بنت عم جوزى كامله وحصريه بقلم أماني سيد
قصص وروايات أمانى سيد
كنت راكبه انا وبنت عمت جوزى العربيه وهى كانت حامل وطلبت انها تقعد قدام عشان المطبات وافقت وماعترضتش لكن وأحنا على الطريق السريع شذى بنت عمه مسكت بطنها لقيت جوزى وقف العربيه وسألها مالك
قالتله ريحه البرفان اللى مراتك حطاها قالبه معدتى وجالى غثيان
بدون تردد لقيت جوزى بيطلب منى أنزل من العربيه! أنا اتصدمت، ومبقتش مستوعبة هو بيتكلم بجد ولا بيهزر؟ ببعدين لقيته بزعيق وبيشاورلي على الباب وبيقولي: “خلصي يا ندى، مش قادرة تستحمل، انزلي خدي تاكسي وروحي، مش ناقصين يحصلها حاجة والطفل يجراله حاجة بسببك!”
نزلت من العربية ورجلي مش شيلاني، والدموع مغرقة عيني من كتر الإهانة والوجع. وبمجرد ما رجلي لمست الإسفلت، وقبل ما الباب يتقفل، اتلفتّ وبصيت عليها… لقيت شذى باصة لي من قزاز العربية، وعلى وشها ابتسامة نصر خبيثة، عينيها كانت بتطق شماتة وفرحة، وكأنها بتقولي “شفتي مين الكسبان في الآخر؟”.
جوزي مداسش حتى بنزين براحة، ده طار بالعربية وسابني واقفة بطولي على الطريق السريع، وسط العربيات اللي بتجري حواليا، وقلبي مكسور ميت حتة من برود قلبه وقسوتها.
لما دخلت العمارة، كنت حاسة إن رجلي بتجرجرني بالعافية، ودموعي نشفت من كتر الصدمة والوجع. أول ما وصلت الدور الأول، ولمحت باب شقة حماتي مفتوح وصوت ضحكهم طالع للممر، قلبي انقبض.
خطيت عتبة الشقة، واتفاجئت بالمنظر اللي كسر اللي باقي مني.. جوزي قاعد على الكنبة، وجنبه شذى قاعده كانها مراته وكأنها صاحبة البيت، وحواليها أكياس لبس كتير؛ لبس خروج ولبس بيتي شيك جداً لسه بالتايكت بتاعه.
أول ما شافني داخلة، ولا كأنه سابني على طريق سريع! بصلي ببرود وقال بنبرة أمر: “كويس إنك جيتي.. شذى هتقعد هنا كام يوم مع أمي عشان تعبانة ومحتاجة رعاية، وأنا نزلت جبتلها شوية لبس بيتي وخروج تريح بيهم هنا.. ادخلي اعمليلنا حاجة نشربها عشان لسه جايين من المشوار وتعبانين.”
شذى في اللحظة دي، عدلت قعدتها وبصت للأكياس اللي جنبها، وبعدين رفعت عينها في عيني وبصتلي من فوق لتحت بابتسامة شماتة تانية، ولطفت صوتها بخبث وقالت: “تسلم إيدك يا ابن عمي، ذوقك في اللبس البيتي يجنن.. معلش بقى يا ندى تعبناكي معانا النهاردة، أصل الحمل ومشاكله زي ما أنتِ عارفة، مكنتش قادرة أستحمل ريحة برفانك خالص!”
حماتي كانت قاعدة بتبتسم ومقالتش كلمة واحدة تطيّب خاطري، وأنا واقفة في وسط الصالة، باصة لجوزي وللأكياس ولشذى، وحاسة إن الدنيا بتلف بيا من كتر الجحود والرخص اللي حطوني فيه
صحيت تاني يوم الصبح، وعيني ورمة ومشققة من كتر العياط طول الليل. لفيت طرحتي ونزلت شقة حماتي وأنا بنهج من التعب، وقلت يمكن ألاقي جوزي لوحدنا أعاتبه أو أحس منه بأي ندم على اللي عمله فيا امبارح.
أول ما خطيت الصالة، اتسمرت في مكاني.. المنظر كان زي الس*كينة في قلبي؛ وجبة فطار جاهزة وفول وطعمية وفطاير سخنة لسه جايبها، وقاعد جنب شذى بيفطروا ويضحكوا، وحماتي قاعدة معاهم ومبسوطة ع الآخر. جوزي لمحنـي، وبصلي بطرف عينه ورجع يكمل كلامه مع شذى ولا كأني بني آدمة واقفة، ولا كأنه كسر بخاطري و رماني في الشارع امبارح.. سابني واقفة كأني هوا، حرفياً ملغية ماليش وجود.
أول ما خلص فطار، قام لبس وباس رأس أمه، وبص لشذى وقالها: “خلي بالك من نفسك ولوعوزتي أي حاجة كلميني فوراً”، ونزل وراح شغله من غير ما يرمي عليا حتى كلمة “صباح الخير”.
بمجرد ما باب الشقة اتقفل، وحماتي دخلت المطبخ تجيب حاجة، لقيت شذى قامت من مكانها ببطء، ومسكت بطنها وهي بتتمايل، وقربت مني لحد ما بقت في وشي تماماً. بصتلي بعيون كلها غل وتشفي، وقالت بنبرة صوت واطية ومليانة سم: “بقولك إيه يا ندى.. سيبيه بكرامتك وامشي، بدل ما أنتِ قاعدة هنا من غير كرامة كدة! مش شايفة إنه مش طايقك ولا طايق يشم ريحتك؟ اللي زيك لو عندها دم، تلم هدومها وتغور، عشان اللي جاي هيزعلك أوي
أول ما شذى رمت كلامها المسموم، حسيت بنار قادت في صدري، وجمعت كل قوتي ووقفت طولـي وبصيت في عينيها بثبات وأنا بحاول أداري الوجع اللي جوايا، وقلت لها بنبرة قوية: “على فكرة يا شذى، أنتِ فاهمة غلط خالص.. جوزي بيعمل معاكِ كدة عشان أصوله وربايته، هو بس مراعي إنك مطلقة، وضيفة عندنا في البيت، وفي ظروف صحية صعبة وتعبانة.. لكن متفكريش أبداً إن ده معناه حاجة تانية، المقامات محفوظة وأنا مراته صاحبة البيت!”
