يوم الفرح كامله
يوم الفرح كامله
تاني يوم بعد الفرح، جوزي دخل عليا على الفطار ومعاه موثق عقود علشان أنقل له شركة النسيج اللي جدتي بنتها من الصفر.
أهله كانوا قاعدين وراه مبتسمين بكل جشع، كأنهم خلاص بقوا أصحاب الإمبراطورية.
كنت لسه لابسة روب الحرير الأبيض، وحلق الألماس اللي جدتي “أمينة” سابتهولي، ولسه عندي سذاجة كفاية تخليني أصدق إن الجواز أمان.
“يلا يا ليلى، إمضي هنا.”
قالها “كريم” وهو يزق الملف ناحيتي على السفرة.
حماتي “سهير” قربت الورق أكتر بابتسامتها المصطنعة وقالت بنعومة مستفزة:
— “ده الطبيعي يا حبيبتي… أي ست محترمة لازم فلوسها تبقى سند لجوزها وعيلته.”
بصيت على عنوان الورق.
تنازل كامل عن الملكية.
دي شركة جدتي.
شركة نسيج بمئات الملايين… مصانع وأراضي وعقود في القاهرة والإسكندرية والعاشر من رمضان.
جدتي بنتها بإيديها بعد ما بدأت بماكينة خياطة قديمة وأوضة فوق السطوح.
وطول فترة خطوبتي لكريم…
عمري ما قلتله حجم ثروتي الحقيقي.
رفعت عيني وبصيتله بهدوء:
— “إنت عرفت قيمة الشركة منين بالظبط؟”
ابتسم، بس طرف بوقه اتحرك بتوتر:
— “الجواز يا حبيبتي مبني على الشفافية.”
أبوه “فؤاد” ضحك وهو بيصب عصير:
— “ما تبقيش حساسة أوي يا ليلى… كريم عليه ديون، وإحنا عندنا خطط توسع كبيرة.”
سهير حطت إيديها فوق إيدي وقالت بنبرة متعالية:
— “وبصراحة يعني… إنتِ شكلك مش بتاع إدارة شركات كبيرة. سيبي الرجالة تتصرف.”
وهنا…
الحقيقة ظهرت كاملة.
هم عمرهم ما حبوني.
هم حبوا اللي ورايا.
افتكرت كريم يوم ما اتقدملي تحت المطر وهو بيقولي إنه بيحب هدوئي وبساطتي.
وافتكرت سهير وهي بتقول للناس:
— “ليلى طيبة وغلبانة… مالهاش في البزنس.”
وأنا؟
كنت سايباهم يصدقوا ده بإرادتي.
كنت ألبس بسيط.
وأضحك على تقليلهم مني.
وأصب لهم القهوة وهم بيتكلموا عن الفلوس قدامي كأني قطعة ديكور.
جدتي أمينة كانت دايمًا تقوللي:
— “ما توريش الديابة فين الحديد اللي مخبياه.”
الموثق كحّ بإحراج وقال:
— “مدام ليلى، محتاجين بس إمضا حضرتك هنا.”
قلت بهدوء وأنا ببصله مباشرة:
— “اسمي ليلى المنشاوي.”
كريم وشه اتشد فورًا:
— “لا… بقيتي ليلى السيوفي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة خوفته فعلًا.
مسكت القلم.
وسهير لمعت عينيها من الفرحة.
أما فؤاد فكان قاعد كأنه خلاص كسب.
لكن بدل ما أمضي…
شخطت بالقلم خط أسود طويل على مكان الإمضا.
وحطيت القلم على الترابيزة.
— “لأ.”
الصمت نزل على المكان كله.
كريم زق الكرسي بعنف وقام واقف.
وفي اللحظة دي…
شفت وشه الحقيقي لأول مرة.
ضرب الترابيزة بإيده لدرجة فناجين القهوة اتهزت.
— “إنتِ مش فاهمة إنتِ بترفُضي إيه دلوقتي!”
القهوة انسكبت على المفرش المطرز.
لكن صوتي فضل ثابت:
— “فاهمة كويس جدًا.”
سهير قربت وهي بتجز على سنانها:
— “ما تحرجيش نفسك يا ليلى… الشركة دي محتاجة عيلة قوية تديرها. مش بنت صغيرة عاطفية.”
بصيتلها بثبات:
— “جدتي كانت بتنضف ورش النسيج قبل ما تبقى صاحبتها… فبلاش تتكلمي عن حاجة إنتِ ما تعرفيش قيمتها.”
فؤاد ضحك باستهزاء:
— “الكلام العاطفي ده مش هيحميكي… كل حاجة في الدنيا ليها تمن.”
كريم قرب مني جدًا لدرجة حسيت نفسه على وشي وهمس:
— “وإنتِ كمان ليكي تمن.”
ثانية واحدة…
وحسيت الخيانة بتشق صدري نصين.
لكنّي أخدت نفس طويل.
وثبت نفسي.
هم افتكروا إن سكوتي خوف.
ودي كانت أول غلطة ارتكبوها…
أخذتُ نفسًا عميقًا، ونظرتُ في عيني كريم بثبات لم يعهده مني قط. انزعج من ثباتي، ورأيتُ الشك يتسلل إلى نظرته الحادة لأول مرة. أعدتُ ظهري إلى الخلف، وشبكتُ أصابعي فوق الروب الحريري بحركة متزنة وهادئة، كأنني أعدتُ ترتيب المسرح كله لصالحي.
— “إنت فاكر إنك بتهددني يا كريم؟” سألته بصوت ناعم، خالي تمامًا من أي انفعال.
ضحك فؤاد بقلة صبر وهو يمسح شفاهه بالمنديل:
— “نصيحة يا ليلى، بلاش جو المسلسلات ده. إنتِ في بيت السيوفي دلوقتي، والغربة وحشة لست لوحدها مالهاش ظهر، والشركة دي كدة كدة مش هتعرفي تديريها.”
سهير أومأت برأسها موافقة، وقالت وهي تلوح بأسورتها الذهب:
— “الرجالة بتتكلم بزنس يا ليلى. إنتِ ناعمة وطيبة، ما تحطيش نفسك في موقف بايخ من أول يوم. أمضي وخلصينا، العريس ليه ديون ولازم تتسدد قبل ما سمعة العيلة تتأثر.”
سحبتُ هاتفي الـ”آيفون” السادة من جيب الروب، ووضعته على الطاولة أمامهم. الموثق كان يمسح عرق جبينه، يشعر بأن الأرض تتزلزل تحت قدميه، ويحاول الانسحاب بعينيه بعيدًا عن المواجهة.
نظرتُ للموثق وقلت:
— “استاذ.. اسمك إيه؟”
رد الرجل بارتباك:
— “محمود يا فندم.. محمود العريان.”
— “استاذ محمود، العقد ده باطل بطلان مطلق، لأنك حاضر بصفة موثق عقود وتوثيق تنازل عن ممتلكات بغير رضا الصاحب الأصلي، وتحت التهديد والضغط المادي والمعنوي.. والحديث ده كله متسجل صوت وصورة من أول ما دخلت من الباب.”
نظرتُ إلى الهاتف، كانت الكاميرا تضيء بنقطة حمراء صغيرة.
كريم وشه اتخطف. لونه تحول للأسود في ثانية واحدة.
— “إنتِ بتصوري يا ليلى؟! إنتِ اتجننتي؟!”
قفز كريم يحاول الإمساك بالهاتف، لكنني بسطتُ يدي على الطاولة بسرعة وقبضتُ عليه، ثم قمتُ واقفة بكل طول ورزانة. الروب الأبيض انساب خلفي كأنه رداء ملكي.
— “إياك تلمسني.. أو تلمس موقفي.” صرختُ فيها بقوة لم يعهدوها، قوة جعلت كريم يتراجع خطوة للخلف رغماً عنه.
