القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


حكاية جاد ورحمة ج1




الجزء الأول


الكاتبة ملك إبراهيم


جاد الجرحي.. رجل أعمال ناجح عنده 30 سنة.. كان سايق العربية السودة المرسيدس بتاعه وماسك الدريكسيون بإيد واحدة، والتانية على وشه. دماغه بتوجعه من الصداع اللي مش بيروح من ساعة ما شاف الرسايل على موبايل “ريم”.


 


ريم… حبيبته اللي كان فاكرها هتبقى مراته وأم عياله. طلعت بتخونه مع “تامر الوكيل”، صاحبه ورجل الأعمال اللي كان بياكل معاه عيش وملح. الصورة بتاعتهم في الساحل وهو حاضنها لسه محفورة في عينه.


 


من يومها وجاد قافل على قلبه بقفل. الستات كلهم في عينه خا ينين. كلهم بتوع مصلحتهم. وهو مهندس ناجح، ماسك شركات “الجارحي جروب” بعد ما أبوه تعب، وسلمه كل حآجة.


 


“يا جاد يا حبيبي براحة شوية، أنا دايخة”


صوت أمه “سميرة هانم الجارحي” طلعه من أفكاره. ست شيك، 55 سنة، بس لسه محافظة على جمالها وهيبتها.


 


“سلامتك يا أمي، مالك؟” قال وهو بيهدي السرعة غصب عنه.


“ضغطي عالي شوية… عايزاك توصلني عند صاحبتي مديحة هانم الشربتلي. وعدتها أزورها من زمان ومش قادرة أسوق لوحدي.”


 


جاد اتنهد. مش وقت زيارات خالص، عنده اجتماع كمان ساعة. بس دي أمه، مقدرش يقولها لأ.


“حاضر يا ست الكل، فين بيتها؟”


 


وصلوا فيلا فخمة في التجمع. أول ما دخل جاد حاسس إن الجو مش طبيعي. في استعدادات في الفيلا وكأن في ضيوف مهمين وفي مناسبه خاصة منتظرين انها تحصل عندهم .


 


قعد جنب أمه في الصالون. بيبص في ساعته ومضايق.. قصاده كانت قاعدة بنت شقرا، شعرها أصفر وعينيها ملونة، لابسة فستان غالي. مكسوفة وعمالة تفرك في إيديها وكل شوية تبص له وتبتسم بخجل . اسمها “نور” زي ما عرف بعدين.


 


جنبها راجل كبير في الستينات، هيبة ووقار، ده “فؤاد بيه الشربتلي”. وجنبه مراته “مديحة هانم”. الكل ساكت ومستني حد يبدأ الكلام، وأمه بتبتسم ابتسامة هو حافظها… ابتسامة “في مصيبة جاية”.


 


فؤاد بيه كح وقال: “نورتونا يا سميرة هانم… البيت نور يا باشمهندس جاد.”


جاد هز راسه ببرود: “منور بأهله يا فؤاد بيه.”


 


السكوت رجع تاني. جاد بدأ يفهم. دي مش زيارة مريض. دي قعدة تعارف… قعدة صالونات. أمه بتدبسه.


كان لسه هيقوم ويقول أي حجة عشان يهرب ، أمه بدأت تتكلم بصوت واضح:


 


“بص يا فؤاد بيه… إحنا جاين النهارده وطالبين القرب منكم… إحنا جاين نخطب…”


 


قبل ما تكمل الجملة، الباب اتفتح بهدوء.


 


دخلت بنت في أوائل العشرينات. شعرها أسود طويل مربوط نص ديل حصان، ملامحها هادية بس فيها حزن مستخبي. بشرتها قمحية، وعينيها واسعة سودة. لابسة فستان أسود بسيط خالص ومريلة بيضا فوقه. باين عليها الشقا.


 


دي “رحمة”. 22 سنة. بنت أخو فؤاد بيه الله يرحمه. بعد ما أبوها وأمها ماتوا في حادثة من سنتين، عمها خدها تعيش معاه، بس مرات عمها مديحة هانم شايفة إنها لازم “تشتغل بِلُقمتها”. فبقت هي الخدامة اللي في الفيلا.


رحمة كانت شايلة صينية فضة عليها كوبايات شربات الورد. إيديها كانت بتترعش وهي داخلة. رفعت عينيها ثانية واحدة بس، لمحت جاد. شاب طويل، ملامحه حادة، وعينيه فيها غضب الدنيا. خافت ونزلت عينيها في الأرض بسرعة.


 


قربت بالصينية وهي حاسة إن ألف عين بتبص عليها. فؤاد بيه بص لسميرة هانم وقال بذوق عشان التوتر: “اتفضلي يا سميرة هانم… كملي كلامك، سمعينك.”


 


سميرة هانم ابتسمت وبصت لنور اللي وشها بقى أحمر، وقالت:


“إحنا جاين نخطب بنتكم…”


 


كلمة “بنتكم” دي نزلت على ودن جاد زي الصاعقة. يعني أمه جابته هنا عشان تختار له عروسة؟ من غير ما تقوله؟ بعد اللي حصله من ريم؟


 


الدم غلي في عروقه. وقف مرة واحدة، الكل اتخض. بص لأمه، وبعدين بص لنور، وبعدين عينه وقعت على رحمة اللي كانت لسه واقفة بالصينية في نص الصالة ومش عارفة تتحرك.


 


بص ل أمه بتحدي وغضب، وصوته طلع عالي ومليان سخرية من الموقف كله:


“إحنا جايين نخطب بنتكم دي… اللي بتقدم الشربات”


 


الصينية الفضة وقعت من إيد رحمة. الكوبايات اتكسرت 100 حتة، والشربات الأحمر غرق السجادة الغالية… وغرق طرف فستان رحمة الأسود.


رحمة شهقت وحطت إيديها على بوقها، وعينيها دمعت. بصت لعمها برعب، وبعدين بصت لجاد اللي كان لسه باصص لها ببرود.


 


فؤاد بيه وشه جاب ألوان. مديحة هانم صرخت: “! شوفي عملتي إيه يا زفتة!”


 


نور حطت إيديها على بوقها من الخضة.


