حماتي قالتلى
بقلم ندا الجمل كامله
حماتي قالتلى
بقلم ندا الجمل كامله
حماتي قالتلى: “دوري على عروسة لسلفك الكبير… عايزة أفرح بيه قبل ما أموت.” فاخترتله عروسة مبتخلفش علشان يفضل طول عمره محروم من العيال
كنت فاكرة إن بكده الأرض والورث هيبقوا لجوزي وبناتي… لكن اللي حصل بعد الجواز خلاني أندم على كل خطوة، وكشف سر كنت أتمنى يفضل مدفون للأبد.
“إنتِ اللي هتختاري عروسة لمحمود.”
الجملة دي قالتها حماتي وهي قاعدة على الصالون، وكل اللي في البيت ساكتين، كأن قرارها خلاص اتاخد ومفيش حد يقدر يعترض.
بصيتلها باستغراب وقلت: – أنا؟ وإشمعنى أنا؟
ابتسمت وقالت: – علشان ذوقك حلو، وبصراحة أنا بثق في رأيك أكتر من أي حد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن جوايا كان في إحساس تاني خالص.
أنا عارفة إن حماتي طول عمرها شايفة محمود، ابنها الكبير، هو سندها الحقيقي. أي حاجة حلوة لازم تبقى من نصيبه، وأي أرض أو ورث كانت دايمًا تقول قدامنا: “كل ده هيبقى لمحمود وولاده. الأرض والخير لابني الكبير وولاده.” وكانت بتقولها قدام الكل من غير ما تحسب حساب لحد.
أما جوزي طارق… فكان دايمًا يقول: “سيبيها تقول اللي هي عايزاه، المهم إحنا عايشين في هدوء.”
لكن الكلام كان بيوجعني.
كنت بحس إن ولاد محمود، اللي لسه حتى ما اتولدوش، واخدين مكان أي حد تاني في العيلة.
#حكايات_ندى_الجمل
من يوم ما حماتي قالتلي: “إنتِ اللي هتختاري عروسة لمحمود”… وأنا بقيت أدور في كل مكان.
كل ما حد يرشحلي بنت، أحس إنها مش اللي بدور عليها.
لحد ما في يوم، وأنا عند قريبة ليا في بلد تانية، سمعت اسم ريم.
قالتلي: “في بنت هنا اسمها ريم، عمرها خمسة وعشرين سنة، جميلة، ومن عيلة محترمة.”
شدني الكلام، فسألت عنها.
عرفت إنها كانت متجوزة أربع سنين، وبعد الأربع سنين حصل الطلاق، لأن ربنا ما رزقهاش بأطفال.
فضلت أسأل عنها أكتر.
الكل كان بيشهد بأخلاقها، وإنها بنت محترمة وهادية، ومحدش كان يعيب فيها غير إنها خرجت من جوازتها من غير طفل.
وقتها… حسيت إني لقيت العروسة اللي بدور عليها.
رجعت البيت، ولقيت حماتي مستنياني.
أول ما شافتني قالت بلهفة:
– ها يا سارة… لقيتي عروسة لمحمود؟
ابتسمت وقلت:
– أيوه… اسمها ريم، عندها خمسة وعشرين سنة، جميلة، ومن عيلة محترمة جدًا.
حماتي ابتسمت وقالت:
– ربنا يبشرنا بالخير… طيب إيه ظروفها؟
اترددت ثواني، وبعدها قلت:
– هي مطلقة.
وشها اتغير في لحظة.
قالت وهي مكشرة:
– مطلقة؟! لا يا بنتي… أنا ابني أول جوازة، أجيبهاله مطلقة ليه؟
كنت متوقعة ردها.
قربت منها وقعدت جنبها وقلت بهدوء:
– يا حاجة، محمود عنده أربعة وتلاتين سنة، ومش صغير. لو فضلنا نستنى بنت بنوت بالمواصفات اللي في دماغنا، يمكن يفضل سنين من غير جواز. لكن دي بنت محترمة، والطلاق مش عيب، وكل الناس بتشكر في أخلاقها.
فضلت أكلمها كل يوم.
كل شوية أفتح الموضوع بطريقة مختلفة.
لحد ما لقيتها بدأت تلين.
وفي يوم قالتلي:
– يعني إنتِ شايفة إنها هتناسب محمود؟
بصيتلها بثقة وقلت:
– والله يا حاجة، أنا لو مكانك ما كنتش هسيب البنت دي تضيع.
سكتت شوية… وبعدها قالت:
– خلاص… خليهم يحددوا معاد ونروح نشوفها.
ابتسمت وأنا مخبية فرحتي.
