القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 زوجتي السابقة تزوجت من عامل بناء بسيط



زوجتي السابقة تزوجت من عامل بناء بسيط

 

لم يتوقف قلبي لأنه كان رجلًا فقيرًا، ولا لأنه كان يرتدي بدلة متواضعة، ولا لأن يديه كانتا خشنَتين من العمل بالإسمنت والحديد.

بل لأنه كان رجلًا أعرفه جيدًا.


بل لأنني كنت أعرفه مسبقًا.


كان اسمه طه.


طه الجبوري.


الرجل نفسه الذي أنقذني قبل عامين عندما اصطدمت بسيارتي وأنا في حالة يرثى لها عند أحد التقاطعات في بغداد.


في تلك الليلة كنت محطمًا من الداخل أكثر مما كانت سيارتي محطمة.


كانت رنا قد أهانتني قبل ساعات أمام اثنين من أصدقائها، وقالت ببرود إنني لولا والدها لما وصلت إلى أي مكان.


وكعادتي تظاهرت بأن كلامها لا يؤذيني.


لكنني شربت أكثر مما ينبغي.


وقدت السيارة أكثر مما ينبغي.


ثم اصطدمت.


أتذكر أنني حاولت الخروج من السيارة مترنحًا، غاضبًا، مستعدًا لإلقاء اللوم على أي شيء سوى نفسي.


وفجأة ظهر هو.


لم يكن يرتدي زيًا رسميًا.


فقط قميصًا رماديًا باهتًا، وحذاء عمل متسخًا بالإسمنت، وسيارة بيك أب قديمة مليئة بالأدوات.


أمسكني قبل أن أسقط.


وقال بهدوء:


— اهدأ أستاذ... إذا ناوي تدمر نفسك، لا تسويها وأنت تسوق. ممكن تأذي ناس أبرياء.


كرهته


في تلك اللحظة لأنه قال الحقيقة بكل هذا الهدوء.

لم يتصل بالشرطة.


لم يسرقني.


لم يسخر مني.


أخذ مفاتيح السيارة، وأجلسني على الرصيف، وبقي إلى جانبي حتى توقفت يداي عن الارتجاف.


بل إنه أحضر لي قنينة ماء من بقالة كانت توشك على الإغلاق.


وعندما وصلت سيارة السحب، ساعدني في ركوب سيارة الأجرة.


وقبل أن يغادر، وضع شيئًا في جيب سترتي.


في اليوم التالي وجدتها.


بطاقة صغيرة مغبرة تحمل اسمه.


وتحت الاسم عبارة مكتوبة بقلم أزرق:


"أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش."


لم أعرف يومها لماذا احتفظت بتلك البطاقة.


ربما لأن معظم الناس في حياتي كانوا مزيفين.


أما هو فكان الغريب الوحيد الذي لم يعاملني كشخص مهم.


ولم يعاملني أيضًا كأنني لا شيء.


عاملني فقط كإنسان ما زال يملك حق الاختيار.


والآن كان يقف أمامي.


مرتديًا بدلة العريس.


إلى جانب سارة.


سارتي.


لا...


لم تعد كذلك.


المرأة التي رميتها من حياتي وكأنها مجرد مرحلة مؤقتة في رحلة صعودي.


رفع طه رأسه ونظر نحوي.


عرفني فورًا.


رأيت ذلك في التوتر الخفيف الذي مر على ملامحه.


لكنه



لم يبتسم.

ولم يتباهَ.


ولم يشمت.


اكتفى بالنظر إليّ بنفس الهدوء الذي أزعجني ليلة الحادث.


وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم تسمح لي غروري برؤيته طوال السنوات الماضية.


سارة لم تتزوج رجلًا فقيرًا.


بل تزوجت رجلًا حقيقيًا.


رجلًا بمعنى الكلمة.


ليس اسم عائلة نافذًا.


ولا حسابًا مصرفيًا ضخمًا.


ولا بدلة باهظة تجعل الناس تظن أنه ناجح.


بل رجلًا يعمل بيديه.


ورجلًا لم يكن يومًا ليستخدم امرأة كوسيلة للوصول إلى أهدافه.


شعرت بغصة تخنقني.


كان الضيوف يضحكون ويتبادلون الأحاديث ويجلسون على الكراسي البلاستيكية البيضاء دون أن يلاحظوا أنني كنت على وشك الانهيار وسط الساحة.


الأضواء الصفراء المعلقة بين الأشجار بدأت تضيء مع اقتراب الغروب.


والهواء يحمل رائحة التراب الرطب والورود والطعام العراقي المنزلي.


كل شيء كان بسيطًا.


وكل شيء كان حقيقيًا.


أما أنا...


ببدلتي الغالية وحذائي الإيطالي المغطى بغبار الطريق...


فرأيت نفسي لأول مرة كما أنا.


مثيرًا للشفقة.


وفي تلك اللحظة خرجت سارة من المنزل.


كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا.


بلا بهرجة.


بلا استعراض.



لم تكن تبدو كعارضة أزياء.


ولم تكن تحاول إثبات أي شيء لأحد.


كانت فقط سعيدة.


وهذا أكثر ما حطم قلبي.


لأن تلك السعادة لم يكن لي أي علاقة بها.


لم تكن سعادة شخص يحاول إثبات أنه اختار الطريق الصحيح بعد خيبة قديمة.


كانت سكينة.


راحة.


سلامًا داخليًا لا يعرفه إلا من توقف عن مطاردة من يجعله يشعر بالنقص.


التقت أعيننا.


ورأيت اللحظة التي عرفتني فيها.


لم ترتبك.


لم تخف.


لم يتغير لون وجهها.


توقفت ثانية واحدة فقط.


ثم تابعت سيرها نحو طه.


وكأنني أصبحت أخيرًا ما كنت عليه منذ سنوات وأرفض الاعتراف به:


مجرد ماضٍ.


قال مقدم الحفل شيئًا لم أسمعه.


كان صوت الدم يضج داخل أذني.


ثم شعرت بيد على كتفي.


كان صديقي القديم.


قال:


— أحمد... أنت بخير؟


لم أستطع الرد.


مد طه يده ليساعد سارة على النزول من الدرجة الصغيرة.


فوضعت يدها في يده بثقة كاملة.


بتلك الطمأنينة التي لا توجد إلا حين تشعر المرأة أنها لن تُهان.


ولن تُستغل.


ولن تُستبدل بأخرى يومًا.


وفجأة تذكرت.


تذكرت سارة وهي تحضر لي القهوة أيام الامتحانات.


وتذكرت انتظارها لي أمام مكتبة



الجامعة وهي تحمل لي شطيرة صغيرة لأنها تعرف أنني أوفر ثمن الطعام.

وتذكرت كيف خاطت زر قميصي قبل أول مقابلة عمل مهمة.


وتذكرت دموع الفرح في عينيها عندما وقعت أول عقد كبير في حياتي.


ثم تذكرت يوم تركتها.


 


 

تلك النظرة التي رمقتني بها عندما قلت إنني أحتاج امرأة تناسب مستقبلي أكثر.


لم أكن صادقًا معها حتى.


لم أعترف أنني كنت أخجل من بساطتها أمام العالم الذي ظننته يستحقني.


وهي لم تتوسل.


وهذا ما أغضبني وقتها.


اكتفت بسؤال واحد:


— وكل اللي بنيناه سوا؟ ما إله أي قيمة؟


وأجبتها بكلام قاسٍ.


كلام صغير.


مؤذٍ.


قلت إن الحب لا يدفع الفواتير.


واليوم كنت أقف هناك أراقب رجلًا آخر يحصل على كل ما احتقرته أنا يومًا.


نظر طه إليها وكأن العالم كله يختفي عندما تكون بقربه.


فابتسمت له.


وعندها استدرت وغادرت.


لم أستطع البقاء.


لم أتحمل ثانية إضافية من تلك الحقيقة.


مشيت بسرعة نحو سيارتي.


كنت أسمع خلفي أحاديث الضيوف ثم الموسيقى الهادئة التي بدأت تعلو.


ناداني صديقي مرتين.


لكنني لم ألتفت.


كانت عيناي تحترقان.


وصدري كله يؤلمني.


وصلت إلى سيارتي.


فتحت الباب.


جلست خلف المقود.


وعندها انهرت.


بكيت.


ليس بكاءً هادئًا.