 


أما سميرة هانم… فبصت لابنها بصدمة، وبعدين بصت لرحمة اللي كانت بتترعش، والحكاية كلها اتقلبت في ثانية.


يتبع…


 


الفصل التاني


رحمة كانت واقفة متسمرة، دموعها نازلة، بتحاول تلم الإزاز المكسر بإيديها وهي بتترعش. شفايفها بتقول: “أنا… أنا آسفة يا عمي… والله ما كان قصدي…”


 


فؤاد شاور لها بإيده بعصبية: “إخرسي خالص! إنتي إيه اللي موقفك هنا أصلاً؟! دي قعدة عائلات! اطلعي على أوضتك فوق وماتوريليش وشك تاني! سامعة؟!”


 


رحمة بصت في الأرض وقالت بصوت مقطوع: “حاضر يا عمي.” وجرت من الصالة وهي بتعيط، سايبة وراها الشربات الأحمر على الأرض كأنه دم.


 


فؤاد بيه حاول يلم الموضوع، ومسح على وشه بمناديل وهو بيضحك ضحكة صفرا:


“حقك عليا يا باشمهندس … البنت دي بس يعني… أصلها غلبانة وعلى قد حالها… دي الخدامة اللي عندنا في البيت. بنت أخويا الله يرحمه وبنربيها معانا. متاخدش في بالك.”


 


جاد كان واقف ساكت من ساعة ما الصينية وقعت. عينه متابع رحمة وهي بتجري. شاف الكسرة في عينيها، شاف إيديها اللي اتعورت من الإزاز وهي بتحاول تلمه، شاف إزاي عمها ومراته بيهينوها قصاد الناس الغريبة. حاجة جواه اتحركت… مش شفقة، لأ. ده غضب. نفس الغضب اللي حاسس بيه من الدنيا كلها ومن خيانة ريم.


 


بهدوء قاتل، جاد مد إيده وقفل زرار بدلته . بص لفؤاد بيه في عينه، وبعدين بص لسميرة هانم اللي وشها جاب ألوان، وبعدين بص لبسنت اللي كانت مستنية يقول أي حاجة تنقذ الموقف.



 


قال بصوت واطي بس واصل لكل واحد فيهم، وكأنه بيصدر حكم:


“خدامة؟… لأ. أنا قولت كلمتي. أنا مش هتجوز غير البنت دي.”


 


الكل اتكهرب.


 


بسنت نطت من مكانها وصرخت: “نعم؟! إنت اتجننت؟! دي … دي ملهاش أصل ولا فصل! إنت جاي تهزر؟!”


 


قاطعها جاد وهو بيلبس نضارته الشمس، وعينه مبقتش باينة: “كلامي خلص. عن إذنكم.”


ولف ومشي من الفيلا كلها، خطواته ثابتة، سايب وراه قنبلة انفجرت.


 


“جاد! يا جاد استنى!” سميرة هانم قامت جري وراه وهي مش مصدقة اللي سمعته. لحقته عند الجنينة. “إنت بتقول إيه يا ابني؟! اتجننت؟! عايز تجيبلي العار؟! عايز تتجوز الخدامة وتسيب بنت فؤاد الشربتلي؟!”


 


جاد وقف عند عربيته وفتح الباب، وبص لأمه بصة لأول مرة تشوفها. بصة واحد قرفان، مجروح، وواخد قرار:


“العار يا أمي هو اللي كان هيحصل جوة ده. العار إنك تجيبيني هنا تتاجري بيا في قعدة صالونات بعد ما بني آدمة كسرت قلبي. العار إنكوا تهينوا بنت يتيمة قصادكم عشان تلمعوا بنتهم. أنا ماشي… ولما أرجع البيت نبقى نتكلم.”


وركب وسابها واقفة في الجنينة مش مستوعبة، وهو سامع صوت صريخ بسنت جاي من جوة.


 


جوة الفيلا، القيامة قامت.


 


بسنت كانت بتصرخ زي المجنونة وبترزع في الأرض برجليها: “شوفت يا بابي؟! شوفت عملت فيا إيه؟! كل عريس… كل عريس يجيلي يشوف البتاعه دي فيعجب بيها! هي السبب! هي اللي ساحرة لهم! أنا بكرهها! لازم تمشي من هنا… حالاً! يا أنا يا هي في البيت ده! طلقني منها يا بابا!”


 


مديحة هانم كانت بتلطم على خدها: “يا فضيحتي! يا فضيحتي! الناس هتقول علينا إيه؟ بنتنا اتسابت عشان الخدامة!”


 


فؤاد بيه كان حاسس بالإهانة، وكرامته كرجل أعمال كبير اتبعترت. ضرب بإيده على الترابيزة لحد ما الفناجين اتهزت: “بس! كلكوا اخرسوا!”


مسك موبايله واتصل بالدادة فوق: “خلي الزفتة اللي اسمها رحمة تنزلي حالاً!”


 


بعد دقايق نزلت رحمة وعينيها وارمة من العياط، وإيديها متعورة وملفوفة بمنديل ورق. كانت لسه لابسة المريلة المبقعة شربات.


 


فؤاد بيه قال لها بكل قسوة وهو مبيبصش في وشها: “لمي هدومك. إنتي سامعة؟ كل هدومك. أنا مش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني. إنتي مطرودة. روحي شوفي هتترمي في أنهي داهية.”


 


رحمة اتصدمت. ركبها سابت. “يا عمي… أروح فين؟ مليش حد… غيركم … أبوس إيدك… أنا أسفة…”


 


“قولتلك برة!” زعق فيها لدرجة إنها اتنفضت. “مش عايز أسمع صوتك. بسببك بقيت مسخرة! بسببك بنتي هتضيع من إيدي! يلا… قبل ما أخلي البودي جارد يرموكي في الشارع!”


 


بسنت شاورت عليها بصباعها وهي بتضحك بشماتة من وسط دموعها: “خليها تغور! خليها تدوق الشارع عامل إزاي! عشان تعرف مقامها!”