لأن أول خطوة في خطتي نجحت…
وحماتي ما كانش عندها أي فكرة إن اختياري لريم ما كانش صدفة أبدًا.
البارت الثالث
بعد ما حماتي وافقت، ما ضيعتش وقت.
طلبت مني أكلم الناس اللي عرفت منهم عنوان ريم، وأحدد ميعاد مناسب للزيارة.
كنت أنا اللي برتب كل حاجة.
ولأول مرة، حسيت إن الخطة ماشية بالظبط زي ما أنا عايزة.
اتفقت مع أهل ريم على يوم الجمعة بعد العصر.
ومن أول الصبح، حماتي كانت مفيش على لسانها غير محمود.
كل شوية تقول:
– يا رب المرة دي تفرح قلبه. – نفسي أشوفه عريس قبل ما أموت. – ونفرح بعياله يملوا البيت.
كل كلمة كانت بتخليني أبتسم من جوايا… ابتسامة محدش فهم معناها.
العصر ركبنا العربية.
أنا وطارق، وحماتي، والحاج عبد الرحمن، ومحمود.
طول الطريق حماتي توصي محمود:
– يا ابني افتح قلبك، ولو البنت محترمة متدورش على حاجة تانية.
ومحمود كان ساكت، كل اللي قاله:
– اللي ربنا كاتبه هيكون.
وصلنا بيت ريم.
كان بيت بسيط، لكنه نضيف ومرتب.
استقبلنا أبوها وأمها بمنتهى الذوق.
وقعدنا نشرب الشاي ونتكلم شوية.
بعد دقائق، دخلت ريم.
كانت لابسة فستان بسيط، وطرحة بلون هادئ، وملامحها فيها هدوء غريب.
أول ما دخلت، محمود ما رفعش عينه عنها.
أما حماتي، فابتسمت وقالت:
– ما شاء الله… بنت محترمة.
قعدت ريم تتكلم بهدوء وثقة، لا صوتها عالي، ولا كلامها فيه تكلف.
حماتي كانت كل شوية تبصلي، وكأنها بتقولي:
“اختيارك المرة دي عجبني.”
بعد شوية، أهل ريم طلبوا إن محمود يقعد معاها كام دقيقة يتكلموا.
دخلوا أوضة الصالون الصغيرة.
وأنا كنت قاعدة بره، لكن عيني على باب الأوضة.
بعد حوالي ربع ساعة خرج محمود.
وشه كان مرتاح.
حماتي استنته لحد ما ركبنا العربية، وأول ما اتحركنا قالتله بسرعة:
– ها يا محمود… رأيك إيه؟
ابتسم لأول مرة من ساعة ما خرجنا من البيت وقال:
– البنت محترمة… وأنا موافق.
حماتي كادت تطير من الفرحة.
فضلت تدعي وتقول:
– الحمد لله… الحمد لله.
أما أنا…
فكنت قاعدة جنب الشباك، ببص للطريق، وأنا بقول في نفسي:
“أهو أول جزء من اللي كنت عايزاه حصل…”
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن القدر كان مخبي مفاجأة، لا أنا ولا حماتي كنا متوقعينها، ومجرد ظهورها هيقلب حياتنا كلنا.
البارت الرابع
بعد أسبوعين، كانت الخطوبة.
حماتي أصرت تعملها في قاعة كبيرة، وقالت قدام كل الناس:
“ابني الكبير يستاهل أحسن فرحة.”
من يومها وهي عايشة في سعادة.
كل يوم تكلمني وتقولي:
– يا سارة، انزلي معايا نشتري الشبكة. – يا سارة، تعالى نختار الفستان. – يا سارة، رأيك إيه في الأنتريه ده؟
كنت بعمل كل حاجة وهي مش عارفة إن كل خطوة بتقربها من الحاجة اللي أنا مخططالها.
أما محمود…
فكان متعلق بريم من أول ما شافها.
كل يوم يكلمها بالساعات، ولما يقفل معاها يفضل مبتسم.
حتى طارق، جوزي، قاللي وهو بيضحك:
– أول مرة أشوف محمود كده… شكله وقع بجد.
ابتسمت وقلت:
– ربنا يتممله على خير.
وفي يوم، حماتي أخدتني معاهـا نشتري دهب الشبكة.
وأنا واقفة جنبها، سمعتها بتقول للصائغ وهي مبتسمة:
– دي مش شبكة وخلاص… دي شبكة أم حفيدي الأول.
ضحكت بكل فخر، وكملت:
– إن شاء الله السنة الجاية أشيل ابن محمود على إيدي.
