حكاية مصطفي وعايده كاملة بقلم ملك ابراهيم
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
مصطفى عز العرب عنده 35 سنة، من المنيا، من عيلة العزايزة اللي ماسكين نص محلات الدهب اللي في الصاغة القديمة.
أبوه الحاج عز العرب الله يرحمه سابله هو وأخوه الكبير محلين، واحد لمصطفى وواحد لأخوه محمود. مصطفى واقف في محله من وهو عنده 16 سنة، بيعرف يوزن الدهب بغمضة عين، والزباين بتحلف بأمانته. راجل هادي، كلامه قليل، ووشه سمح.
اتجوز من سنتين، جوازة كانت أمه هي اللي مرتباها. بنت من عيلة كويسة في مغاغة. أول سنة عدت عادي، مستنيين الفرج. تاني سنة بدأ الزن. “مفيش حاجة؟ روحتوا لدكتور؟”
لفوا فعلا. القاهرة، أسيوط، حتى سافر مرة اسكندرية لدكتور كبير. وفي الآخر التقرير اتحط قدامه على المكتب، أبيض وأسود.
الدكتور قالهاله من غير تزويق: “يا أستاذ مصطفى، الحالة اللي عندك اسمها انعدام شبه كامل في الحيوانات المنوية. فرص الإنجاب الطبيعي تكاد تكون صفر. الطب بيقول صعب جدا، وربك قادر على كل شيء، بس لازم تبقى عارف وفاهم.”
مصطفى خد الورق، طبقه، وحطه في جيب جلابيته. وروّح. ما قالش لحد غير مراته.
ومن اليوم ده والبيت اتقلب نار. كل خناقة، كل كلمة، بقت ترشق في الحتة دي. لحد ما في ليلة، وكانوا متخانقين على حاجة هايفة، قالتله وهي بتصرخ في وشه: “ما انت لو راجل بصحيح كان بقى عندنا عيل!”
الكلمة نزلت عليه زي مية نار. الدم طلع في راسه. بصّلها وقال: “انتي طالق. طالق بالتلاتة.”
رمى اليمين قدام أختها اللي كانت عندهم، ولمّ عبايته ونزل.
بعد الطلاق بكم يوم، الكلام كان مالي المنيا كلها. طليقته ما سكتش، لفت على الستات في السوق وفي العزا وفي الفرح، تحكي وتعيد: “ده فيه عيب، ده مش راجل، ده أنا اللي سيبته.”
في الصعيد الكلمة بتلف البلد في ساعة، وبترجع بعشر أضعافها.
مصطفى بقى يدخل محله، يلاقي الرجالة ساكتة أول ما يشوفوه، وبعدين يوطوا صوتهم. نظرة الشفقة دي كانت بتموته أكتر من أي شتيمة.
أمه، الحاجة نفيسة، ست شديدة وماسكة العيلة بإيد من حديد بعد ما الحاج مات، ندهت عليه وعلى أخوه الكبير محمود في أوضة المكتب اللي فوق محل الدهب. قفلت الباب وقالت: “البت دي هتخلي سيرة ولدي على كل لسان؟ والله ما يحصل. هتتجوز تاني يا مصطفى، الشهر الجاي، وقدام البلد كلها، عشان نخرس لسانها ولسان أهلها.”
مصطفى قال: “يا أمي، انتي عارفة اللي فيها، هظلم بنات الناس ليه؟”
أمه خبطت على المكتب بخاتمها الدهب: “ربنا هو الرزاق. وانت راجل غصب عن عين التخين فيهم. وأنا اللي هنقي لك العروسة بإيدي.”
وفعلا، أسبوعين بالظبط، رجع من المحل المغرب لقى البيت مقلوب. صواني شربات، وستات بتزغرط. أمه بتقول: “مبروك يا عريس، قرينا فاتحة عايدة بنت مرزوق.”
مصطفى اتجنن: “مين عايدة دي؟ وازاي تقروا فاتحة من ورا ضهري؟ انتوا بتبيعوا وتشتروا فيا؟”
أخوه محمود مسكه من كتفه: “اهدى يا مصطفى، البت غلبانة وبنت ناس، وأبوها راجل على قد حاله وهيوافق يستر بنته، مش هتتعبك.”
مصطفى بات ليلته على نار. الصبح راح بنفسه لبيت مرزوق، الراجل الغلبان اللي شغال أجري في أرض الناس. طلب يقعد مع البنت قبل كتب الكتاب بيومين. أبوها اتحرج، بس أمه الحاجة نفيسة كانت موصياه، فقال: “اقعد يا ولدي، حقك.”