فؤاد وقف وهو يصرخ:
— “إنتِ بتلعبي بالنار يا بنت المنشاوي! فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إن شوية النسيج بتوع جدتك هيعملولك سعر عندنا؟ ديون ابننا مئات الملايين، وإحنا لو قفلنا عليكِ الباب ده مش هتعرفي تخرجي منه!”
ابتسمتُ ابتسامة باردة، رفعتُ يدي وفككتُ دبوس شعر بسيط، فانسدلت خصلات شعري الأسود على كتفي، ثم أخرجتُ من جيب الروب الآخر فلش أحمر صغير ورقاقة معدنية سوداء، وحطيتهم على الطاولة جنب فناجين القهوة المكسورة.
— “دي أوراق اعتماد شركة ‘المنشاوي للغزل والنسيج’.” قلتُ بنبرة واثقة هادئة. “وده الختم الإلكتروني الخاص بالرئيس التنفيذي والمالك الوحيد.”
سهير ضحكت باستخفاف، رغم أن القلق بدأ يظهر في عينيها:
— “ومين الرئيس التنفيذي يا حبيبتي؟ جدتك ماتت من شهرين، وإنتِ مجرد حبر على ورق!”
— “الرئيس التنفيذي هو أنا.” ردستُ بثبات. “من أربع سنين يا طنط سهير.. لما كنتم فاكرين إن بروح المصنع عشان ‘أتفرج على الماكينات وأتسلّى’، أنا كنت بدير مجلس الإدارة بالكامل من ورا الستار، تحت توجيه أمينة المنشاوي الله يرحمها. السذاجة والهدوء اللي كنتم بتشوفوهم فيا، كانوا مجرد اختبار.. اختبار إنتو فشلتم فيه من أول يوم.”
ساد صمت خنّاق. كريم كان ينظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر تمامًا، غريبة لم يسبق له معايشتها.
فؤاد قرب من الترابيزة، ونبرة صوته اتغيرت من الاستعلاء للتهديد السافر:
— “حلو.. طلعتِ ذكية ومجهزة نفسك. بس إنتِ هنا في بيتنا يا ليلى. والقانون في ورق ومحاكم، والوقت مش في صالحك. كريم جوزك شرعًا وقانونًا، وفي ألف طريقة نخلي الشركة دي تتجمد بحساباتها كلها بإننا نرفع قضايا وشكاوى وبلاغات كيدية، لحد ما تبركي على ركبتك وتترجينا نياخدها!”
أخذتُ نفسًا مريحًا، ثم نظرتُ إلى ساعتي الذهبية.
— “الساعة دلوقتي تسعة وعشرة يا عمي فؤاد.. الوقت فعلاً مش في صالحكم، بس مش بسببي.”
في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب الخارجي للفيلة بصوت قوي ومتواصل.
سهير اتخضت بصدمة:
— “مين بيخبط بالطريقة دي الصبح بدري؟”
كريم بصلها بذهول ونزل على السلم بسرعة عشان يفتح، وفؤاد مشي وراه بخطوات متسارعة، بينما سهير فضلت واقفة بتبصلي بجليد واستحقار وهي بتقول:
— “فاكرة نفسك ذكية؟ والله لنربيكي يا ليلى ونعرفك حجمك الحقيقي.”
أنا ما ردتش. أخدت فنجان الشاي الدافئ اللي ما انسكبش، وأخدت منه رشفة هادئة.
من تحت عند الباب، سمعت أصوات أقدام كثيرة وثقيلة تدخل الصالة، وأصوات رجال تتحدث بنبرة رسمية صارمة:
— “أستاذ فؤاد السيوفي؟ أستاذ كريم السيوفي؟”
صوت كريم المرتكك رد:
— “أيوه.. إنتو مين؟ ودخلتو هنا إزاي؟”
— “أنا المقدم هشام من مباحث الأموال العامة، ومعايا أمر نيابة بالقبض على كريم فؤاد السيوفي، وتحفظ على كافة الحسابات البنكية والأصول الخاصة بشركة ‘السيوفي للاستيراد والتصدير’.”
صوت صرخة سهير طلع من حنجرتها وهي بتجري على السلم:
— “أموال عامة إيه؟! إنتو اتجننتم؟! ده ابن فؤاد السيوفي!”
مشيت بخطوات هادئة نحو أول السلم، وبصيت عليهم من فوق.
كريم كان واقف والكلبشات الحديدية بتتقفل على إيديه، وشه كان أبيض زي الملاية، وفؤاد كان بيزعق في الضباط وبيحاول يكلم حد في التليفون لكن الملازم سحب الموبايل من إيده ببرود.
رفع كريم عينيه وشافني واقفة فوق.. بروب الحرير الأبيض، وحلق الألماس، والابتسامة الهادئة نفسها على وشي.
— “إنتِ.. إنتِ عملتي إيه يا ليلى؟!” صرخ كريم بصوت مخنوق وهو بيحاول يتحرك ناحيتي.
نزلت السلم السفلاني بخطوات متزنة لحد ما وقفت قصاده مباشرة على بعد خطوتين. الضباط كانوا واقفين ينتظرون، والكل فاهم إن الحركة دي مش عادية.
— “أنا ما عملتش حاجة يا كريم.” قلتها وأنا ببصله بعينين خاليين من أي رحمة. “أنا بس فعلت البلاغ اللي جدتي قدمته من سنة كاملة ضد شركتكم.. البلاغ اللي كان متأجل لحد ما أشوف هل ابن السيوفي اتقدم لي عشان بيحبني فعلاً، ولا عشان الديون اللي غرقتم فيها بسبب قمار أبوه وصفقات الس\لاح والمقاولات المشبوهة في العاشر.”
فؤاد أكل شفايفه من الغيظ وصوته خرج كأنه فحيح:
— “إنتِ كنتِ عارفة؟! كنتِ عارفة كل حاجة وجيتي اتجوزتيه؟!”
— “كنت عاوزة أضمن إنكم تحطوا كل أوراقكم على الترابيزة بنفسكم.” أجبته بثبات. “كنت عاوزاكم تطمنوا وتفكروا إن اللقمة بقت في بؤكم خلاص.. عشان لما أقطعها، أقطع معاها نفسكم.”
سهير هجمت عليا وهي بتصرخ وتدعي عليا:
— “يا عقربة! يا خائنة! جيتي بيتنا عشان تخربي بيتنا وتضيعي ابني؟!”
الضابط مسكها فوراً ورجعها لورا.
طلعت من جيب الروب ورقة ثانية مطوية بشكل أنيق، وقدمتها لكريم.
— “دي ورقة طلاق للضرر، ومعاها تنازل كامل منك عن أي حقوق أو مؤخر أو مطالب مالية من عيلة المنشاوي.. هتوقع عليها دلوقتي يا كريم، ولا تحب نضيف على ق\ضية الاختلاس والنصب قضايا تزوير وتهديد بابتزاز؟”
كريم بص للورقة، وبعدها بص لأبوه اللي كان منهار وواقف مش قادر يتكلم، وبعدها بص للموثق محمود اللي كان بيحاول يستخبى ورا الستارة.
— “إنتِ مش ليلى..” همس كريم بنبرة مكسورة ومصدمة. “إنتِ شيطانة..”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقربت منه وهمست في أذنه بنبرة ثلجية:
— “أنا ليلى المنشاوي يا كريم.. البنت اللي افتكرتم إنكم تقدروا تأكلوها لحم وترموها عضم.. جدتي أمينة علمتني إن النسيج قوي مش عشان الخيط غالي، النسيج قوي عشان الخيوط المترابطة بتقطع الإيد اللي تحاول تغزلها على مزاجها.”