الكلام وقع على قلبي، لكني ما بينتش أي حاجة.
قلت في نفسي:
“إنتِ لسه بتحلمي بالأحفاد… وأنا عارفة إن الحلم ده مش هيبقى سهل زي ما متخيلة.”
بعد شهر، اتكتب الكتاب، وبعدها بأيام اتعمل الفرح.
كان فرح كبير، وكل الناس كانت بتتكلم عن جمال ريم وأخلاقها.
حتى حماتي كانت كل شوية تقول للمعازيم:
– سارة هي اللي اختارتها… ربنا يباركلها.
الناس بصتلي بإعجاب، وأنا اكتفيت بابتسامة هادية.
بعد الفرح، سافر محمود وريم أسبوع يقضوا شهر العسل.
ولما رجعوا…
بدأت حياتهم بهدوء.
عدى شهر…
واتنين…
وثلاثة…
وفي كل مرة كانت حماتي تزورهم، ترجع وهي تقول:
– يا رب أسمع خبر حلو قريب.
أما أنا…
فكنت كل ما أسمعها تدعي، أقول بيني وبين نفسي:
“استني بس… لسه الأيام مخبية كتير.”
البارت الخامس
عدى ست شهور على جواز محمود وريم.
كل ما حماتي تزورهم، أول سؤال تسأله:
– ها يا ريم… مفيش أخبار حلوة؟
وريم كانت تبتسم في هدوء وتقول:
– ادعيلنا يا حاجة… كله بأمر ربنا.
لكن حماتي بدأت تستعجل.
كل ما تشوفها تجيب سيرة الأطفال.
وكل ما تقعد معايا تقول:
– نفسي أشيل حفيد محمود قبل ما أموت.
كنت أسمعها وأسكت.
وفي يوم، كانت العيلة كلها متجمعة عندنا على الغدا.
وسط الضحك والكلام، حماتي بصت لريم وقالت قدام الكل:
– إيه يا بنتي… لسه مفيش حمل؟
ريم احمر وشها من الكسوف وقالت:
– لسه يا حاجة… ربنا كريم.
حماتي نفخت بضيق وقالت:
– ست شهور كتير… لازم تروحي تكشفي.
محمود اتدخل بسرعة وقال:
– يا أمي… كل حاجة بميعادها، بلاش ضغط.
لكنها مردتش تسكت.
– أنا بقول لمصلحتكم، يمكن يكون في حاجة تتلحق بدري.
ريم نزلت عينيها في الأرض، وبان عليها إنها اتضايقت.
أما أنا…
فكنت قاعدة ساكتة، بتابع المشهد من غير ما أنطق.
بعدها بأسبوع، حماتي راحت بنفسها لمحمود.
ولما رجعت، دخلت عليا وهي متعصبة.
قالت:
– أنا قلتلهم يحجزوا عند دكتور نسا معروف.
قلت وأنا عاملة نفسي مستغربة:
– ليه بس؟
قالت بعصبية:
– عايزة أطمن. محمود ابني الكبير، ولازم أعرف في إيه.
هزيت راسي وقلت:
– ربنا يكتب اللي فيه الخير.
لكن جوايا…
كنت بقول:
“اللحظة اللي مستنياها قربت.”
بعد يومين، محمود وريم راحوا للدكتور.
ولما رجعوا…
كان وش محمود متغير.
وريم كانت عينيها حمرا من العياط.
أول ما شافتهم حماتي، قامت تجري عليهم وقالت بلهفة:
– خير يا ولاد… الدكتور قال إيه؟
بص محمود لمراته، وبعدين بص لأمه…
وسكت.
والسكوت وقتها…
كان أصعب من أي كلام
البارت السادس
أول ما محمود سكت، حماتي فقدت أعصابها.
قالت وهي بتبص بينه وبين ريم:
– ما تنطق يا ابني… الدكتور قال إيه؟
محمود أخد نفس طويل وقال:
– الدكتور طلب شوية تحاليل وفحوصات… ولسه هنرجعله تاني.
حماتي اتنهدت وقالت:
– يعني مفيش حمل؟
هز محمود رأسه وقال:
– لسه.
ريم كانت ساكتة، دموعها محبوسة في عينيها.
ولأول مرة، حسيت إنها مكسورة.
لكن رغم كده… قلبي ما رقش.
عدى أسبوع.
وبعدين اتصل الدكتور وحدد لهم معاد عشان يراجعوا نتائج الفحوصات.
رجعوا في آخر اليوم.
وأول ما دخلوا البيت، حماتي كانت مستنياهم على الباب.
قالت بلهفة:
– طمنوني.
محمود بص في الأرض، أما ريم ففضلت تبكي.
قال بصوت واطي:
– الدكتور قال إن في مشكلة محتاجة علاج… وممكن الموضوع ياخد وقت.
حماتي اتنهدت وقالت:
– إن شاء الله ربنا يرزقكم… المهم متفقدوش الأمل.
ومن يومها…
بقت كل شوية تجيب لدكاترة جداد، وأسماء شيوخ، ووصفات من الجيران.
وريم كانت تروح معاها في كل مرة، من غير ما تشتكي.
كل ما أشوفها راجعة تعبانة، أقول لنفسي:
“هي دي الحياة اللي اخترتهالها.”
لكن بعد حوالي سنة من الجواز…
حصل اللي قلب كل حاجة.
في ليلة، كنا قاعدين بنتعشى عند حماتي.
وفجأة، رن تليفون محمود.
رد، وسكت ثواني.
بعدها وشه اتغير.
قام من على السفرة وهو بيقول:
– إزاي؟!… إنت متأكد؟
كلنا بصينا لبعض.
قفل المكالمة، وبص لريم.
وقال:
– لازم نروح المستشفى حالًا.
حماتي قامت مفزوعة.
– خير يا ابني؟ في إيه؟
محمود رد وهو بيحاول يستخبى ورا هدوءه:
– الدكتور عايز يشوفنا ضروري… حالًا.
خرجوا بسرعة.
وسابونا كلنا قاعدين، محدش فاهم إيه اللي حصل.
أما أنا…
فكان أول مرة الخوف يتسلل لقلبي.
لأن الإحساس اللي جوايا كان بيقول…
إن اللي جاي، مش هيكون في صالح حد فينا.
البارت السابع
من ساعة ما محمود وريم خرجوا، وحماتي ما بطلتش تلف في الصالة.
كل دقيقة تبص في الساعة.
وكل شوية تقول:
– يا رب استر… يا رب طمني.
حتى طارق حاول يهديها.
قال:
– يا أمي، أكيد خير، متكبريش الموضوع.
لكن قلبها كان مقبوض.
أما أنا…
فكنت قاعدة ساكتة، لكن لأول مرة من بداية اللي عملته، حسيت بتوتر.
عدت ساعتين…
وبعدين سمعنا صوت عربية محمود وقفت قدام البيت.
جريت حماتي على الباب قبل ما يدخل.
أول ما شافته قالت:
– طمني يا ابني… الدكتور قال إيه؟
محمود كان ماسك إيد ريم.
وعلى وشه ابتسامة غريبة.
بص لأمه وقال:
– الدكتور قال إن ريم… حامل.
سكت البيت كله.
حماتي حطت إيديها على بوقها من الفرحة.
– حامل؟! بجد يا محمود؟
ضحك وهو قال:
– أيوه… في الشهر التاني كمان.
حماتي حضنت ريم وهي بتعيط من الفرحة.
– الحمد لله… الحمد لله يا رب.
وبقت تدعي وهي بتبوسها من راسها.
أما أنا…
فحسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
بصيت لريم وهي مبتسمة، وبعدين افتكرت كل اللي عملته.
إزاي؟
إزاي تبقى حامل؟
أنا كنت متأكدة…
متأكدة إنها مش بتخلف.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب.
لحد ما سمعت حماتي وهي بتقول قدام الكل:
– قلتلكم… ربنا كبير، ومافيش حد ييأس من رحمته.
بصيت لريم.
لأول مرة، حسيت إنها مش بتبصلي بنفس النظرة.
كان في عينيها حاجة…
كأنها عارفة إني كنت السبب في جوازها من محمود.
وعارفة كمان…
إني كنت متمنية إن اللحظة دي عمرها ما تحصل.
البارت الثامن
من يوم ما محمود قال إن ريم حامل… وأنا بقيت مش قادرة أنام.
كل ليلة أسأل نفسي نفس السؤال:
إزاي؟
إزاي البنت اللي أنا كنت متأكدة إنها مش هتخلف… تبقى حامل؟
كنت كل ما أفتكر كلام حماتي عن ورث الأرض، أحس إني بخسر المعركة اللي بدأتُها بإيدي.
أما حماتي…
فكانت طايرة من الفرحة.
كل يوم تروح لريم، شايلة معاها أكل أو فاكهة أو هدية.
وكل ما ترجع تقول:
– يا سارة، ريم بنت أصول… والله تستاهل كل خير.
وأنا أبتسم وأقول:
– ربنا يتمملها على خير.
لكن جوايا…
كنت بتمنى الأيام ترجع بيا لورا.
في يوم، وأنا قاعدة مع حماتي، قالت وهي مبتسمة:
– نفسي أشوف ابن محمود وهو بيجري في الأرض مع جده.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقلت:
– لسه بدري يا حاجة… الحمل في أوله، وربنا يتمم على خير.
ومن يومها…
كل ما تفرح، كنت أرد بنفس الجملة:
– ادعي بس… لسه كل حاجة بإيد ربنا.
الكلام بدأ يقلقها.
بقت كل شوية تتصل بمحمود تطمن على ريم.
وتوصيه:
– متسيبهاش تعمل أي مجهود.
أما محمود…
فبقى متعلق بمراته أكتر من أي وقت فات.
لو عطست… يوديها للدكتور.
ولو قالت إنها تعبانة… يسيب شغله ويروح لها.
وفي يوم، جم عندنا يتغدوا.
وأنا بجهز السفرة، سمعت محمود بيقول لطارق:
– ربنا عوضني بريم… دي نعمة والله.
بصيت عليهم من بعيد…
وحسيت إن كل حاجة كنت بخطط لها، بتنهار قدام عيني.
لكن رغم كده…
كنت لسه مقتنعة إن في سر أنا مش فاهمـاه.
يتبع…
الشهور كانت بتعدي بسرعة.
ودخلت ريم الشهر التاسع.
البيت كله بقى مستني اللحظة اللي يسمع فيها خبر الولادة.
حماتي اشترت هدوم للبيبي أكتر من مرة.
وكل ما تشوفني تقول:
– نفسي أشيله قبل ما أقفل عيني.
كنت أرد بابتسامة باهتة.
لكن الحقيقة…
كل يوم كان بيعدي، كان بيزود حيرتي.
في ليلة، محمود اتصل بطارق وقال:
– بكرة عندنا آخر كشف مع الدكتور… ادعولنا.
حماتي فضلت طول الليل تدعي.
وتاني يوم، أول ما رجعوا، قالت بلهفة:
– طمنوني.
ابتسم محمود وقال:
– الدكتور قال كل حاجة تمام، وممكن الولادة تبقى في أي وقت.
صرخت حماتي من الفرحة.
– الحمد لله… الحمد لله.
ومن ساعتها، كانت شنطة المستشفى جاهزة جنب باب شقة محمود.
كلنا بقينا مستنيين التليفون في أي لحظة.
وفعلًا…
الساعة كانت اتنين ونص بعد نص الليل.
رن تليفون طارق.
رد بسرعة، وبعدها قال:
– يلا يا سارة… ريم بدأت تولد.
لبسنا على عجل، وروحنا المستشفى.
ريم دخلت غرفة الولادة.
ومحمود واقف قدام الباب، إيده بتترعش من التوتر.
أما حماتي…
فكانت ماسكة السبحة، ومبطلتش دعاء.
كل دقيقة تبص لباب غرفة الولادة، وتقول:
– يا رب قومها بالسلامة… يا رب ارزق محمود الذرية الصالحة.
وأنا…
كنت واقفة بعيد، ببص على الباب المقفول.
وقلبي بيدق بسرعة.
حاسّة إن اللي هيخرج من الأوضة دي…
مش هيكون مجرد طفل.
هيكون بداية لحقيقة هتغيّر حياة العيلة كلها.
يتبع… :::
البارت العاشر
فضلنا واقفين قدام أوضة الولادة أكتر من ساعتين.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.
محمود كان ماشي رايح جاي، وكل شوية يبص على باب الأوضة.
أما حماتي…
فكانت ماسكة السبحة، ولسانها مبيوقفش دعاء.
– يا رب قومها بالسلامة… يا رب فرح قلب محمود.
وفجأة…
باب أوضة الولادة اتفتح.
خرج الدكتور وهو بيبتسم.
كلنا جرينا عليه.
حماتي كانت أول واحدة تسأله:
– طمني يا دكتور… ريم عاملة إيه؟
ابتسم وقال:
– ألف مبروك… الأم بخير، والبيبي بخير.
محمود سجد على الأرض من الفرحة.
أما حماتي، ففضلت تعيط وهي بتقول:
– الحمد لله… الحمد لله يا رب.
بعد شوية، الممرضة خرجت شايلة البيبي.
ناولته لمحمود.
أول ما شاله، دموعه نزلت.
فضل يبوس في راسه وهو بيقول:
– الحمد لله… الحمد لله.
حماتي أخدته من إيده، وضحكت لأول مرة من شهور.
وقالت وهي بتبوسه:
– نورت الدنيا يا حبيب جدتك.
أما أنا…
فكنت واقفة بعيد.
