قراءة.
الست كانت بتقول إن بنتها اتاخدت منها وهي صغيرة.
وإن حد من العيلة أقنع الناس إنها غير قادرة على تربيتها.
وإنها بعد فترة فقدت أي وسيلة توصل بيها لبنتها.
رفعت عيني لنور.
مين الست دي؟
قالت بصوت مبحوح
أمي.
وقتها حسيت إن الدنيا بتلف حواليا.
لأن الاسم المكتوب تحت الرسالة كان اسم منى.
منى اللي كنت أعرفها.
منى اللي كانت بتزورنا كل فترة.
منى اللي جوزي كان يقول إنها قريبة بعيدة من العيلة.
منى اللي كانت كل ما تشوف نور تبكي من غير سبب واضح.
افتكرت عشرات المواقف.
افتكرت نظراتها.
وأسئلتها.
واهتمامها الغريب.
افتكرت إزاي كانت تجيب هدايا لنور في كل مناسبة.
وإزاي كانت تفضل باصة لها وكأنها بتحاول تحفظ ملامحها.
عمري ما شكيت.
ولا مرة.
نور قالت
أنا قابلتها من سنة.
شهقت.
إيه؟
هزت رأسها.
صدفة.
وحكتلي كل حاجة.
كانت راجعة من الجامعة.
وقابلت ست كبيرة وقعت منها شنطة.
ساعدتها.
وأثناء الكلام الست سألتها عن اسمها.
لما قالت لها نور.
الست اتغير لونها.
وسألتها عن تاريخ ميلادها.
ثم سألتها أسئلة كتير.
بعدها بأيام تواصلت معاها تاني.
وأخبرتها بالحقيقة.
في البداية نور كذبتها.
لكن الست قدمت مستندات وصور.
وصور لنور وهي رضيعة.
وصور لأمها وهي حامل فيها.
وأدلة ما ينفعش تتفبرك.
قالت نور
فضلت سنة كاملة أتأكد.
كنت خايفة أظلم بابا.
بابا.
الكلمة جرحتني.
لأنها كانت تقصد جوزي.
الرجل اللي عشت معاه عشرين سنة.
الرجل اللي
وثقت فيه أكتر من نفسي.
سألتها
وأنتِ عرفتي الحقيقة كلها؟
هزت رأسها.
تقريبًا.
ثم قالت الجملة التي قصمت ظهري
بابا هو اللي أخدني من أمي.
سكت البيت كله جوة دماغي.
ما سمعتش غير صوت دقات قلبي.
نور كملت
بعد وفاة والدي الحقيقي حصل خلاف كبير بين العيلة.
أمي كانت صغيرة ومكسورة.
وكان عندها مشاكل مادية.
فعمي... أقنع الناس إنه هيربيني مؤقتًا.
عمها.
يعني جوزي.
لكن بعد كده رفض يرجعني.
وقال للكل إني محتاجة استقرار.
وبعدين قطع التواصل تمامًا.
كنت حاسة إني بختنق.
كل سنة من السنين اللي فاتت بقت سؤال.
كل ذكرى.
كل لحظة.
هل كانت مبنية على كذبة؟
في الليلة دي ما نمتش.
استنيت جوزي يرجع من الشغل.
دخل البيت عادي جدًا.
وشه هادي.
زي كل يوم.
قلت له
عايزاك في موضوع.
بص لي.
وحس إن في حاجة غلط.
دخلنا الأوضة.
قفلت الباب.
وحطيت الأوراق قدامه.
أول ما شافها...
وشه اتغير.
أول مرة أشوف الخوف في عينه بالشكل ده.
قعد على الكرسي.
وسكت.
قلت
اتكلم.
ما ردش.
صرخت
اتكلم!
بعد صمت طويل قال
كنت بحميها.
ضحكت.
ضحكة مليانة وجع.
بحمايتها من أمها؟
قال
أنتِ ما تعرفيش الحقيقة.
وحكى.
بعد وفاة أخوه.
كانت منى فعلًا في حالة انهيار.
وكانت ناوية تسافر.
وكانت غير مستقرة.
فهو أخد نور.
في البداية بموافقتها.
لكن بعد شهور.
بدأ يخاف عليها.
وخاف ترجع تعيش حياة مضطربة.
فقرر يحتفظ بها.
ثم مرت السنوات.
وكل سنة كانت بتخلي الرجوع أصعب.
لحد ما بقى مستحيل.
قلت له
فكذبت؟
خفض رأسه.
أيوة.
وقلت إنها يتيمة؟
أيوة.
ومنعتها من أمها؟
سكت.
وكان الصمت هو الإجابة.
في اليوم التالي طلبت مقابلة منى.
لما دخلت البيت.
وقفت قدامي امرأة أنهكتها السنين.
لكن عيونها كانت مليانة حب.
حب أم.
الحب اللي ما ماتش رغم 14 سنة غياب.
أول ما شافتني قالت
أنا عمري ما كرهتك.
استغربت.
قالت
لأنك كنتي ضحية زينا.
وانهارت بالبكاء.
بكينا سوا ساعات.
حكتلي عن كل الأبواب اللي خبطتها.
وكل المحامين.
وكل المحاولات.
وإزاي جوزي كان يقفل أي طريق يوصلها لبنتها.
وإزاي الناس صدقوا روايته.
وإزاي عاشت عمرها كله على أمل تشوف نور تاني.
بعدها
بأيام.
واجهت جوزي بقرار صعب.
قلت له
لازم تعتذر.
قال
أنا ربيتها.
قلت
آه.
لكنك سرقتها.
الجملة نزلت عليه كالصاعقة.
لأول مرة بكى.
بكاء رجل خسر نفسه.
مش بس أسرته.
بدأت جلسات طويلة بينه وبين نور.
كانت غاضبة.
ومجروحة.
لكنها كانت بتحبه.
وده كان أصعب جزء.
لأن الإنسان أحيانًا بيحب الشخص اللي أذاه.
نور كانت محتارة بين أم ضاعت منها.
وأب ربّاها.
وبين أم تشتاق إليها.
وأب كذب عليها.
قبل الفرح بأسبوع.
جمعتنا كلنا على سفرة واحدة.
أنا.
وجوزي.
ومنى.
وخطيبها.
وأولادي.
الجو كان متوتر.
لكن نور وقفت وقالت
أنا مش عايزة أعيش باقي عمري في حرب.
الكل سكت.
قالت
الحقيقة اتأخرت.
بس وصلت.
ثم بصت لأمها.
ومسكت إيدها.
وبصت لجوزي.
ومسكت إيده التانية.
وقالت
دي أمي.
وده الراجل اللي رباني.
ولا حد هيقدر يمسح التاني من حياتي.
الدموع كانت في عيون الكل.
حتى جوزي.
لأول مرة اعترف قدام الجميع.
وقال
أنا غلطت.
وأذيت ناس كتير.
ولو الزمن رجع بيا كنت أصلح كل حاجة.
يمكن الاعتذار ما بيصلحش الماضي.
لكن على الأقل بيمنع الكذب من يكمل.
وجاء يوم الفرح.
دخلت نور بفستانها الأبيض.
وكانت جميلة بشكل يخطف القلب.
وقفت أنا ومنى جنب بعض.
نتفرج عليها.
فجأة مسكت إيدينا إحنا الاتنين.
وقالت قدام الناس كلها
النهاردة معايا أمين.
الأم اللي ولدتني.
والأم اللي ربتني.
في اللحظة دي انهرت من البكاء.
ومنى حضنتني.
لأن الحقيقة الغريبة كانت إننا إحنا الاتنين حبينا نفس البنت.
كل واحدة بطريقتها.
بعد سنة من الفرح.
اتولد أول طفل لنور.
ولما سألوها هتسميه إيه.
ابتسمت.
وقالت
أمان.
لأن أكتر حاجة كانت ناقصة في حياتها هي الأمان.
وأخيرًا لقتها.
أما أنا...
فاتعلمت درس عمر كامل.
إن الحب الحقيقي عمره ما يحتاج كذب.
وإن الحقيقة ممكن تتأخر سنين.
لكنها في النهاية...
بتوصل.
وتغير كل شيء.
مرت ثلاث سنوات بعد فرح نور.
وفي الظاهر...
كان كل شيء رجع طبيعي.
نور بقت أم.
وأمها منى بقت جزء ثابت من حياتنا.
وجوزي حاول يصلح أخطاء سنين طويلة.
لكن الحقيقة إن بعض الجروح بتقفل من بره...
وتفضل مفتوحة من جوه.
كنت بحس بده كل ما أبص في عيون نور.
كانت سامحته.
لكنها ما نسيتش.
وفي يوم شتوي هادي...
رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
وجالي صوت راجل كبير في السن.
قال
حضرتك مدام هناء؟
قلت
أيوة.
قال
أنا محتاج أقابلك ضروري.
سألته مين.
قال اسم ما سمعتوش قبل كده.
لكن الجملة اللي بعدها خلتني أوافق فورًا.
قال
الموضوع يخص نور... ووالدها الحقيقي.
بعد ساعات كنا قاعدين في كافيه صغير.
الراجل
طلع ملف قديم.
وقال
أنا كنت شريك والد نور.
بدأ يحكي.
وكان كل كلامه بيكشف أسرار جديدة.
عرفت إن والد نور الحقيقي قبل وفاته بأشهر كان عامل وصية.
وإنه كان يمتلك أرض كبيرة ومشروع تجاري.
لكن بعد موته...
اختفت أوراق كتير.
وتم تجميد كل حاجة.
سألته
وده علاقته بإيه دلوقتي؟
قال
لأن الورثة الحقيقيين ما استلموش حقوقهم.
قلبي انقبض.
تقصد نور؟
هز رأسه.
فتح الملف.
وكانت فيه مستندات رسمية.
وأختام.
وصور عقود.
وأوراق تثبت إن جزءًا كبيرًا من الميراث ما وصلش لصاحبه.
رجعت البيت وأنا مش قادرة أستوعب.
هل ممكن تكون في أسرار أكتر؟
هل القصة لسه ما خلصتش؟
لما واجهنا جوزي بالمعلومات...
اتصدم هو نفسه.
وأكد إنه ما يعرفش حاجة عن الموضوع.
ولأول مرة حسيت إنه بيقول الحقيقة.
بدأنا رحلة طويلة وسط المحامين والمحاكم.
وأثناء البحث...
ظهر اسم جديد.
اسم رجل أعمال معروف.
اتضح إنه كان شريك والد نور.
والأخطر...
إنه استغل وفاة الأب والفوضى اللي حصلت بعدها.
واستولى على جزء من الممتلكات.
استمرت القضية شهور.
ونور في النص.
كانت حامل بطفلها الثاني.
ومتعبة نفسيًا.
لكنها أصرت تكمل.
قالت
مش علشان الفلوس.
علشان أعرف الحقيقة كاملة.
وفي إحدى الجلسات...
ظهرت مفاجأة ما حدش توقعها.
محامي الطرف الآخر قدم مستندًا قديمًا.
وقال بثقة
في شاهد لسه عايش.
الشاهد كان رجلًا عجوزًا تجاوز الثمانين.
دخل المحكمة بصعوبة.
لكن كلماته قلبت القضية كلها.
شهد أن والد نور قبل وفاته بأيام أوصى بحماية ابنته.
وقال جملة ظلت عالقة في رأسي
كان خايف عليها من الطمع أكتر من الموت.
بعد عام كامل...
صدر الحكم.
واستعادت نور حقها.
لكن أغرب شيء حصل بعدها...
أنها قررت تبيع معظم الممتلكات.
كلنا استغربنا.
قلت لها
ليه؟
ابتسمت.
وقالت
لأن أغلى حاجة كنت بدور عليها عمرها ما كانت فلوس.
أنا كنت بدور على نفسي.
استخدمت جزءًا من المال في إنشاء مؤسسة صغيرة لرعاية الأطفال الذين فقدوا أسرهم أو انفصلوا عنهم.
وكان اسم المؤسسة
بيت نور.
في الافتتاح...
وقف عشرات الأطفال يضحكون ويلعبون.
وأنا أتفرج عليها من بعيد.
شفت البنت الصغيرة الخايفة اللي دخلت بيتنا وهي عندها أربع سنين.
وشفت المرأة القوية اللي بقت عليها.
وفجأة حسيت بحد يقف جنبي.
كان جوزي.
شعره شاب أكتر.
ووشه اتغير من السنين.
قال بهدوء
أنا عمري ما هسامح نفسي.
بصيت له.
وقلت
يمكن.
بس حاول تعيش الباقي صح.
هز رأسه.
وكان واضح إنه فهم أخيرًا.
في المساء...
بعد انتهاء الاحتفال.
نور طلبت تجمعنا كلنا.
أمها منى.
أنا.
جوزي.
أولادي.
وأطفالها.
ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقالت
في حاجة أخفيتها عنكم.
فتحته.
وكان بداخله أول حذاء طفلة لبسته وهي صغيرة.
وصورة لها معايا وأنا بحضنها.
وصورة أخرى مع أمها قبل اختفائها.
ورسالة جديدة.
كتبتها بنفسها.
بدأت تقرأ
أنا بنت محظوظة.
ضحك البعض.
لكنها أكملت
رغم كل الوجع.
لأن في ناس كتير فقدوا أهلهم للأبد.
أما أنا...
فقدتهم فترة.
ثم لقيتهم كلهم.
كانت دموعي تنزل بصمت.
قالت
يمكن ربنا ما
رجعش الزمن.
لكن رجع لي عيلتي.
ثم التفتت نحوي.
وقالت
أنتِ أول كلمة قلتها وأنا طفلة كانت ماما.
التفتت إلى منى.
وقالت
وأول حضن كنت بحلم أرجع له كان حضنك.
ثم نظرت إلى جوزي.
وساد صمت طويل.
الجميع انتظر.
قالت أخيرًا
وأنت... علمتني معنى الغفران.
بكى.
وبكينا جميعًا معه.
وفي تلك الليلة...
أدركت أن بعض العائلات لا تتكون بالدم فقط.
ولا بالتبني فقط.
ولا بالحقيقة وحدها.
أحيانًا تتكون من أخطاء كبيرة...
وحب أكبر منها.
ومن قدرة نادرة على البدء من جديد.
وهكذا انتهت الحكاية.
ليس عندما اكتشفنا الكذبة.
ولا عندما ظهرت الحقيقة.
بل عندما تعلم الجميع كيف يعيشون بعدها.
بما أن القصة وصلت فعليًا إلى نهاية مغلقة في الجزء السابق، فلو هنكملها كرواية طويلة، يبقى هنفتح فصلًا جديدًا بعد سنوات من استقرار حياة نور
مرت سبع سنوات أخرى.
وأصبح بيت نور من أشهر المؤسسات الخيرية في المحافظة.
الأطفال كانوا ينادونها
ماما نور.
وكل مرة كنت أسمع اللقب ده...
أبتسم.
لأن الحياة دارت دائرتها.
البنت اللي ضاعت طفولتها بين الأسرار...
بقت سببًا في إن أطفال تانيين يلاقوا الأمان.
كنت كبرت في السن.
وجوزي كذلك.
وأصبحت أيامنا أهدأ من أي وقت مضى.
لكن القدر كان مخبي آخر مفاجأة.
في إحدى الليالي...
شعر جوزي بألم شديد في صدره.
نقلناه للمستشفى بسرعة.
وبعد الفحوصات...
طلب الطبيب أن نتحدث على انفراد.
عرفت من نظرته أن الأمر ليس بسيطًا.
قال إن حالة القلب متقدمة.
وإن الوقت قد لا يكون طويلًا كما نتمنى.
خرجت من عنده وأنا أشعر أن الدنيا تعيد اختبارنا من جديد.
عندما عرف جوزي الحقيقة...
لم يصرخ.
لم يعترض.
فقط جلس صامتًا.
ثم قال
أنا مستحقش أزعل.
كانت تلك الجملة موجعة.
لأنه ظل يحمل ذنب الماضي داخله كل هذه السنوات.
في الأيام التالية...
أصبح يقضي وقتًا أطول مع أولاده وأحفاده.
ومع نور تحديدًا.
وفي أحد الأيام طلب أن يجلس معها وحدها.
جلسا ساعات طويلة.
لم أعرف ما الذي دار بينهما.
لكن عندما خرجت نور...
كانت تبكي.
وفي يدها ظرف مغلق.
احتفظت به دون أن تفتحه.
بعد شهرين...
تدهورت حالته أكثر.
وفي ليلة هادئة...
جمعنا حوله.
أنا.
نور.
منى.
الأولاد.
الأحفاد.
نظر إلينا واحدًا واحدًا.
ثم قال بصوت ضعيف
أعرف أني جرحت ناس كتير.
وأعرف أن الاعتذار ما بيرجعش العمر.
لكن لو في حاجة واحدة أتمنى الناس تفتكرها عني...
إني كنت بحبكم.
بكت منى.
وبكت نور.
حتى أنا لم أستطع التماسك.
وقبل الفجر بقليل...
رحل.
بهدوء.
بعد الجنازة بأيام...
تذكرت نور الظرف.
فتحناه جميعًا.
كان بداخله خطاب طويل.
كتبه بخط يده.
وجاء فيه
إلى نور...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
في يوم من الأيام خفت أفقدك.
فارتكبت أكبر غلطة في حياتي.
أقنعت نفسي أني بحميكي.
لكن الحقيقة أني كنت بحرمك من حقك.
قضيت سنوات أبحث عن طريقة أصلح بها ما فعلته.
ولم أستطع.
لكنك أعطيتيني هدية ما كنتش أستحقها...
سامحتيني.
وأرجو أن تكملي حياتك من غير ما تشيلي حملي فوق كتفك.
عيشي.
واضحكي.
وحبي أولادك.
وخليهم يعرفوا إن الحقيقة مهما كانت صعبة...
أفضل من أجمل كذبة.
عندما انتهت نور من القراءة...
لم يكن هناك شخص واحد لا يبكي.
طوت الرسالة بعناية.
وقالت
دلوقتي بس حاسّة إنه ارتاح.
مرت السنوات بعدها.
كبر أحفادنا.
وكبرت مؤسسة بيت نور.
وأصبحت تضم مئات الأطفال.
أما أنا...
فكنت أجلس أحيانًا في حديقة البيت.
أتأمل الصور القديمة.
صورة نور وهي طفلة.
وصورتها يوم الزفاف.
وصورتها وهي تحمل أبناءها.
وفي عيد ميلادي الثمانين...
فاجأتني العائلة كلها باحتفال كبير.
وفي نهاية الحفل...
وقفت نور أمام الجميع.
وقالت
في ناس بتفتكر إن قصتي بدأت يوم عرفت الحقيقة.
ثم ابتسمت ونظرت نحوي.
لكن الحقيقة إن قصتي بدأت يوم ست طيبة فتحت حضنها لطفلة خائفة عمرها أربع سنين.
ثم اقتربت مني.
وأمسكت يدي.
وقالت أمام الجميع
لو حد سألني مين أمي...
وأشارت إلى منى
هقول دي أمي اللي جابتني للدنيا.
ثم احتضنتني.
وقالت
ودي أمي اللي علمتني أعيش فيها.
في تلك اللحظة...
شعرت أن كل سنوات التعب والحيرة والدموع لم تذهب هباءً.
وفهمت أخيرًا معنى العائلة.
ليست الأشخاص الذين ولدنا بينهم فقط.
ولا الأشخاص الذين يعيشون معنا فقط.
العائلة هي من يحبونك عندما لا يكون لديهم أي سبب سوى الحب.
وهكذا...
بعد أعوام طويلة من الأسرار والألم والفقد والغفران...
لم تنتهِ الحكاية بالموت.
ولا بالحقيقة.
ولا حتى بالسامح.
انتهت بشيء بسط وأجمل
الحب الذي بقي بعد أن رحل كل شيء آخر.
آخر جزء من القصة هو
مرت السنوات بعدها.
كبر أحفادنا.
وكبرت مؤسسة بيت نور.
وأصبحت تضم مئات الأطفال.
أما أنا...
فكنت أجلس أحيانًا في حديقة البيت.
أتأمل الصور القديمة.
صورة نور وهي طفلة.
وصورتها يوم الزفاف.
وصورتها وهي تحمل أبناءها.
وفي عيد ميلادي الثمانين...
فاجأتني العائلة كلها باحتفال كبير.
وفي نهاية الحفل...
وقفت نور أمام الجميع.
وقالت
في ناس بتفتكر إن قصتي بدأت يوم عرفت الحقيقة.
ثم ابتسمت ونظرت نحوي.
لكن الحقيقة إن قصتي بدأت يوم ست طيبة فتحت حضنها لطفلة خائفة عمرها أربع سنين.
ثم اقتربت مني.
وأمسكت يدي.
وقالت أمام الجميع
لو حد سألني مين أمي...
وأشارت إلى منى
هقول دي أمي اللي جابتني للدنيا.
ثم احتضنتني.
وقالت
ودي أمي اللي علمتني أعيش فيها.
في تلك اللحظة...
شعرت أن كل سنوات التعب والحيرة والدموع لم تذهب هباءً.
وفهمت أخيرًا معنى العائلة.
ليست الأشخاص الذين ولدنا بينهم فقط.
ولا الأشخاص الذين يعيشون معنا فقط.
العائلة هي من يحبونك عندما لا يكون لديهم أي سبب سوى الحب.
وهكذا...
بعد أعوام طويلة من الأسرار والألم والفقد والغفران...
لم تنتهِ الحكاية بالموت.
ولا بالحقيقة.
ولا حتى بالمسامحة.
انتهت بشيء أبسط وأجمل
الحب الذي بقي بعد أن رحل كل شيء آخر.
ظنتُ أن الحكاية انتهت عند هذه اللحظة.
لكن الحياة لا تُغلق أبوابهاط
بهذه السهولة.
بعد احتفال عيد ميلادي الثمانين بشهور قليلة، بدأت أشعر أن صحتي لم تعد كما كانت.
لم أخبر أحدًا في البداية.
كنت أكتفي بالابتسام عندما يسألني أولادي
مالك
يا ماما؟
وأقول
تعب سنين بس.
لكن نور كانت تعرفني أكثر من أي شخص.
كانت تلاحظ أبسط التفاصيل.
وفي أحد الأيام دخلت عليّ المطبخ، وجلست أمامي مباشرة.
وقالت
إنتِ مخبية إيه؟
ضحكت.
ولا حاجة.
أمسكت يدي.
طول عمري بعرف من عيونك قبل كلامك.
وقتها فقط اعترفت لها أنني بدأت أراجع الأطباء منذ فترة.
وأن القلب لم يعد قويًا كما كان.
سكتت للحظة.
ثم وضعت رأسها على كتفي كما كانت تفعل وهي صغيرة.
وقالت بصوت مكسور
أنا مش مستعدة أخسرك.
ربتُّ على شعرها.
وقلت
ولا أنا كنت مستعدة أخسرك يوم دخلتي بيتي أول مرة.
ابتسمت وسط دموعها.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا.
كل هذه السنوات كنت أعتقد أنني أنا من أنقذت نور.
لكن الحقيقة أنها أنقذتني أيضًا.
أعطت لحياتي معنى لم أكن أعرف أنني أحتاجه.
مرت الشهور.
وأصبحت العائلة كلها تتجمع حولي أكثر.
الأحفاد يزورونني باستمرار.
وأطفال بيت نور يرسلون رسومات وخطابات.
كانت الرسومات تملأ البيت.
قلوب صغيرة.
وأشجار.
وبيوت.
وكلمات مكتوبة بخط متعثر
بنحبك يا تيتة.
وفي أحد الأيام طلبت من نور أن تخرج معي.
استغربت.
وقالت
رايحين فين؟
قلت
مكان نفسي أشوفه.
ركبنا السيارة.
ووصلنا إلى المقبرة التي دُفن فيها والدها الحقيقي.
وقفت أمام القبر طويلًا.
ثم وضعت وردة بيضاء.
وقالت نور بهدوء
نفسي كان يشوفني.
قلت
هو شافك.
نظرت إليّ.
فأكملت
يمكن مش بعينه.
لكن أكيد بقلبه.
بكت قليلًا.
ثم ابتسمت.
ولأول مرة شعرت أن جزءًا قديمًا من حزنها اختفى.
في طريق العودة سألتني
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتعملي نفس الحاجة؟
فهمت ما تقصده.
تقصد يوم وافقت أربيها.
تقصد السنوات كلها.
نظرت من نافذة السيارة.
ثم قلت
ألف مرة.
ضحكت.
وقالت
حتى بعد كل اللي عرفتيه؟
قلت
حتى بعد كل اللي عرفته.
لأن وجودك في حياتي كان هدية.
سكتت.
ثم أمسكت يدي.
كما لو أننا عدنا فجأة إلى يومها الأول.
مرت سنة أخرى.
ثم سنة.
وفي إحدى أمسيات الربيع.
اجتمعت العائلة كلها في حديقة البيت.
كان هناك ضحك كثير.
وأطفال يركضون في كل مكان.
ونور تقف وسطهم.
تنادي على هذا.
وتضحك مع تلك.
وتحمل حفيدتها الصغيرة.
نظرت إليها طويلًا.
ورأيت كل مراحل عمرها في لحظة واحدة.
الطفلة الخائفة.
والمراهقة الحائرة.
والعروس.
والأم.
والمرأة القوية.
وفجأة شعرت براحة غريبة.
راحة لم أعرفها من قبل.
كأن شيئًا بداخلي يقول
اطمئني.
في تلك الليلة.
جلست أكتب رسالة.
رسالة طويلة.
لكل أولادي.
ولنور.
كتبت فيها ذكرياتي.
وأخطائي.
وأفراحي.
وكل ما تعلمته.
وكان آخر ما كتبته
لا تجعلوا الخوف يقود قراراتكم.
الخوف هو الذي صنع أكبر كذبة في هذه الحكاية.
أما الحب... فهو الذي أصلحها.
أغلقت الرسالة.
ووضعتها في درج غرفتي.
ثم نمت.
وفي الصباح التالي استيقظت على أصوات الأحفاد يملؤون البيت.
ضحكت.
وقلت لنفسي
الحمد لله.
لم أكن أعرف كم بقي لي من العمر.
ولا أحد يعرف.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا.
أنني لم أعد أخاف.
لأن العائلة التي بدأت بطفلة صغيرة تمسكت في طرف قميص رجل وهي ترتجف...
تحولت إلى شجرة كبيرة.
لها فروع كثيرة.
وأوراق كثيرة.
وحياة كثيرة.
وكل فرع فيها يحمل جزءًا من الحكاية.
حكاية بدأت بكذبة مؤلمة.
لكنها انتهت بحقيقة أجمل.
أن الحب الصادق يستطيع أن ينجو.
حتى بعد سنوات من الضياع.
وأن القلب الذي يفتح بابه لطفل محتاج...
قد لا يغير حياة ذلك الطفل فقط.
بل يغير حياته هو أيضًا إلى الأبد.
ومن شرفة البيت.
وأنا أراقب أحفادي يلعبون في الحديقة.
ابتسمت.
وأغمضت عيني للحظة.
وشعرت بالسلام.
السلام الذي بحثنا عنه جميعًا طوال هذه السنوات.
وأخيرًا...
وجدناه.


تعليقات
إرسال تعليق