قعدوا في المندرة، والباب موارب. دخلت عايدة مرزوق، 22 سنة، لابسة عباية كحلي قديمة ومطرزة على صدرها بإيديها. أمها ميتة وهي عندها 9 سنين، وعايشة مع مرات أبوها اللي كانت معيشاها المرار، تخدم إخواتها من أبوها وتسكت. بنت جميلة جمال هادي، عينيها واسعة وفيها حزن قديم، وإيديها خشنة من شغل البيت والغيط.
مصطفى ما عرفش يبص في عينيها أول دقيقة. وبعدين قال كل حاجة مرة واحدة، من غير ما يجملها.
“اسمعي يا بنت الناس، عشان لا أظلمك ولا تظلميني. أنا راجل متجوز ومطلق، وعندي مشكلة في الخلفة، والدكاترة قالوا صعب أخلف خالص. وطليقتي مالية البلد كلام عليا. وأهلي هما اللي خطبوكي من ورايا عشان يسكتوا الناس. أنا بقولك أهو قدام ربنا، فكري على مهلك، ولو قلتي لأ، أنا اللي هشيل الليلة كلها قدام أبوكى وأهلي، وهقول أنا اللي مش عايز. محدش هيقدر يفتح بقه معاكي بكلمة.”
كان مستني أي رد، أي صدمة.
عايدة كانت بتبص في الأرض، وصوابعها بتلعب في طرف طرحتها. وبعدين رفعت وشها وقالت بصوت واطي بس ثابت: “موافقة يا أستاذ مصطفى.”
هو اتلخبط: “يا بنتي انتي سمعتي أنا قلت ايه؟ بقولك مش هتخلفي.”
قالت: “سمعت. وأنا موافقة.”
اللي مصطفى ما يعرفوش، إن عايدة كانت بتحبه من وهي لسه في الإعدادية. كانت بتعدي من قدام محل الدهب بتاعه وهي راجعة من المدرسة، تشوفه واقف بهيبته وجلابيته النضيفة، بيضحك مع الزباين بأدب. لما اتجوز الأولى، هي قفلت على نفسها أوضتها يومين، ومرات أبوها ضربتها عشان “بتتدلع على إيه”. لما الحاجة نفيسة بعتت الستات تطلب إيديها، أبوها كان هيطير من الفرحة عشان هيخلص من بُقها، ومرات أبوها زغرطت عشان أخيرا هتخلص منها. وعايدة؟ عايدة ما فكرتش ثانية واحدة. موضوع الخلفة ده آخر حاجة جت في بالها. بالنسبة لواحدة عاشت عمرها كله بتتمنى باب يخرجها من البيت ده، مصطفى كان هو الباب والبيت والدنيا كلها. كان كفاية، وزيادة.
قالتله وهي بتحاول تداري رعشة صوتها: “العيال رزق من ربنا يا أستاذ مصطفى، بيجي وقت ما ربنا يريد. وأنا راضية برزقي.”
مصطفى قام وقف، وقال قبل ما يمشي: “كتب الكتاب الخميس الجاي، بعد صلاة العشا في جامع العزايزة. لو غيرتي رأيك لحد قبلها بدقيقة، ابعتيلي أي عيل صغير على المحل.”
عايدة هزت راسها، وهي ماسكة دموعها بالعافية.
يوم الخميس، جامع العزايزة كان مليان على آخره. تجار الدهب كلهم، وكبرات البلد، جايين يتفرجوا. الحاجة نفيسة كانت لابسة دهب يوزن كيلو، وقاعدة في الصف الأول للستات، بتبص لطليقة ابنها اللي قاعدة في آخر الجامع كأنها بتقولها “شوفتي؟”
المأذون قال: “على سنة الله ورسوله.”
مصطفى قال: “قبلت.”
وعايدة، بصوت مسموع المرة دي، قالت: “قبلت.”
وبكده، عايدة مرزوق بقت مرات مصطفى عز العرب، قدام البلد كلها.
—
الشقة كانت فوق محل الدهب على طول. شقة عرسان متوضبة على سنجة عشرة، الحاجة نفيسة فرشاها كلها جديد، من النجف الكريستال للستاير القطيفة التقيلة. ريحة البخور كانت مالية الصالة، وطبلة الزفة لسه صوتها بيرن في ودانهم تحت في الشارع.
مصطفى فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل الأول، وبعده عايدة بفستانها الأبيض البسيط اللي الحاجة نفيسة هي اللي اختارتهولها. قفل الباب وراه بالمفتاح، ووقف في نص الصالة، مش عارف يعمل ايه.
عايدة كانت واقفة جنب الباب، ماسكة طرف فستانها، وبتبص في الأرض. وشها أحمر من الكسوف، ومن تعب اليوم كله.