مش قادرة أفرح.
ولا قادرة أزعل.
كل اللي كان بيدور في دماغي سؤال واحد:
إزاي؟
إزاي البنت اللي كنت متأكدة إنها مش هتخلف…
ولدت طفل سليم؟
بعد أسبوع، رجعت ريم البيت.
والبيت بقى مليان زوار ومباركات.
حماتي كانت عاملة احتفال صغير، وكل الناس جاية تشوف البيبي.
وأنا كنت بساعد في الضيافة.
وفجأة…
دخلت ست كبيرة من قرايب ريم.
حضنتها وقالت:
– الحمد لله يا بنتي… ربنا عوض صبرك.
حماتي ابتسمت وقالت:
– الحمد لله… ربنا كرمها وكرمنا.
ردت الست وهي تهز رأسها:
– والله يا أم محمود… ريم تستاهل كل خير بعد الظلم اللي شافته في جوازتها الأولى.
الكلمة شدت انتباه حماتي.
قالت باستغراب:
– ظلم؟ ظلم إيه؟
ابتسمت الست بحزن وقالت:
– دي حكاية طويلة… وربنا أظهر الحق في الآخر.
سكتت لحظة…
وكملت:
– جوزها الأول كان مصر إن العيب فيها، لكن الحقيقة كانت غير كده.
أول ما سمعت الجملة دي…
اتجمدت مكاني.
وحسيت إن في كارثة جاية.
لكن قبل ما الست تكمل كلامها…
دخلت واحدة من قرايبها وقالت:
– يلا يا خالتي… الناس مستنياكي بره.
فقامت وسابتنا.
أما أنا…
ففضلت واقفة، وقلبي بيدق بعنف.
لأول مرة…
حسيت إن السر اللي كنت بدفنه…
هيطلع للنور قريب جدًا.
يتبع.
البارت الحادي عشر
من بعد اليوم ده…
الكلمة اللي قالتها قريبة ريم فضلت ترن في ودني.
“ربنا أظهر الحق.”
هو إيه الحق؟
وهل في حاجة أنا معرفهاش؟
فضلت أراقب ريم من بعيد.
كل ما أشوفها شايلة ابنها وتضحك، أحس إن قلبي بيتقبض.
بعد أسبوع، محمود عمل عقيقة للبيبي.
العيلة كلها اتجمعت.
وقرايب ريم جم من بره البلد.
البيت كان مليان فرحة.
وأنا كنت بوزع العصير على الضيوف.
وفجأة…
سمعت نفس الست اللي كانت في السبوع بتتكلم مع حماتي.
قالت:
– والله يا أم محمود، ربنا عوض بنتنا خير.
حماتي ابتسمت وقالت:
– الحمد لله… دي بقت بنتي قبل ما تكون مرات ابني.
ردت الست:
– تستاهل… أصلها دفعت تمن ظلم كبير.
حماتي سألتها بفضول:
– هو إيه اللي حصل بالظبط؟
قالت الست وهي تتنهد:
– بعد أربع سنين جواز، الحمل اتأخر.
أهل جوزها الأول فضلوا يقولوا إن العيب فيها.
لفوا بيها على دكاترة كتير.
وفي الآخر، دكتور محترم قال لازم الزوج يعمل فحوصات هو كمان.
بس هو رفض.
وقال: “أنا مفيش فيا حاجة.”
ولما رفض يعمل الفحوصات…
رمى كل التهمة على ريم.
وفي الآخر طلقها.
ساعتها…
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
حماتي قالت باستغراب:
– يعني… محدش قال إن ريم كانت عقيم؟
ردت الست بسرعة:
– لا يا أختي… مين قال الكلام ده؟
التحاليل اللي عملتها ريم كانت كويسة.
والدكتور قالها بالحرف:
“مفيش دليل إن المشكلة عندك.”
بس الناس صدقت كلام جوزها، والإشاعة انتشرت.
ريم سكتت علشان تحافظ على كرامتها، وقالت: حسبي الله ونعم الوكيل.
وقتها…
المعلقة وقعت من إيدي على الأرض.
الكل بصلي.
قلت بسرعة:
– معلش… اتزحلقت مني.
لكن الحقيقة…
ماكانش اللي وقع هو المعلقة.
اللي وقع…
كان كل اليقين اللي بنيت عليه خطتي.
أنا…
اخترت ريم لمحمود، وأنا مقتنعة إن حماتي عمرها ما هتشوف أولاد لمحمود.
لكن ربنا…
كان ليه حكم تانية.
ولأول مرة من سنين…
حسيت بالخوف.
خوف مش من حماتي…
ولا من محمود…
لكن من اليوم اللي ممكن حد يعرف فيه…
أنا اخترت ريم ليه من الأساس.
البارت الثاني عشر
من يوم العقيقة…
وأنا بقيت أتجنب ريم.
كل ما تدخل مكان، أخرج منه.
وكل ما تكلمني، أرد بكلمتين وأمشي.
كنت خايفة أبص في عينيها.
يمكن لأني بقيت حاسة إني ظلمتها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن الماضي عمره ما بيدفن.
بعد أسبوع، كنت قاعدة عند حماتي.
هي دخلت المطبخ، وفضلت أنا ومنى، أخت جوزي، قاعدين في الصالة.
منى بصتلي وقالت وهي مستغربة:
– هو إنتِ عرفتي ريم منين أصلًا؟
قلت بسرعة:
– واحدة قريبتي من البلد اللي هي منها عرفتهالي.
قالت:
– غريبة… إنتِ أصريتي عليها بطريقة خلت أمي وافقت، مع إنها كانت رافضة المطلقة رفض تام.
حاولت أغير الموضوع.
لكن منى كملت:
– أنا لحد النهارده مستغربة إصرارك.
قبل ما أرد…
خرجت حماتي من المطبخ، وانتهى الكلام.
عدى يومين.
كنت رايحة أزور ريم عشان أشوف البيبي.
وأول ما دخلت، لقيتها قاعدة لوحدها.
ابتسمت وقالت:
– تعالي يا سارة، اقعدي.
قعدت وأنا مش مرتاحة.
وفجأة قالت:
– تعرفي… أنا كل يوم بشكر ربنا إنه رزقني بمحمود.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت وهي تبص لابنها:
– بعد اللي حصل في جوازتي الأولى، كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
قلت من غير ما أفكر:
– يمكن كان خير.
ردت بهدوء:
– أكيد خير… لأن ربنا كشفلي إن المشكلة ما كانتش فيا.
الكلمة دي نزلت عليّ زي الصاعقة.
وبعدين كملت:
– بعد الطلاق، جوزي الأول اتجوز مرتين.
والمفاجأة… إنه ما خلفش من ولا واحدة.
وقتها هو بنفسه راح عمل الفحوصات…
واكتشف إن المشكلة كانت عنده من البداية.
حسيت إن نفسي اتقطع.
ريم كانت بتتكلم وهي مبتسمة…
ومش عارفة إن كل كلمة منها كانت بتفضح الغلطة اللي أنا وقعت فيها.
سكت شوية…
وبعدين بصتلي وقالت:
– تعرفي يا سارة؟
قلت:
– إيه؟
قالت وهي ماسكة إيدي:
– أنا عمري ما شكرتك.
استغربت.
ابتسمت وقالت:
– إنتِ السبب بعد ربنا في جوازي من محمود.
لو ما كنتيش رشحتيني… كان زماني لسه لوحدي.
حسيت بدموعي بتتحبس في عيني.
أول مرة…
الكلام اللي كنت مستنياه يفرحني…
وجعني.
لأنها كانت بتشكرني…
على حاجة أنا عملتها بنية سيئة.
ولأول مرة…
ضميري بدأ يحاسبني قبل ما يحاسبني أي حد.
البارت الثالث عشر
بعد العقيقة بأسبوع…
حماتي طلبت مني أروح معاها بيت محمود.
قالت وهي مبتسمة:
– تعالي يا سارة، نقعد مع ريم شوية ونشوف الواد.
وصلنا، وكان محمود في الشغل.
وأنا قاعدة في الصالة، حماتي قالت:
– يا سارة، هاتي شنطة البيبي من الأوضة.
قمت من مكاني، ودخلت الأوضة.
وأنا بدور على الشنطة، لقيت ريم داخلة ورايا.
قالت بابتسامة:
– سيبيها… أنا هطلعها.
في اللحظة دي…
رن تليفوني.
كان رقم قريبتي من البلد اللي منها ريم.
رديت وأنا فاكرة إني لوحدي.
قالت بصوت عالي:
– ها… شفتي؟ البنت اللي قولتي إنها مبتخلفش، طلعت خلفت وجابت ولد.
ضحكت ضحكة متوترة وقلت:
– والله لحد دلوقتي مش مستوعبة.
قالت:
– بس إنتِ أصلاً اخترتيها لمحمود عشان السبب ده… فاكرة؟
اتجمد الدم في عروقي.
لفيت بسرعة…
لقيت ريم واقفة عند باب الأوضة.
وشها اتغير تمامًا.
كانت بصالي بصدمة.