أمسك كريم القلم بإيدين بترتعش تحت ضغط الضابط اللي قال له: “وقّع يا أستاذ خلصنا.”
وقع كريم على ورقة الطلاق وهو بيعيط بحسرة وخيبة أمل، والورقة وقعت على الأرض بين جزمته وجزمتي.
رفعت الورقة بهدوء، وطويتها، وبصيت لسهير وفؤاد اللي كانوا واقفين مصدومين مش قادرين يستوعبوا إن الكابوس ده بيحصل في بيتهم وفي ثاني يوم الفرح.
— “بيتكم عامر يا سهير هانم.” قلتها بسخرية راقية. “الموثق أهو معاكم، تقدروا تخللوه ينفعكم في قضايا الحبس اللي جاية.”
التفتُّ ومشيت ناحية باب الفيلة الخارجي، وسحبت شنطة سفر صغيرة كنت مجهزاه بالليل ومخبياها جنب الباب. الضابط فتحلي الباب باحترام، وخرجت للشمس والهواء النقي.
سيارة مرسيدس سوداء ضخمة كانت واقفة برة، نزل منها سكرتير جدتي القديم، “عم ناصر”، راجل عجوز بشعر أبيض ونظارات طبية ووقار شديد.
فتحلي باب العربية باحترام وقال:
— “حمد الله على سلامتك يا ست ليلى.. كل حاجة تمت زي ما الست أمينة الله يرحمها خططت بالظبط.”
ركبت العربية، وحطيت شنطتي جنبي، وبصيت من الشباك على فيلة السيوفي اللي كانت الشرطة بتحيط بها من كل جانب.
— “اطمئن يا عم ناصر..” قلت وأنا بمسح دمعة واحدة يتيمة نزلت من عيني على السذاجة اللي راحت للابد. “المنشاوي ما بيتكسرش.. جهزلي اجتماع مجلس الإدارة الساعة اتناشر، عندنا عقود جديدة في الإسكندرية لازم نوقعها.”
العربيةتحركت، وسبت ورايا العيلة اللي افتكرت إنها اشترت عروسة لعبة، واكتشفت إنها دخلت حرب مع إمبراطورة.
يوم الفرح 2
وصلتُ إلى المقر الرئيسي لشركات “المنشاوي للغزل والنسيج” في قلب القاهرة. مبنى زجاجي شامخ يتوسط المنطقة الاقتصادية، يرتفع بعظمة تعكس تاريخ السيدة التي أقامته من العدم.
ترجلتُ من السيارة المرسيدس، متخليةً عن الروب الحريري وبقايا الليلة الماضية، لارتدي بدلة رسمية سوداء حادة القَطْع، ورفعتُ شعري لأعلى في كعكة منتظمة، مطعمة بحلق الألماس الخالص الذي أورثتني إياه جدتي “أمينة”. لم أعد “ليلى الطيبوبة الغلبانة”، بل أصبحتُ رئيسة الإمبراطورية.
كان الموظفون والمهندسون يقفون على جانبَي البهو العريض يتهامسون برهبة واحترام. فمنذ وفاة جدتي، كانت الشائعات تدور حول إمكانية انهيار الشركة أو استحواذ زوجي الشاب وأهله عليها.
استقبلني “عم ناصر” عند المصعد البانورامي، وأعطاني ملفًا أزرق سميكًا.
— “كل أعضاء مجلس الإدارة في انتظارك فوق يا ست ليلى.. بس في مشكلة.”
وقفتُ داخل المصعد ونظرتُ إليه ببرود:
— “مشكلة إيه يا عم ناصر؟”
— “أستاذ طارق المنشاوي.. ابن عمك. استغل غيابك الأيام اللي فاتت والشائعات اللي نشرها فؤاد السيوفي، وقدر يقنع تلت أعضاء المجلس بضرورة سحب الثقة منك وتعيينه هو رئيس تنفيذي مؤقت بحجة إنك ‘عروسة جديدة ومش فاضية للبزنس’.”
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، فيها من مكر جدتي الكثير.
— “طارق؟ طارق طول عمره بيحلم يركب الموجة.. فاكر إن الجو فضي له لمّا جدتي ماتت.”
عندما فتحتُ أبواب قاعة الاجتماعات الكبرى في الدور الأخير، ساد الصمت التام. القاعة كانت تضم أربعة عشر رجل أعمال من كبار المستثمرين والشُركاء، وعلى رأس الطاولة كان يجلس ابن عمي “طارق”، يرتدي بدلة فاخرة ويتحدث بثقة مفرطة.
توقفتُ عند الممر الأوسط، ونظرتُ لطارق اللي اتفاجئ بوجودي، لكنه حاول يداري ارتباكه بابتسامة خبيثة وقام وقف:
— “أهلاً أهلاً بالعروسة! ألف مبروك يا ليلى.. بس مش غريبة تكوني هنا تاني يوم فرحك؟ كان المفروض تكوني في شهر العسل في أوروبا، مش في قاعة اجتماعات مع رجال الأعمال!”
بعض الأعضاء الموالين لطارق ضحكوا بخفة ومجاملة، بينما التزم القادة الكبار الصمت.
مشيت بخطوات واثقة وثابتة، ووقفتُ أمام المقعد الرئيسي على رأس الطاولة—المقعد الذي كان ملكًا لأمينة المنشاوي ولم يجرؤ أحد على الجلوس عليه. طارق كان يجلس على المقعد المجاور له مباشرة.
وضعتُ الملف الأزرق بقوة على الطاولة، فنجم عن ذلك صوت حاد جعل الجميع يعتدلون في جلساتهم.
— “شهر العسل اتأجل يا طارق..” قلتُ بصوت هادئ ومسموع لكل زاوية في القاعة. “لأن العريس مشغول حاليًا في النيابة العامة.. بتهم اختلاس وتزوير وبلاغات كيدية.”
شهقة مكتومة صدرت من الحضور. طارق لونه اتغير ووشه اصفرّ:
— “إنتِ بتقولي إيه؟! كريم السيوفي في النيابة؟!”
— “كريم وأبوه فؤاد..” أضفتُ وأنا أفتح الملف. “وكانوا فاكرين إنهم يقدروا يستولوا على أسهم الشركة دي بمساعدة ‘خائن’ من جوة مجلس الإدارة، كان بيسرب لهم أرقام المناقصات وعقود التوريد في العاشر من رمضان والإسكندرية مقابل نسبة من أرباح شركة السيوفي للاستيراد.”
ساد القاعة توتر خناق. نظرتُ ببطء في وجوه الأعضاء جميعهم، حتى استقرت عيناي المباشرتان على طارق.
طارق ضرب الطاولة بيده وقال بعصبية محاولاً التغطية على توتره:
— “إنتِ جايّة ترمي بياضك وتعملي مسرحيات هنا عشان تداري على فشلك؟ الجوازة الغلط دي اختيارك إنتِ! إحنا هنا بصدد إنقاذ شركة بمئات الملايين من طيش بنت صغيرة مالهاش في إدارة الأزمات!”
وقفتُ بثبات، وسحبتُ جهاز التحكم وقمتُ بتشغيل الشاشة الضخمة المعلقة في القاعة.
ظهرت على الشاشة تسجيلات صوتية، ومستندات تحويلات بنكية حية من حسابات سريّة في دبي وسويسرا، تربط بين حساب طارق الشخصي وحساب فؤاد السيوفي.
— “دي التحويلات اللي تمت الشهر اللي فات يا طارق..” قلتُ بنبرة حاسمة كالسيف. “خمسين مليون جنيه دخلوا حسابك الشخصي في مقابل إنك تسهل للموثق دخول بيتي الصبح، وتبصم على تنازل مبدئي باسم كريم السيوفي عن أراضي مصانع غزل المحلة.”