مصطفى فضل واقف مكانه دقيقة كاملة ساكت، وبعدين اتكلم بصوت واطي ومبحوح: “مبروك يا عايدة.”
قالت وهي لسه باصة في الأرض: “الله يبارك فيك.”
سكت تاني. كان باين عليه التردد، كأنه شايل جبل فوق كتافه. قرب خطوة، وبعدين رجع تاني.
قالها: “ادخلي غيري هدومك، خدي راحتك. الحمام أول أوضة على اليمين.”
عايدة هزت راسها ودخلت أوضة النوم تشوف هتغير فين. أول ما الباب اتقفل وراها، مصطفى راح قعد على الكنبة في الصالة، وفتح التليفزيون على أي قناة وخلاص، وطى صوته على الآخر. قلع الجاكتة بتاعة البدلة ورماها جنبه، وقعد ماسك راسه بإيديه.
بعد تقريبا نص ساعة، باب الأوضة اتفتح. عايدة خرجت لابسة عباية بيتي زرقا بسيطة، وشعرها ملموم، ووشها مغسول من المكياج. كانت أجمل بكتير من وهي بالفستان والمكياج. جمالها كان هادي، مريح.
قعدت على طرف الكنبة اللي قصاده، وسكتت مستنياه يتكلم.
مصطفى بصّلها، وبعدين بص قدامه على التليفزيون تاني. خد نفس طويل وقال، والمرة دي بنبرة حادة، بيحاول يبقى ناشف عشان ما يضعفش: “بصي يا بنت الناس، الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي، هعيده تاني هنا، عشان نبقى على نور من أول ليلة.”
عايدة بصتله بهدوء: “سامعاك.”
“أنا مش هقرب منك. انتي لسه صغيرة، وجميلة، ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد عارف إنه مش هيجيب عيال. اللي بيني وبينك قدام أهلي وأهلك، احنا متجوزين ومبسوطين. إنما هنا، بيني وبينك في الشقة دي، كل واحد فينا هينام في أوضة. الأوضة الكبيرة ليكي، أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب.”
عايدة ما اتخضتش، ولا عيطت. فضلت باصة له بنفس الهدوء.
كمّل كلامه وهو بيحاول يخلي صوته جامد: “هنقعد كام شهر كده، قدام الناس متجوزين، وبعدها هطلقك بالمعروف، وتاخدي كل حقوقك وزيادة. وتشوفي نصيبك مع حد تاني، حد يقدر يديكي اللي أنا مش هقدر أديهولك. أنا مش عايز أشيل ذنبك قدام ربنا.”
خلص كلامه وسكت، مستني منها تنفجر فيه، أو تعيط، أو تقوله انت بتقول ايه.
عايدة هزت راسها بالموافقة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية. ابتسامة فيها فهم، مش كسر.
قالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه. أنا هعمل كل اللي انت عايزه.”
استغرب من هدوئها. مراته الأولى كانت لو قالها كلمة زي دي كانت قلبت الدنيا.
عايدة قامت وقفت، وقالت بنفس الرقة: “بس ممكن أطلب منك طلب صغير؟”
قال: “قولي.”
قالت: “خليني أجهزلك لقمة ناكلها سوا. دي أول ليلة لينا في بيتنا، حتى لو… حتى لو زي ما انت بتقول. ناكل لقمة مع بعض، وبعدها كل واحد يدخل أوضته. ينفع؟”
مصطفى بصّلها ومش لاقي رد. البساطة بتاعتها لخبطته.
قامت دخلت المطبخ، فتحت التلاجة اللي الحاجة نفيسة مالياها أكل يكفي شهر. في عشر دقايق كانت مسخنة حلة محشي كانت حماتها باعتاها، وقطعت طبق جبنة وطماطم، وعملت شاي.
حطت الصينية قدامه على الطبلية الصغيرة، وقالت: “اتفضل، كل، انت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح من التوتر.”
قعدوا ياكلوا سوا في صمت، صوت معالقهم بس اللي مسموع مع صوت التليفزيون الواطي.
وهو بياكل، لأول مرة ياخد باله منها بجد. من رموشها الطويلة وهي باصة في طبقها، من إيديها الرفيعة وهي بتصبله الشاي، من هدوئها اللي مالي الشقة كلها سكي..نة.
افتكر مراته الأولى، منار. منار كانت صوتها عالي على طول، وطلباتها ما بتخلصش، وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه.
ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة.
حس بغصة في زوره، مش عارف دي ندم ولا وجع ولا ايه.
بعد ما خلصوا، لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه.
قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.”
قال: “وانتي من أهله.”
دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة، وقفل على نفسه، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.
—
في نفس الليلة، في بيت تاني خالص في آخر البلد.
منار، طليقة مصطفى، كانت قاعدة على السرير في أوضة نومها في بيت أبوها، ماسكة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي الستات نزلوها على فيسبوك.
كانت هتموت من الغيظ، وشها أحمر وعينيها بتطلع نار.
أمها دخلت عليها قالت: “بطلي تقليب في النيلة دي، هيجيلك نقطة.”
منار رمت التليفون على السرير وصرخت: “شفتي البت اللي اتجوزها؟ دي عيلة صغيرة قد بنته! جابها عشان يغيظني!”
أمها قالت: “ما يغور، هو الخسران.”
منار قامت وقفت وبصت في المراية، وقالت بصوت كله غل وخوف: “أنا خايفة يا أمه… خايفة البت دي تحمل.”
أمها سكتت.
منار كمّلت وهي إيديها بتترعش: “لو البت دي حملت من مصطفى، كدبتي هتتكشف قدام البلد كلها. كله هيعرف إن أنا اللي ما بخلفش، مش هو.”
فتحت درج الكومودينو وطلعت منه ورقتين تحاليل قدام. واحدة باسم مصطفى عز العرب، والتانية باسمها هي منار.
بصت لورقة مصطفى، النتيجة فيها سليمة زي الفل. وبصت لورقتها هي، مكتوب فيها انعدام تام في التبويض وحالة صعبة جدا.
منار هي اللي كانت ما بتخلفش من الأول. وهي اللي راحت معمل صاحبة جوز أختها، وبدلت الأسامي في النتايج، عشان تقنع مصطفى إن العيب منه هو، عشان ما يطلقهاش ويرميها. ولما زهق من الزن والنكد وطلقها في لحظة غضب، طلعت تجري في البلد تقول العيب منه عشان تداري على فضيحتها، وعشان محدش يرضى يتجوزها بعد كده ويعرف إنها عاقر.
رمت الورق في الدرج تاني وقفلت عليه، وقالت وهي بتجز على سنانها: “والله ما هسيبها تتهنى بيه. لو البت دي فكرت تحمل، أنا اللي هخليها تندم إنها دخلت البلد دي برجليها.”
أول أسبوعين عدوا في شقة مصطفى عز العرب، فوق محل الدهب في المنيا، كأنهم عمر تاني خالص.
مصطفى لسه بينام في الأوضة الصغيرة، على الكنبة اللي قلبها سرير، وعايدة بتنام في الأوضة الكبيرة لوحدها. الاتفاق زي ما هو، على الورق. إنما اللي بينهم جوه الشقة، ما كانش ليه أي علاقة بالاتفاق ده.
عايدة قلبت الشقة دي بيت بجد. في أول يومين كانت مسحت كل ركن، ورصت المطبخ على مزاجها، وعلقت برواز آية قرآنية كانت جايباه معاها من بيت أبوها. ريحة الأكل بقت طالعة من شقتهم طول النهار. محشي، ملوخية، بطاطس بالفراخ في الفرن، كيكة بالبرتقان تطلع ريحتها تقلب العمارة.
مصطفى بقى ينزل المحل الصبح وهو مستعجل يخلص اليوم. زمان كان بيقفل المحل الساعة عشرة بالليل ويقعد مع الرجالة على القهوة. دلوقتي الساعة سبعة تلاقيه قافل، طالع السلم جري، وفي إيده كيس فيه مانجا عشان عايدة بتحبها، أو شريط فيديو جديد جايبه من محل الشرايط اللي جنب الجامع.
أول ما يفتح الباب، يلاقيها مستنياه، لابسة عباية بيتي نضيفة، وشعرها ملموم، ووشها منور. تقوله: “حمدالله على السلامة يا سي مصطفى.”
الكلمة البسيطة دي كانت بتريح قلبه كله.
كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا، عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد.
“انهارده جايبالك فيلم عربي قديم، فاتن حمامة.”
“بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم، بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.”
كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة، بينهم مسافة صغيرة في الأول، وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها، وعن أيامها السودة مع مرات أبوها، وكانت بتحكي من غير شكوى، بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل، وعن أبوه الحاج عز، وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.
كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت، تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير، ربك كبير.”
عايدة كانت عايشة أسعد أيام حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان، مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع، وتجهز السهرة كأنها عيد.
ومصطفى؟ مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غريبة غيرت كل حياتهم…. يتبع في الجزء الأخير
حكاية مصطفي وعايده ج2
الجزء الأخير
الكاتبة ملك إبراهيم
مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده..
