خرجت من منزل كاملة حكايات رومانى مكرم
خرجت من منزل كاملة حكايات رومانى مكرم
خرجت من منزل اهل جوزى وأنا مكسوره مفيش في إيدي حاجة خالص.. وفجاة حمـايا نادى عليا، قالى خدى كيس الزباله ده في إيدك وأنتي ماشية ارميه في طريقك”….
لكن لما فتحت الكيس عند البوابة.. إيدي بدأت تترعش من الصدمة….
أنا وحسن اتطلقنا بعد خمس سنين جواز… لا عيل ولا عيلة، ولا شقة باسمي، ولا حتى كلمة واحدة تطيب خاطري زي “خليكي” أو “ما تزعليش يا بختك”.
البيت اللي كنت بأحاول أعتبره بيتي وعيلتي، كان بيت عيلة كبير ومكركب في حارة من حارات السيدة زينب القديمة…
سيبت أهلي وناسي في الصعيد وجيت وراه عشان نبني حياتنا سوا ونفتح بيت، وفي الآخر؟ خرجت بشنطة إيدي الهدوم اللي عليا بس!
يوم ما خرجت من باب الشارع الحديد، شمس أغسطس كانت بتلسع وتكوي الإسفلت، كأنها بتكوي كل يوم حلو عشته في البيت ده. بس من جوايا؟ كنت حاسة بثلج ورعشة بين ضلوعي.
حماتي.. “الست هانم” زي ما كانت بتحب الكل يناديها، كانت واقفة في البلكونة ومربعة إيديها، بتبص لي بنظرة شماتة وتشفى.. نظرة واحدة أخيراً ارتاحت ونضّفت بيتها من حد مكانتش طيقاه ولا هاضماه من أول يوم دخلت فيه.
وجنبها بنتها، سلفتي “سمر”، بابتسامتها الصفراء المسمومة اللي ما بتفارقهاش وهي شايفاني مكسورة الخاطر.
زعقت بصوت عالٍ عشان تظرفني قلم أخير وتسمع الحارة كلها:
— “يا ريت تقفلي باب الشارع وراكي كويس.. كفاية عطلة لحد كدة، خلينا نشوف مصالحنا!”
أما حسن.. طليقي.. فما ظهرش خالص!
ما طلعش حتى يرمي عليا يمين السلام أو يقول كلمة وداع. يمكن كان مستخبي جوه الأوضة.. يمكن هرب عشان مالهوش عين يواجه.. بس بصراحة، ما بقتش تفرق، كل شيء انتهى خلاص.
ما حاربتش عشان آخد حق ولا باطل.. لا عملت خناقة، ولا طالبت بعفش ولا شَبكة، ولا حتى نزلت دمعة واحدة قدامهم.. كرامتي كانت أغلى عندي من أي قرش.
وطيت راسي بهدوء وقلت بصوت مخنوق:
— “أنا ماشية.. مع السلامة.”
محدش رد.. لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة، ولسه بحط إيدي على الترباس، سمعت صوت خشن وناشف بينادي من ورايا:
— “يا مريـم…!”
وقفت مكاني.. ده كان حماي، “عم الحاج إبراهيم”.
طول الخمس سنين، كان أكتر واحد ساكت وهادي في البيت ده. ما بيلقحش كلام، وقليل الكلام جداً.. أغلب وقته كان بيقضيه على الكرسي الخشب القش بتاعه في الحوش، يقرأ جرنان الأهرام ولا يسقي القصرية الزرع بتاعته، وكأن كل القسوة والافترا اللي بيحصل في البيت ده في كوكب تاني.
ساعات كنت بسأل نفسي: هو مش حاسس باللي بيجرى لي من مراته وبنته؟ ولا أنا مش فارقة معاه زي الغريبة؟
بصيت ورايا.. كان واقف جنب صندوق الزبالة ومسحوب في إيده كيس أسود كبير.. بص لي ثانية وقال ببطء وصوت واطي:
— “بما إنك خارجة ومارّة.. خدي الكيس ده في إيدك ارميه في باسكت الزبالة اللي على أول الحارة.. معلش هعطلك.”
استغربت جداً من الطلب.. في اللحظة دي بالذات؟
بس هزيت راسي بأدب كالعادة: “حاضر يا عمي.”
قربت وأخدته منه.. كان خفيف بشكل مش طبيعي، كأنه فاضي!
هز راسه لي هزة وداع أخيرة من غير ولا كلمة زيادة، ودخل وقفل الباب من سكات.
بوابة الحديد اتقفلت ورايا برزعة قوية هزت قلبي ورجت الحارة. كانت هي دي نقطة النهاية لخمس سنين من المحايلة والمناهتة عشان “أعيش وأحافظ على بيتي”.
مشيت في الشارع.. عديت على المحلات، على القهوة اللي في الوش، على صوت أم كلثوم طالع من راديو دكان عم محمد البقال.. الدنيا ماشية ومستمرة ولا فارق مع حد، والشخص الوحيد اللي خسر خمس سنين من عمره وشبابه هو “أنا”.
قلت لنفسي مش هبص ورايا ثاني.. مش هفكر في العيش والملح اللي اتهان.. ولا في القسوة اللي شفتها.
بس بعد كام خطوة على أول الشارع، قلبي انقبض.
حسيت بحاجة غريبة.. الكيس ده مش طبيعي خالص.
وقفت على جنب وبصيت له.. خفيف زيادة عن اللزوم وما فيهوش أي ريحة ولا تقل.
الهوا كان بيطير طرطوفة طرقتي، والشارع كان هادي.. وفجأة، ومن غير ما أفكر، فتحت العقدة بتاعة الكيس.
اتسمرت مكاني والرصف لف بيا!
مفيش زبالة.. مفيش زبالة بيوت ولا أكل ولا ورق قديم!
كان فيه “ظرف بني كبير”، قديم ومتبهدل، ومغلف بشنطة بلاستيك شفافة مربوطة بعناية عشان تحميه من المية أو التراب.
إيدي بدأت تترعش وأنا بسحبه.. ودقات قلبي بقت طالعة في وداني زي الطبل!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
فتحت البلاستيك.. وبعدين فتحت الظرف البني..
وأول ما عيني وقعت على الورق اللي جواه.. الدنيا كلها دارت بيا وأغمى عليا من المفاجأة!
الراجل الطيب الساكت اللي كنت فاكرة إنه مغلوب على أمره وضعيف طول السنين دي، سلمني “القنبلة” اللي هتهد البيت ده فوق دماغ حسن وأمه وسمر sister-in-law!
الظرف البني ما كانش فيه مجرد ورق عادي.. كان فيه طوق النجاة اللي يرجع لي حقي وكرامتي اللي اتداس عليها تحت جزمة الظلم.
فتحت عيني بصعوبة، لقيت نفسي قاعدة على كرسي خشب جنب دكان عم محمد البقال، وهو ماسك إزازه مية وبيبل وشي ويهديني:
— “اسم الله عليكِ يا بنتي.. مالك؟ أغمى عليكِ فجأة من الشمس.. مسكتك قبل ما دماغك تخبط في الأرض.”
بصيت لإيدي بسرعة بلهفة ورعب، لقيت الكيس والظرف مسكاهم بقوة وكأني ماسكة في حياتي. تنفست بصعوبة وقلت له وأنا بحاول أجمع طالتي:
— “أنا كويسة يا عم محمد.. دوخة خفيفة بس، تسلم إيدك.”
لميت الورق ورجعت قعدت بضهري لمستودع الخشب القريب من أول الشارع، بعيد عن العيون، وبدأت أقرأ التفاصيل الصادمة اللي جوه الظرف، واللي كانت عبارة عن ثلاث حاجات هيقلبوا الكيان كله:
**الحاجة الأولى:** تنازل رسمي ومعتمد في الشهر العقاري بعقد بيع نهائي لـ “شقة دور كامل” باسمي أنا! الشقة دي كانت ملك حماي الخاص بعيداً عن بيت العيلة، وشاريها من زقت قريب في منطقة راقية بالمعادي، مكتوبة باسمي ومسجلة رسمي!
**الحاجة الثانية:** دفتر توفير باسمي فيه مبلغ مالي كبير جداً، كافٍ إنه يبدأ لي حياة جديدة من غير ما أحتاج لقرش من حد ولا أمد إيدي لمخلوق.
**الحاجة الثالثة:** ورقة مطوية بخط إيد “عم الحاج إبراهيم” نفسه، مكتوبة بحبر جاف أزرق، وكلماتها كانت زي المشرط اللي بيقطع في القلوب:
> *”يا مريم يا بنتي..*
> *أنا عارف إنك خرجتي مظلومة، وعارف إن ابني حسن ما طلعش راجل، ومساق ورا كلام أمه وأخته اللي عمى قلوبهم الطمع والغل. أنا طول السنين دي كنت ساكت مش ضعف، ولا قلة حيلة.. أنا كنت مستني اللحظة اللي تكشف كل واحد على حقيقته عشان أضرب ضربتي صح.*
> *البيت اللي أنتِ خرجتي منه ده، ما حلتهمش فيه حاجة غير اللقمة اللي بياكلوها من خيري.. والست هانم وبنتها فاكرين إنهم طردوا الغريبة اللي ملهاش ضهر، وما يعرفوش إنهم طردوا البركة الوحيدة اللي كانت باقية في البيت.*
> *الشقة دي حلالك، والفلوس دي حقك وعوضك عن كل ليلة بتِ فيها ودمعتك على خدك.. وأول ما توصلك الرسالة دي، امشي وماترجعيش الحارة دي تاني إلا وأنتِ رافعة رأسك.*
> *أما حساب حسن وأمه، فده هيترد لهم على إيدي أنا.. والبقية تأتي يا بنتي.”*
>
دموعي نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع قهرة ولا كسرة.. كانت دموع ارتياح وذهول من عدل ربنا اللي بيسبّب الأسباب في أضيق الأوقات.
في نفس الوقت ده، جوه بيت العيلة في الحارة..
كانت “الست هانم” قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل وبترشف من كوباية الشاي بنعناع، وسمر بنتها قاعدة جنبها بتبرد أظافرها وتضحك بانتصار:
— “أخيراً يا أمه الحارة نضفت! البت الصعيدية دي كانت خنقتنا، فاكرة نفسها ست البيت وهي حافية ملهاش أصل.”
ردت الأم بضحكة شامتة:
— “خليهم يفرحوا بيها أهلها في الصعيد وهي راجعة لهم بشنطة هدومها مكسورة الخاطر.. عشان تعرف إن بيت الحاج إبراهيم مش أي حد يعيش فيه.”
خرج حسن من أوضته، وشه أصفر وعينيه في الأرض، كان باين عليه الخزي والندم بس ما كانش قادر ينطق كلمة قدام أمه:
— “خلاص بقى يا أمه.. الموضوع انتهى، كفاية كلام فيها.”
وفجأة.. اتفتح باب الشقة برزعة شديدة هزت جدران الصالة!
دخل الحاج إبراهيم.. بس ما كانش الراجل الساكت الهدى اللي يعرفوه طول عمره. كان وشه مشدود وعينيه بتطلع شرار، وفي إيده ملف أسود تاني.
وقف في نص الصالة، وبص لحسن ولأمه وسمر بنظرة خلّت الشاي يقع من إيد الست هانم من الرعب.
قال بصوت جهوري هز البيت كلو:
— “جمعوا لي القعدة دي حالا.. عشان من اللحظة دي، البيت ده مالوش غير سيد واحد.. وأنتم كلكم قاعدين فيه بفضلي، واللي مش عاجبه يلم هدومه ويحصل مريم!”
برقت عينين الست هانم وقامت وقفت بغضب:
— “جرى إيه يا حاج؟ أنت بتهددنا عشان بت الشوارع دي؟”
قرب منها الحاج إبراهيم ورمى الملف الأسود على الترابيزة قدامهم وقال بابتسامة ثقيلة:
— “بت الشوارع دي بقت صاحبة أملاك.. وأنتِ وبنتك وابنك النطع اللي واقف ده.. بقيتوا عايشين في بيتي بالبيتوتية، والورق ده فيه تنازل عن أملاكي كلها.. بس مش لكم!”
حسن اتسمر مكانه وبص لأبوه بشرارة خوف:
— “أنت بتقول إيه يا أبا؟! كتبتها لمين؟!”
خرجت من منزل حكايات رومانى مكرم 2
وقف حسن ذهولًا، وعينيه متسعة من الصدمة، بينما الشاي الدفيء على السجادة كان بيبخر، وصوت أنفاس “الست هانم” بقى مسموع وعلّي من كتر التوتر والخوف.
قرب حسن بخطوات مرعوبة ناحية الترابيزة، سحب الملف الأسود وإيده بتترعش، وفتح الأوراق بسرعة. كان بيقرأ والدم بيهرب من وشه تدريجياً لحد ما بقى أبيض زي القماش.
صصرخت أمه فيه وهي بتهز دراعه بجلطة وطمع:
— “في إيه يا حسن؟! انطق يا ابني! كتب إيه وألغى إيه؟! أبوك خرف ولا جرى لعقله حاجة في كبره؟!”
رفع حسن عينيه لأبوه، وشه ماليانه الحسرة والذهول، وقال بصوت مبحوح ومكسور:
— “أبويا تنازل عن محلات العطارة.. وعن الشقة الكبيرة اللي في شارع بورسعيد.. وكتب البيت ده بعقد انتفاع، ووقف كل إيرادات التجارة لحساب دار أيتام ومؤسسة خيرية.. وما سابش لينا غير مصروف شهري علاج ليكِ ولأمي بس.. بشرط!”
اتجننت “الست هانم” وسابت العقل في لحظة، هجمت على الحاج إبراهيم وهي بتصرخ بصوت زلزل الحارة:
— “شرط إيه يا إبراهيم؟! أنت اتجننت في آخر أيامك؟! عايز ترمي ضناك وتضيع شقى عمرك عشان مين؟! عشان الشغالة اللي طردناها اليوم؟!”
بص لها الحاج إبراهيم بكل برود وهدوء ثقيل، وقعد على كرسيه الخشب القش، حط رجل على رجل، وقال بصوت واطي بس يرعب:
— “الشرط يا هانم.. إن حسن يرجع مريم بعصمته ويكتب لها شقة السيدة زينب دي باسمها ملَك خالص، أو يفضل طول عمره يشتغل عندي في المحل بأجر عامل، وياخد المصروف اللي يمشيكو بالعافية.. والبيت ده؟ هيفضل باسم المؤسسة، وأول ما أنا أغمض عيني، المؤسسة تطلب إخلائه وتطردكم للمرة الثانية بس على الشارع بجد!”
دخلت سمر في النص وهي بتولول وبتبص لأخوها:
— “أنت ساكت له ليه يا حسن؟! انطق! ده حَقّك! دي فلوسنا وشقانا طول السنين دي! هي بت الصعيد دي عملت له عمل ولا سحرته عشان يضيعنا كدة؟!”
وقف الحاج إبراهيم فجأة، ضرب بقبضة إيده على الترابيزة ضربة هزت البيت كلو، وقال وهو بيشاور بإصبعه في وش سمر:
— “اسكتي يا عقربة! أنتِ وأمك اللي ضيعتوا البيت ده بغلّكم وطمعكم! خمس سنين وأنا شايفكم بتمارسوا القسوة والافترا على بنت ناس غريبة، ملهاش حد في القاهرة غيركم! خمس سنين وأنا ساكت وببلع القرف وأقول يمكن يطمر فيكم الأصول، يمكن حسن يطلع راجل ويصون بيته ومراته.. لكن طلع خيبة، مشي ورا كلام الحريم وباع اللي صايناه وراميها بشنطة هدومها زي الكلبة!”
ثم التفت لحسن وقال له بنبرة كلها حسرة:
— “أنا كرهت ضعفك يا حسن.. كرهت إنك ما عرفتش تبقى راجل في بيتك. ومريم اللي أنت هانتها ورميتها في الشارع، أنا أديتها حقها وزيادة، كتبتلها الشقة الجديدة وفلوس تبدأ بيها حياتها مرفوعة الراس.. والورق ده؟ ده عقابكم كلكم عشان تعرفوا إن الظلم ليلته قصيرة، وإن ربك بالمرصاد!”
على الجانب التاني، في نفس الوقت..
كانت مريم قاعدة في كافيه هادي قريب من محطة المترو، حاطة الظرف البني قدامها، والدموع مالية عينيها بس المرة دي كانت دموع قوة، مش دموع انكسار.
سحبت الورق ورتبته.. عقد الشقة المسجل، دفتر التوفير، والرسالة اللي كاتبهالها الحاج إبراهيم.
أول حاجة عملتها، طلبت التليفون وكلمت أخوها الكبير في الصعيد، “صالح”.
أول ما صالح سمع صوتها، قال بلهفة وقلق:
— “إيه يا مريم يا خيتي؟ اطمنتي على أحوالك؟ حسن أخباره إيه والبيت عامل إيه؟”
اخدت مريم نفس عميق، ورجعت ضهرها لورا، وقالت بصوت ثابت وقوي لأول مرة من خمس سنين:
— “أنا طلقت يا صالح.. وخرجت من البيت ده خلاص.”
صالح قام وقف بانتفاضة وشيطانه حضر:
— “شنو؟! اتطلقتي؟! وخرجوكِ إزاي؟ رموا هدومك وحقك فين؟! أنا جاي لك القاهرة بحق العرب والدم، والله ما هسيبهم ولا هسيب حقك يتداَس!”
ردت مريم بسرعة وبابتسامة ثقة:
— “اهدى يا صالح.. محدش يقدر يدوس لي على طرف. أنا خرجت بكرامتي، وحقي جالي لحد عندي وأكتر مما كنت أحلم. عمي الحاج إبراهيم كتب لي شقة في المعادي ومبلغ كبير في البنك، وعوضني عن كل يوم ظلم شفته في البيت ده.”
صالح اتسمر مكانه واستغرب:
— “الحاج إبراهيم؟! الراجل الساكت ده؟! عمل كدة إزاي وعلشان إيه؟!”
— “عمل كدة عشان عارف إن ربنا حق.. وعارف إن بيته كان ماليانه الظلم. أنا مش راجعة الصعيد مكسورة يا صالح.. أنا هقعد في شقتي الجديدة، وهبدأ شغلي وحياتي، ومش هسمح لحد في الدنيا دي يكسرني تاني.”
مرت أيام قليلة..
وكانت مريم نقلت حاجتها البسيطة وبدأت تؤسس حياتها في الشقة الجديدة بالمعادي. المكان كان هادي، والشمس بتدخل من البلكونة تنور الصالة، وتحس فيه بريحة أمل جديدة ونظيفة لم تذقها من خمس سنين.
قررت مريم إنها ما تقعدش حاطة إيدها على خدها، بدأت تفكر إزاي تستغل المبلغ اللي معاها عشان تبدأ مشروع صغير في الترزية والتطريز الصعيدي اللي كانت بتحبه وبارعة فيه، بس كانت محرومة منه في بيت عيلة حسن عشان “الست هانم” كانت بتعتبره قلة قيمة.
في الوقت ده، كان بيت العيلة في السيدة زينب بيولع نار!
الحاج إبراهيم تنفيذًا لكلامه، قفل حنفية الفلوس تماماً!
حسن بقى بينزل كل يوم الصبح من الساعة سبعة ينظف دكان العطارة ويشيل الأجولة زي أي عامل بسيط، وبياخد مصروطه اليومي بالإيد من أبوه.
والست هانم وبنتها سمر، بقوا قاعدين في الشقة يندبوا حظهم، لا قادرين يجيبوا شغالة، ولا قادرين يصرفوا زي الأول، والديون بدأت تتراكم على حسن اللي بقى يمشي في الشارع دماغه رايحة جاية.
وفي يوم بالليل..
كان حسن قاعد على القهوة اللي على أول الحارة، يشرب شيشة وعينيه ماليانين ندم وقهر.
سمع الشباب على القهوة بيتكلموا:
— “شفتوا مريم مرّات حسن القديمة؟ والله وكانت بنت أصول.. ده عم محمد البقال بيقول إنها أخدت شقة ملك في المعادي وفتحت اتيليه تطريز وبقت ست بيت ومكسبة وبتمشي وراسها في السماء!”
سمع حسن الكلام ده، والدم فار في عروقه. الحسرة أكلت قلبه لما افتكر إزاي سابها تخرج بشنطة هدومها، وإزاي طمع أمه وأخته هو اللي ضيعه وضيع بيته وحياته.
قام من على القهوة وزق الكرسي بغضب، ومشي ناحية بيت أبوه وهو ناوي على حاجة واحدة بس.. إنه يروح لمريم المعادي، يترجاها ترجع له، أو حتى يطلب منها تتدخل وتنقذه من السجن المالي اللي أبوه حبسه فيه!
وصل حسن تحت عمارة مريم في المعادي بالليل..
وققف يبص للشباك المنور في الدور الثالث، وسحب نفس طويل ورجله بتترعش وهو طالع السلم..
بس لما وصل قدام الباب ولسه بيرفع إيده عشان يخبط.. اتفتح الباب فجأة!
وخرج منه شخص ما كانش حسن يتوقع وجوده هناك أبداً!
اتفتح الباب، وخرج منه **”صالح”** أخو مريم الكبير!
كان واقف بجهامته وطوله الهيبة، ولابس جلبابه الصعيدي ومربع إيديه، كأنه كان مستني اللحظة دي بالذات!
حسن اتسمر مكانه على السلم، والكلمات اتجمدت في حلقه. رجع خطوة لورا وخوفه بان في عينيه، وقال بصوت متلجلج:
— “صـ.. صالح؟! أنت هنا من ميتى؟!”
خرجت مريم من ورا أخوها، كانت لابسة فستان هادي وأنيق، وشكلها متغير تماماً.. مفيش في عينيها نظرة الخوف ولا الانكسار بتاعة زمان، كانت واقفة بثبات وشموخ، وبصت لحسن بمنتهى البرود وقالت:
— “خير يا حسن؟ جاي لحد المعادي ليه بالليل كدة؟ نسيت حاجة في شنطة الهدوم اللي خرجت بيها؟”
بلع حسن ريقه بالعافية، وبص لصالح بخوف وبعدين بصلها بنبرة انكسار ومسكنة:
— “مريم.. أنا جاي أتكلم معاكِ.. كلمتين بيني وبينك من غير حد يدخل بيناتنا. إحنا كان بينا عيش وملح خمس سنين، معقولة تتخلي عني في ثانية كدة؟!”
ضحك صالح ضحكة سخرية هزت السلم وقال بصوت جهوري:
— “عيش وملح؟! أنت بتعرف العيش والملح يا حسن؟! ده أنت نسيت الأصول والمرؤة من يوم ما سبت حريمك يمسحوا بكرامة اختي الأرض وأنت واقف زي التمثال! جاي دلوك تدور على العيش والملح لما الحبل اتلف حوالين رقبتك؟!”
حسن غطى وشه بإيديه وقال بنبرة شحاتة وندم:
— “أنا غلطان يا صالح! والله غلطان وأنا بعترف قدامكم.. أمي وأختي عموا عينيا، والشر كان مالي البيت.. بس أنا اتأذيت أكتر من أي حد! أبويا حرمنا من كل حاجة، قفل المحلات وكتب الوقف، ومخليني أشتغل خدام عنده في دكانه بمصروف يومي! البيت بيخرب يا مريم.. وأنا جاي أترجاكِ تسامحيني وترجعي معايا، أو حتى تتكلمي مع أبويا يفك الحصار ده!”
اتقدمت مريم خطوتين ووقفت قدامه على السلم، وبصت في عينيه مباشرة وقالت له بكلام أتقل من الحجارة:
— “أنا أسامحك؟! أسامحك على إيه ولا إيه يا حسن؟ على شبابي اللي ضاع تحت رجليك ورجلين أمك؟ ولا على الليالي اللي بتّ فيها مظلومة ودمعتي على خدي وأنت بتنام وتكبر دماغك؟ ولا على اللحظة اللي خرجت فيها من باب شارعكم مكسورة وكنت مستخبي جوه الأوضة خايف تنطق كلمة وداع؟”
كملت كلامها ونبرتها بقت أحَدّ:
— “أبوك الراجل الوحيد في البيت ده! أبراهيم بيه هو اللي أخد لي حقي لما أنت ما عرفتش تبقى راجل وتصون بيتك. والفلوس والشقة دي عوض ربنا ليا.. مش عشان أرجع للذل تاني، ولا عشان أكون كوبري تفك بيه أزمتك مع أبوك!”
حسن بص لها بذهول وتوسل:
— “يعني خلاص يا مريم؟ قفلتي الباب في وشي؟ مش فاكرة أي لحظة حلوة بينا؟”
— “اللحظات الحلوة أنت قت/لتها يوم ما سيبتهم يرموني بره.. ويمين الطلاق اللي بيني وبينك ده كان أفضل حاجة حصلت لي في حياتي! اتفضل انزل يا حسن، وما تورينيش وشك هنا تاني.. عشان المرة الجاية أخويا صالح مش هيقف يتكلم معاك بالأدب ده!”
صالح حط إيده على كتف حسن وزقه زقة خفيفة بس قوية نزلته خطوتين لتحت وقال له:
— “سمعت خيتك قالت إيه؟ انزل يا ابن الحاج إبراهيم، واحمد ربنا إنك خرجت من العمارة دي على رجليك!”
نزل حسن السلم وهو بيترعش، رجليه مش شايلاه، الحسرة والقهر بياكلوا في قلبه. خرج للشارع والبرد بيلطع في وشه، وبص لفوق لقاه النور طفي والبلكونة اتقفلت.. عرف إن مريم ضاعت منه للأبد، وإن كل محاولاته بقت بلا فايدة.
رجّع حسن البيت في السيدة زينب وش الفجر..
لقى أمه “الست هانم” وسمر أخته قاعدين مستنيينه في الصالة والولولة مالية وشهم.
أول ما شافوه، قامت أمه بلهفة:
— “عملت إيه يا حسن؟! قابلت بت الصعيد دي؟ وافقت ترجع ولا كلمت أبوك يفك الحظر عن الفلوس والمحلات؟!”
حسن بص لأمه وأخته بنظرة كره وغل، ومشي خطوتين ورمى الكاب بتاعه على الأرض، وسرخ فيهم بصوت زلزل الشقة:
— “ارتاحوا بقى!! ارتاحوا وافرحوا بالخراب اللي وصلتونا ليه! مريم رفضت، وباعتني ورمتني زي ما رمتكم! وأبويا مش هيرجع في كلامه.. إحنا بقينا شحاتين بسبب غلّكم وطمعكم!”
سمر اتجننت وقالت بغل:
— “جرى إيه يا حسن؟! أنت جاي تحط العيب علينا إحنا؟! ما أنت اللي كنت موافق على كل حاجة!”
هجم حسن على سمر ومسكها من جلابيتها بغضب:
— “أنا كنت أعمى ومشي برأيكم يا عقربة! بس من النهاردة مفيش كلام ده تاني.. البيت ده هيبقى جحيم عليكم زي ما عملتوه جحيم على مريم!”
وفي اللحظة دي.. اتفتح باب أوضة الحاج إبراهيم!
خرج الحاج إبراهيم، كان لابس جلابيته البيضاء ومسك عصايته، وبص لهم الثلاثة بكل قسوة وقال:
— “الصوت العالي ده يتلم! حسن.. من بكرة الساعة 6 الصبح تكون فتحت المحل ونزلت أجولة العطارة، وإلا اليوم اللي تغيب فيه مالكش مصروف! وأنتِ يا ست هانم أنتِ وبنتك.. الشغالة اللي كنتوا بتمشوا كلامكم عليها مشيت، من النهاردة تنزلوا تنظفوا البيت وتطبخوا بإيدكم، والبيت ده ما يدخلوش قرش زيادة عن الأكل والشرب بالعدل!”
قرب الحاج إبراهيم من حسن وقال له بابتسامة ثقيلة:
— “وعلى فكرة يا حسن.. مريم فتحت مشروعها النهاردة، وبكرة المحامي بتاعي نازل يسجل لها بقية أوراق الأملاك.. عشان تعرف إن ربنا لما بيدي الصابرين، بيدي بغزارة!”
أما مريم..
ففي نفس الوقت كانت قاعدة في المعادي مع صالح، فاتحين الخريطة والتصاميم، وبدأت رسمياً أول خطوات مشروعها الجديد لتطريز الملابس الصعيدية والتراثية.. حياة جديدة، وراية مرفوعة، وقوة نابعة من قلب الوجع.
خرجت من منزل حكايات رومانى مكرم 3
مرت الأسابيع الأولى، وشمس جديدة بدأت تشرق في حياة مريم..
المحل الصغير اللي أجرته في المعادي جنب شقتها، تحول في وقت قصير لـ “أتيليه” تحفة، المعروضات فيه من الشال الصعيدي المطرز غرزة غرزة والتصاميم التراثية المودرن خطفت أنظار زباين المنطقة الراقية. مريم كانت بتشتغل بشغف، وعينيها فيها لمعة أمل وقوة نسيها زمان. وصالح أخوها كان واقف ضهر ليها، بيجيب لها القماش والألوان من ورش الصعيد ويشجعها في كل خطوة.
لكن على الناحية الثانية، في حارة السيدة زينب.. كانت النار بتاكل في قلب “الست هانم” وبنتها سمر!
البيت اللي كان عامر بالخير والهيبة، بقى عامل زي السجن الضيق. الحاج إبراهيم ماسك زمام كل قرش، ومش سايب لهم فرصة للرفاهية. والأدهى إن سمر كانت بتشوف صور شغل مريم ونجاحها اللي بدأ ينتشر على صفحات التواصل الاجتماعي من خلال زباينها، فالغل أكل قلبها ونفسها تعكر صفو الحياة الجديدة دي بأي طريقة.
في ليلة من الليالي، كانت سمر قاعدة في البلكونة مع أمها، وصوت حسن طالع من جوة الأوضة بيكلم نفسه بحسرة ونكد.
قربت سمر من أمها وقالت بصوت واطي ومسموم:
— “شايفة يا أمه؟ البت الصعيدية اللي طردناها حافية، بقت بتمشي تتباهى بشغلها وشقتها في المعادي، وأحنا هنا محبوسين تحت جزمة أبويا وحسن بياخد مصروف باليومية زي العمال!”
ردت الأم بأسية وغل:
— “وهنعمل إيه يا سمر؟ أبوكِ بقى جبل خرسانة، والورق كله في جيبه وفي المحامي بتاعه.. ما حلتناش حاجة نعملها.”
ابتسمت سمر ابتسامة صفراء مسمومة وقالت:
— “لا يا أمه.. الورق صحيح مع أبويا، بس مريم مش مسجلة الشقة باسمها نهائي في الشهر العقاري حتى الآن! المحامي بتاع أبويا لسه شغال في إجراءات التنازل والتوكيل.. ولو الشقة دي حصل فيها ‘مشكلة قانونية’ أو دخلت في نزاع، الورق ده مش هيتسجل، وأبويا مش هيقدر يحميها لو دخلنا الشرطة في الموضوع!”
برقت عينين الأم:
— “قصدك إيه يا بت؟! نزلنا المعادي نتبلي عليها؟”
ضحكت سمر بخلبص:
— “مش نتبلي بلساننا بس.. إحنا نلعبها صح! حسن جوزها شرعاً وقانوناً طردياً لحد دلوقتي! لأن الورقة بتاعة الطلاق اللي أخدتها مريم كانت عند المأذون ولسه وثيقة الطلاق الرسمية الصادرة من المحكمة ما طلعتش نهائي! يعني هي قدام القانون لسه مراته! ونقدر نرفع عليها دعوى ‘طاعة’ ونطالب بدخول الشقة باعتبارها بيت الزوجية الجديد اللي اشتراه أبو حسن لبنته وجوزه!”
الأم شهقت بذهول:
— “يا مري دي فكرة جهنمية! يعني حسن يروح يكسر باب الشقة بحق القانون؟”
— “بالظبط! يروح وبنداء رسمي من المحكمة، ومعانا قوة تنفيذ، ونقول إنها هربت بحاجته وفلوسه وأخدت الشقة من ورا أبه.. بكدة نلوي دراع أبويا، ونجبر مريم تنازل عن الشقة والفلوس عشان تشتري حريتها وتاخد الطلاق النهائي!”
ثاني يوم الصبح..
استغلت سمر وأمها نزول الحاج إبراهيم للمحل، وقعدوا مع حسن وفضلوا يزنوا على دماغه زي الشياطين:
— “أنت هتفضل نطع كدة يا حسن؟! البت لسه مراتك على الورق، والطلاق الرسمي ما ثبتش في السجل المدني! الشقة دي حقك وحق أبوك، روح خدهم وافرض شخصيتك بدل ما أنت مرمي تحت رجلين أبوك كدة!”
حسن، بقلة حيلته وطمعه الدفين اللي صحي تاني، سكت وفكر.. كلامهم جيه على جرح كبريائه والمبلغ اللي محتاجة.
وافق حسن على الخطة، وراحوا لمحامي نص نص من بتوع تحت السلم، وبسرعة إنذار على يد محضر اتبعت لمريم في المعادي بطلب العودة لبيت الزوجية (الشقة الجديدة)!
في الأتيليه بالمعادي..
كانت مريم قاعدة بتصمم شال جديد، لما دخل المحضر وسلمها الورقة الرسمية!
فتحت مريم الورقة، ولما قرأت إن حسن رافع عليها إنذار طاعة وبيطالب بدخول شقة المعادي باعتبارها مسكن الزوجية، إيدها اترعشت من الغضب!
صالح أخوها كان قاعد جنبها، أول ما شاف الورقة وشه اسود وأخد العكاز بتاعه وقام:
— “ولد الكلب ده لسه فيه نفس يلعب بالأوراق؟! والله ما أنا سيبه النهاردة، أنا نازل له السيدة زينب أطير رقبته!”
وقفت مريم بسرعة ومسكت إيد أخوها بقوة وقالت بثبات غريب:
— “اقعد يا صالح.. اهدى يا خوي. حسـن وأمه فاكرين إنهم لسه بيلعبوا مع مريم الضعيفة بتاعة زمان.. ما يعرفوش إن اللي دخلت معركة الكرامة دي مش هترجع ورا تاني.”
طلبت مريم التليفون فوراً كلمت الأستاذ “صابر”، محامي الحاج إبراهيم المسؤول عن نقل الملكية وتصفية الأمور.
أول ما الأستاذ صابر سمع بالإنذار، ضحك بصوت عالٍ وقال لها:
— “يا مدام مريم.. سمر وأمها بيلعبوا في الوقت الضيع وفي الملعب الغلط! هما فاكرين إن وثيقة الطلاق ما طلعتش؟ الحاج إبراهيم موثق الطلاق رسمياً من أسبوع، والشهادة معايا في المكتب! وغير كدة.. عقد بيع الشقة مش توكيل، ده عقد بيع نهائي مشهر برقم متسجل في الشهر العقاري من الشهر اللي فات!”
كمل المحامي بنبرة ثقة:
— “سيبيهم يعملوا الحركة دي.. دي هتكون الضربة القاضية اللي هتخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يرفعوا عينهم فيكِ!”
وفي نفس اليوم بالليل..
كان حسن وأمه وسمر والمحامي بتاعهم واقفين قدام عمارة المعادي، ومعاهم قوة صغيرة تنفيذية ومعاهم نية يقتحموا الشقة ويعملوا هيصة في المنطقة..
حسن رفع إيده وخبط على الباب بقوة وهو بيزعق:
— “افتحي يا مريم! افتحي بالدستور والقانون.. أنا جوزك ودي شقتي!”
اتفتح الباب.. بس المرة دي، ما خرجش صالح ولا مريم!
خرج **الحاج إبراهيم** بنفسه، وجنبه الضابط والمحامي الأستاذ صابر، وفي إيد الحاج إبراهيم ملف جديد أحمر!
بص الحاج إبراهيم لابنه حسن ولأمه وسمر بنظرة حسرة وقرف، وقال بصوت هز العمارة كلها:
— “جايب الشرطة وجاي تكسر شقة مريم يا حسن؟! طب كويس إنكم جمعتم الشرطة بنفسكم.. عشان يثبتوا حالة التعدي والشروع في النصب!”
برقت عينين سمر والأم، وحسن اتجمد مكانه:
— “أـ.. أنت بتعمل إيه هنا يا أبا؟! دي مراتي والشقة دي بيت زوجية!”
رمى الأستاذ صابر وثيقة الطلاق النهائية وعقد الملكية المشهر في وش محامي حسن وقال:
— “المدام مريم مطلقة طلاق بائن رسمي من أسبوعين، والشقة دي ملكية خاصة مسجلة باسمها قبل أي إنذار.. والبلاغ اللي اتقدم النهاردة ضدهم هو الشروع في اقتحام ملك غير والابتزاز!”
الحاج إبراهيم قرب من ابنهحسن، وضربه قلم قوي على وشه هز كيانه قدام كل الواقفين:
— “أنت مش ابني.. أنت مسخ! ومن اللحظة دي مالكش أبة ولا بيت ولا مأوى!”
القلم اللي نزل على وش حسن كان بمثابة رصاصة الرحمة على كل أمل كان باقي له ولعيلته. صوت ضربة الكف اتسمع في العمارة كلها، ومحامي حسن نزل إيده بالورق وخاف، وأنسحب ببطء من الموقف بعد ما عرف إن الق/ضية خسرانة وإن موكليه حطوا نفسهم في مواجهة مع القانون وعقد مسجل ووثيقة طلاق بائنة.
ظابط الشرطة بص لحسن وأمه وسمر بكل حزم وقال:
— “اتفضلوا كلكم معايا على القسم.. السيدة مريم والأستاذ صابر محامي الحاج إبراهيم محررين ضدكم بلاغ رسمي بتهجم واعتداء وابتزاز في ملكية خاصة!”
صصرخت “الست هانم” ووقعت على الأرض بتولول وبتلطم على خدودها:
— “يا لهوي يا فضيحتنا في الحارة! جرا إيه يا حاج؟! هترميني أنا وعيالك في القسم عشان بت الصعيد دي؟!”
الحاج إبراهيم بص لها ببرود قاسي وقساوة جبل ما يتهزش وقال للظابط:
— “اتفضل خدهم يا حضرت الضابط.. القانون ياخد مجراه، والناس دي مالهاش أي صفة عندي بعد النهاردة.”
مريم كانت واقفة جوه الشقة جنب صالح، بتتفرج على المشهد من ورا الباب.. عينيه دمّعت، بس المرة دي دي كانت دموع كبرياء وحق رجع بعد سنوات من القهر والذل. بصت لحسن وهو بيتسحب ورا الضابط كأنه مجرم مكسور العين، وعرفت إن العدالة لما بتتحقق بتكون أقسى بكثير من أي انتقام شخصي.
في القسم..
انتهت الليلة بضغوط كبيرة ووساطات، مريم والتزاماً بأصلها الصعيدي وبطلب من عمها الحاج إبراهيم، وافقت تتنازل عن المحضر الشرطي بشرط واحد قاسي ومكتوب:
“تعهد رسمي بعدم التعرض نهائياً لمريم أو الاقتراب من شقتها أو أتيليه المعادي، مع إقرار صريح بإخلاء أي مطالبة مالية أو زوجية.”
وقّع حسن وسمر وأمهم على التعهد وهما بيترعشوا من الخزي والفضيحة اللي بقت على كل لسان في حارة السيدة زينب.
أما في بيت العيلة بالسيدة زينب..
الحاج إبراهيم نفّذ وعده بالحرف:
غيّر كالون البيت الكبير، وسلم حسن وأمه وسمر شنط هدومهم بس!
أخد الشقة الكبيرة وقفّلها، ونقل إقامته في شقة صغيرة فوق المحل، وسلّم إدارة محلات العطارة لمؤسسة خيرية تحت نظارته شخصياً.
حسن اضطر يشتغل عامل بسيط في محل عطارة منافس في حارة ثانية بعيدة، بياخد طفس يومي بالعافية يكفيه أكل وشرب هو وأمه، وسمر اللي كانت بتتأنق وتبص للناس بقرف، اضطرت تنزل تشتغل في محل ملابس عشان تلاقي تصرف على نفسها!
تحول بيت العيلة العز القديم لخرابة مقفولة، والست هانم بقت قاعدة في شقة إيجار قديم صغيرة، تبكي طول اليوم على عزها وصحتها اللي راحت بسبب الغل والطمع.
مرت سنة كاملة..
وكانت المعادي بتتحدث عن “أتيليه مريم للتراث الصعيدي”.
الأتيليه كبر وبقى شركة صغيرة بتشغل معاها أكتر من عشرين ست صعيدية من اللي محتاجين شغل، والتصاميم بتاعتها بقت تتعرض في المعارض الدولية ويطلبها الموضة في القاهرة والخليج.
مريم كانت قاعدة في مكتبها الجميل، شباكه بيطل على شجر المعادي، ولابسة فستان أنيق وبتمضي عقد توريد جديد لواحد من أكبر معارض الأزياء.
صالح أخوها دخل عليها ومسك كوباية القهوة، وقعد قدامها بابتسامة فخر:
— “عاش من شافك يا سيدة الأعمال.. الصعيد كله بيفخر بيكِ وباسمك النهاردة يا مريم.”
ابتسمت مريم ابتسامة صافية وقالت:
— “الحمد لله يا صالح.. ربك لما يعوض، بيعوض بغير حساب. الخمس سنين اللي عشتهم مكسورة كانوا درس خلاني أعرف قيمة نفسي وقوة إرادتي.”
في اللحظة دي، خبط باب الأتيليه، ودخل الحاج إبراهيم!
كان ماسك عصايته، وشه رايق وفيه هيبة وطمأنينة، وعلى وشك ابتسامة رضا.
قامت مريم بسرعة وجريت عليه واستقبلته بنفسها، واستقبلته ببر واحترام كبير وقبلت إيده:
— “أهلاً يا عمي الحاج.. نورت الدنيا كلها والله!”
قعد الحاج إبراهيم وبص للأتيليه وللموظفين ولنجاح مريم، وهز راسه براحة وقال:
— “الحمد لله يا بنتي.. أنا كدة اطمنت عليكِ، ولقيت الأمانة أدت حقها. أنتِ بنتي اللي ما خلفتهاش يا مريم.. وأنا جاي النهاردة أقولك حاجة مهمة قبل ما أسافر أعمل عمرة.”
مريم بصت له بلهفة:
— “خير يا عمي؟ الحاجة اللي تحتاجه عيوني ليك.”
طلع الحاج إبراهيم ملف جديد من جيبه، وحطه على الترابيزة قدامها.. ملف هيدخل القصة في محطتها الأخيرة والنهائية!
بصت مريم للملف الأخير اللي حطه الحاج إبراهيم على الترابيزة بلهفة واستغراب، بينما الأستاذ صالح أخوها قرب وقعد جنبهم يتابع في صمت واهتمام.
ابتسم الحاج إبراهيم ابتسامة صافية، عينيه ماليانين راحة وفخر، وقال بنبرة هادية بس ثقيلة:
— “افتحي يا مريم يا بنتي.. ده مش ورق تنازل ولا أملاك جديدة.. ده حافز حقك وثمرة تعبك اللي أثبتِ للعالم كله إنك تستاهليه.”
فتحت مريم الملف، ولقت جواه وثيقتين:
* **الأولى:** عقد شراكة رسمية وتأسيس شركة مساهمة باسم **”مؤسسة مريم للتراث والأزياء”**، موثق فيها إن كل محلات العطارة القديمة والأصول الخاصة بالحاج إبراهيم تم تحويل تمويلها ودعمها لتكون خط إنتاج وتصدير كبير يشغل مئات الأسر والستات المكافحات في الصعيد والقاهرة، ومريم هي رئيس مجلس إدارة المؤسسة دي بالكامل!
* **الثانية:** تذكرتين طيران وتأشيرتين لحج بيت الله الحرام باسم مريم وأخوها صالح، هدية من الحاج إبراهيم ليهم قبل ما يسافر يعمل عمرته.
دمعت عين مريم، والمشاعر اتخلطت جواها بين الفرحة والامتنان، وقالت بصوت مخنوق من التأثر:
— “كتير عليا يا عمي الحاج.. والله كتير! أنت عوضتني عن كل حاجة شفتها في حياتي، وكنت ليا الأب والظهر بعد ربنا.”
رد الحاج إبراهيم وهو بيحط إيده على رأسها ببركة:
— “ربنا هو اللي بيعوض يا بنتي.. أنا مجرد سبب. أنتِ صبرتي على الظلم واتقيتي ربنا، ورفضتي تكسري كرامتك، وعشان كدة ربنا رفَع قدرك وجاب لك حقك لحد عندك وأنتِ رافعة رأسك.”
مرت شهور قليلة..
في مكة المكرمة، قدام الكعبة المشرفة، كانت مريم واقفة بلبس الإحرام الأبيض، والدموع نازلة من عينيها بتغسل كل الذكريات القديمة وكل الآلام اللي عاشتها. كانت بتدعي ربنا يديم عليها نعم الستر والقوة والراحة، وعرفَت إن الخروج من بيت عيلة حسن بشنطة الهدوم في شمس أغسطس الحارقة، ما كانش بداية النهاية.. بل كان بداية الحياة الحقيقية اللي تستحقها.
وعلى الناحية التانية، في السيدة زينب..
حسن بقت حياته عبارة عن شقاء يومي في المحلات، يمشي في الشارع عينه في الأرض من الفضيحة ونظرات الناس. وأمه وسمر بقوا عايشين في شقة الإيجار الضيقة، بيتحسروا كل يوم وهم بيشوفوا أخبار مريم ونجاحها في التلفزيون والمجلات، وبيحصدوا ثمر الغل والطمع اللي غرسوه بإيديهم.
رجعت مريم من الحج، وسافرت الصعيد مع أخوها صالح، وفتحت أول مصنع كبير للتطريز في قريتها، يعلم بنات الصعيد ويديهم فرصة عمل شريفة تضمن لهم كرامتهم واستقلالهم.
وبكده، اتقفلت كتاب الصفحة القديمة إلى الأبد..
صفحة خرجت منها مريم مظلومة ومكسورة من باب حارة قديمة، لتفتح أبواب النجاح والعزة والكرامة من أوسع أبوابها، معلنة إن الحق مهما اتأخر.. لابد أن ينتصر، وإن العوض الإلهي يمحو كل مرار السنين.
**تمت بحمد الله**


تعليقات
إرسال تعليق