 


رحمة ماقدرتش ترد. طلعت أوضتها الصغيرة اللي فوق السطح… أوضة الخدامين. لمت هدومها القليلة في شنطة قديمة، وحضنت صورة أبوها وأمها وعيطت لحد ما نفسها اتقطع. نزلت وهي بتجر الشنطة، ومحدش منهم حتى قال لها مع السلامة.



في نفس الليلة، رحمة كانت قاعدة في جنينة عامة قريبة، شنطتها الصغيرة جنبها. الدنيا ليل وبرد شهر فبراير، وهي مش عارفة تروح فين. تليفونها مفيهوش رصيد، وممعهاش غير 50 جنيه. الليل كله بتفكر في بسنت… بنت عمها. رغم قسوتها، بس دي اللي اتربت معاها. ولو هي اتجوزت جاد، بسنت قلبها هيتكسر، وسمعتها في العيلة هتتدمر.


 


“يارب… يارب حلها من عندك” قالتها وهي باصة للسما.


 


تاني يوم الصبح الساعة 8، كانت واقفة قدام برج “الجارحي جروب”. أجمل برج في القاهرة كله إزاز. الأمن منعها في الأول، بس بعد محايلة نص ساعة ودموع، واحدة من الموظفات صعبت عليها ودخلتها للسكرتيرة.


 


قالت للسكرتيرة وهي بتترعش: “أبوس إيدك… عايزة أقابل الباشمهندس جاد الجارحي… قوليله رحمة… بتاعة الشربات… ضروري.”


 


السكرتيرة استغربت بس كلمت جاد على التليفون الداخلي. بعد دقيقة قالت لها: “اتفضلي… الباشمهندس مستنيكي.”


 


دخلت مكتبه.


 


كان قاعد ورا مكتبه الضخم، لابس قميص أسود وبيبص من الإزاز على القاهرة كلها من فوق. لما دخلت، لف بالكرسي وبص لها ببرود. شكله وهو متعصب أهون من شكله وهو بارد كده.


 


“خير؟” قال كلمة واحدة.


 


رحمة بلعت ريقها ودموعها نزلت غصب عنها. وقعت على ركبها في نص المكتب.


“أنا… أنا آسفة على اللي حصل امبارح. أبوس إيدك يا باشمهندس… أبوس رجلك… إخطب بنت عمي بسنت. هي بتحبك… والله بتحبك. ومش هتستحمل. سمعتها هتبقى في الأرض. أنا السبب في كل حاجة. أنا مش عايزة أكون سبب في كسرة قلبها… أرجوك. اعتبرني أختك الصغيرة.”


 


جاد قام من على مكتبه بهدوء وقرب منها. سكوته كان أرعب من زعيقه. وقف قصادها وهي لسه على الأرض وبص في عينيها اللي مليانة دموع ورعب وتعب.


 


شاف فيها حاجة غريبة… شاف صدق. شاف بنت مطرودة، بايته في الشارع، ومستعدة تذل نفسها وتترجاه عشان بنت عمها اللي طردتها. البنت دي مش زي ريم… ومش زي أي واحدة عرفها. ريم باعته عشان فلوس تامر، ودي مستعدة تبيعه هو شخصياً عشان متكسرش قلب واحدة أذيتها.


 


وده خلاه يُعجب بيها أكتر. إعجاب برجولة… بجدعنة مشفهاش في رجالة كتير.


 


سند بإيده على المكتب جنبها ووطى لمستواها وقال بصوت هادي:


“قومي. مبحبش حد يوطي قصادي.”


 


رحمة قامت وهي بتترعش.


 


كمل كلامه: “موافق… بس بشرط.”


 


رفعت عينيها له بأمل زي الغرقان اللي اترمى له طوق نجاة: “أي حاجة. والله أي حاجة.”


 


قال: “هنتجوز. أنا وإنتي. جواز على الورق لمدة شهر واحد بس. عشان أرد كرامتي قدام الناس كلها… أوريهم إن جاد الجارحي مبيترفضش، وإن هو اللي بيختار. وبعد الشهر… هطلقك… وأتجوز بنت عمك بسنت زي ما إنتي عايزة. ده اتفاق.”


 


رحمة فتحت بوقها من الصدمة: “أتجوزك… أنا؟! بس أنا…”


 


جاد ابتسم نص ابتسامة باردة، أول ابتسامة تشوفها على وشه: “أيوه إنتي. ده اتفاق. هعيشك في مستوى عمرك ما حلمتي بيه. أكل وشرب ولبس وقصر. وفي المقابل، هتمثلي دور مراتي شهر واحد. قدام أمي، قدام عيلتي، قدام الدنيا كلها. موافقة ولا مش موافقة؟”


 


رحمة بصت للأرض… هي في الشارع، ومطرودة، وجعانة، وبردانة. وده الحل الوحيد عشان تنقذ بسنت… وتنقذ نفسها من المرمطة. شهر واحد وتخلص من الذل ده كله.


 


رفعت راسها وعينيها لسه فيها دموع وقالت بصوت مهزوز: “موافقة.”


 


جاد رجع خطوة لورا، وعدل كُم قميصه وقال: “مبروك يا مدام جاد الجارحي… مؤقتاً. اتصلي بالسكرتيرة برة خليها تجيبلك فطار. شكلك مكلتيش من امبارح.”


 


يتبع…


 


الفصل التالت


كلمة “موافقة” طلعت من بوق رحمة وهي مش حاسة بيها. كأنها بتمضي على حكم إعدام، بس مفيش قدامها حل تاني.


 


جاد بص في ساعته الرولكس وقال ببرود: “المحامي بتاعي هيكون هنا كمان ساعة. هنكتب عقد جواز رسمي وعقد اتفاق تاني بيني وبينك. كل حاجة هتبقى على الورق.”


 


رحمة كانت واقفة متخشبة، حاسة إن الدنيا بتلف بيها.


“بس… بس الناس هتقول إيه؟ هتقول عليا خطافة رجالة؟ واخدة عريس بنت عمها؟”


 


جاد ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس: “الناس كده كده بتتكلم. المهم إن بعد شهر، أنا هكون رديت اعتباري… وإنتي هتبقي أنقذتي بنت عمك زي ما إنتي عايزة. كل واحد هياخد اللي هو عايزه.”


 


قرب منها خطوة، وريحة البرفيوم بتاعه الغالي مالية المكان، وقال بصوت واطي: “بس لحد ما الشهر ده يخلص… إنتي مرات جاد الجارحي. فاهمة؟ يعني هتلبسي وهتتكلمي وهتمشي زي ما أنا أقول. مفيش كسوف، مفيش راس في الأرض. إنتي هتبقي هانم… حتى لو لمدة شهر.”


 


رحمة هزت راسها وهي مش قادرة تتكلم.


 


الساعة 10 بالظبط، المحامي “شريف باشا” دخل المكتب بشنطة جلد. في نص ساعة كان كل الورق جاهز. قسيمة جواز، وعقد اتفاق سري بشرط الشهر والطلاق بعده.


 


جاد مضى من غير ما يقرأ حتى. القلم في إيده كان ثابت. لما جه الدور على رحمة، إيديها كانت بتترعش وهي بتمسك القلم. بصت لجاد ثانية، لقت عينيه فاضية… مفيهاش أي مشاعر. مضت بسرعة كأنها خايفة ترجع في كلامها.


 


“مبروك يا عرسان” قالها المحامي وهو بيضحك ومش فاهم حاجة. لم الورق ومشي.


 


جاد قام وقف ولبس الجاكيت بتاعه: “يلا.”


 


“على فين؟” رحمة سألت بخوف.


“على بيتك الجديد.” قالها وهو بيفتح باب المكتب. “ولا فاكرة مراتي هتفضل قاعدة في الشارع؟”


 


نزلوا للجراج. أول ما شافت العربية الرولز رويس اللي مستنياه، شهقت. عمرها ما ركبت حاجة أنضف من الميكروباص.


طول الطريق مفيش كلمة بينهم. هو بيبص في موبايله، وهي لازقة في باب العربية وبتبص من الشباك على الشوارع اللي بتجري.


 


وصلوا “كمبوند الجارحي بالاس” في الشيخ زايد. قصر… مش فيلا. سور عالي، وجنينة قد مساحة بيت عمها كله، وحرس على البوابة ضربوا له تعظيم سلام.



دخلوا القصر. الخدم واقفين صف. مديرة القصر ست أربعينية اسمها “دادا فاطمة” قربت بابتسامة: “حمدلله على السلامة يا جاد بيه… دي الهانم؟”


 


جاد قال من غير ما يبص لرحمة: “أيوه يا دادا. مدام رحمة. من النهاردة هي هانم القصر ده. اللي تطلبه يتنفذ. مفهوم؟”


 


كلهم قالوا في صوت واحد: “أوامرك يا فندم.”


 


رحمة كانت هتقع من طولها. هانم؟ هي؟ الخدامة؟


 


طلعها جاد لجناح كامل في الدور التاني. أوضة نوم أكبر من شقة أبوها الله يرحمه، حمام بجاكوزي، ودريسنج روم مليانة هدوم لسه بالتكت بتاعها، كلها مقاسها بالظبط.


 


“الدريسنج دي كلها ليكي.” قال وهو ساند على الباب. “بعد ساعة هيجيلك ميكب أرتست وكوافير. عندنا عشا مهم بالليل مع رجال أعمال. لازم تظهري بمظهر يليق بمراتي.”


 


“عشا؟ النهاردة؟!” رحمة قالت بفزع. “بس أنا…”


 


“إنتي إيه؟” قاطعها بحدة. “قولتلك من شوية، مفيش كسوف. إنتي دلوقتي رحمة الجارحي. إتصرفي على الأساس ده. واحدة هتتعلمي.”


وسابها ومشي وقفل الباب.


 


رحمة قعدت على طرف السرير الفخم وحطت وشها بين إيديها وعيطت. ده كابوس ولا حقيقة؟


 


في نفس الوقت، في فيلا فؤاد الشربتلي، الخبر كان واصل.


 


بسنت كانت بتكسر في الأوضة بتاعتها وبتصرخ: “اتجوزها؟! اتجوز الخدامة بجد؟! أنا هتجنن يا ماما! فضحني في مصر كلها!”


 


مديحة هانم بتحاول تهديها: “اهدي يا بنتي… ده تلاقيه بيعمل كده عشان يغيظك بس. شهر وهيطلقها ويرجعلك.”


 


فؤاد بيه كان قاعد في مكتبه، بيشرب قهوة وماسك موبايله. جاله مسدج من رقم مش متسجل:


“بكرة الساعة 8، عشا في فندق النيل ريتز. أنا ومراتي مستنينكم. عشان نتعرف كـعائلتين. جاد الجارحي.”


 


فؤاد رمى الموبايل على المكتب بغيظ: “ابن الجارحي بيتحداني… ماشي. هنشوف آخرتها إيه.”


 


بالليل، الساعة 7.


 


رحمة كانت واقفة قصاد المراية ومش مصدقة نفسها. الكوافير عملها شعرها ويفي نازل على كتفها، والميكب بسيط بس مخلي ملامحها الهادية تنطق. لابسة فستان سهرة كحلي طويل، بسيط وشيك، وعقد ألماس حوالين رقبتها كان بتاع سميرة هانم.


 


الباب خبط ودخل جاد. كان لابس بدلة سموكينج سودا، وشكله يخطف القلب. أول ما شافها، سكت ثانية. عينه لمعت غصب عنه. البنت الخدامة اللي كانت بتمسح الأرض، دلوقتي واقفة قصاده ملكة.


 


قرب منها ومد إيده: “جاهزة يا… مدام رحمة؟”


 


رحمة حطت إيدها المترعشة في إيده. إيدها باردة تلج، وإيده سخنة وقوية.


“جاهزة… يا جاد بيه.”


 


“اسمي جاد بس.” قال وهو بيشدها بهدوء من إيدها. “من النهاردة، مفيش بيه.”


 


نزلوا وركبوا العربية. طول الطريق للقاعة في الفندق، رحمة قلبها بيدق جامد. أول اختبار ليها… وأصعب اختبار. هتشوف عمها ومراته وبسنت بعد ما اتطردت… وهي على دراع الراجل اللي المفروض كان لبسنت.



وصلوا. جاد نزل ولف فتح لها الباب بنفسه. مسك إيدها وشبك صوابعه في صوابعها قدام الكل.


 


دخلوا القاعة، وفؤاد ومديحة وبسنت كانوا قاعدين على الترابيزة.


 


أول ما عين بسنت وقعت على رحمة وهي داخلة على دراع جاد، ولابسة ألماس، وشكلها زي الأميرات…


 


الكراهية اللي في عينيها كانت كفيلة تحرق القاعة كلها.


يتبع….. كملوها في الجزء الأخير


 

حكاية جاد ورحمة ج2



الجزء الأخير


الكاتبة ملك إبراهيم


لحظة دخول جاد ورحمة القاعة، كل العيون اتعلقت عليهم.


الويترز بيفتحوا الباب الإزاز، والبيانو بيتلعب في الخلفية، بس محدش سامع. الكل بيبص على المشهد… جاد الجارحي ماسك إيد الخدامة اللي كانت بتقدم الشربات، ولابسة ألماس يعدي المليون جنيه.


 


بسنت كانت قاعدة، ضوافرها مغروسة في الكرسي الجلد. وشها شاحب، وروجها الأحمر بقى باين كأنه دم على وش ميت. أول ما رحمة قربت، بسنت قامت مرة واحدة والكرسي وقع وراها.


 


“إيه المسخرة دي؟!” صرخت بصوت عالي لدرجة إن نص القاعة بص عليهم.


 


مديحة هانم شدتها من دراعها: “بس يا بسنت! اهدي! الناس بتتفرج!”


 


فؤاد بيه قام وقف، حاول يرسم ابتسامة دبلوماسية بس فشل. مد إيده لجاد: “أهلاً يا باشمهندس… نورت.”


 


جاد سلم عليه ببرود، ومن غير ما يسيب إيد رحمة، قال: “القاعة منورة بأهلها يا فؤاد بيه. أعرفكم… مدام رحمة الجارحي. مراتي.”


 


كلمة “مراتي” نزلت زي السكي//نة على بسنت.


 


رحمة كانت حاسة إنها هتقع. رجلها مش شايلاها، وإيدها في إيد جاد عرقانة. همست بصوت واطي محدش سمعه غير جاد: “أنا… أنا عايزة أرجع.”


 


جاد ضغط على إيدها جامد، وابتسم نص ابتسامة للترابيزة وقال بصوت مسموع: “مراتي مكسوفة شوية… أول مرة تتعرف عليكم رسمي.”


 


قعدوا. جاد شد الكرسي لرحمة بنفسه وقعدها جنبه، وحط إيده على ضهر الكرسي بتاعها كأنه بيحاوطها. الحركة دي جنت بسنت أكتر.


 


الويتر جه بالمنيو. جاد من غير ما يسأل رحمة قال: “مدام رحمة هتاخد سلمون جريل وسلطة كينوا… هي بتحبه.”


 


رحمة بصت له بصدمة. هو عرف منين إنها بتحبه؟ هي عمرها ما داقته أصلاً! بس هزت راسها وسكتت.


 


بسنت خبطت بالشوكة في الطبق وقالت بسم: “واو… إمتى لحقت تعرف بتحب إيه وبتكره إيه يا باشمهندس؟ ولا الخدامين عندكم بياكلوا سلمون؟”


 


فؤاد بيه كح جامد: “بسنت!”


 


جاد بص لبسنت ببرود قاتل، وقال وهو بيقطع اللحمة بتاعته: “مراتي مش خدامة يا آنسة بسنت. مراتي هانم. واللي يقول عليها كلمة تانية… يبقى بيغلط فيا أنا شخصياً.”


 


السكوت عم الترابيزة. مديحة هانم حاولت تغير الموضوع: “طب والفرح بقى؟ أكيد هتعملوا فرح كبير يليق بالعيلتين…”


 


جاد مسح بوقه بالمنديل وقال: “مفيش فرح.”


 


بسنت شهقت بفرحة: “إيه؟!”


 


كمل كلامه وهو باصص في عين فؤاد: “مبحبش الأفراح. ولا بحب الزيطة. كتبنا الكتاب خلاص. والشهر الجاي مسافرين هاني مون في إيطاليا.”


 


رحمة كانت هتشرق. هاني مون؟ إيطاليا؟ ده مش في الاتفاق!


 


بسنت رمت الشوكة وقامت وقفت: “إنت كداب! إنت بتعمل كده عشان تكسرني! عشان تذلني! بس أنا مش هسكت! رحمة دي حية… لفت عليك عشان فلوسك!”


 


أول ما قالت كلمة “حية”، جاد خبط بكف إيده على الترابيزة. الخبطة سمعت في القاعة كلها والناس اتخضت.



قام وقف، وطوله وبدلته السودة خلته زي الصقر. بص لبسنت من فوق لتحت وقال بصوت واطي بس كل حرف فيه سم: “اسمعي يا بنت فؤاد الشربتلي. لآخر مرة هعيدها… اللي يغلط في مراتي، كأنه غلط فيا. وجاد الجارحي لما حد بيغلط فيه، بيمحيه من على وش الدنيا. فاهمة؟”


 


فؤاد بيه قام بسرعة: “يا جاد بيه اهدى… البنت أعصابها تعبانة…”


 


جاد مادالوش اهتمام. بص لرحمة اللي كانت بتعيط سكاتي ووشها في الأرض، مسك دراعها وقومها وقال: “يلا يا رحمة. إحنا خلصنا عشا.”


 


خدها ومشي من القاعة كلها، سايب وراه بسنت منهارة، وأبوها وشه في الأرض من الفضيحة.


 


في العربية، رحمة انفجرت في العياط: “حرام عليك… حرام عليك! إنت خليت شكلي إيه قصادهم؟! هيفتكروا إني خطفتك منهم بجد! بسنت هتكرهني طول عمرها!”


 


جاد سايق ومركز في الطريق، ملامحه حجر: “ما قولتلك… شهر وتخلصي مني ومنهم. استحملي.”


 


“وإيطاليا؟! إيه هاني مون دي؟! ده مكنش اتفاقنا!”


 


لف وبص لها ثانية، وعينه فيها حاجة غريبة: “لازم الكدبة تكمل. لو قولنا متجوزين من غير فرح ولا سفر، محدش هيصدق. لازم الناس تشوفنا سوا… كتير.”


 


سكتت. عندُه حق. هي مضت، لازم تكمل للآخر.


 


وصلوا القصر. رحمة طلعت تجري على جناحها وقفلت على نفسها.


 


جاد دخل مكتبه، فتح التليفزيون. أول خبر في برنامج اجتماعي: “صدمة في الوسط الراقي! جاد الجارحي يتجوز فتاة مجهولة ويتخلى عن بسنت الشربتلي بنت رجل الأعمال المعروف!”


 


رمى الريموت في الحيطة لحد ما اتكسر 100 حتة.


 


في نفس الوقت، بسنت كانت في أوضتها بتكسر كل حاجة. مسكت موبايلها واتصلت برقم.


 


“ألو… أيوه يا تامر… عايزاك في خدمة… عايزة أدمر حياة رحمة… مهما كان التمن.”


 


تامر الوكيل… صاحب جاد اللي خانه مع ريم… ضحك على الناحية التانية: “طلباتك أوامر يا قطة… ده جاد ده حبيب قلبي… وأنا عارف إزاي أوجعه.”


يتبع…


 


الفصل الخامس


تاني يوم الصبح، رحمة صحيت على صوت تليفون الجناح بيرن. ردت بخوف: “ألو؟”


 


“صباح الخير يا هانم.” كان صوت دادا فاطمة. “الفطار جاهز تحت. وجاد بيه مستني حضرتك. وقال عايزك تنزلي حالاً.”


 


رحمة قامت لبست دريس بسيط من اللي جابهم جاد. نزلت لقت الجرايد كلها على السفرة. صفحات كاملة عنها… “من الخدامة للهانم”، “سندريلا العصر الحديث”، “جاد الجارحي يكسر القواعد”.


 


وشها جاب ألوان. جاد كان قاعد بيشرب قهوته وبيقرأ في اللابتوب، لابس بدلة كحلي من غير جاكيت.


 


“اقعدي.” قال من غير ما يبص لها.


 


قعدت على طرف الكرسي. “جاد… أنا… الجرايد…”


 


“عارف.” قاطعها. “وده المطلوب. كل ما الناس تتكلم أكتر، كل ما بسنت وعيلتها يتجننوا أكتر. وأنا عايزهم يتجننوا.”


 


رحمة بصت في طبقها: “بس ده ظلم… الناس فاكراني خطفتك. وفاكرين إني طماعة.”



جاد قفل اللابتوب وبص لها بحدة: “وإنتي فارق معاكي الناس؟ مش قولتي موافقة عشان بسنت؟ كملي لعبك للآخر.”


 


قبل ما ترد، تليفونه رن. بص للاسم ووشه اتغير. “تامر الوكيل”.


 


رد ببرود: “خير يا تامر؟”


 


صوت تامر كان كله شماتة: “إيه يا عريس… ألف مبروك. سمعت إنك اتجوزت الشغالة. قولت أكيد بتعمل مقلب… بس طلع بجد. واحشنا يا جدع.”


 


جاد مسك أعصابه: “عايز إيه؟”


 


“ولا حاجة… بس بسنت كلمتني امبارح. كانت منهارة. صعبت عليا. قولت أكلمك أفكرك… إن البنات كلهم زي بعض. واللي تبيع عمها عشانك، بكرة تبيعك إنت كمان. سلام يا صاحبي… أقصد يا عدوي.”


 


قفل السكة. جاد رمى الموبايل على السفرة لدرجة إن الفنجان اتقلب.


 


رحمة اتخضت: “في إيه؟”


 


“مفيش.” قام وقف. “عندي شغل. السواق هيوديكي النادي النهاردة. لازم تظهري. سميرة هانم هتكون هناك. اتصرفي كويس.”


 


وسابها ومشي.


 


في فيلا الشربتلي، بسنت وتامر كانوا قاعدين في الجنينة.


 


تامر بيولع سيجارة: “بصي يا بسنت… جاد ده دماغه ناشفة. مش هيرجع في كلمته بالساهل. لازم نلعبها صح. لازم نثبت للناس إن رحمة دي بنت شمال… طمعانة في فلوسه… وإنها كانت بتخطط لكل ده.”


 


بسنت عينيها بتلمع بالغل: “إزاي؟”


 


تامر ابتسم بخبث: “أنا عندي كاميرات في مكتب جاد القديم. من أيام ما كنا شركا. ومتسجل عليها كل حاجة. هظبط فيديو صغير… مبين إن رحمة كانت بتتجسس عليه في الشركة… وإنها سرقت ورق مهم. وهنسربه للصحافة. ساعتها جاد هيطردها بنفسه… وساعتها هيعرف إنك إنتي اللي بتحبيه بجد.”


 


بسنت صقفت زي العيال الصغيرة: “أيوه! بالظبط! لازم ندمرها! لازم جاد يكرها زي ما بكرهها!”


 


في النادي، رحمة كانت قاعدة مع سميرة هانم اللي مابطلتش تسم بدب في كلامها.


 


“يعني يا بنتي… مبسوطة؟ عرفتي تضحكي على ابني إزاي؟” سميرة هانم قالتها وهي بتشرب الشاي.


 


رحمة عينيها دمعت: “والله يا هانم ما ضحكت عليه. ده اتفاق…”


 


“اتفاق؟!” سميرة شهقت. “اتفاق إيه يا حبيبتي؟ إنتي فاكراني هبلة؟ عموماً… الشهر هيخلص. ووقتها هترجعي للشارع اللي جيتي منه. وابني هيرجع لعقله.”


 


في اللحظة دي، كل تليفونات النادي رنت. نوتيفيكيشن واحد.


 


“فضيحة الموسم: فيديو مسرب لرحمة الجارحي تسرق مستندات سرية من شركة جاد الجارحي قبل الزواج.”


 


الفيديو كان متفبرك بإحتراف. مبين رحمة وهي داخلة مكتب جاد بالليل، وبتفتح الدرج، وبتصور ورق بالموبايل. التاريخ اللي على الفيديو قبل فرحهم بأسبوع.


 


الدنيــا اتقلبت. كل اللي في النادي بيبصوا على رحمة. الهمس بقى كلام بصوت عالي: “حرامية… خطافة رجالة… نصّابة.”


 


سميرة هانم رمت الفنجان وقامت: “يا فضيحتي! يا فضيحتي! قولتلكوا البت دي شؤم!”


 


رحمة كانت حاسة إن قلبها هيقف. فتحت الفيديو… دي هي فعلاً. بس اليوم ده… اليوم ده هي كانت راحت الشركة تسلم ملف لعمها فؤاد بيه نسيه هناك، والسكرتيرة قالت لها تسيبه على مكتب جاد. عمرها ما فتحت درج!


 


جرت من النادي ودموعها على خدها. ركبت أول تاكسي وقالت له: “على شركة الجارحي جروب… بسرعة.”


 


وصلت الشركة، الأمن منعها. “ممنوع يا فندم. تعليمات جاد بيه.”


 


“أبوس إيدك… لازم أقابله… ده كله كدب!”


 


في اللحظة دي، جاد نازل من الأسانسير، وشه أسود من الغضب. الصحفيين محاوطين البرج. أول ما شافها، وقف.


 


رحمة جرت عليه: “جاد… والله العظيم ما عملت كده… الفيديو ده متفبرك… أنا يومها كنت…”


 


قاطعها بزعيق هز الريسبشن كله: “اخرسي!”


 


مسك دراعها جامد لدرجة إنها اتوجعت وجرها لمكتبه قدام كل الموظفين. رماها جوة وقفل الباب بالمفتاح.


 


“انتي مين؟! انطقي! مين اللي بعتك؟!” صرخ فيها وهو بيخبط على المكتب. “تامر؟ فؤاد؟ مين؟! أنا جاد الجارحي اللي يضحك عليه من حتة بتاعة؟!”


 


رحمة وقعت على الأرض وهي بتعيط بحرقة: “والله ما خنتك… والله ما سرقت… أنا لو عايزة فلوسك كنت خدتها… أنا وافقت عشان بسنت… عشان متتكسـرش… اسأل السكرتيرة… يومها قالتلي أحط الملف في المكتب…”


 


جاد سكت فجأة. كلمة “السكرتيرة” رنت في ودنه. افتكر إن السكرتيرة بتاعته فعلاً قالت له إن في بنت جابت ملف من طرف فؤاد بيه.


 


طلع موبايله واتصل: “هالة… فاكرة البنت اللي جابت ملف من عند فؤاد الشربتلي من أسبوعين؟ كانت لوحدها في المكتب قد إيه؟”


 


السكرتيرة ردت: “أيوه يا فندم… دقيقة واحدة بالظبط. أنا كنت واقفة على الباب. محطتش إيديها في أي حاجة. سابت الملف ومشيت.”


 


جاد قفل السكة وبص لرحمة اللي كانت منهارة على الأرض. الفيديو كان جايبها قاعدة 5 دقايق.


 


فهم اللعبة كلها. تامر… وبسنت.


 


قرب منها ونزل على ركبه قصادها. لأول مرة، لمس وشها بإيده ومسح دموعها.


 


“أنا آسف.” قالها بصوت مهزوز. “أنا… صدقتهم قبل ما أصدقك.”


 


رحمة رفعت عينيها له وهي مش مصدقة إنه بيعتذر.


 


كمل كلامه: “الشهر خلص… يا رحمة.”


 


قلبها وقع. خلاص… هيرميها في الشارع.


 


قام وقف وشدها تقوم معاه، وقال وهو باصص في عينيها: “والشهر الجديد هيبدأ… بس المرة دي بجد. مش اتفاق… أنا عايزك إنتي. مش بسنت… ولا أي واحدة تانية. أنا آسف إني دخلتك في حربي… بس أنا من غيرك… خسران.”


 


رحمة حطت إيديها على بوقها من الصدمة.


 


الباب خبط جامد. دادا فاطمة بتزعق من برة: “يا جاد بيه… البوليس تحت… ومعاهم فؤاد بيه وتامر بيه… وبيقولوا معاهم أمر تفتيش وبلاغ ضد الهانم!”


 


جاد ضم قبضة إيده، وبص لرحمة وقال: “اللعبة ابتدت بجد… وأنتي مش لوحدك. إنتي مرات جاد الجارحي… بجد.”



يتبع…


الفصل السادس والأخير.


الباب كان بيترزع من برة، وصوت دادا فاطمة مرعوب: “يا جاد بيه الحقني! البوليس تحت ومعاهم فؤاد بيه وأستاذ تامر!”


 


جاد مسك إيد رحمة اللي كانت بتترعش وقال بصوت ثابت: “ماتخافيش. من النهاردة مفيش حد هيقدر يلمس شعرة منك.”


 


فتح الباب ونزل وهو ماسك إيدها، والموظفين كلهم واقفين يتفرجوا. تحت في الريسبشن، ظابط مباحث وفؤاد الشربتلي وتامر الوكيل واقفين، وقدامهم بسنت باصة بتشفي.


 


فؤاد بيه شاور على رحمة: “يا حضرة الظابط، دي البنت اللي سرقت ملفات من شركتنا، والفيديو معانا أهو. وعايزين نفتش مكتبها.”


 


جاد وقف قصادهم كلهم زي السد وقال ببرود: “قبل ما تفتشوا أي حاجة… اتفرجوا على ده الأول.”


 


شاور للسيكيوريتي، والسيكيوريتي شغل شاشة الريسبشن الكبيرة. فيديو ظهر… من كاميرات الشركة الداخلية.


 


الفيديو جايب رحمة وهي داخلة المكتب، حطت الملف على المكتب ومشيت في أقل من دقيقة. والسكرتيرة واقفة على الباب. وبعدها بـ 5 دقايق، ظهر واحد ملثم دخل المكتب، فتح نفس الدرج، صور الورق، وحط فلاشة.


 


جاد قرب من الشاشة وعمل زووم على إيد الراجل الملثم. كان في وشم صغير… نفس وشم تامر الوكيل اللي على إيده الشمال.


 


القاعة كلها اتكتمت.


 


جاد بص لتامر وقال: “نسيت يا تامر إن لما اشتريتك الشركة، ماغيرتش سيستم الكاميرات الداخلي؟ الكاميرات اللي إنت مركبها بنفسك بتصور صوت وصورة 24 ساعة… حتى لو النور قاطع.”


 


تامر وشه جاب ألوان وبدأ يعرق: “إيه… إيه الكلام الفارغ ده؟ ده… ده متفبرك!”


 


الظابط اتقدم: “الوشم ده بتاعك يا أستاذ تامر؟ هتضطر تيجي معانا القسم إنت والآنسة بسنت. في تهمة تزوير وتشويه سمعة وبلاغ كاذب.”


 


بسنت صرخت: “لأ! هو اللي قال لي! هو اللي قالي أعمل كده! أنا ماليش دعوة!”


 


فؤاد بيه سند على الحيطة وكان هيقع. سمعته… اسمه… كل حاجة راحت. بص لرحمة بنظرة كسرة، وبص لجاد وقال: “أنا… أنا آسف يا بني. ظلمت بنت أخويا… وظلمتك.”


 


جاد ماردش عليه. بص لرحمة اللي كانت ماسكة في جاكيت بدلته ومش مصدقة إن الكابوس خلص.


 


بعد ساعة، القسم كان مقلوب. تامر محبوس 4 أيام على ذمة التحقيق، وبسنت خرجت بكفالة بعد ما اعترفت على تامر. والخبر نزل في كل المواقع: “براءة سندريلا الجارحي… تامر الوكيل وراء الفيديو المفبرك.”


 


بالليل، في قصر الجارحي.


 


رحمة كانت قاعدة في الجنينة سرحانة. حاسة إنها في حلم. جاد جه وقعد جنبها على الكرسي الخشب. ساكتين.


 


“الشهر خلص من زمان.” قالها فجأة.


 


رحمة قلبها وجعها: “عندك حق. أنا… أنا هلم حاجتي وأمشي. متشكرة على كل حاجة…”


 


لسه هتقوم، مسك إيدها وقعدها تاني بالعافية.


 


“إنتي رايحة فين؟” قال بنرفزة. “هو أنا قولتلك إني عايزك تمشي؟”


 


“بس… بس الاتفاق…”


 


“الاتفاق ده أنا اللي عملته وأنا اللي هقطعه.” قرب منها وعينه في عينها. “أنا جاد الجارحي، مابيرجعش في كلمته. بس المرة دي هرجع. أنا قولتلك هطلقك بعد شهر… بس ماقولتش إني مش هحبك في الشهر ده.”


 


رحمة شهقت وحطت إيدها على بوقها.


 


كمل كلامه وصوته اتغير، بقى فيه حنية عمرها ما سمعتها منه: “إنتي الوحيدة اللي دخلت حياتي وماكنتش عايزة مني حاجة. الوحيدة اللي وقفت قصادي وقالتلي لأ. الوحيدة اللي استحملت إهانة وقرف عشان خاطر حد تاني. إنتي نضيفة يا رحمة… وأنضف من الدنيا اللي أنا عايش فيها. أنا ريم كسرتني، وإنتي جيتي لميتيني من غير ما تحسي.”


 


دموعها نزلت تاني بس المرة دي دموع فرح.


 


طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة. فتحها. كان فيها خاتم سوليتير، مش بتاع الاتفاق… ده خاتم جديد، بسيط، على قدها.


 


“تتجوزيني يا رحمة؟ بس المرة دي بجد. مش شهر… العمر كله. مش عشان أرد كرامتي… عشان إنتي اللي رديتيلي روحي.”


 


رحمة ماقدرتش تتكلم. هزت راسها بـ “أيوه” وهي بتعيط وبتضحك في نفس الوقت.


 


لبسها الخاتم، وشدها لحضنه. لأول مرة، حضن بجد… حضن أمان مش اتفاق.


 


بعد سنة…


 


زفة كبيرة خارجة من مسجد الشيخ زايد. جاد الجارحي ماسك إيد مراته رحمة الجارحي، ولابسة فستان أبيض بسيط زي قلبها. مفيش مظاهر، مفيش صحافة. فرح عائلي على الضيق زي ما هي طلبت.


 


سميرة هانم واقفة ودموعها في عينيها، بس دموع فرح. قربت من رحمة وباستها على راسها: “سامحيني يا بنتي. سامحيني عشان معرفتش قيمتك من الأول. إنتي اللي طلعتي بنت أصول بصحيح.”


 


فؤاد بيه كان واقف بعيد، بيتفرج عليهم. بسنت سافرت لندن تكمل دراسة بعد ما اعتذرت لرحمة في جواب طويل. وهو جه الفرح لوحده، وكأنه بيتعلم من غلطه.


 


تامر؟ شركته اتقفلت وخسر كل حاجة.


 


جاد ميل على ودن رحمة وهي ماسكة بوكيه الورد وقالها: “مبسوطة يا مدام الجارحي؟”


 


رحمة ضحكت وحطت راسها على كتفه: “مبسوطة يا جاد… أوي.”


 


وفي نفس اللحظة، حطت إيدها على بطنها بحركة لا إرادية.


 


جاد خد باله واتسعت عينه: “إنتي… إنتي حامل؟”


 


رحمة وشها احمر وهزت راسها بكسوف: “لسه عارفة امبارح… كنت هفاجئك بعد الفرح.”


 


جاد شالها ولف بيها قصاد كل الناس وهو بيضحك من قلبه لأول مرة من سنين: “هبقى أب! رحمة هتجيبلي حتة مني!”


 


الكل سقف، والزغاريد ملت المكان.


 


والصينية اللي وقعت من سنة، كانت السبب في إن القدر يوقع اتنين مايعرفش بعض… في طريق بعض.


 


عشان أحياناً… كسرة القلب ، بتبقى بداية لحكاية جديدة.


تمت بحمد الله ❤️


 


 


تعليقات

التنقل السريع
    close