الجميع في القاعة قاموا واقفين في حالة ذهول وصدمة.
أحد كبار المالكين، “الحاج راغب”، صرخ في طارق:
— “أنت بتبيع شركة جدتك للسيوفي يا طارق؟! يا خسارة التربية!”
طارق بدأ يعرق بغزارة، وصوته يقطع:
— “ده.. ده كذب! المستندات دي مفبركة! إنتِ بتتبلي عليا عشان تمسكي الشركة لوحدك!”
— “المستندات دي موثقة من الهيئة العامة للاستثمار وبلاغ رسمي اتقدم للنيابة من ساعة واحدة بس.” ردستُ وأنا أغلق الملف. “وبصفتي المالك لأغلبية الأسهم بنسبة 60%—واللي جدتي سابتهالي بالكامل في وصيتها المغلقة—أنا بعلن رسمياً إقالة طارق المنشاوي من مجلس الإدارة، ورفع دعوى قضائية عاجلة بتهمة الإضرار العمدي بأموال الشركة والتآمر مع جهات منافسة.”
أشار “عم ناصر” للحرَس الخاص بالشركة، فدخل رجلان ضخمان وقفا خلف طارق مباشرة.
طارق نظر لي بغل وكراهية لم أرها من قبل، وقال وهو بيتجر لبرا القاعة:
— “مش هسيبك يا ليلى! فاكرة إنك كسبتي؟ السيوفي مش هيسيبوكي، وأنا مش هسيبك.. الإمبراطورية دي هتتهد على دماغك!”
— “الإمبراطورية دي أركانها حديد يا طارق..” قلتُ وأنا أنظر إليه باحتقار. “واللي يحاول يهدها.. بيتسحق تحتها.”
تم سحب طارق للخارج وسط صمت وذهول باقي الأعضاء. أعدتُ جليسي على المقعد الرئيسي لجدتي أمينة، وسحبتُ أوراق العقد الجديد.
نظر إليّ جميع الأعضاء باحترام ورهبة جديدة، وكأنهم يمتثلون لأول مرة للأمر الواقع: ليلى المنشاوي ليست امتدادًا لأمينة فحسب، بل هي النسخة الأكثر شراسة وتطورًا.
— “دلوقتي يا سادة..” قلتُ وأنا أوزع الأوراق عليهم. “نفتح جدول الأعمال.. عندنا صفقة توسع جديدة بـ 200 مليون يورو مع الماركات العالمية في أوروبا، ومش هسمح لأي عثرة معطلة إنها توقفنا.”
لكن.. وأنا أوقع أول ورقة، رن هاتفي الخاص برقم غير مسجل.
استأذنتُ الحضور ورفعتُ الهاتف بهدوء.
جاءني صوت أنثوي حاد ومصحوب بصفير رياح، صوت سهير السيوفي:
— “فاكرة نفسك ذكية يا ليلى؟ فاكرة إنك حبستي كريم وطرقتي طارق يبقى اللعبة خلصت؟”
قلتُ ببرود:
— “عايزة إيه يا سهير هانم؟”
ضحكت سهير ضحكة هستيرية ومرعبة عبر الهاتف:
— “انزلي بصي على المخزن الرئيسي لشركتك في العاشر من رمضان دلوقتي.. الشعلة ولعت يا ليلى، والتاريخ اللي جدتك بنته في أربعين سنة.. بياكله النار في أربعين ثانية!”
انقبض قلبي فوراً، وقمتُ واقفة في وسط القاعة، والجميع ينظرون إليّ بذعر.
سمعتُ صوت الانفجار المكتوم عبر الهاتف قبل أن تغلق سهير الخط بضحكة منتقمة. لم يتغير وجهي أمام أعضاء مجلس الإدارة، بل وقفتُ بثبات يسكنه غضب عارم، ونظرتُ إلى “عم ناصر”.
— “عم ناصر.. اطلبلي عربيات الحراسة فورًا، ومسؤول الأمن والسلامة في مصانع العاشر من رمضان يكون معايا على التليفون خلال دقيقة.”
صرخ أحد الأعضاء وهو ينظر لهاتفه المحمول:
— “يا ست ليلى! الأخبار نازلة بث مباشر دلوقتي.. المخزن الرئيسي لغزل المحلة والنسيج الخام في العاشر من رمضان طالعة منه ولعة ماسكة في السحاب!”
ساد الذهول قاعة الاجتماعات، وبدأ البعض يتمتم بعبارات الخسارة والانهيار، لكنني مشيتُ بخطوات حاسمة نحو الباب دون أن أنبس بكلمة.
في الطريق إلى العاشر من رمضان، كانت السيارة المرسيدس تسير بسرعة جنونية تتجاوز المائتين كيلومتر في الساعة. كنتُ أجلس في الخلف، أرقب ألسنة الدخان الأسود المتصاعدة في الأفق من على بعد كيلومترات، وكأنها سحابة شؤم تحاول تغطية اسم “المنشاوي”.
مسكتُ الهاتف واتصلتُ بمدير الدفاع المدني ورئيس جهاز مدينة العاشر من رمضان:
— “سيادة اللواء.. أنا ليلى المنشاوي. المخزن اللي بيتحرق ده فيه مواد خام وصوف مستورد بقيمة ثلاثمائة مليون جنيه، ومربوط بعقود توريد لأوروبا الأسبوع الجاي.. عايزه كل سيارات الإطفاء في المحافظة تكون هناك دلوقتي، ومحطة المياه الفرعية تتفتح بالكامل!”
وصلتُ إلى موقع الحادث. كانت العشرات من سيارات الإطفاء والإسعاف تحيط بالمبنى الضخم. النيران كانت تأكل واجهة مخازن القماش الخام، والعمال والمهندسون يركضون برعب في كل اتجاه.
نزلتُ من السيارة، ولأول مرة أخلع جكت البدلة السوداء، وأمسك بـ”خوذة حماية” بيضاء من على الطاولة الفرعية للأمن، وألبسها فوق شعري المرفوع.
ركض مدير الأمن المهندس “سامح” نحوي، وجهه كان مغطى بالهباب الأسود وعيناه تفيضان بالدموع:
— “يا ست ليلى! الحريق مش طبيعي! الماس الكهربائي ما يعملش كده.. المواد المشتعلة اترشت بفعل فاعل في الأركان الأربعة للمخزن في نفس التوقيت!”
— “عارفة إنه بفعل فاعل يا سامح..” ردستُ بثبات وأنا أنظر لألسنة اللهب. “المهم عندي دلوقتي.. المخزن التاني.. المخزن الاحتياطي المغلق بالنظام الإلكتروني، جاله حاجة؟”
ساد الصمت الشديد من سامح، ونظر إليّ بصدمة:
— “المخزن التاني؟! ده المخرن السري اللي ما حدش يعرفه غير الست أمينة الله يرحمها وحضرتك!”
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وسط أدخنة الحريق.
سهير وطارق وفؤاد كانوا فاكرين إن المخزن الرئيسي اللي قدامهم ده هو كل ثروة الشركة من المواد الخام. ما يعرفوش إن جدتي أمينة المنشاوي، من أربع سنين، بنى نظام مخازن ذكي تحت الأرض بخرسانات مسلحة ومضادة للحرائق للانفجارات، خبينا فيه 70% من المخزون الإستراتيجي الممتاز تحسبًا لأي أزمة أو غدر.
في تلك اللحظة، لمحتُ سيارة بيضاء مظللة تقف على بعد مسافة قريبة من موقع الحريق، محركها يعمل، ومن شباكها الخلفي ظهر وجه “سهير السيوفي”. كانت تشاهد النيران بابتسامة تشفي وغل، وتقوم بتصوير الحريق بهاتفها، متوقعةً أن تراني أبكي وأصرخ أمام عدسات الصحفيين الذين بدأوا بالتجمع.
مشيتُ بخطوات هادئة ومتقاطعة نحو سيارتها. الحراس الشخصيون تبعوني فورًا.
عندما وقفتُ أمام شباك سيارتها، تفاجأت سهير بوجودي بهذه السرعة وبهذا الهدوء. كانت تتوقع أن تراني مكسورة، لكنها وجدتني أقف فوق رأسي خوذة المهندسين، وعيناي تلمعان بتحدٍ كالصخر.
أنزلت سهير الشباك ببطء، وحاولت رسم ابتسامة متعالية:
— “أوه.. ليلى! يا خسارة التعب والشقاء اللي جدتك عملته.. شايفه النار حلوة إزاي وهي بتاكل الملايين؟ ده ثمن الكبرياء يا حبيبتي.. ثمن إنك حبستي ابني وشوهتي اسم عيلتنا.”
قربتُ وجهي منها، ونطقتُ بنبرة خفيضة، ثقيلة، تجمد الدماء في العروق:
— “النار دي مش بتاكل فلوسي يا سهير.. النار دي بتاكل حريتك أنتِ وفؤاد للستين سنة الجايين.”
سهير ارتبكت:
— “إنتِ بتقولي إيه؟”
طلعتُ من جيبي جهاز تشغيل صغير، وضغطت على زر العرض.
ظهر فيديو متسجل بدقة عالية جداً من كاميرات المراقبة الحرارية المخفية حول السور الخارجي للمخزن. الفيديو يظهر فيه سائق سهير الشخصي، وهو ينزل من نفس السيارة البيضاء قبل ساعتين، ويحمل جاليونات بنزين ويقوم برشها على الجدران الخلفية للمخزن بتوجيه مباشر من شخص داخل السيارة.
سهير وُجهها اصفرّ تمامًا، وأصبحت تتنفس بصعوبة شديدة:
— “ده.. ده مش..”
— “كاميرات المراقبة الحرارية مربوطة بسيرفرات التلغرام والأمن الوطني مباشرة يا طنط..” أضفتُ ببرود قاتل. “سائقك اتمسك من خمس دقائق في أخر الشارع، واعترف بكل حاجة تحت التهديد.. والنيابة العامة أصدرت للتو ضبط وإحضار ليكِ بتهمة إشعال حريق عمدي، وتدمير منشآت حيوية، والمشاركة في مخطط إرهابي لتدمير أصول اقتصادية!”
في نفس اللحظة، حاصرت أربع سيارات شرطة سيارة سهير البيضاء، ونزل منها الضباط وأسلحتهم مشهرة.
فتحت الشرطة باب السيارة وسحبت سهير للخارج وهي تصرخ وتولول وتستغيث بأسماء كبار المسئولين، وسقطت حقيبتها الفاخرة على الأرض وتناثرت محتوياتها تحت جزمة بوطي الطيني.
نظرتُ إليها وهي تُقاد بالكلبشات للسيارة الشرطية وقام الضابط بتغطية رأسها، وقلت بصوت مرتفع ليسمعه الصحفيون الجالسون في المكان:
— “المخزن اللي ولعتيه يا سهير.. كان فيه قماش تالف بضاعة راكدة من خمس سنين كنا بنجهزها عشان نعدمها ونستفيد من التأمين!.. وشغلك الهواة ده وفر عليا مصاريف الإعدام والتأمين هيعوضني ضعف قيمتها!”
التفتُّ للصحفيين والمصورين وقفتُ بثبات وشامخة أمام كاميرات التلفزيون التي تبث مباشرًا:
— “إلى كل عملائنا في أوروبا ومصر.. مخازن المنشاوي الرئيسية بخير، والبضائع الأساسية محفوظة في المخازن الأرضية، والطلبيات هتطلع في مواعيدها بكرة الصبح بدون تأخير دقيقة واحدة.. المنشاوي مبنى من حديد، والشرارة اللي بتضربنا.. بتنور طريقنا بس.”
صفق العمال والمهندسون بحرارة وهتفوا باسم “المنشاوي” حتى ارتجت المنطقة الصناعية كاملة.
لكن.. وأنا أستعد للركوب في سيارتي للعودة للقاهرة، جاءني “عم ناصر” ووجهه مرعوب، وهو يحمل ظرقاً أسود مغلقاً بشمع أحمر، وجده أحد الحراس معلقاً على باب سيارتي.
فتحتُ الظرف بريبة..
كانت هناك صورة قديمة جداً بالأسود والأبيض لجدتي “أمينة” وهي صغيرة، وخلفها رجل مجهول الوجه يمسك بيده س\كيناً، ومكتوب أسفل الصورة بخط يد أحمر حاد:
«أمينة المنشاوي ما بنتش الإمبراطورية دي بعرقها زي ما فهمتك.. أمينة سرقتها بالدم.. ودلوقتي صاحب الدين الأصلي رجع يسترد كل حاجة.. واللعبة يلا بدأت يا ليلى.»
وقفتُ أتنفس بسرعة، ورأيتُ أن الحرب مع عائلة السيوفي لم تكن سوى الستار السطحي.. وأن هناك عدواً أكبر وأشد ظلاماً يتربص بي وبإمبراطورية المنشاوي من القاع.
يوم الفرح 3
تجلّدتُ أمام الرسالة، ولم أسمح للرعب أن يجد طريقه إلى وجهي أمام عم ناصر والحراس. أعدتُ طي الورقة السوداء بدقة وضعتها في جيبي.
— “عم ناصر.. نرجع القصر فورًا. قصر أمينة المنشاوي في الزمالك.”
القصر القديم بالزمالك كان مغلقًا منذ وفاة جدتي. بناء كلاسيكي من العشرينيات، جدرانه تشهد على بدايات العائلة، ويحتوي على مكتبة جدتي الخاصة التي لم يدخلها أحد منذ رحيلها.
وصلنا في منتصف الليل. كانت أضواء القصر الشاحبة تعكس ظلال الأشجار العتيقة. صعدتُ فورًا إلى الدور الثاني، حيث القبو والمكتب الخشبي الضخم المصنوع من الشجر الأبنوس.
بدأتُ البحث بين الأوراق والمذكرات القديمة. كانت أمينة المنشاوي امرأة فائقة التنظيم، تدون كل قرش وكل خيط. ولكن خلف الخزنة الرئيسية، لاحظتُ وجود لوحة زتيية قديمة لجدتي وهي تقف أمام أول ورشة نسيج لها. تحسستُ إطار اللوحة، فوجدتُ مقبضًا مخفيًا.
تزحزحت اللوحة لبتكشف عن خزنة صغيرة جدارية صلبة، تعتمد على فتح برقم سري. تذكرتُ تاريخ وفاة جدي الراحل وتاريخ تأسيس أول مصنع، وأدخلتُ الأرقام: 1-9-5-8.
تكتكت الخزنة وانفتحت.
داخل الخزنة، لم يكن هناك ذهب ولا أموال.. بل كانت هناك مفكرة جلدية حمراء متهالكة، وبجوارها عقد شركة قديم يعود لعام 1962، وم\سدس فاخر من الطراز القديم.
فتحتُ المفكرة ببرود. كانت خطوط جدتي اليدوية واضحة وصرامة كلماتها تنبض من بين السطور:
> *”إلى ليلى.. حفيدتي الوحيدة والوريثة الشرعية لذكائي وقوتي:*
> *إذا كنتِ تقرئين هذه السطور، فهذا يعني أن ‘فاروق الجبالي’ أو أحد أبنائه قد ظهر من الظلام ليطالب بما يدعي أنه حقه.*
> *في بداية طريقي، لم أكن أملك سوى فكرتي وعزيمتي، وفاروق كان الشريك المالي الأول بأموال جاء بها من تجارة مشبوهة وتهريب. عندما اكتشفتُ مصدر أمواله وحاول إجباري على أدخال مصانع النسيج في عمليات غسيل أموال، رفضتُ وبلّغتُ السلطات. سُجن فاروق، وأخذتُ العقد القانوني الذي يعطيني الحق الكامل في الشركة بعد تسديد كافة ديونه وأمواله للدولة.*
> *فاروق أقسم وهو يقاد للسجن أن يعود يومًا ما ليأخذ الإمبراطورية.. أو يدمرها على رؤوس أحفادي.*
> *يا ليلى.. السيوفي وطارق لم يكونوا سوى أداة صغيرة في يد أبناء فاروق الجبالي.. لا تطعني الذئاب وتنسي مَن أطلقهم عليكِ.”*
>
سقطت قطرة عرق من جبيني. فاروق الجبالي! الإسم الذي كان يُهمس به في عالم المال كأحد أكبر حيتان السوق السوداء والخفاء في الشرق الأوسط.
في تلك اللحظة بالذات، انطفأت أضواء القصر بالكامل.
ساد صمت مرعب. عم ناصر كان في الأسفل، لكنني لم أسمع له صوتًا.
سحبتُ المس\دس القديم من الخزنة، وتأكدتُ من وجود الرصاصات فيه—جدتي كانت تحسب حساب كل شيء. خرجتُ بخطوات هادئة للغاية في الممر المظلم، أعتمد على ضوء القمر المتسلل من النوافذ الطويلة.
سمعتُ صوت أقدام ثقيلة تصعد السلم الرخامي.
وقفتُ أعلى السلم، ورأيت ظلاً عريضًا لرجل يرتدي معطفًا طويلاً، ويحمل في يده عصا بأعلى رأس من الفضة، وبجواره اثنان من المسلحين بجسامة غير طبيعية.
توقف الرجل عند أسفل السلم، ورفع رأسه. أضاء ضوء القمر وجهه.. رجل في سبعينيات عمره، بعين واحدة غائرة وشطب جراحي يمتد على خده الأيسر.
— “مساء الخير يا بنت أمينة..” قالها بصوت أبحّ كصوت الحديد الصدئ. “شبهها بالظبط.. نفس العينين الباردة والنظرة اللي فاكرة نفسها فوق البشر.”
رفعتُ المس\دس بثبات وأشرتُ به مباشرة نحو رأسه:
— “أنت فاروق الجبالي.”
ضحك العجوز ضحكة جافة هزت أركان الممر المظلم:
— “برافو يا ليلى.. قرأتِ المذكرات بسرعة. جدتك سقتك من سمّها بدري. بس المس\دس القديم ده مش هيحميكي.. ولا الشوية اللي عملتيهم مع عيلة السيوفي الهبل دول. السيوفي وطارق كانوا مجرد ‘طُعم’ عشان أشغلك بعيد عن الصفقات الكبيرة اللي كنت باخدها منك واحدة ورى التانية في السوق الأوروبي.”
— “أنت اللي اشتريت أسهم الشركة في البورصة من ورايا لحساب شركات أوفشور؟” سألته وأنا أحتفظ بهدوء أنفاسي.
— “شاطرة!” رد فاروق وهو يخطو أول خطوة على السلم. “من بكرة الصبح.. النسبة اللي معايا في شركة المنشاوي أصبحت 49%.. وبكرة في فتح جلسة البورصة، هنسحب باقي الأسهم وهنعلن الاستحواذ الكامل. إمبراطورية أمينة المنشاوي هتتغير اسمها لـ’مجموعات الجبالي’.. وإنتِ هترجعي لصفر زي ما جدتك بدأت بالضبط!”
ساد الصمت لثوانٍ. نظرتُ إليه بابتسامة صغيرة، ابتسامة جعلت فاروق يتوقف عن الصعود، ويزداد الشك في عينيه.
— “أنت بجد فاكر إنك بتلعب معايا يا فاروق؟” قلتُ وأنا أنزل خطوة واحدة نحوه على السلم.
— “إنتِ في موقف ضعف يا بنت المنشاوي! المسلحين بتوعي محاصرين القصر، وعم ناصر تحت مربوط ومغمى عليه!” صرخ فاروق بغضب.
سحبتُ هاتفي الصغير باليد الأخرى، وفتحتُ السبيكر.
صوت صدح في القاعة، صوت رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة:
— “مساء الخير يا ست ليلى.. بنأكد لحضرتك إن تم تجميد كافة عمليات الشراء والاستحواذ اللي تمت من شركات الأوفشور التابعة لشركة ‘الجبالي جروپ’ بناءً على أمر قضائي صادر بتهمة غسيل الأموال والتعامل بأوراق مزورة من التسعينات.”
وجه فاروق اتخطف في ثانية. رجع خطوة لورا بصدمة هائلة:
— “إيه؟! إنتِ عملتي إيه؟!”
— “جدتي أمينة كانت عارفة إنك هترجع يا فاروق..” أجبته ونبرة صوتي أصبحت أصلب من الصلب نفسه. “ومن خمس سنين، حطت كل أسهم الشركة الرئيسية في وقف عائلي مغلق لا يجوز بيعه ولا تداوله في البورصة إلا بموافقة المالك الفردي.. اللي هو أنا. الأسهم اللي أنت اشتريتها من السوق دي كانت أسهم وهمية وطُعم إحنا اللي عرضناه في السوق بأسماء شركات مدنية عشان نلم كل فلوسك السريلة ونحجز عليها!”
فاروق أشار للمسلحين بجانبه بغل:
— “اقتلوها! اخلصوا منها دلوقتي!”
قبل أن يتحرك المسلحان خطوة واحدة، تحطمت النوافذ الزجاجية للقصر بالكامل، ودخلت أشعة الليزر الحمراء الخاصة بقوات التدخل السريع والأمن الوطني، وملأت الصدر والوجوه.
— “اثبت مكانك أنت وهو! الشرطة محاصرة المكان!” صرخ ضابط المباحث وهو يدخل من الباب الرئيسي ومعه عشرات العناصر المسلحة.
تمت السيطرة على المسلحين في ثوانٍ معدودة، ونُزع الس\لاح منهما وأُسقطا على الأرض.
وقف فاروق الجبالي محاصرًا بأشعة الليزر الحمراء، ينظر إليّ وهو يلهث برعب وذهول، غير مصدق أن الإمبراطورية التي ظل يخطط لتدميرها عقودًا، تحطمت أحلامه أمام بوابتها في ليلة واحدة وعلى يد فتاة في العشرينيات.
نزلتُ السلم بخطوات متزنة، حتى وقفتُ أمامه مباشرة. أعدتُ الم\سدس إلى جيبي، ونظرتُ في عينيه المليئتين بالغل والانهيار.
— “جدتي ما سرقتش إمبراطوريتها بالدم يا فاروق..” همستُ في أذنه بكل شموخ. “جدتي بنتها بالعرق والذكاء.. وأنا حريستها. ومفيش ذئب مهما كبر يقدر يلمس سور المنشاوي ويمشي على رجليه.”
قيدت الشرطة فاروق الجبالي، وسُحب للخارج وهو يصرخ بهستيريا.
ركضتُ لأسفل، واطمأننتُ على عم ناصر الذي كان بخير بعد أن أفاقه المسعفون.
وقفتُ على شرفة القصر العتيق مع بزوغ أول أشعة لشمس الصباح، أنظر إلى شروق يوم جديد.. يوم أصبحت فيه ليلى المنشاوي هي الحاكم المطلق للإمبراطورية، بلا أعداء في الظل، وبلا خوف من الماضي.
أخرجتُ المفكرة الحمراء، وكتبتُ في الصفحة الأخيرة بخط يدي:
> *”تُبنى الإمبراطوريات بالجهد، وتُحمى بالقوة.. واليوم، بدأ عهد ليلى المنشاوي.”*
>
خرجتُ من قصر الزمالك مع ساعات الصباح الأولى، والشمس تشرق على القاهرة لتعلن عن بداية يوم جديد تماماً. فاروق الجبالي خلف الأسوار، وعائلة السيوفي تساق إلى مصيرها المحتوم، وطارق المنشاوي معزول وملاحق قضائياً. لكنني تعلمتُ من جدتي أمينة أن النصر لا يكتمل بمجرد قطع رؤوس الأفاعي، بل بتجفيف المأوى الذي ولدت فيه.
ركبتُ السيارة متجهةً إلى مقر المحكمة الاقتصادية. اليوم ليس يوم إداري في الشركة، بل يوم الحساب الشامل والعلني.
في قاعة المحكمة الفسيحة، كانت الجلسة محددة للنظر في بلاغات النيابة العامة ضد كريم السيوفي، ووالده فؤاد، ووالدته سهير، وطارق المنشاوي، بتهم التزوير والشروع في الابتزاز والتآمر لتدمير أصول اقتصادية وإشعال حريق عمدي.
دخلتُ القاعة وأنا أرتدي ثوبًا أسود أنيقًا، يزينه معطف أبيض ناصع، وحلق الألماس الخالص يتلألأ تحت أضواء القاعة. يجلس خلفي عشرات الصحفيين والمصورين وكبار رجال الأعمال.
جلس المتهمون في قفص الاتهام.
كريم كان يرتدي ملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان مليئتان بالندم والكسرة. لم يجرؤ على رفع عينيه ليقابل عينيّ. أما سهير، فكانت تجلس في الزاوية، شعرها المتصلب أصبح أشعث، ووجهها الذي كان ينضح بالاستعلاء يمتلئ الآن بملامح الخوف والانهيار. فؤاد كان يتنفس بصعوبة، يمسك بقلبه ويكلم محاميه بصوت مرتعش. وفي الطرف الآخر من القفص، كان طارق المنشاوي يمسك بقضبان الحديد وينظر إليّ بغل مكتوم.
جلس القاضي، وساد الصمت القاعة.
بدأ ممثل النيابة العامة بتلاوة أسباب الدعوى، مستعرضًا الأدلة القاطعة التي قدمتها: الأدلة الصوتية والمصورة لعملية الابتزاز، التسجيلات الحرارية لحريق العاشر من رمضان، والتحويلات البنكية المشبوهة بين طارق وعائلة السيوفي وفاروق الجبالي.
— “سيادة القاضي..” قال ممثل النيابة بصوت جهوري هز أركان القاعة. “إننا لا ننظر اليوم مجرد قض\ية نزاع مالي أو عائلي، بل ننظر جري\مة مكتملة الأركان استهدفت تدمير صرح اقتصادي وطني وقفت خلفه امرأة مكافحة، واستغل فيه المتهمون مشاعر الزواج والقرابة للسرقة والنهب بغير وجه حق!”
طلب محامي كريم الكلمة، وقام محاولاً استعطاف الهيئة:
— “سيادة القاضي.. موكلي كريم السيوفي وقع تحت تأثير والده، وكان يمر بأزمة مالية خانقة، وما حدث منه يوم الصباحية كان اندفاعًا طائشًا، فنلتمس من عدالة المحكمة استخدام أقصى درجات الرحمة.”
هنا، رفعتُ يدي واستأذنتُ القاضي في الحديث بصفتي المجني عليها والمدعي بالحق المدني.
أذن لي القاضي. وقفتُ بثبات، ونظرتُ نحو قفص الاتهام مباشرة:
— “سيادة القاضي.. كريم لم يكن طائشًا ولا مخدوعًا. كريم وعائلته دخلوا حياتي بمهندسية باردة، واستغلوا الهدوء الذي تربيتُ عليه للوصول إلى أختام ومصانع جدتي. السذاجة ليست جري\مة، لكن استغلالها للسرقة والابتزاز هو أقبح أنواع الجرائم. الرحمة مع هؤلاء هي خيانة لكل امرأة مكافحة تبني مستقبلها بيدها، ولكل عامل في مصانعنا ينتظر روتبه ليعيل أسرته.”
كريم انهار في هذه اللحظة، وبدأ يبكي بصوت مسموع:
— “سامحيني يا ليلى! أرجوكِ يا ليلى تنازلي.. أنا اتخدعت، أبيا وسهير هما اللي زقوني!”
سهير صرخت فيه بغضب وهستيريا داخل القفص:
— “اخرس يا فاشل! أنت اللي ضيعتنا بضعفك!”
تحولت قفص الاتهام إلى ساحة من الشجار والاتهامات المتبادلة بين أفراد العائلة، في مشهد مهين كشف عن حقيقتهم العارية أمام الجميع. ضرب القاضي بمطرقتِه بقوة للسيطرة على القاعة.
وبعد مداولة لم تدم أكثر من ساعة، خرجت الهيئة للنطق بالحكم:
— “حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بسجن المتهم كريم فؤاد السيوفي بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات وتغريمه عشرة ملايين جنيه.
ثانياً: بسجن المتهمة سهير عبد الحميد بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة التحريض والمشاركة في إشعال حريق عمدي.
ثالثاً: بسجن المتهم فؤاد السيوفي لمدة خمس سنوات وتجميد كافة أصوله وممتلكاته لصالح الوفاء بالديون.
رابعاً: بسجن المتهم طارق المنشاوي لمدة خمسة عشر سنة بتهمة الخيانة العظمى لشركة مساهمة والتآمر مع أطراف أجنبية للإضرار بالمصلحة الاقتصادية، مع تجريده من كافة ملكياته وأسهمه في الشركة.”
سقطت سهير مغشيًا عليها على أرضية القفص، بينما انهار طارق وفؤاد، وصاح كريم بالبكاء وهو يُساق بالكلبشات لخارج القاعة.
خرجتُ من باب المحكمة، حيث التفت حول الصحافة والتلفزيون. وقف “عم ناصر” بجانبي ومعه الحقيبة الجلدية التي تضم أوراق التوسع الجديد.
وجه لي أحد الصحفيين سؤالاً:
— “مدام ليلى المنشاوي.. بعد سقوط عائلة السيوفي وطارق وفاروق الجبالي، ما هي خطتك القادمة لـ ‘إمبراطورية المنشاوي’؟”
نظرتُ إلى الكاميرات بابتسامة واثقة، أرتدي فيها كبرياء السنين التي بنتها أمينة المنشاوي:
— “المنشاوي لم تكن أبداً قصة انتقام.. المنشاوي قصة بناء. الأعداء سقطوا لأنهم انشغلوا بالهدم، ونحن استمررنا لأننا نتقن البناء. اليوم نغلق صفحة الماضي بالكامل، ونبدأ خطة إنشاء أكبر مجمع لنسيج الحرير والقطن في الشرق الأوسط باستثمارات تتجاوز المليار دولار.”
عدتُ إلى السيارة المرسيدس، وفي الطريق، أخرجتُ من حقيبتي الورقة الخشبية الصغير التي طبعت عليها صورة جدتي أمينة. مسحتُ الغبار عنها، وحطيتها قدامي على الطابلوه.
— “حقك رجع يا أمينة..” همستُ لنفسي. “والإمبراطورية في إيد أمينة.”