شذى أول ما سمعت كلمة “مطلقة”، عينيها برقت من الغل، وضحكت ضحكة عالية ومستفزة رنت في الصالة كلها، وقربت مني خطوة كمان لدرجة إن أنفاسها بقت في وشي، وقالت بنبرة كلها تحدي وثقة عمياء: “مطلقة؟ ضيفة؟! لاء يا حبيبتي فوقي لنفسك واصحي من الوهم اللي أنتِ عايشة فيه.. هو مش بيعمل كدة شفقة، هو بيعمل كدة لأنه مش بيحبك أصلاً، وعمره ما حبك! هو بيحبني أنا.. بيموت في التراب اللي بمشي عليه وبيتمنى رضايا، ومش شايف في الدنيا ست غيري.. والملعوبة اللي اتلعبت امبارح في العربية ونزولك في الشارع دي كانت أول خطوة، عشان تعرفي مين فينا الغالية ومين الرخيصة اللي ملهاش لازمة!”
بصيتلها بقرف وقلت بصوت حاسم: “كذابة.. أنتِ واحدة كذابة وبتتوهمي! سمير بيحبني أنا، وعمره ما هيبص لواحدة زيك، أنتِ بس اللي بتجرّي وراه وبتتمسحي فيه!”
شذى ملامحها اتغيرت وبقت باردة جداً، وطلعت تليفونها من جيبها وبصتلي بنظرة خباثة وقالت: “بقى كدة؟ تمام.. يبقى أنتِ اللي بتعملي كدة في نفسك، وأنتِ اللي جنيتي على روحك!”
وفي ثانية، لقيتها طلبت رقم سمير، وأول ما رد، ملامح وشها اتقبلت ١٨٠ درجة؛ عينيها دمعت وصوتها اترعش وبدأت تعيط بنهنهة وتمثيل يدرّس في الخبث: “ألحقني يا سمير.. أنا متبهدلة أوي.. أنا لازم أمشي حالا من هنا.. ندى بتهيني وبتطردني برة البيت، وبتقولي ملكيش قعاد هنا يا مطلقة يا شحاتة.. أنا ماليش ذنب في تعبي يا سمير عشان اتهان كدة!”
وفجأة سكتت وهي بتسمعه، ولقيتها بتبصلي بنظرة انتصار وبتقوله: “حاضر.. حاضر يا حبيبي مش همشي، هستناك.”
ساعة بالظبط وسمعت صوت فرملة عربية سمير تحت البيت، وقلبي بدأ يدق برعب. ثواني وباب الشقة اترزع بقوة هزت الجدران. دخل سمير وعيونه بتطلع شرار، ووشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب.
أول ما شافني، جري عليا من غير ما ينطق بحرف واحد، وقبل ما أفتح بوقي عشان أدافع عن نفسي أو أشرح له اللي حصل، لقيت كف إيده نزل على وشي بقوة! القلم كان شديد لدرجة إن راسي لفت والدنيا اسودت في عيني، ووقعت على الأرض من شدة الضربة.
حطيت إيدي على خدي وأنا مذهولة وبصرخ: “والله العظيم كدابة يا سمير! هي اللي بدأت وقالتلي..”
مخلانيش أكمل الكلمة، وزعق فيا بصوت زي الرعد زلزل العمارة: “اسكتي خالص! مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك.. اطلعي فوق شقتك فوراً، ورجلك دي متلمسش شقة أمي تاني أبداً! غوري من قدامي!”
قمت من على الأرض وأنا كلي بترعش وببكي بحرقة، وقبل ما أخرج من باب الشقة، اتلفتّ وبصيت ورايا.. لقيت شذى واقفة ورا سمير، بتطبطب على كتفه وهي بتدعي الخوف والدموع في عينيها، لكن عينيها التقت بعيني وغمزتلي بابتسامة نصر حقيرة، كأنها بتقولي: “أهو طردك ومد إيده عليكي قدامي.. شفتي مين فينا الغالية؟”
طلعت شقتي ورجلي بتجرجرني بالعافية من كتر الوجع والذل. قفلت الباب عليا ورميت نفسي على السرير، وفضلت أعيط بحرقة طول اليوم لحد ما عيني ورمت وصوتي اتنبح من كتر الكتمان. كنت حاسة بقهر ملوش آخر، وجوزي اللي هانني وضربني قدام الغريبة كسر جوايا كل حاجة حلوة.
على آخر اليوم، لما حسيت إن الدنيا هديت شوية، قلت لنفسي مفيش حل غير إني أنزل لحماتي، هي ست كبيرة وأكيد لو حكتلها الحقيقة وعرفتها كدب شذى وتمثيلها، مش هترضى بالظلم ده ولا هتقبل إن ابنها يمد إيده عليا بالشكل ده في بيتها.
نزلت وفتحت باب الشقة براحة ودخلت.. بس يارتني ما نزلت!
اتسمرت في مكاني والدم نشف في عروقي من المنظر؛ شذى كانت قاعدة مفرودة على الكنبة على الآخر، وفاردة رجليها الاتنين وحطاهم على حجر سمير! وسمير قاعد بكل برود ماسك كريم وبيدلكلها في رجليها بحنية واهتمام عمري ما شفته منه في حياتي!
بنت عم جوزى ٢
قصص وروايات أمانى سيد
دمي غلي في عروقي ومبقتش شايفة قدامي، وعصبيتي عمتني تماماً. قربت منهم بانفعال شديد وزعقت بصوت كله قهر وغضب: “أنت بتعمل إيه يا سمير؟! إيه المسخرة وقلة الأدب اللي بتحصل قدامي دي؟! أنت اتجننت خلاص؟! بتدلكلها رجليها في صالة أمك!”
سمير رفع عينه وبصلي بكل برود مستفز، ولا كأنه لسه ضاربني ومبهدلني من كام ساعة، وقال بنبرة باردة تفرس: “جرى إيه يا ندى؟ مالك داخلة تصرخي وتعملي شوشرة زي القضا المستعجل كدة؟ مش شايفة رجل البنت ورمت إزاي من الحمل والتعب؟ بدل ما تقفي تشرشحي وتعملي ليلة، تعالي اقعدي دلكي معايا رجلها التانية عشان ترتاح!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن ودني بتصفر ومبقتش مستوعبة الجبروت والبرود اللي بيتكلم بيه! أنا؟ أنا ندى، مراته اللي لسه مضروبة ومطرودة من كام ساعة، يطلب مني أقعد أدلك رجل بنت عمه اللي كانت السبب في خراب بيتي؟!
شذى أول ما سمعت كلامه، راحت مالت براسها لورا على الكنبة، وعملت نفسها بتتباكى وتتأوه من الوجع بخبث، وقالت بصوت مسرسع: “آه.. تعبانة أوي يا سمير، رجلي بتنقح عليا مش قادرة.. سيبها يا حبيبي، دي بدل ما تصعب عليها حالتي داخلة تظلمني وتصرخ في وشنا، أنا مش عارفة هي بتكرهني كدة ليه؟!”
حماتي خرجت من الأوضة على صوت الزعيق، وبدل ما تنصفني أو حتى تزعق لابنها على المنظر ده، بصتلي بقرف وقالت: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ مش هتبطلي غيرة وعمايل سودا بقى؟ البنت حامل وتعبانة وابن عمها بيراعيها، تعالي ساعديها بدل قعدة المتفرجين دي، ولا أنتِ فالحالي بس في طول اللسان؟”
سمير هز راسه بتأكيد وكمل تدليك وهو مش هامّه نظرات الكسرة والقهر اللي في عيني، وقال بزجر: “سمعتي أمي قالتلك إيه؟ اخلصي يا ندى، هاتي علبة الكريم التانية واقعدي هنا، وبطلي تبصي لنا كأننا عاملين جري*مة.. دي شذى، يعني أختي قبل ما تكون بنت عمي!”
وقفت مكاني، دموعي المحبوسة نزلت غصب عني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع قرف من الوشوش الحقيرة اللي قدامي. بصيت لسمير وهو موطي على رجليها، وبصيت لشذى اللي كانت بتبصلي من تحت لتحت بنظرة تشفي خبيثة وكأنها بتقولي “مبقتش ليكي مكان هنا خلاص”.. وفي اللحظة دي، حسيت إن أي خطوة هخدها لقدام معاهم هتكون على حساب اللي باقي من كرامتي.
سمير مش بس اكتفى بالبرود ده، لاء.. ده ساب رجلها وبصلي بنبرة أمر خالية من أي رحمة وقال: “بقولك إيه.. اطلعي جري على المطبخ، حطي شوية مية سخنين في طبق كبير، وهاتيهم هنا عشان نحط رجلها فيهم والورم ده يفش بسرعة.. وبعد ما تخلصي، اغسلي لها رجلها ونشفيها كويس بالفوطة عشان ترتاح وتعرف تنام.”
أنا اتسمرت في مكاني، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. غسيل رجلين؟! بيطلب مني أغسل رجل الست اللي لسه متبلية عليا ومخلية جوزي يمد إيده عليا قدامها؟!
شذى أول ما سمعت كلامه، راحت مالت بجسمها عليه أكتر، وقالت بصوت كله دلال وخبث: “تسلملي يا رب يا سمير.. ماليش غيرك يحس بيا وبتعبي.. بس حرام بلاش تتعب ندى، باين عليها مش طايقاني خالص وهتموت وتأكلني بسنانها.”
سمير اتعصب من نظراتي وزعق فيا وهو بيخبط على الكنبة: “أنتِ لسه واقفة بتبربشي بعينك؟! ما تخلصي يا ندى! أنتِ هتعملي فيها هانم؟ بقولك البنت تعبانة ومش قادرة، اخلصي هاتي المية واغسلي لها رجلها وبطلي قلة ذوق!”
حماتي كملت على قهرتي وقالت وهي بتلوح بإيدها: “جرى إيه يا بت؟ هتكبري على بنت عم جوزك؟ ما تروحي تشوفي اللي وراكي واعملي اللي جوزك قالك عليه بدل النطاعة دي!”
بصيت لسمير، وبصيت لشذى اللي كانت عينيها بتلمع بالنصر والشماتة، ومستنية تشوفني وأنا مكسورة وبغسل رجلها تحت رجليها.. كل أنش فيا كان بيترعش من كتر الإهانة، والدموع جمدت في عيني من كتر القرف والوجع.
بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت بغصة في حلقي كأنها خنجر بيجرحني. كنت واقفة بين نارين: نار كرامتي اللي بتتداس بالأقدام، ونار خوفي من قسوة سمير وجبروته اللي لسه معلّم على وشي من كام ساعة.
بخطوات تقيلة كأني جبل شايلاه فوق ضهري، دخلت المطبخ. فضلت واقفة قدام البوتاجاز وأنا بملى الحلة مية، والدموع بتنزل من عيني من غير ولا صوت، دموع قهر ملوش آخر. كنت بسأل نفسي: “أنا عملت إيه لكل ده؟ بعت أهلي وعشت مع بني آدم مبيصونش، وعشان مين؟ عشان واحدة جاية تخطف جوزي وبيتي عيني عينك!”.
شلت حلة المية السخنة وخرجت للصالة، حطيت الطبق تحت رجليها. شذى نزلت رجليها بالراحة في المية وهي بتتنفس براحة مصطنعة، وبصتلي وعينيها بتطق شرار وشماتة، وسمير قاعد جنبها بيراقبني بنظرات حادة وكأنه واقف فوق راسي بسرباج عشان يذلني.
وطيت على ركبي، ولمست رجلها عشان أغسلها.. في اللحظة دي حسيت إني بدفن كرامتي بإيدي تحت التراب. شذى مالت براسها لورا وقالت بنبرة لؤم: “براحة يا ندى.. المية سخنة شوية، ودعكي كويس عشان الورم يفش، تسلم إيدك يا حبيبتي.. تعبناكي”.
سمير هز راسه وقال: “اهي كدة بقت مراتي الأصيلة اللي بتسمع الكلام.. اغسلي كويس يا ندى ونشفيها عشان شذى تدخل تريح”.
كنت بدعك رجلها وأنا باصة للأرض، مش قادرة أرفع عيني في عينيهم، وقلبي من جوة بيتقطع ميت حتة. كنت بقول في سري: “اشمتي يا شذى، وافرح بكسرتي يا سمير.. بس وحق دموعي وقهرتي دي، لتدفعوا ثمن الذل ده غالي أوي، والأيام بيننا”.
بنت عم جوزى ٣
قصص وروايات أمانى سيد
وقفت ببطء وأنا ببص للمية اللي في الطبق، وحسيت بنار الغضب بتبدل كل الخوف والكسرة اللي جوايا لجبروت مكنتش أعرف إنه عندي. بصيت لشذى وبصيت لسمير بملامح هادية جداً خالية من أي تعبير، وقلت بصوت هادي وبارد:
“المية بردت يا شذى.. كدة مش هتعمل حاجة والورم مش هيفش.. هقوم أسخنها تاني في المطبخ وأجيبها عشان تريحك على الآخر.”
شذى هزت راسها بدلع وقالت: “يا ريت يا ندى.. كتر خيرك والله.”
وسمير بصلي برضا كأني خلاص انكسرت وسلمت للأمر الواقع، ورجع يتكلم مع أمه.
دخلت المطبخ، وبمجرد ما باب المطبخ دارى وشي، تحولت لواحد تانية خالص. مليت الكاتل مية وحطيته على القاعدة، وفضلت واقفة باصة للمية وهي بتغلي وصوت الكاتل بيعلى ويعلى مع دقات قلبي اللي كانت زي الطبول. مكنتش شايفة قدامي غير القلم اللي علم على وشي، والرمية في الشارع السريع، ونظرات الشماتة في عين شذى وهي حاطة رجلها في حجر جوزي.
أول ما الكاتل فصل وصوت غليان المية السخنة وصل لقمتها، مسكت الكاتل بإيد جامدة مبتترعشش. خرجت للصالة بخطوات ثابتة ووش خالي من أي مشاعر.
قربت من الطبق اللي رجل شذى فيه، ووطيت كأني بظبط المية.. وفجأة، رفعت عيني وبصيت في عين شذى مباشرة، وبدون لحظة تردد واحدة، **دلقت مية الكاتل المغلية كلها دفعة واحدة على رجل شذى!**
الصالة اتزلزلت بصرخة رعب وألم رهيبة من شذى هزت جدران البيت كله! صرخة خلت سمير وحماتي يتنططوا من مكانهم زي المجانين. شذى قامت تصوت وتلطم وهي بتسحب رجلها اللي احمرت واتسلخت في ثانية من المية المغلية، ودموعها ونحيبها بقوا حقيقيين من الوجع.
سمير برّق عينه بصدمة وجنون وزقني بعيد وهو بيصرخ: “أنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟! أنتِ اتجننتي!!!”
وقفت طولي بكل ثبات وقوة، ورميت الكاتل الفاضي على الأرض، وبصيتلهم ببرود وابتسامة نصر حقيقية وقلتله:
“أنا مسخنتش المية عشان الورم يفش يا سمير.. أنا سخنتها عشان أغسل وساختكم وقرفكم.. والمرة الجاية المية المغلية دي هتكون على وشوشكم!”
شذى كانت في الأرض بتصرخ بهستيريا وتلطم على وشها من الوجع، ورجليها بدأت تقبب فاقعات من أثر المية المغلية. حماتي سابت مكانها وجريت عليها تصرخ: “يالهوي! البنت هتموت! البنت بتضيع يا سمير! اطلب الإسعاف يا ابني، البنت سقطت البنت سقطت من الرعب!”
سمير وشه بقى أزرق من الصدمة والذهول، بص لشذى اللي كانت بتتلوى وتصرخ، وبصلي وأنا واقفة في وسط الصالة زي الصخرة، مابتشالش عيني من عليهم. النظرة اللي في عينه اتغيرت من البرود والتحكم لرعب حقيقي.. لأول مرة يشوف ندى الضعيفة المكسورة بالوحشية والقوة دي.
هجم عليا ومسكني من كتافي بكل غله وهزني بعنف وهو بيزعق في وشي وعروق رقبته هتنفجر: “أنتِ إيه؟! أنتِ شيطانة؟! عمري ما شفت في قذارتك ولا غلك! دمرتي البنت وحرقتيها! وحياة أمي ما هسيبك، هسجنك يا ندى.. هوديكي ورا الشمس!”
زقيت إيده بقوة وعزم مكنتش أعرف إني أملكه، لدرجة إنه رجع خطوتين لورا. وشاورت بصوباعي في وشهم كلهم وقلت بصوت حاد ومزلزل: “أعلى ما في خيلكم اركبوه! سجن إيه اللي بتهددني بيه يا سمير؟ روحوا الأول المستشفى وقولوا للدكتور ووكيل النيابة إنكم كنتوا قاعدين مدورينها مسخرة وقاعدين تذلوا فيا وتخلوني أغسل رجليها! قولولهم إنك ضربتني وطردتني في السريع عشان خاطرها!”
شذى وسط صراخها وعياطها بصتلي بعيون مليانة رعب وغل حقيقي، النظرة الشمتانة اللي كانت في عينيها من كام ساعة اختفت تماماً واتبدلت بكسرة حقيقية وألم هيفضل معلم في جسمها وعمرها ما هتنساه.
التفتّ وسيبتهم في وسط صراخهم وعياطهم، وطلعت شقتي فوق بكل برود. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، أحس إني قادرة أتنفس بجد، وإني أخدت حقي وحق كرامتي اللي داوسوا عليها. قعدت على الكنبة وأنا بسمع صوت دربكتهم وجريهم تحت وهم بياخدوا شذى على المستشفى، وابتسمت من قلبي.. اللعبة خلاص اتقلبت، واللي جاي مش هيكون زي اللي فات أبدًا.
قعدت في البلكونة والجو كان هسس، مفيش غير صوت الهوا وعربيات بعيدة. كنت حاطة رجل على رجل وبشرب كوباية شاي ببرود مكنتش أتخيل إنه فيا، لحد ما لقطت كشافات عربية سمير وهي داخلة شارع العمارة.
وقفت وداريت نفسي ورا السلك وبصيت تحت.. سمير ركن العربية، ونزل بسرعة فتح الباب اللي جنب السواق. شذى كانت نازلة ورجليها متغلفة بشاش أبيض كبير، ومش قادرة تدوس عليها وبتعيط بمسكنة. في ثواني، لقيت سمير بيوطي وبيرفعها بين إيديه بكل حنية وخوف، وهي تفتت في رقبته ودفنت وشها في صدره.
في اللحظة دي، مدمعتش ولا اتأثرت.. بالعكس، طلعت تليفوني بكل ثبات، وشغلت الكاميرا وفضلت أصورهم فيديو واضح جداً من أول ما شالها لحد ما دخلوا بوابة العمارة. وأنا ببص في شاشة التليفون على منظرهم، فجأة لمعت في دماغي فكرة زي البرق..
الخوف اللي في عيون سمير، وجرأته إنه يمد إيده عليا عشانها، وقعدتها في حجر جوزي بالمنظر ده.. ده مش منظر بنت عم وخلاص، ولا حتى حب قديم! الحرقة والغل اللي شذى كانت بتتكلم بيهم الصبح وتحديها ليا.. كل ده وراه سر كبير. “البت دي مش مجرد ضيفة.. البت دي ممكن تكون مرات جوزي!” الكلمة رنت في عقلي وخلت جسمي يقشعر، بس المرة دي من الحماس مش من الصدمة.
قلت لنفسي: “بقى كدة يا سمير؟ بتلعبوا بيا؟ تمام.. وحياة قهرتي وقلم الصبح، لو اللي في دماغي صح لأخلي أيامكم الجاية سودا”.
قفلت التليفون وشيلت الفيديو في مكان سري، وقررت إن أول ما النهار يطلع، مش هقعد أعيط ولا هسيب حقي.. أنا هلبس وأنزل على السجل المدني فورا، وبطريقتي هعمل قيد عائلي لسمير، وأنبش ورا شذى دي لحد ما أجيب قرارها وأعرف هي في عصمته ولا لأ، ولو طلعت مراته.. هتبقى نهايتهم هما الاتنين على إيدي.
بنت عم جوزى ٤
قصص وروايات أمانى سيد
تاني يوم الصبح، أول ما الشمس طلعت، لبست ونزلت من غير ما أحسس حد في العمارة بوجودي. ركبت أول تاكسي وطلعت على السجل المدني، وكان قلبي بيدق في صدري زي الطبول، بس مكنش دقات خوف.. كان دقات انتقام وترقب.
وقفت في الطوابير، وخلصت الإجراءات، وقدمت على طلب القيد العائلي لسمير. الموظف غاب جوة شوية وأنا واقفة على أعصابي، بفرك في إيدي وبدعي ربنا إن حدسي يطلع صح عشان أكسر عينهم زي ما كسروا نفسي.
فجأة الموظف رجع وفي إيده الورقة، وطبعها وسلمهالي. مسكت الورقة وإيدي بتتراش، نزلت عيني بسرعة على خانة الزوجات.. وبمجرّد ما قريت الاسم، حسيت بصدمة لجمت لساني، وفي نفس الوقت ضحكة قهر ونصر طلعت مني.. مكتوب اسمي “ندى”، وتحته عل طول: “شذى…”!
طلعت مراته! متجوزها رسمي وفي السر ومن ورايا!
قعدت على أول كرسي قابلني في الشارع وأنا ماسكة الورقة، الصدمة كانت حقيقية بس الأسئلة بدأت تتطير في دماغي زي السكاكين: “طب ليه؟ ليه يا سمير اتجوزتها في السر؟ وليه مخبي عليا ومخبي على الناس كلها؟ وإيه مصلحتك في التمثيلية دي؟”
والسؤال الأهم اللي كان بيحرق دمي: “لو أنت بتموت فيها كدة وشايفها ست الستات وجايبها تقعد في بيت أمك، سايبني أنا على ذمتك ليه؟! طالما مش طايقني وبتمد إيدك عليا وبتطردني في الشوارع عشانها، م طردتنيش من حياتك ليه خالص؟! إيه اللي جابرك تتحملني وتخليني على ذمتك وأنت عندك الهانم بتاعتك؟!”
حطيت الورقة في شنطتي وقمت وقفت وأنا كلي غضب، وعينيا بتلمع بشر، وقلت لنفسي: “ماشي يا سمير.. ماشي يا شذى.. طالما اللعب بقى على المكشوف في الورق، يبقى لازم اعرف السر اللي مخبينه ورا الجوازة دي، وعمري ما هسكت غير لما أخليه يندم على كل لحظة ذل عشتهالي، ويدفع تمن استغفالي غالي أوي.”
رجعت البيت والورقة في شنطتي كأنها قنبلة موقوتة مستنية اللحظة الصح عشان أفجرها في وشوشهم. دخلت شقتي وقعدت في الصالة، فضلت باصة للسقف وأنا برتب أفكاري.. “ندى الضعيفة ماتت خلاص، دلوقتي لازم أشغل دماغي عشان أعرف هما مخبين إيه، وأجيب آجرهم.”
نزلت شقة حماتي بعد العصر بخطوات هادية، ملامح وشي كانت باردة تماماً ومفيش عليها أي أثر للي عرفته. أول ما دخلت، لقيت الصالة هسس، وحماتي قاعدة في ركن لوحدها وشكلها شايل هم الدنيا.
أول ما شافتني داخلة، وقفت وبصتلي بغل وزعقت بصوت واطي عشان محدش يسمع: “لكِ عين تنزلي يا مجرمة بعد اللي عملتيه في البنت؟ البنت رجليها اتهرت ومبقتش قادرة تقف عليها! لولا سمير حلف ميعملش شوشرة في المنطقة ويلم الدور، كان زمانك بايتة في القسم النهاردة!”
لقيت نفسي ببتسم ببرود، وقربت منها وقعدت على الكنبة بكل ثقة وقلت لها: “أهلاً يا حماتي.. ومين قالك إني خايفة من القسم؟ وبعدين سمير ملمش الدور عشان خايف على شكلي، سمير خايف من حاجة تانية خالص.. خايف من الفضايح اللي ممكن تطلع لو رجل الأمن سأل البنت دي تقرب له إيه وقاعدة هنا بصفتها إيه!”
حماتي وشها اتخطف في ثانية، وعينيها لفت يمين وشمال بتوتر واضح، وحاولت تداري ارتباكها وزعقت: “تقرب له إيه يعني؟! ما إحنا قايلين بنت عمه ومطلقة وتعبانة! أنتِ اتجننتي رسمي يا ندى وشكلك كدة بتخرفي!”
ارتباك حماتي أكد لي إن فيه سر كبير هما مرعوبين منه، وإن جواز سمير من شذى مش مجرد جواز عادي.. فيه مصيبة هما مخبينها ورا الستار ده، وسايبيني في البيت عشان أكون الضحية أو الغطاء للعبة بتاعتهم.
وفجأة، الباب اتفتح ودخل سمير، وكان باين عليه الإرهاق وعينه حمرا من قلة النوم. أول ما شافني قاعدة وحاطة رجل على رجل بكل برود، عروق وشة برزت وقرب مني وهو بيجز على سنانه: “أنتِ لسه ليكي عين تقعدي في البيت ده وتتكلمي مع أمي؟ أنا لولا باقٍ على الكام يوم اللي فاضلين…”
وسكت فجأة! كأنه لقط الكلمة قبل ما تطلع من بوقه وبلعها بسرعة وبص لأمه بتوتر.
أنا لقطت الكلمة في ثانية، وقفت وقربت منه وعيني في عينه، وقلت بنبرة مليانة تحدي وسخرية: “باقٍ على الكام يوم اللي فاضلين؟ فاضلين في إيه يا سمير؟ كمل كلامك.. متسكتش!”
سمير اتزرجن في مكانه، ووشه جاب ألوان، وحاول يلم الليلة بسرعة ويرجع نبرة التحمّق بتاعته. زعق وهو بيبعد عينه عني: “باقٍ على الكام يوم اللي فاضلين في الشهر يا فدوى.. قصدي يا ندى! عشان هطلقك وتروحي في ستين داهية! اطلعي فوق ومتورينيش وشك!”
نزلت الكلمة في ودني، بس لقطت اللغبطة.. قال فدوى؟ مين فدوى دي كمان؟! الحكاية بدأت توسع وتكبر، والسر شكله مش مجرد جوازة وبس، ده وراه شبكة ومصيبة سودا هما واقعين فيها ومستنيين “كام يوم” عشان تخلص.
بصيتله بابتسامة صفرا وقلتله: “هطلع يا سمير.. هطلع ومستنية اليوم اللي هتطلقني فيه بفارغ الصبر، بس يارب وقتها متبكيش بدل الدموع دم”.
سيبتهم وطلعت شقتي، دماغي كانت بتودي وتجيب. “فدوى.. والكام يوم اللي فاضلين.. والجوازة السرية من شذى.. وسايبني على ذمته!” الخيوط بدأت تتشابك في عقلي. طلعت التليفون وكلمت صاحبتي “منى” اللي شغالة في بنك، وقلت لها: “منى، عايزاكي في خدمة عمر.. سمير جوزي، عايزاكي تكشفيلي على حساباته أو أي حركات بيع وشراء باسمه أو باسم بنت عمه شذى في الكام يوم اللي فاتوا، شوفيلي وراهم إيه”.
منى استغربت بس حست بنبرة صوتي الجادة وقالتلي: “هحاول يا ندى، هرد عليكي بكرة بالكتير”.
قعدت في شقتي وأنا عيني مش بتغفل، ومستنية الصبح يجي عشان أشوف أول خيط في المصيبة اللي هما راسمينها عليا، وأعرف سمير مخبيني على ذمته عشان يداري بيها إيه بالظبط!
مر الليل عليا كأنه سنة، مكنتش قادرة أغمض عيني، وصوت أفكاري كان أعلى من أي حاجة حواليا. كل شوية يتردد في ودني اسمه وهو بيغلط وبيقول “فدوى”، وملامح حماتي المرعوبة، ووش سمير اللي اتخطف وهو بيقول “الكام يوم اللي فاضلين”.
على الساعة حداشر الضهر، تليفوني رن.. كانت منى. ردت بسرعة وأنا بنهج من التوتر: “إيه يا منى؟ طمنيني، وصلتي لحاجة؟”
صوت منى كان واطي ومرعوب وهي بتقولي: “ندى.. أنتِ جوزك ده شغال في إيه بالظبط؟ الحسابات اللي كشفت عليها دي وراها مصيبة!”
قلبي سقط في رجليا وقلت لها: “أنطقي يا منى في إيه؟”
منى اتنهدت وقالت: “سمير حساباته كلها كانت صفار من فترة، لكن من أسبوعين بالظبط، دخل حسابه مبلغ ضخم جداً.. اتنين مليون جنيه! والمبلغ ده جيله تحويل من برة مصر من واحدة اسمها ‘فدوى عبد الرحمن’.. والغريبة بقى يا ندى، إن سمير امبارح بالليل، وهو معاكِ في المستشفى مع بنت عمه، عمل توكيل وسحب جزء من الفلوس دي وحولها لحساب ‘شذى’!”
سمعت الكلام وحسيت إن في حد ضربني على دماغي. فدوى دي هي اللي باعتة الفلوس!
منى كملت وصوتها بيترعش: “والأقوى من كدة يا ندى.. أنا دعبست ورا اسم فدوى دي، طلعت الست دي سيدة أعمال عايشة في الخليج، ومريضة بمرض خطير وفي أيامها الأخيرة.. والفلوس دي مبعوتة لسمير تحت بند ‘تسوية وإبراء ذمة’، بس الأهم من ده كله.. إن فدوى دي تبقى أم شذى! اللي شذى قايلة لكم إنها ماتت من زمان!”
قفلت مع منى وأنا مش شايفة قدامي، والصورة وضحت في دماغي زي الشمس. شذى مش جاية تقعد عشان حامل وتعبانة، وشذى مش مطلقة ولا غلبانة! شذى وأمها وسمير وحماتي عاملين لعبة.. أم شذى بتموت وعايزة تكتب ثروتها أو تسيب ورث بنتها، وسمير اتجوز شذى عشان يستولوا على الفلوس دي سوا!
وطالما فدوى بتموت وفاضل لها أيام.. يبقى هما مستنيين موتها عشان الورث يثبت لشذى وسمير، وعشان كدة سمير قال “باقي على الكام يوم اللي فاضلين”! وسايبني أنا على ذمته كـ “ستار” قدام فدوى وقدام الدنيا كلها، عشان لو حد سأل أو فتش ورا سمير، يلاقي حياته طبيعية ومتجوز ومستقر، ومحدش يشك في الجوازة السرية والفلوس اللي بتهرب على حساب شذى!
مسكت الشنطة بتاعتي، وطلعت منها الورقة بتاعة القيد العائلي، وفتحت تليفوني على الفيديو بتاع سمير وهو شايل شذى.. وضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها.
“بقى بتستغلوني وتذلوني عشان تكونوا ثروة من ورا الست اللي بتموت؟ وسايبيني غطاء لوساختكم؟ تمام يا سمير.. الكام يوم اللي مستنيهم عشان تاخد القاضية، أنا اللي هخليهم أيام سودا على دماغكم!”
نزلت شقة حماتي فوراً وأنا واخدة في إيدي تليفوني والورق، وخطواتي كانت واثقة كأني ملكة داخلة على عرشها. أول ما فتحت الباب، لقيت سمير قاعد في الصالة وحاطط اللاب توب قدامه وبيكتب بسرعة، وشذى قاعدة جنبه ورجليها لسه متغلفة بالشاش، وحماتي بتناوله كوباية شاي.
أول ما شافوني داخلة، شذى لوت بوزها وبصت الناحية التانية بخوف مبطن بغل، وسمير قفل اللاب توب بسرعة وبصلي بعيون حمرا وقال: “أنتِ إيه اللي نزلك تاني؟ مش قلتلك مش عايز أشوف وشك لحد ما الليلة دي تعدي؟”
قربت من السفرة اللي في وسط الصالة، وبكل برود رميت ورقة القيد العائلي قدام عينه على الترابيزة.
سمير بص للورقة باستغراب، ومد إيده فتحها.. وأول ما عينيه جت على الاسمين المكتوبين تحت بعض، “ندى” وتحتها “شذى”، وشه قلب مية لون، وإيده بدأت تترعش، واللاب توب كان هيقع من على حِجره.
حماتي شافت منظره واتخضت وقالت: “في إيه يا سمير؟ ورقة إيه دي يا ابني؟”
شذى لفت وشها وبصت للورقة، وأول ما لقطت اسمها مكتوب كزوجة ثانية، برقت عينيها وبصتلي بصدمة ورعب حقيقي هز كيانها.
قعدت على الكرسي اللي قدامهم، وحطيت رجل على رجل، وابتسمت ابتسامة فوز ونطقت بكل برود: “مبروك يا عرايس.. قيد عائلي طازه لسه خارج من السجل المدني امبارح. قولي بقى يا سيو سمير.. مكنتش أعرف إن بنت عمك المطلقة الغلبانة بقت مدام سمير في السر! ولا مكنتش أعرف إن طنط ‘فدوى’ اللي بتموت في الخليج مبعتلكش اتنين مليون جنيه عشان سواد عيونك؟”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. سمير قام وقف على حيله وبقى يتلفت حوالين نفسه زي المجنون، وصوته هرب منه وهو بيقول بتلعثم: “أنتِ.. أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟! أنتِ بتفتشي ورايا يا ندى؟!”
أما شذى، فكل الجبروت والتحدي اللي كانت بتواجهني بيه اتمحى في ثانية، وبقت تبصلي وهي بترتعش وخايفة، وحماتي حطت إيدها على صدرها وقعدت تصوت بصوت واطي: “يالهوي.. البت عرفت كل حاجة! هتنخرب بيتنا يا سمير!”
وقفت وقربت من سمير لحد ما بقيت في وش بوش، وقلتله بنبرة فحيح الأفاعي: “أنا عرفت كل حاجة يا سمير.. عرفت إنكم مستنيين موت الست الغلبانة دي عشان الورث يثبت لشذى، وعرفنا إنك محول الفلوس لحسابها ومخليني أنا هنا غطاء وستار لوساختكم عشان محدش يشك فيكم! القلم اللي اضربتهولي امبارح، والرمية في الشارع السريع، وغسيل الرجلين.. كل ده تمنه هيبقى غالي أوي. الفلوس دي مش هتشوفوا منها مليم واحد، والفيديو اللي معايا لسمير وهو شايل الهانم هيروح لـ ‘فدوى’ قبل ما تموت عشان تعرف إن بنتها وجوز بنتها بيسرقوها وهي على فراش الموت!”
شذى أول ما سمعت سيرة أمها “فدوى” وإني هبعتلها الفيديو وأعرفها الحقيقة قبل ما تموت، صرخت صرخة مكتومة ووقعت من على الكنبة على ركبها تحت رجليا، ونسيت حرق رجليها ووجعها وبقت تعيط بانهيار حقيقي وهي بتمسك في عبايتي وتقولي: “بوس إيدك يا ندى! بلاش أمي! أمي لو عرفت إني اتجوزت سمير من وراها وحولنا الفلوس دي، هتفهمني غلط وهتحرمني من باقي الثروة والشركات! أبوس رجلك بلاش دمار مستقبلي!”
سمير كان واقف مذهول ومرعوب، وشه بقا أصفر زي الليمونة، وبصلي بنظرة رجاء وعجز عمري ما شفتها في عينه قبل كدة. قرب مني خطوة وهو بيرفع إيديه الاتنين وبيقول بصوت متقطع: “ندى.. أنا أسف.. أنا كلب وغلطت في حقك! القلم اللي اضربتهولك اقطعي إيدي مكانه، بس بلاش تخربي بيتنا.. الفلوس دي هي اللي هتنقلنا نقلة تانية، أنا عملت كل ده عشان نأمن مستقبلنا ومستقبل عيالنا!”
ضحكت بصوت عالي هز الشقة كلها، وقلتله بقرف: “عيالنا؟! أنت لسه ليك عين تقول عيالنا بعد ما هانتني ورميتني في الشارع وطلبت مني أغسل رجل الست دي؟! أنت عملت كدة عشان طمعك وجشعك أنت وهيا!”
حماتي بدأت تلطم على خدودها وتقول: “يا خرابي يا خرابي.. البت هتودينا ورا الشمس، أبوس إيدك يا ندى يا بنتي استهدي بالله، إحنا ملناش بركة إلا أنتِ، اعتبري شذى دي غلت وغلطت واغفري لها عشان خاطر جوزك!”
بصيت لهم تلاتتهم وهما مكسورين ومذلولين تحت رجليا، بعد ما كانوا من كام ساعة بس بيدوسوا على كرامتي ويفطروا ويضحكوا وأنا بنزف من جوايا.
طلعت تليفوني وفتحت على رقم وسجلت رسالة صوتية، وبصيت لسمير وشذى وقلت بكل حسم وجبروت: “الرسالة دي هتوصل لفدوى حالا.. وشروطكم عشان متبعتش كالتالي: النص مليون جنيه اللي حولتهم لحساب شذى امبارح، هيتحولوا حالا لحسابي أنا كتعويض عن قهرتي وقلم امبارح، والشقة اللي فوق تتكتب باسمي بيع وشراء نهائي.. وتطلقني يا سمير حالا وتغوروا أنت وهيا برة حياتي.. قدامكم خمس دقائق بالظبط، يا إما الورث كله يطير والبوليس يكون هنا بتهمة التزوير والنصب!”
سمير وقف مكانه زي التمثال، عينيه كانت بتتنقل بين التليفون اللي في إيدي وبين شذى اللي كانت بتصرخ في الأرض وبتموت من الرعب. حماتي جريت على سمير وضربته في صدره وهي بتصوت بصوت واطي: “أخلص يا منكوب! اكتبلها اللي هي عايزاه! الفلوس والورث كله هيضيع، البت هتدمرنا!”
شذى رفعت راسها وهي بتشهق من العياط وبتبص لسمير بعيون مرعوبة: “حولها الفلوس يا سمير! حولها حالا واكتبلها الشقة.. أمي لو شافت الفيديو وعرفت هتلغي التوكيلات والوصية وكل حاجة هتروح للملجأ! أخلص يا سمير أبوس إيدك!”
سمير بلع ريقه وصوته كان خارج بالعافية، وبصلي بنظرة انكسار وذل عمري ما كنت أتخيل إني أشوفها في عيون الراجل اللي كان من كام ساعة فاكر نفسه إله بيتحكم في مصيري. فتح اللاب توب بتاعه وإيديه بتموت من الرعشة، ودخل على تطبيق البنك وعمل تحويل بنكي فوري بمبلغ النص مليون جنيه لحسابي، ولف الشاشة ليا وهو بيقول بنبرة مكسورة: “أهو.. الفلوس أهي اتحولت لحسابك، وهتوصلك خلال دقائق.. قوليلي هنعمل إيه في الشقة؟”
طلعت من شنطتي ورقة وقلم كنت مجهزاهم، ورميتهم قدامه على الترابيزة وقلت له بصوت حاد زي الموس: “اكتب إقرار وتنازل نهائي بالبيع والشراء عن الشقة اللي فوق بكامل مساحتها ومنافعها لمراتك ندى، وتوقع عليه أنت وأمك كشاهد أول وشذى كشاهد تاني.. ويوم السبت الصبح هنكون عند المحامي نكتب عقد بيع نهائي موثق، وإلا الفيديو هيتبعت برضه!”
مسك القلم وبدأ يكتب والدموع في عينيه من كتر القهر، ومضى ومضت أمه وشذى وإيديهم بتتراش. شلت الورقة في شنطتي بكل فخر، وبصيت لسمير وقلتله: “ودلوقتي.. الكلمة الأخيرة اللي باقية، عشان أخرج من قرفكم ده.”
سمير بص للأرض وعيونه مليانة غل وكسرة، ونطق الكلمة اللي كانت بتنهي أسود أيام حياتي: “أنتِ.. أنتِ طالق يا ندى.”
رميت عليهم نظرة قرف أخيرة، شذى كانت لسه مرمية في الأرض بتعيط وبتموت من الرعب والوجع، وحماتي حاطة إيدها على خدها ومذهولة من شكل بيتها اللي اتخرب في ثواني، وسمير قاعد كأنه جنازة.
التفتّ وطلعت شقتي وأنا حاسة إني طايرة في السما، كرامتي رجعتلي، وحقي جيبته تالت ومتلت، والفلوس والشقة بقوا ملكي.. سيبتهم في المستنقع بتاعهم وفتحت صفحة جديدة، وأنا عارفة إن اللي جاي بتاعي أنا وبس.
دخلت شقتي وقعدت في الصالة، وبصيت حواليا ونفست بجد لأول مرة من سنين. الشقة اللي شهدت على دموعي وقهرتي، بقت ملكي أنا وبس، ومعاها نص مليون جنيه في البنك كسروا عينهم وداسوا على طمعهم وجشعهم.
فتحت تليفوني وشوفت رسالة البنك بتأكيد تحويل المبلغ، مسحت الفيديو اللي كان مرعبهم، مش عشان خاطرهم، بس عشان أنا جبت آخري معاهم واللعبة انتهت لصالحي تماماً. قمت لميت كل حاجة تخص سمير في الشقة؛ لبسه، ساعاته، حتى صورته اللي كانت على الحيطة شلتها ورميتها في كيس زبالة كبير ونزلته حطيته قدام باب شقة حماتي.
وأنا نازلة السلم، سمعت صوت خناقهم عالي وطالع للممر.. صوت سمير وهو بيصرخ في شذى ويلومها إنها السبب في ضياع الشقة والفلوس، وشذى وهي بتصوت وبتدعي عليه وعلى أمه وبتقوله إنها ندمانة إنها اتجوزته. وقفت ثانية واحدة، ابتسمت بانتصار وكملت طريقي لفوق.
عدت الأيام، ويوم السبت الصبح روحت مع المحامي ووثقت عقد الشقة والتنازل رسمي، وبقيت واقفة على أرض صلبة. عرفت بعد كدة من الجيران إن فدوى أم شذى توفت بعد الإجراءات بأسبوع، والورث اللي شذى كانت هتموت عليه وتقهرني بسببه، طلع عليه ديون وقضايا ومشاكل في الخليج، وسمير وشذى بقوا بياكلوا في بعض من كتر الفقر والغل، والبوليس بدأ يطاردهم بسبب شيكات وتزوير.
أما أنا، فبقت حياتي هادية، قفلت الباب ده ورايا، وبدأت أستثمر الفلوس في مشروع صغير كنت دايماً بحلم بيه. كل ما بفتكر اليوم اللي رماني فيه في الشارع السريع، ببتسم وبقول لنفسي: “الرمية دي مكنتش النهاية.. دي كانت البداية اللي فوقتني وعرفتني إن كرامة الست هي رأس مالها، واللي يدوس عليها، يداس تحت الرجلين.”


تعليقات
إرسال تعليق