ولا بكاء رجل يحاول حفظ ما تبقى من كرامته.


بكيت وأنا منحنٍ فوق المقود.


أضرب الجلد الفاخر بيدي وكأنني أحاول انتزاع السنوات الضائعة من حياتي.


بكيت على سارة.


لكنني بكيت أكثر على نفسي.


على الرجل الذي أصبحت عليه.


على الحياة التي استبدلت بها حياة مليئة بالدفء والصدق.


رنا...


يا إلهي.


في تلك اللحظة فهمت أن ما حدث كان عدالة بطيئة.


تركت سارة لأنني ظننت أن الفقر إهانة.


وأن المال ضمان للسعادة.


لكن لا يوجد مال يعوض غياب الحنان.


ولا يوجد منصب يجعل الكراهية محتملة.


ولا يوجد بيت فاخر يجعل العودة إليه مريحة إذا كان من بداخله لا يحبك.


وأثناء بكائي أدركت شيئًا آخر.


طه لم ينتصر عليّ.


لم يسرق مني شيئًا.


كل ما فعله أنه رأى سارة كما هي.


ورآها بالطريقة التي عجزت أنا عن رؤيتها.


لا أكثر.


لكن


ذلك كان كل شيء.

ولا أعرف كم بقيت هناك.


ربما عشر دقائق.


وربما نصف ساعة.


كانت أصوات الموسيقى تصلني مع الهواء.


ثم سمعت تصفيقًا.


ثم ضحكات.


ثم صوت نخب واحتفال.


على الأرجح أصبحا زوجًا وزوجة.


مسحت وجهي.


وحاولت تشغيل السيارة.


لكن يدي كانت ترتجف بشدة.


وفجأة طرق أحدهم على النافذة.


رفعت رأسي.


كان طه.


فتحت النافذة قليلًا.


لم أكن أعرف ماذا يريد.


هل جاء ليطردني؟


أم ليسخر مني؟


أم ليقول كلمات المواساة المعتادة؟


لكنه لم يفعل.


أدخل يده من الفتحة الصغيرة.


وأراني شيئًا.


كانت البطاقة القديمة نفسها.


البطاقة المغبرة.


قال:


— كانت بمحفظتك يوم ساعدتك. طاحت منك بمحطة الوقود قبل سنوات. احتفظت بيها لأن حسّيت يمكن يجي يوم تحتاج تقراها مرة ثانية.


مدها نحوي.


لم أستطع أخذها فورًا.


سألته:


— ليش تعطيني إياها هسه؟


نظر إليّ بهدوء.


وقال:


— لأنك فهمت


أخيرًا.

أخذت البطاقة.


وكانت العبارة ما تزال مكتوبة بالحبر الأزرق:


"أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش."


ضحكت ضحكة مكسورة.


وقلت:


— تأخرت.


هز رأسه.


— ببعض الأمور... نعم.


لم يواسني.


ولم يقل إن الفرص تعود.


ولم يحدثني عن البدايات الجديدة.


اكتفى بالقول:


— لكن مو متأخر حتى تبطل تكون الرجل اللي خسرها.


ثم غادر.


شاهدته يعود إلى الساحة.


حيث كانت سارة تنتظره بين الأضواء الصفراء والزهور البسيطة والناس الذين يحبونهما بصدق.


أمسكت يده فور وصوله.


فانحنى وهمس لها بشيء.


فابتسمت.


وأدرت محرك السيارة ورحلت.


قدت عائدًا إلى بغداد.


وكان الليل يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا.


وفي المرآة الخلفية اختفى كل شيء.


اختفت البلدة.


واختفى الحفل.


واختفت الأضواء.


ولم يبقَ سوى الظلام.


لكن للمرة الأولى منذ سنوات...


كان داخل ذلك الظلام شيء صادق.


ألم


كبير.

نعم.


لكن أيضًا حقيقة لا يمكن الهروب منها.


والحقيقة كانت بسيطة:


لم أذهب إلى ذلك الزفاف لكي أسخر من امرأة تزوجت عامل بناء بسيطًا.


بل ذهبت دون أن أدري لأواجه الرجل الذي أصبحت عليه.


وأدرك أخيرًا...


أن الفقير الحقيقي لم يكن طه أبدًا.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close