لكن.. وقبل أن تصل السيارة إلى مقر الشركة، أخرج عم ناصر لوحًا إلكترونيًا وقال بنبرة جدية:
— “ست ليلى.. الصفقة الكبرى مع الوفد الألماني وسفراء دول الاتحاد الأوروبي جاهزة للتوقيع النهائي بكرة في الفندق الكبير.. بس في شخص غريب طلب يحضر التوقيع بصفته الشريك الدولي الجديد اللي اشترى ديون عائلة السيوفي الخارجية.. شخص بيسمي نفسه ‘الرئيس’.”
التفتُّ لعم ناصر وعيناي تشتعلان بالتحدي:
— “الرئيس؟ خليه يجي يا عم ناصر.. المنشاوي ما بقاش يخاف من الأشباح.”
دخلتُ القاعة الملكية في الفندق الكبير بالقاهرة. كانت الأضواء الخافتة والموسيقى الكلاسيكية الهادئة تضفي انطباعًا بالوقار والسيطرة. سفراء دول الاتحاد الأوروبي، ورؤساء الشركاء الألمان، ومندوبو البنوك العالمية يجلسون حول الطاولة البيضاوية الفخمة، ينتظرون لحظة الإعلان عن أكبر صفقة نسيج في تاريخ الشرق الأوسط بقيمة مليار دولار.
كنتُ أرتدي فستانًا رسميًا أسود مطعّمًا بخيوط الحرير الذهبية التي صنعتها مصانعنا في غزل المحلة، وعلى صدري دبوس ذهبي عتيق يحمل حرف (A)—أول حرف من اسم جدتي “أمينة”.
وقفتُ على رأس الطاولة، وبجانبي عم ناصر يمسك بملفات التوقيع النهائية.
ساد الصمت عندما انفتح الباب الرئيسي للقاعة، ودخل رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة حادة التصميم، ملامحه هادئة بثقة صارمة، وفي عينيه ذكاء حاد يشبه ذكاء القادة العظام.
وقف الرجل أمامي مباشرة، وأمسك بيده حقيبة جلدية سوداء.
— “الست ليلى المنشاوي..” قالها بلغة عربية فصيحة تشوبها نبرة ثقة راقية. “أنا ‘يوسف الجبالي’.. الابن الأكبر لفاروق الجبالي، والرئيس التنفيذي لمجموعة المستثمرين الدوليين في أوروبا.”
تهامس الحضور في القاعة. عم ناصر تحرك خطوة للأمام بحذر، لكنني رفعتُ يدي وأشرتُ له بالهدوء. لم يرف جفني، ولم يتغير إيقاع أنفاسي.
— “أهلاً يا أستاذ يوسف..” قلتُ بصوت هادئ ومباشر. “جاي تكمّل اللي أبوك وطارق وعيلة السيوفي فشلوا فيه؟ ولا جاي تشوف بنفسك الإمبراطورية وهي بتتوسع؟”
ابتسم يوسف ابتسامة غير متوقعة، فيها احترام حقيقي وتجرد كامل من أي غل. فتح الحقيبة وأخرج منها وثيقة رسمية مختومة من بنك الاستثمار الأوروبي والمحكمة الدولية.
— “أنا مش جاي أحاربك يا ليلى..” قال يوسف بنبرة صادقة هزت القاعة. “أنا قديت العشرين سنة اللي فاتوا في أوروبا بصلّح القذارة اللي أبوي عملها باسم العائلة. ولما علمت باللي عمله السيوفي وطارق بالاتفاق مع أبوي، قمت بشراء كافة الديون والأسهم المشبوهة اللي حاولوا يبتزوكِ بيها.. وسددتها بالكامل للحكومة وللبنوك.”
وضع يوسف الوثيقة أمامي على الطاولة.
نظر للورقة، فإذا هي تنازل كامل وبدون أي مقابل عن كافة الأصول والأسهم التي حاول فاروق الجبالي الاستحواذ عليها، مضافًا إليها شبكة توزيع أوروبية ضخمة تملكها مجموعته في ألمانيا وفرنسا!
— “دي مش منحة يا ليلى..” أكمل يوسف وهو ينظر في عينّي بثبات. “دي إعادة حق.. وتكفير عن أخطاء عيلتي. جدتك أمينة كانت على حق لما رفضت الشراكة المشبوهة مع أبوي، وأنتِ أثبتِ إنك مش بس وريثة أمينة.. أنتِ القائدة اللي تستحق تقود سوق النسيج في المنطقة كلها.”
نظر السفراء والشركاء الألمان لبعضهم البعض باحترام شديد، وقاموا متأثرين بهذه اللحظة التاريخية، وساد التصفيق الحار القاعة الكبرى.
نظرْتُ إلى يوسف الجبالي مطولاً، ورأيتُ في عينيه صدق الرجل الذي قرر أن يبدأ صفحته الخاصة بعيدًا عن ظلال الماضي.
ممدتُ يدي له بثبات:
— “الشراكة النظيفة هي الوحيدة اللي بتعيش يا يوسف.. والمنشاوي بيحترم القوي اللي بيعرف الحق.”
مصافحته أمام عدسات المصورين وكاميرات الصحافة العالمية، لتُلتقط الصورة التاريخية التي تصدرت غلاف كبريات المجلات الاقتصادية في الصباح التالي تحت عنوان: **«نهاية حروب الظلام.. وليلى المنشاوي تتربع على عرش النسيج العالمي».**
مضيتُ على عقود التوسع الأكبر بقيمة مليار دولار، وتم إطلاق اسم “مجمع أمينة المنشاوي الصناعي” على أكبر مدينة نسيج متكاملة في الشرق الأوسط.
بعد مرور عامين..
كنتُ أقف في شرفة المقر الرئيسي الجديد للإمبراطورية في العاصمة الإدارية الجديدة. المبنى يرتفع خمسين دورًا، يطل على المساحات الخضراء، وأصوات الماكينات في مصانعنا بالثلاث مدن تبث في التلفزيونات الداخلية حركة لا تتوقف على مدار أربع وعشرين ساعة.
جاءني عم ناصر وهو يحمل قهوتي الصباحية، ابتسم وهو ينظر إليّ بوفاء وأبوة:
— “صباح الخير يا ست ليلى.. خطوط الإنتاج الجديدة في ألمانيا وافتتاح فرع نيويورك تموا بنجاح، وتقرير الأرباح السنوية كسر كل الأرقام القياسية في تاريخ الشركة.”
رشفْتُ من القهوة ونظرتُ للسماء الصافية.
تذكرتُ ثاني يوم بعد الفرح.. تذكرتُ كريم وسهير وفؤاد وهم يظنون أن الروب الحريري الأبيض وحلق الألماس علامة سذاجة وضبط صيد سهل.
تذكرتُ الموثق والقلم الأسود اللي شطبت بيه على ورقة التنازل.
كم كانوا عميانًا! لم يفهموا أن القوة لا تحتاج إلى صراخ، وأن الهدوء هو الغلاف الأثقل للحديد.
اليوم.. كريم يقضي سنواته خلف الأسوار يفكر فيما خسره بسبب الجشع، وسهير وطارق يدفعون ثمن حقد أكل قلوبهم، بينما اسم “المنشاوي” أصبح رمزًا للشرف والعمل والسيادة.
لمستُ حلق الألماس الخاص بجدتي، وابتسمتُ ابتسامة نصر هادئة صافية.
— “جدتي أمينة كانت بتقوللي: ‘ما توريش الديابة فين الحديد اللي مخبياه’..” قلتُ لعم ناصر وأنا ألتفتُ لمكتبي. “بس هي نسيت تقوللي.. إن الديابة لما بتشوف الحديد.. بتهرب وتفوت إمبراطوريتها لصاحبتها الحقيقية.”
أغلقتُ ملف الماضي للأبد، ومشتُّ بخطوات واثقة نحو قاعة الاجتماعات.. حيث كان المستقبل ينتظر ليلى المنشاوي.


تعليقات
إرسال تعليق