في ليلة اليوم الأربعتاشر، كانوا قاعدين يتفرجوا على فيلم، والنور مطفي وسايبين نور الأباجورة بس. الفيلم كان خلص من بدري، والشريط الأبيض عمال يوش. هما الاتنين ساكتين.
مصطفى بصّلها، لقاها بتبصله هي كمان.
أول مرة عينيه ما تهربش منها. شافت فيها حاجة ما شافتهاش قبل كده. ما كانش شفقة ولا تأنيب ضمير. كان اشتياق. اشتياق حقيقي، مكتوم بقاله اسبوعين، وهيخرج غصب عنه.
مد إيده بالراحة، ومسك إيديها اللي كانت جنبه على الكنبة. إيديها كانت باردة وبتترعش خفيف.
قال بصوت واطي جدا: “عايدة…”
ما كملش. ما كانش محتاج يكمل. كل حاجة كانت باينة في عينيه. الخوف إنه يظلمها، والحب اللي بقى أكبر من الخوف ده بمليون مرة.
عايدة بصت في عينيه، وشافت الراجل اللي حبته من وهي عيلة صغيرة، الراجل اللي بقى جوزها وحبيبها وبيتها وأمانها.
ما قالتش ولا كلمة. هزت راسها بالموافقة، وابتسامتها الهادية رجعت تنور وشها تاني، بس المرة دي كان فيها حياء وفرحة.
قام وقف، ومد إيده ليها. مسكت إيده، وقامت معاه.
وقفل باب الأوضة الكبيرة عليهم هما الاتنين، لأول مرة من ليلة كتب كتابهم.
كانت ليلة رومانسية وهادية، كلها همس وضحك مكتوم. ليلة اكتمل فيها جوازهم بجد، قدام ربنا وقدام قلبهم، بعيد عن كلام الناس وتحاليل الدكاترة وكل الوجع القديم.
الصبح، مصطفى صحي بدري قبل معاد المحل بساعتين، ولقى عايدة نايمة جنبه، وشعرها واقع على خدها، ونايمة ومرتاحة كأنها أخيرا وصلت بيتها.
فضل باصصلها شوية طويلة، وبعدين طبع بوسة خفيفة على راسها، وقام عمل لنفسه كوباية شاي، وقعد في الصالة يستنى تصحى، وهو حاسس إن الشقة دي أخيرا بقت بيته بصحيح.
الشهرين اللي بعد ليلة جوازهم الحقيقية، كانوا أحلى شهرين عدوا على مصطفى وعايدة في حياتهم كلها.
البيت بقى بيت بجد. مصطفى ما بقاش ينام في الأوضة الصغيرة خالص، سريره بقى جنب سريرها، وهدومه بقت متعلقة جنب عباياتها في نفس الدولاب. كان بيصحى الصبح يلاقيها محضرة الفطار، تفطره بإيديها قبل ما ينزل المحل. وبقى يرجع بدري كل يوم، ساعات يقفل المحل العصر ويطلع، أخوه محمود بقى يضحك عليه ويقوله: “ايه يا عريس، الدهب هيطير؟”
عايدة كانت طايرة من الفرحة. أخيرا حست إن ليها راجل وبيت وسند. كانت كل يوم تستناه على الغدا، وبالليل سهرتهم قدام الفيلم بقت عادة مقدسة. كانوا بيتكلموا عن كل حاجة، عن بكرة، عن إنهم نفسهم يسافروا عمرة سوا، عن إنهم هيجيبوا قطة تربيها في البلكونة عشان البيت يبقى فيه حس.
لحد ما في أول الأسبوع التاسع لجوازهم، عايدة بدأت تتعب.
الأول كانت دوخة خفيفة وهي واقفة في المطبخ. قالت يمكن من الحر بتاع المنيا في شهر تمانية. بعدها بكام يوم بقت بتصحى الصبح دايخة ومعدتها مقلوبة، مش طايقة ريحة الأكل. وشها بقى أصفر، وجسمها همدان طول الوقت.
مصطفى خد باله طبعا. قالها: “مالك يا عايدة، وشك مخطوف ليه؟”
قالتله: “مفيش، شوية برد في معدتي وهتروح.”
بس التعب كان بيزيد كل يوم. في يوم رجع من المحل لقاها نايمة على الكنبة ومش قادرة تقوم تعمل الغدا. أول ما شافها كده، قلبه وقع في رجليه.
قالها: “قومي البسي، هننزل للدكتورة حالا.”
خدها لدكتورة سعاد، دكتورة النسا اللي نص ستات المنيا بيكشفوا عندها، عيادتها فوق صيدلية النصر في شارع طه حسين. قعدوا في أوضة الانتظار ساعة كاملة، مصطفى ماسك إيد عايدة ومش سايبها، وبيقولها: “ما تخافيش، شوية إرهاق وهتبقي زي الفل.”
دخلوا للدكتورة. كشفت على عايدة، وسألتها كام سؤال، وبعدين بصت للتحليل السريع اللي الممرضة عملته برا.
الدكتورة سعاد شالت نضارتها وابتسمت ابتسامة كبيرة، وقالت لمصطفى: “مبروك يا أستاذ مصطفى، المدام حامل. في أول الشهر التاني.”
الكلمة نزلت على الأوضة زي قنبلة.
عايدة شهقت وحطت إيديها على بوقها، عينيها وسعت، مش فاهمة. بصت لمصطفى بفرحة متلخبطة.
إنما مصطفى… مصطفى اتجمد مكانه. وشه اتخطف، بقى أبيض زي الورقة.
قال بصوت مبحوح، كأنه مش سامع كويس: “نعم؟ بتقولي ايه يا دكتورة؟”
الدكتورة ضحكت: “بقولك مبروك، مراتك حامل يا سيدي. ايه، مش مصدق ولا ايه؟”
قال تاني، وهو بيبص لعايدة وبعدين للدكتورة: “ازاي؟ حامل ازاي؟”
الدكتورة استغربت نبرته، وقالت بجدية: “زي كل الستات ما بتحمل يا أستاذ. التحليل إيجابي، والسونار مبين كيس الحمل. المدام حامل في أول التاني، يعني من حوالي ست أسابيع.”
عايدة كانت قاعدة مصدومة، لا عارفة تفرح ولا تعيط. كانت بتبص لمصطفى مستنية منه كلمة، حضن، أي حاجة. بس هو كان ساكت، عينيه زايغة، كأنه أخد خبطة على دماغه.
خرجوا من العيادة ساكتين. طول الطريق في التاكسي راجعين البيت، مصطفى ما نطقش ولا كلمة. كان باصص من شباك العربية على شارع الكورنيش، بس ما كانش شايف حاجة. دماغه بتنفجر.
سنتين. سنتين كاملين مع منار، لفوا فيهم على دكاترة مصر كلها، وكل التحاليل بتقول العيب عنده هو، وإنه مستحيل يخلف. سنتين وهو شايل كسرة نفسه قدام البلد كلها، ومتطلق ومتشوهة سمعته.
وبعدين يتجوز عايدة، ومن أول شهرين، شهرين بس، تبقى حامل؟ ازاي؟ ازاي تحصل؟
دخلوا الشقة. عايدة قلعت طرحتها وقعدت على الكنبة، تعبانة ومرهقة، ومش فاهمة ماله.
قالتله بصوت ضعيف: “مصطفى… انت مش فرحان؟”
ما ردش. قعد قصادها وحط راسه بين إيديه.
عايدة قربت منه، وحطت إيديها على كتفه: “يا حبيبي، ده رزق ربنا، ربك قادر على كل شيء، مش انت اللي كنت بتقول كده؟”
رفع وشه وبصلها، وعينيه كانت حمرا ومليانة لخبطة توجع القلب. ما كانش فيها فرحة، كان فيها خوف وشك وحسابات بتلف بسرعة.
عايدة لما شافت النظرة دي، قلبها اتقبض. حست إنه مش مصدق. مش مصدق إنها حامل منه هو.
قالت بسرعة، ودموعها بدأت تتجمع: “والله العظيم ابنك، مصطفى، انت شاكك فيا؟ طب تعال نروح لدكتورة تانية، واتنين وتلاتة، لو عايز نروح القاهرة نروح، يمكن الدكتورة دي غلطانة…”
مصطفى ما ردش عليها خالص. قام وقف مرة واحدة، وسابها قاعدة لوحدها في الصالة، ودخل الأوضة الصغيرة اللي كان بينام فيها أول الجواز، وقفل الباب وراه بالمفتاح.
عايدة فضلت قاعدة لوحدها في الصالة، سامعة صوت المفتاح وهو بيلف في الباب. حطت إيديها على بطنها اللي لسه ما بانش عليها حاجة، وبدأت تعيط بصوت مكتوم.
كانت فاكرة إنه هيشيلها من على الأرض من الفرحة. فاكرة إنه هيحضنها ويقولها الحمد لله ربنا عوضنا.
إنما هو سابها لوحدها، ورجع ينام في الأوضة التانية، كأنه بيقولها من غير كلام: أنا مش مصدق إن الطفل ده ابني.
نامت عايدة الليلة دي على الكنبة في الصالة، إيديها على بطنها، بتعيط لحد ما نامت من التعب، ومصطفى جوه في الأوضة الصغيرة صاحي بيبص في السقف، والف سؤال بياكل في دماغه، ومش لاقي ولا إجابة واحدة تريحه.
مصطفى ما نِمش طول الليل.
كان قاعد على طرف السرير في الأوضة الصغيرة، ضهره للحيطة، وعينيه مفتوحة في الضلمة. صوت عياط عايدة المكتوم كان واصله من الصالة، كل شهقة منها كانت بتقطع فيه حتة. كان عايز يقوم يحضنها ويقولها أنا مصدقك، بس صوت تاني في دماغه كان أعلى. صوت سنتين كاملين من كسرة النفس، من تحاليل وروشتات وكلام دكاترة بيقول “مستحيل”. صوت طليقته وهي بتصرخ “انت مش راجل”.
مع أول آذان الفجر، قام اتوضى وصلى، ولبس جلابيته ونزل من البيت قبل ما الشمس تطلع. عايدة كانت نايمة على الكنبة في الصالة، عنيها وارمة من العياط، وإيديها لسه على بطنها.
مصطفى ما راحش المحل. خد أول ميكروباص طالع على أسيوط، على مستشفى كبيرة هناك محدش يعرفه فيها. دخل لدكتور استشاري كبير، وحكاله كل حاجة من أول يوم. قاله عن الجوازة الأولى، وعن التحاليل اللي عملها من سنتين، وعن مراته الجديدة اللي حامل في شهرين.
الدكتور سمعه للآخر بهدوء، وبعدين قال: “طيب هنعمل كل حاجة من أول وجديد، هنا، عندي، عشان نقطع الشك باليقين.”
قعد مصطفى أربع ساعات في المستشفى. سحب عينات، أشعة، فحوصات كاملة. وكان قاعد في الطرقة مستني النتيجة وقلبه بيدق كأنه هيقف.
الدكتور خرجله بالملف في إيده، وابتسم: “يا أستاذ مصطفى، انت زي الفل. طبيعي جدا، مفيش عندك أي مشكلة تمنع الخلفة، لا دلوقتي ولا قبل كده. تقدر تخلف من أول يوم جواز عادي جدا.”
مصطفى تنح: “يعني ايه؟ يعني التحاليل القديمة دي كانت ايه؟”
الدكتور قال: “أكيد كانت غلط. ساعات المعامل بتتلخبط. هاتلي التحاليل القديمة أبص عليها.”
مصطفى سكت ثانية، وبعدين افتكر: “التحاليل القديمة… منار خدتها معاها يوم الطلاق. لمت كل ورقها ومشيت.”
خرج من المستشفى وهو دايخ. يعني ايه طبيعي؟ يعني سنتين عذاب على الفاضي؟ ركب ورجع المنيا على طول، بس ما طلعش على البيت. طلع على عيادة الدكتور اللي كان متابع معاه هو ومنار من سنتين، الدكتور اللي يبقى قريب منار من بعيد.
دخل عليه المكتب ورمى قدامه التحاليل الجديدة. قال: “أنا عرفت الحقيقة. أنا بخلف.”
الدكتور وشه اتلخبط، وحاول يتهرب: “يا ابني ما يمكن ربنا شفاك…”
مصطفى خبط بإيده على المكتب، وصوته علي لأول مرة في حياته جوه عيادة: “ما تحورش عليا! قول الحقيقة، يا إما هبلغ عنك وهقفلها لك العيادة دي!”
تحت الضغط، الدكتور انهار واعترف. قال إن منار جتله لوحدها قبل ما تقول لمصطفى أي حاجة، ومعاها تحاليلها هي، اللي بتقول إن عندها انعدام تبويض وحالة نادرة تمنع الخلفة نهائي. اترجته يبدل الأسامي في التقرير، عشان جوزها ما يطلقهاش لو عرف إن العيب منها. وهو، عشان قريبها وضعف قدام زنها، عمل كده. واداها تقرير باسم مصطفى يقول إن العيب عنده هو.
مصطفى حس بالدم بيغلي في عروقه. خد التقرير الأصلي اللي الدكتور طلعه من الأرشيف، ومشي من غير ولا كلمة.
طلع على بيت أهل منار. خبط على الباب جامد. منار فتحت، أول ما شافته وشها اتخطف.
قبل ما تنطق، رمى الورق في وشها قدام أبوها وأمها اللي جم على الصوت.
قال: “خدي كدبك أهو. عشان تبقي تكملي تشويه في سمعة الناس براحتك.”
أبوها مسك الورق، قراه، وبص لبنته مصدوم. أمها حطت إيديها على بوقها. منار واقفة متسمرة، مش قادرة تفتح بوقها بكلمة.
مصطفى بصّلها آخر بصة، بصة كلها قرف، وقال: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.” ولف ومشي، وسابهم واقفين مصدومين في فضيحتها.
نزل جري على الصاغة. ما طلعش البيت على طول. وقف قدام محل الدهب بتاعه، ونده على الواد الصبي: “انزل هاتلي اتنين جزارين حالا، وقول لأمي الحاجة نفيسة تنزل.”
أمه نزلت مفزوعة: “في ايه يا ولدي؟”
قالها بصوت عالي يسمع الشارع كله: “مراتي حامل يا أمي. عايدة حامل في ابني. النهاردة في دبايح لله، وهوزع على البلد كلها. خلي اللي يتكلم يتكلم تاني!”
الزغاريط ملت الشارع. الحاجة نفيسة زغرطت زغرودة هزت الصاغة، وبعتت تجيب شربات وتوزع على المحلات واللي رايح واللي جاي. مصطفى واقف قدام المحل بيضحك من قلبه، وبيقول لكل اللي يقابله: “ربنا هيرزقني بأول مولود من مراتي حبيبتي، عقبال عندكم كلكم.”
فوق في الشقة، عايدة كانت قاعدة لوحدها، عينيها وارمة، وبطنها بتوجعها من العياط طول الليل. سمعت زغاريط تحت، افتكرت في حد عنده فرح في الشارع. قامت تبص من شباك المطبخ، لقت حماتها بتوزع شربات، والناس متلمية قدام محل جوزها، ومصطفى واقف في النص بيضحك ووشه منور.
اتلخبطت. مش فاهمة أي حاجة.
بعد دقايق، باب الشقة اتفتح بقوة. مصطفى دخل طاير، لقى عايدة واقفة في الصالة بتبصله وعنيها مليانة دموع وخوف.
جري عليها، مسك إيديها الاتنين وباسهم، ونزل على ركبته قدامها.
قال وهو نفسه مقطوع من الجري والفرحة: “سامحيني يا عايدة. سامحيني يا حبيبتي. أنا آسف، آسف على كل ثانية سيبتك فيها لوحدك امبارح.”
عايدة بتعيط: “في ايه يا مصطفى؟ ايه اللي بيحصل تحت؟”
حكالها كل حاجة. حكالها عن المستشفى، وعن الدكتور الكداب، وعن منار، وعن التقرير اللي كان مزور. حكالها وهو ماسك إيديها ومش سايبها ثانية.
قال: “كنتي حامل في ابني، وانا الغبي اللي شكيت، مش فيكي انتي، شكيت في رحمة ربنا. سامحيني.”
عايدة سمعت كل الكلام وسكتت، وبعدين دموعها نزلت، بس المرة دي دموع فرحة. حضنته وقالت: “أنا مقدرة اللي انت مريت بيه، مقدرة وجعك كله. المهم إنك رجعتلي.”
مصطفى حضنها جامد، كأنه بيحضن الدنيا كلها، وقال: “ربنا عوضني بيكي انتي، انتي اللي هتبقي أم عيالي.”
—
عدت سبع شهور بسرعة، كأنهم سبع أيام.
عايدة ولدت في مستشفى النيل في المنيا، وجابت ولد زي القمر، سموه محمد على اسم أبو مصطفى الله يرحمه.
مصطفى كان شايله بين إيديه ومش مصدق نفسه، بيبوس في راسه كل دقيقة.
بالليل، بعد ما كل الناس مشيت، كان قاعد جنب سرير عايدة في أوضة المستشفى، ومحمد نايم في حضنها.
بصّلها وقال وهو بيضحك: “بقولك ايه يا أم محمد، أنا عايز عيال كتير منك، عيلة تملا البيت ده كله.”
عايدة ضحكت، وشها منور بالتعب والفرحة: “براحتك، اللي يجيبه ربنا.”
قرب منها وباس راسها، وقال: “أنا بحبك يا عايدة، بحبك أوي.”
بصتله بعيونها اللي كلها حب، وقالت الكلمة اللي كانت شايلاها في قلبها من سنين، من قبل ما يتجوز الأولى أصلا: “وأنا بحبك يا مصطفى. بحبك من زمان أوي.”
ناموا هما التلاتة في الأوضة، مصطفى ماسك إيد عايدة، وعايدة حاضنة محمد، وأخيرا البيت الصغير اللي فوق محل الدهب بقى فيه العيلة اللي كانوا بيحلموا بيها.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق