القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت بيت بابا   كامله 



بيت بابا

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أول ما أبو جوزي دخل البيت اللي أهلي اشتروهولي، بص حواليه وقال بكل برود ماشي... البيت ينفع. ولا قال مبروك، ولا حتى شكرًا. وراه جوزي داخل ماسك نوتة، كأنه جاي يستلم عمارة باسمه، وأمه ماشية من أوضة لأوضة، تلمس الستاير والرخام والسلم، وكأنها بتقرر إيه اللي هيتغير وإيه اللي هيتشال. أنا كنت واقفة عند الباب، وأهلي جنبي. أبويا لسه آثار الدهان على إيده من شغله في أوضة البيبي فوق، وأمي كانت شايلة صينية شاي، مصممة ترحب بأهل جوزي أحسن ترحيب. البيت ده كان حصيلة عشرين سنة تعب. عشرين سنة


شغل إضافي، وسفر اتلغى، واحتياجات اتأجلت، وكل ده عشان أمي كانت دايمًا تقول نفسي أشوف بنتي عايشة في بيت آمن. البيت كان متسجل باسمي أنا لوحدي، هدية من أهلي بعد ما حملي بقى خطړ، والدكتور منعني حتى من طلوع سلالم شقتنا القديمة. هما عمرهم ما حاولوا يتحكموا في حياتي، كل اللي كانوا عايزينه إن حفيدهم يتولد ويتربى في مكان هادي. وفجأة أبو جوزي شاور على أوضة الضيوف اللي تحت وقال الأوضة دي هتقعد فيها أختي أول ما تنقل عندكم... رجليها بتوجعها ومش هتعرف تطلع السلم. بصيتله باستغراب وقلت تنقل عندنا؟ جوزي رد من غير حتى ما يبصلي بشكل مؤقت. أمه ابتسمت وقالت

العيلة لازم تسند بعضها يا بنتي. وكمل أبو جوزي وهو بيتمشى في البيت وأخو جوزك ومراته ياخدوا الأوضة اللي فوق لحد ما ظروفهم تتحسن، والأوضة الصغيرة تبقى مخزن، وابن عم جوزك يحط فيها عدته. ساعتها شفت ملامح أبويا وهي بتتغير، وأمي نزلت صينية الشاي من إيديها. بصيت لجوزي وقلت هو بيتكلم عن إيه؟ اتنهد بضيق وقال ما تكبريش الموضوع. بابا شايف إن البيت كبير علينا، والأفضل نستغل المساحة صح. قلتله علينا؟ بصلي بحدة وقال بلاش تبدأي. أبو جوزي وقف قدامي وقال بثقة في عيلتنا، كل حاجة بتبقى للعيلة كلها، وابني هو راجل البيت، وهو اللي هيمسك المفاتيح. وفجأة جوزي مد

إيده ناحيتي وقال هاتي النسخة الاحتياطي من المفاتيح... بابا عايز يعمل منها نسخ الليلة. أهلي كانوا واقفين ورايا، مصډومين. ثلاث سنين وأنا بعدّي حاجات كتير؛ كان يطلب الأكل بدالي في المطاعم، وكان يعتبر مرتبي فلوس البيت، لكن مكافآته هو فلوسه الخاصة، وكان يسيب أبوه يقلل من أهلي عشان شغالين في مصنع، ولما أزعل يقولي إنتِ حساسة زيادة. لكن المرة دي، وصل بيهم الإحساس بالاستحقاق إنهم يوزعوا أوض بيت أهلي اللي تعبوا عمرهم كله علشان يجيبوه. ابتسمت بهدوء... وقلت جملة واحدة إنتوا ما ينفعش توزعوا أوض في بيت، وابنكم بنفسه مضى ورقة بيتنازل فيها عن أي حق ليه

في

 

البيت ده.

في اللحظة دي... وش أبو جوزي اصفر، واتجمد مكانه، وبص لابنه بنظرة كلها شك وڠضب مكتوم. جوزي طارق ارتبك، والنوتة اللي كانت في إيده اتهزت كأنها ورقة شجر في مهب الريح. الټفت طارق لأبوه بسرعة وحاول يصحح الموقف بلجلجة لا يا بابا.. دي.. دي مش ورقة تنازل بالمعنى اللي في دماغك، دي بس إجراءات روتينية عشان المحامي والضرائب! بصيت لطارق وضحكت بسخرية مريرة وقلت إجراءات روتينية؟ طارق، أنت مضيت على إقرار موثق في الشهر العقاري إنك ما ساهمتش بمليم واحد في ثمن البيت ده، وإنك بتعترف بملكيتي الكاملة والمنفردة ليه، وإن مالكش حق السكن أو الاستضافة

لأي حد من غير موافقتي الكتابية.. نسيت لما المحامي بتاعي قالك إن ده شرط أبويا عشان ينقل الملكية لاسم بسب عمايلكم السابقة؟ حمايا الحاج عبد الحميد وشه اتغير من اللون الأصفر للأحمر القاتم، وعروق رقبته برزت وهو بيلتفت لطارق وبيمسكه من ياقة قميصه وقال بصوت فحيح الأفاعي الكلام ده صحيح يا طارق؟ أنت مضيت على ورقة زي دي من ورايا؟ تكسر كلمتي وتصغرني قدام الناس؟ طارق كان بيبص في الأرض، وعرقه بينزل بغزارة، والمنظر الأكاديمي الشيك اللي كان راسم نفسه بيه انهار تماماً في ثانية. حماتي سابت الستارة اللي كانت بتعاينها وجريت على ابنها وهي بتصرخ جرى إيه يا

سمر؟ أنتِ هتقومي الراجل على ابنه في بيته؟ وكمان ممضياه على ورق؟ هو إحنا داخلين حرب ولا إيه؟

ردت أمي بصوت هادي وفيه عزة نفس قوية هزت المكان الحړب دي إنتوا اللي بدأتوها يا أم طارق.. لما دخلتوا البيت كأنكم غزاة، لا سألتوا على بنتي الحامل اللي تعبانة، ولا احترمتوا الشيب اللي في شعر جوزي اللي بقاله أسابيع بيدهن ويصلح بإيده عشان بنته ترتاح. داخلين تقسموا وتوزعوا كأننا مش موجودين؟ حمايا ساب ياقة طارق وبص لأبويا بنظرة مليانة غل وقال إحنا ولاد أصول، وما نرضاش حد يكسر هيبة ابننا.. البيت ده طالما ابني هيعيش فيه مع مراته، يبقى كلمته هي الماشية، والورق

اللي بتقولوا عليه ده بله واشرب مېته، إحنا ما بنعترفش بالكلام ده في عيلتنا! تقدم أبويا خطوتين، ورغم إن جسمه نحيل من شقى السنين، إلا أن وقفته كانت زي الجبل، وقال بثبات في القانون يا حاج عبد الحميد، الورق ده بيسجن وبيضيع بيوت.. والبيت ده بيت بنتي، بفلوسنا وشقانا. اللي عاجبه أهلاً وسهلاً بيه ضيف محترم، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.. وابنك لو مش عاجبه شروطنا، يقدر ياخد حاجته ويرجع معاكم شقتكم القديمة اللي في الدور الخامس اللي كانت ه تسقط البيبي! طارق حس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه، هو عارف كويس إنه عايش في مستوى مادي أعلى بكتير بسبب مرتبي

 

وبسبب دعم أهلي، وخروجه من البيت ده معناه إنه هيرجع للصفر.

حاول طارق يلطف الجو، وقرب مني وحاول يمسك إيدي وقال بنبرة رجاء مصطنعة سمر حبيبتي، ارتاحي بس عشان البيبي، بابا ما يقصدش، هو بس كان بيفكر بصوت عالي إزاي نساعد العيلة.. إحنا أهل في النهاية. سحبت إيدي منه بقوة وقلتله العيلة اللي بتساعد بعضها يا طارق بتستأذن، مش بتأمر.. العيلة المحترمة بتدخل تقول مبروك الأول وتدعي بالبركة، مش بتدخل بنوتة وقلم تقسم الأوض وتجيب أصحاب العدة والمفاتيح! إنتوا اتعودتوا إني بسكت وبقول معلش عشان بحبك وعشان المركب تسير، لكن لما يوصل الأمر لشقى أبويا وأمي، لحد

هنا وخط أحمر.. المفاتيح دي مش هتخرج من جيبي، وأي حد هيدخل البيت ده هيدخل بإذني ورغبتي أنا بس. حمايا حس بالإهانة الشديدة لأن كبريائه قدام مراته وابنه اتهز، فبص لطارق وقال بزعيق يلا بينا من هنا يا طارق.. سيبهالهم يقعدوا فيها لوحدهم، لما نشوف مين هيشيلها لما تتعب ومين هيقف معاها.. ارمي يمين الطلاق عليها وخليهم يشبعوا بالحيطان بتاعتهم! الغرفة سادها صمت رهيب، وأمي حطت إيدها على قلبها خوفاً عليا وعلى الجنين، لكن أنا كنت واقفة ثابتة وبصيت لطارق أشوف رد فعله.

طارق وقف متسمر في مكانه، وبص لأبوه وبص ليا.. هو عارف إن طلاقنا معناه إنه هيخسر كل حاجة؛

هيخسر المنظرة قدام زمايله في الشركة بالبيت الجديد، وهيخسر الفلوس اللي بساعده بيها، وهيخسر البنت اللي شالت عيوبه تلات سنين. طارق بلع ريقه وقال بصوت واطي بابا.. ارجوك بلاش طلاق، سمر حامل وتعبانة، والموضوع سوء تفاهم.. أنا هحل الموضوع مع سمر بالراحة. أبوه بص له بقرف وقال أنت مش راجل.. أنت بتبيع أهلك عشان حتة بيت؟ ولف ضهره وخرج وعمل الباب وراه بكل قوته، وحماتي جريت وراه وهي بتبصلي بنظرات حقد وتوعد وتقول لطارق خليك جنبها يا فالح.. بكره ټندم لما تلاقيك لوحدك ومفيش حد من أهلك حواليك. خرجوا وسابوا طارق واقف في وسط الصالة زي التائه، وأبويا بص لطارق

وقال له بنبرة حاسمة اسمع يا طارق.. أنت جوز بنتي وأبو حفيدنا، وطالما هي باقية عليك إحنا مش هنخرب بيتها، لكن قسماً بالله لو شفت منك أو من أهلك حركة تانية تقلل من بنتي أو مننا، لأكون أنا اللي هرفع قضية الخلع بنفسي.. البيت ده بيت بنتي، وأنت فيه ضيف طالما بتصونها.. اتفضل بقى وريني هتعمل إيه.

أبويا وأمي استأذنوا ومشوا عشان يدوني مساحة أتكلم مع طارق، وأول ما الباب اتمسح، طارق قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يتنفس بسرعة. قربت منه ووقفت قدامه وقلت ببرود مش هعتذرلك يا طارق.. اللي حصل ده كان لازم يحصل من زمان. أنت عيشتني تلات سنين وأنا

 


حاسة إني درجة ثانية في حياتك، كنت بتخليني أحس إن أهلي اللي بيطفحوا الډم في المصنع أقل من أهلك اللي عايشين على المظاهر والديون. المرة دي أنا مش هسكت. طارق رفع راسه وكان وشه باهت وقال بس أنتِ صغرتيني قدام أبويا يا سمر.. أنتِ عرفتيه إني مضيت على الورقة، وأنا قايلك إن الموضوع ده يفضل سر بينا! قلتله أنت اللي صغرت نفسك لما وافقت تدخل هنا كأنك المالك الحصري وتوزع شقى أبويا على إخواتك وعمامك.. أنت لو كان عندك ډم ووقفت لأبوك من أول أوضة وقالته يا بابا ده بيت سمر وأهلها، مكنتش أنا اضطريت أطلع الورقة دي وأصغرك.. أنت اللي اختارت تقف في صف الاستغلال، والنتيجة إك أهو، خسړت هيبتك قدام أبوك، وبقيت مكشوف قدامي.

مرت الأيام، وحالة الجفاء بيني وبين طارق كانت واضحة، هو حاول يروح لبيت أبوه عشان يصالحهم، لكن أبوه رفض

يستقبله وقاله مش هتدخل بيتي إلا ومعاك مفاتيح بيت سمر أو ورقة طلاقها. طارق رجع البيت مكسور، وبدأ يستوعب إن أهله مش بيحبوه هو، هما بيحبوا المصلحة والاستفادة اللي هتيجي من وراه. في يوم، كنت قاعدة في الصالة وتعب الحمل كان زايد عليا، دخل طارق ومعاه شنطة طلبات ودخل المطبخ وعملي عصير وجابه لحد عندي، وقعد على ركبتيه زي ما عمل الملياردير طارق في القصة التانية، وبصلي وقال سمر.. أنا فكرت كتير في الكام يوم اللي فاتوا، وعرفت إني كنت غلطان.. أنا اتملى دماغي بكلام أبويا إن الراجل لازم يسيطر ويملك كل حاجة، ونسيت إنك شريكة حياتي وإن أهلك هما اللي وقفوا جمبنا لما كنا مش لاقيين ناكل. أنا اعتذرت لأبوكي النهاردة في المصنع ورحتله لحد هناك، وبطلب منكِ تديني فرصة ثانية أثبتلك إني هكون راجل البيت ده بحمايتك وحماية ابننا،

مش بالسيطرة عليكي.

نظرت لطارق وشفت في عينيه لأول مرة صدق حقيقي مش تمثيل، وعرفت إن الصدمة اللي أخدها من أبوه ومني فوقت فيه الراجل اللي كان مدفون تحت التربية الغلط والأنانية. مسكت إيده وقلت له أنا هيديك فرصة يا طارق، عشان اللي في بطني وعشان الحب اللي كان بينا، لكن خليك فاكر.. البيت ده جدرانه مبنية بعرق أبويا وأمي، وأي حد هيفكر يهد الأمان ده، هلاقيني واقفة لوحدي بهد المعبد كله على اللي فيه. المفاتيح هتفضل معايا، والحدود هتفضل مرسومة، وأهلك ليهم الاحترام والواجب لما ييجوا ضيوف، لكن السيطرة انتهت. طارق هز راسه بالموافقة والارتياح، ومن اليوم ده، بدأت حياتنا تاخد مسار جديد؛ مسار مبني على الاحترام المتبادل، وعرف طارق إن القوة مش في السيطرة على ممتلكات الغير، بل في الحفاظ على بيته وكرامة مراته وأهلها

اللي صانوه لما الكل اتخلى عنه.

الخاتمة

وبعد شهور قليلة،

وضعت طفلي الأول يوسف في هذا البيت الدافئ، وجاء أبويا وأمي يحملانه بين أيديهم والدموع في عيونهم، فرحين بأن تعب عشرين سنة لم يذهب هباءً، بل أثمر أماناً وحياة جديدة لحفيدهم. طارق كان واقفاً بجانبهم يساعدهم ويقبل يد أمي وأبي باحترام شديد، معترفاً بفضلهم أمام الجميع. أما أهل طارق، فقد علموا مع الوقت أن الكرامة لا تُباع وأن الحقوق لا تُغتصب، فعادوا للتعامل بحدود الأدب والزيارات الرسمية دون تدخل أو فرض سيطرة. وتعلّمتُ أنا أن الصمت الطويل قد يغري البعض بالتمادي، لكن جملة واحدة صريحة في الوقت المناسب، كفيلة بإعادة كل شخص إلى حجمه الطبيعي، وحماية شقى العمر من الضياع، ليظل بيتي آمناً، مبنياً على الحب والعدل، ومحاطاً برضا الوالدين ودعواتهم التي لا تنقطع.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close