قربت مني وقالت بصوت مخنوق:
– يعني… إنتِ اخترتيني لمحمود علشان كنتِ فاكراني مش هخلف؟
وقعت مني الموبايل على الأرض.
حاولت أتكلم…
لكن لساني اتربط.
في اللحظة دي، دخلت حماتي على صوتنا.
بصت علينا باستغراب وقالت:
– في إيه؟
ريم كانت دموعها بتنزل.
بصت لحماتي وقالت:
– اسألي مرات ابنك… هي هتقولك الحقيقة.
حماتي بصتلي.
– حقيقة إيه يا سارة؟
سكت…
ولما لقيتهم مستنيين ردي، نزلت عيني في الأرض.
همست بصوت واطي:
– أيوه…
أنا اخترت ريم… وأنا فاكرة إنها مش هتخلف.
حماتي شهقت.
– إيه؟!
رفعت راسي أبص لها.
لقيت الصدمة مالية وشها.
وقالت وهي بتصرخ:
– عملتي كده ليه؟! أنا عملتلك إيه؟
نزلت دموعي لأول مرة.
وقلت:
– علشان كنت فاكرة إنك بتحبي محمود أكتر من طارق… وإنك عايزة الأرض والورث يروحوا لولاده… فحبيت أحرمك من اللي كنتِ بتحلمي بيه.
ساد صمت مرعب.
ولا حد في الأوضة كان قادر ينطق…
لأن الحقيقة اللي استخبت سنين…
خرجت للنور في لحظة واحدة.
البارت الرابع عشر
فضلت الأوضة ساكتة…
الصمت كان أصعب من أي خناقة.
حماتي كانت بتبصلي، كأنها أول مرة تشوفني.
وقالت بصوت مكسور:
– يعني كل السنين دي… كنتِ شايلة مني كل ده؟
نزلت عيني في الأرض.
مقدرتش أرد.
ريم كانت حضنة ابنها، ودموعها بتنزل في هدوء.
أما حماتي…
فجأة قربت مني.
افتكرت إنها هتمد إيديها عليا.
لكنها قالت بصوت كله وجع:
– إنتِ ظلمتي بنت ملهاش ذنب… واستغليت وجعها علشان تنتقمي مني؟
بكيت وأنا بقول:
– أنا كنت فاكرة إنها فعلًا مش هتخلف… والله ما كنت أعرف الحقيقة.
ريم رفعت رأسها وقالت لأول مرة:
– حتى لو كنتِ فاكرة كده… إيه ذنبي أنا؟
الكلمة دي كسرتني.
محمود دخل في اللحظة دي، بعد ما سمع صوت العياط.
بص علينا باستغراب وقال:
– في إيه؟ مالكم؟
حماتي بصتله والدموع في عينيها.
وقالت:
– اسأل مرات أخوك… هي اللي تقولك.
بصلي محمود وقال:
– سارة… اتكلمي.
وأنا…
حكيت كل حاجة.
من أول يوم حماتي قالتلي أختارله عروسة.
لحد اليوم اللي سمعت فيه إن ريم كانت متجوزة أربع سنين من غير أطفال.
وقلت قدامهم:
– أنا صدقت كلام الناس… وافتكرت إنها مستحيل تخلف. واخترتها علشان كنت عايزة أحرم أمي… أقصد حماتي… من الحفيد اللي كانت بتحلم بيه من محمود.
أول ما خلصت…
محمود قرب مني.
بصلي بصدمة وقال:
– يعني إنتِ بنيتي قرار هيغيّر حياة إنسانة كاملة… على كلام ناس؟
مقدرتش أرد.
طارق، اللي كان واقف ساكت، اتكلم لأول مرة.
قال وهو بيبصلي بحزن:
– ليه يا سارة؟
أنا عمري ما طلبت منك تعملي كده.
ولو كنتِ زعلانة من أمي… كان الحساب بينك وبينها، مش مع واحدة ملهاش أي ذنب.
الكلام كان أصعب من أي عقاب.
حماتي مسحت دموعها، وبصت لريم.
حضنتها وقالت:
– سامحيني يا بنتي… أنا يمكن غلطت في حاجات كتير، لكن عمري ما كنت أرضى حد يستخدمك بالشكل ده.
ريم هزت رأسها وهي بتعيط.
وقالت:
– أنا مسامحة… لكن الجرح هيفضل موجود.
أما أنا…
خرجت من البيت وأنا حاسة إن كل خطوة تقيلة.
لأول مرة…
فهمت إن الغيرة لما تتحول لانتقام…
بتحرق صاحبها قبل أي حد تاني.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق